ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“درج” في كييف: مركز “البشر الخارقين” لعلاج الجنود الأوكرانيين  

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ننشر ابتداءً من اليوم مجموعة من المقالات حول زيارة الصحافية حنان زبيس أوكرانيا في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2024، زيارة اطلعت خلالها على أوضاع الحرب التي امتدت  لأكثر  من سنتين ونصف السنة، زارت زبيس خلالها مراكز علاج الجنود الجرحى ومساعدة الأطفال للتعافي من آثار الحرب، بالإضافة إلى مراكز إيواء النازحين والمناطق التي تعرضت للهجوم والتدمير أثناء الاجتياح الروسي للمدينة، وأجرت لقاءات مع ضحايا الصراع وشهود عيان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تلقيت مؤخراً دعوة من المنظمة الهولندية “صحافيون من أجل العدالة” التي تتعامل مع المركز الإعلامي حول الأزمة الأوكرانية، لزيارة أوكرانيا مع مجموعة من الصحافيين من بلدان “الجنوب الشامل” مثل التشيلي والهند والسنغال وإفريقيا الجنوبية. لم أفكر كثيراً في قبول الدعوة لأن تغطية الحرب في أوكرانيا فرصة لا تُتاح بسهولة لصحافيين في منطقتنا المشغولة بمشاكلها الخاصة، كما أننا نعتبر في “درج” أن الانفتاح على الآخرين واجب وأن مساندة قضايا الشعوب المضطهدة في العالم هو أقل ما يمكننا القيام به لإعلاء كلمة الحق.

هكذا وجدت نفسي ضمن فريق من الصحافيين مجتمعين في فندق في فرصوفيا في بولونيا قبل أن نعبر الحدود نحو أوكرانيا للوصول إلى أول محطة في الرحلة وهي مدينة لفيف الأوكرانية (تبعد 70 كيلومتراً عن الحدود البولونية). 

رحلة الوصول إلى أوكرانيا

برغم تفاني فريق المركز الإعلامي حول الأزمة الأوكرانية لجعل رحلتنا  الطويلة مريحة، حيث استغرقت نحو 7 ساعات، إلا أن ذلك لم يخفف قط من إحساس الرهبة والخوف من دخول بلد يعاني من الحرب منذ سنتين ونصف السنة. 

كان الوصول إلى الحدود البولونية – الأوكرانية سلساً، على عكس ما كنا نتوقعه، لم يكن هنالك طابور طويل، ولكن كان يجب الامتثال لأوامر حرس الحدود من الجهتين.

وقفت الحافلة الصغيرة التي كانت تقلنا عند النقطة الحدودية من الجهة البولونية، انفتح الباب لتطل علينا شرطية جميلة طلبت منا بكل أدب أن نعطيها جوازات سفرنا، أخذتها ثم ذهبت بها إلى مكتبها للتحقق من هوياتنا، في الأثناء، بقينا ننتظر داخل الحافلة، لفت نظرنا خلال هذا الوقت، وجود العديد من الشاحنات على الجهتين من المعبر، منها ما كان ينتظر في الطابور للعبور، ومنها ما كان مرابضاً على جهتي الطريق. تكرر المشهد نفسه عند المعبر الأوكراني، وعندما سألنا عن سبب ذلك أخبرتنا منسقة الرحلة أن الحدود البولونية أصبحت  أحد المعابر الرئيسية لدخول البضائع إلى أوكرانيا وخروجها منذ بداية الحرب. 

بعد نحو 15 دقيقة، بدأت الشرطية تنادي على كل منا لينزل من السيارة حتى تقوم بأخذ بصماته وختم جوازه، ثم انطلقنا إلى المعبر الأوكراني. تكرر السيناريو نفسه: فُتح باب الحافلة، ظهرت شرطية أوكرانية، كان وجهها منقبضاً وعابساً على عكس زميلتها من الجهة البولونية، وأخذت جوازاتنا. في هذه المرة لم تستمر فترة انتظارنا طويلاً وعبرنا أخيراً إلى الأراضي الأوكرانية. 

على الحدود الأوكرانية

كان لدي إحساس غريب، مزيج من الرهبة والحماسة لاكتشاف هذه البلد الذي ظللت لمدة سنتين ونصف السنة، أتابع أخباره على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد. كان أول شيء اكتشفه فيه هو الأراضي الممتدة  والطريق الذي كان يشق مزارع القمح والذرة. من وقت لآخر كانت تعترضنا قرى صغيرة ببيوتها القديمة وكنائسها ذات القباب والصومعات الذهبية، وكأنها تنتمي إلى عهود أخرى، وكأن الوقت لم يمر هنا. 

نحاول أن نلتقط أية إشارة إلى وجود الحرب أو مرورها من هذا المكان ولكن لا شيء يلفت انتباهنا، ربما لأن المنطقة لم تصل إليها الصواريخ الروسية، وهي تُعدّ بعيدة نسبياً عن مناطق الصراع الحالية على الحدود الروسية الأوكرانية، وحتى عن العاصمة كييف (783 كلم) المعرضة للقصف بشكل مستمرة.

بعد بضع ساعات تتوقف الحافلة في محطة لتعبئة البنزين، أنزل لطلب قهوة، فيكون بذلك أول تواصل مع شخص أوكراني مدني وهي النادلة التي لا تجيد الإنجليزية، حالها كحال جزء كبير من الشعب الأوكراني، لذلك لم تفهم تماماً ما أحتاج إليه. كنت أتفحص وجهها كمن يبحث عن إشارة عن الحرب أو التأثر بها، ولكنها كانت شابة عادية، خدومة رغم أنها لم تكن تبتسم، وطبعاً لم يكن ممكناً أن أسألها عن أي شيء يخص بلدها نظراً لصعوبة التواصل بسبب مشكلة اللغة. وهي مشكلة اعترضتني كثيراً في كييف عندما كنت أحاول التواصل مع بعض السكان.

عند الثامنة مساء وصلنا إلى مدينة لفيف. تبهرنا المدينة بهندستها الجميلة وبكنائسها الباذخة، حيث تعتبر العاصمة الثقافية لأوكرانيا، نظراً لتعاقب حضارات عديدة عليها، فقد كانت تحت سيطرة الممكلة البولونية ثم تم ضمها إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية قبل أن يحتلها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية، ويبسط الاتحاد السوفياتي بعد ذلك نفوذه عليها. يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1200 ميلادية وقد تم وضع مركز المدينة التاريخي ضمن لائحة اليونسكو للتراث العالمي.

تقف الحافلة قريباً من الفندق الموجود في قلب المدينة القديمة للفيف. وهنا تفاجئنا الحركية الموجودة في المقاهي والبارات، حيث يتجمع الشباب من بنات شبان للاحتفال. على بُعد بضعة أمتار من الفندق، تقف مجموعة منهم لتغني وتتمايل على إيقاع أغنية أوكرانية معروفة محدثين جلبة كبيرة في الطريق. لا شيء يدل على وجود الحرب. الجميع يقضي أمسية جميلة منتشرين على شرفات الحانات والمطاعم. شابات أنيقات يتعلقن بأذرع شبان ينبضون فحولة. الجو هادئ ودافئ في هذه الأمسية من نهايات شهر أيلول/ سبتمبر.

أتساءل من جديد: أين هي الحرب؟  

ولكن الإجابة تأتي  في اليوم التالي عندما نزور مركزاً لعلاج جرحى الحرب لنجد أنفسنا في قلب الصراع وما يُخلفه من خسائر وأحزان. 

إعادة إصلاح الأجساد المعطوبة

تحت أشعة شمس خفيفة نصل إلى بناية جميلة وأنيقة، حيث توجد فضاءات مختلفة للجلوس وحديقة صغيرة، لا شيء يدل على هوية المكان، ولكن سرعان ما تصفعنا الحقيقة الصادمة عندما يعترض طريقنا جنود سابقون يتجولون على كراسٍ متحركة أو يمشون باستعمال أطراف اصطناعية. فجأة، تتجلى لنا الحرب في أحد أبشع أشكالها. شبان في مقتبل العمر ينبضون حياة وشباباً، وجدوا أنفسهم وقوداً لهذا الصراع غير متكافئ، الذي لا تُعرف نهايته. فجأة أصبحوا عاجزين أو مقعدين، منهم من فقد ذراعاً أو ساقاً وحتى ساقين. كلهم تقريباً يضعون أيدي أو سيقاناً اصطناعية، وهو وما يميز هذا المركز المتخصص في مساعدة جرحى الحرب، لاستعادة الأطراف التي فقدوها وبالتالي، استعادة ما يشبه الحياة العادية. 

اسم المركز ليس اعتباطياً وهو Superhumans أو “البشر الخارقون”. نعم، هم كذلك لأنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على التعود على أعضاء اصطناعية غريبة عن أجسامهم، وبالتالي على أجساد جديدة صنعتها الحرب وتركت عليها آثاراً لا تُمحى، والأصعب هو التعود على نظام حياة جديد مختلف تماماً عن السابق، فالعديد منهم لا يستطيعون العودة إلى جبهات القتال، ولا حتى إلى أعمالهم ما قبل الحرب. نعم، يجب أن تكون بطلاً خارقاً حتى تستطيع أن تعيد إنتاج نمط حياة آخر سيُرافقك إلى آخر العمر.

يحاول الأطباء والمعالجون في هذا المركز إعادة ترميم الأجساد المعطوبة، وإعطائها فرصة أخرى للعودة بقدر الإمكان إلى نمط عيش عادي، باستعمال آخر التقنيات في مجال الأطراف الاصطناعية، ولكن كيف يمكن إعادة ترميم نفسية هؤلاء الجنود الشبان الذين حرمتهم الحرب من التمتع بأجسام كاملة؟

يبدو الحزن والانكسار في عيون الجنود الذين اعترضوا طريقنا. كان عدد منهم يجلسون في الساحة المقابلة للمدخل الرئيسي يشربون القهوة بصمت تحت أشعة الشمس، كل منغمس في أفكاره. أي مستقبل لهؤلاء؟ 

أحيانا كان بعض الجنود يسيرون برفقة زوجاتهم أو صديقاتهم. مهم جداً بالنسبة للمصابين وجود أفراد من عائلاتهم معهم خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة، حتى أن المركز يسمح بوجود العائلات لفترات طويلة مع المرضى.

أحد الجنود المصابين، اقترب منا وقد جلب انتباهه وجودنا داخل المركز، في محاولة لمعرفة هويتنا. بإنجليزيته الضعيفة، حاول إفهامنا أنه جاء إلى هذا المركز منذ شهر آب/ أغسطس بعد أن قضى نحو سنة تحت العلاج، حيث فقد أحد ساقيه. أرانا بفخر فيديو لزوجته التي بقيت معه سنة كاملة في المستشفى للعناية به وصورة لابنته ذات الأحد عشر عاماً.   

يعد مركز Superhumans في مدينة لفيف الوحيد من نوعه حالياً في كامل أوكرانيا لمساعدة الجنود الذين بُترت أطرافهم، للحصول على أطراف اصطناعية. ويستقبل المصابين من كل جهات البلاد. ولكن في الأثناء، هناك مركزين مماثلين قيد الإنجاز: الأول في مدينة دنيبرو والثاني في مدينة أوديسا. ومن المنتظر أن يفتحا أبوابهما في آخر سنة 2024. 

افتُتح هذا المركز في شباط/ فبراير 2023 وهو يستقبل حوالي 100 مريض أسبوعياً، و3000 مريض في السنة وتبلغ طاقة استيعابه 70 سريراً.

تتراوح مدة الإقامة للمريض الواحد بين أسبوعين وشهر، وقد يُطلب من المرضى العودة مرات عديدة خلال السنة، وذلك حسب خطورة الإصابة ومكان البتر، حسب ما يفسر أندريه إيشيك مدير المكتب الإعلامي للمركز، الذي يُوضّح أيضاً أن المركز يحتوي كذلك على قاعات للعمليات وعلى قسم للإحاطة النفسية، ليس بالمرضى فقط ولكن بأهاليهم أيضاً. يُعتقد أن وجود الأهالي سواء الأمهات أو الزوجات أو الصديقات إلى جانب الجنود في هذه الظروف مفيد جداً لمساعدتهم على التأقلم مع الوضع الجديد “لذلك نسمح لهم بقضاء وقت طويل معهم خلال النهار”.

يصطحبنا أندريه في جولة داخل المركز ليُرينا مختلف أقسامه. بداية المختبر الذي يتم فيه تصنيع الأطراف الاصطناعية عبر تكنولوجيا حديثة طورتها شركة ألمانية اسمها Ottobock متخصصة في تصنيع الأطراف الاصطناعية وأجهزة تقويم العظام. تمنح هذه التكنولوجيا الحديثة سهولة وسلاسة في الاستعمال، حيث تُمكّن مستعملها من المشي والركض والتقاط الأشياء وممارسة الرياضة وحتى الركوب على الدراجة وتسلق الجبال. “من المهم بالنسبة إلينا أن يكون استعمال هذه الأطراف الاصطناعية سهلاً بالنسبة لمرضانا وأن تمكنهم من استعادة حياة عادية بأكبر قدر ممكن”، يقول أندريه وهو يُرينا مثالاً لأحد هذه الأطراف. وهذا يؤكد ما جاء في كُتيب تقديم المركز أن أحد أهدافه هو “تحويل أوكرانيا إلى “بلد الرجال الخارقين”، بدلاً من “بلد المصابين بصدمات نفسية”. 

أندريه وهو يرينا أحد الأطراف الاصطناعية

نواصل الجولة في المركز لندخل هذه المرة إلى قاعة التأهيل الجسدي للمصابين حتى يتعودوا على استعمال الأطراف الاصطناعية، فالأمر ليس بالهين، حيث يقضون أياماً وأحيانا أسابيع وهو يتمرنون على المشي بهذه الأطراف أو مسك الأشياء أو حتى تحريك أجسادهم باستعمالها. يساعدهم في ذلك مجموعة من الأطباء والمعالجين. عند دخول القاعة يلفت انتباهنا وجود امرأة جندية فقدت ساقها وهي تحاول بمساعدة المعالجة أن تتعود على المشي بالساق الاصطناعية الجديدة. في الجهة الأخرى من القاعة يسعى جندي يحافظ على توازنه وهو جاثٍ على ركبتيه بعد أن بُترت ساقاه الاثنتان، في حين يحاول ثالث أن يمشي على آلة المشي مرتدياً أحد الأطراف الاصطناعية. يفسر أندريه أن عملية التأقلم مع الأعضاء الجديدة تحتاج إلى صبر ومجهود كبيرين ولكن الوضع ليس دائماً سيئاً بما أن بعض المصابين يربطون علاقة قوية مع أطرافهم الجديدة، بحيث يصبح من الصعب عليهم التخلي عنها آخر النهار عندما يطلب منهم المعالجون خلعها وتركها في قاعة التدريب قبل العودة إلى غرفهم.

 “هناك من يترجوننا أن نتركهم ليأخذوها معهم لأنهم أُعجبوا بها أو تعودوا عليها”، يقول أندري ضاحكاً”، ويتابع “ولكننا نحاول أن نفسر لهم أنه خلال فترة التأهيل لا ينبغي أن يُجهدوا أنفسهم كثيراً باستعمالها”.

في قاعة التأهيل

تبلغ تكلفة الساق الاصطناعية الواحدة  حوالي 10 آلاف يورو، أما إذا كانت تحتوي على ركبة ألكترونية  فيمكن التحكم فيها حتى عبر تطبيق بالهاتف، فقد يصل ثمنها إلى 75 ألف يورو. بطبيعة الحال، لا يدفع المصابون ثمن هذه الأطراف، إنما تُمنح لهم مجاناً نتيحة التمويلات الكبيرة التي يحصل عليها المركز من الحكومات والمنظمات الأوروبية.

تمت صناعة 413 طرفاً اصطناعياً خلال 2023 وتمتع بها 290 شخصاً خلال السنة نفسها. 

“يافهان” فقد ساقيه الاثنتين ولكنه تحول إلى مدرب لزرع الألغام

في قاعة الإستقبال الرئيسة للمركز، حيث يوجد صالون ومكتبة وطاولة للعب كرة الطاولة، تكثر الجلبة ويتزاحم الجنود المصابون أمام آلة القهوة، يقفون في الطابور، كل ينتظر دوره للحصول على فنجان قهوة، بعضهم يجلس على كرسي متحرك والبعض الآخر يتقدم باستخدام سيقان وأذرع اصطناعية.

طابور القهوة

يطلب أندريه من أحدهم أن يتحدث إلينا عن قصته فيقبل بكل سرور. هكذا قابلنا يافهان بارامونوف، 32 سنة، جندي سابق فقد ساقيه الاثنتين. كان يجلس على كرسي متحرك وقد وضع بين ساقيه المبتورتين إلى ما فوق الركبة فنجان القهوة وهاتفه الجوال. بدا متحمساً لرواية قصته وكان يحاول كل الوقت أن يبدو طبيعاً وكأنه متصالح مع وضعه الجديد وأحياناً كان يضحك ويتمايل بجسده في محاولة للإيهام بأنه يسيطر على الموقف. ولكننا لاحظنا أنه يتحرك كثيراً بتوتر إلى درجة أنه سكب القهوة على نفسه، كما أنه كان يتجنب التحديق في أعيننا.

الجندي يافهان 

يافهان كان  جندياً مكلفاً بزرع الألغام ضمن “كتيبة الدونباس” لحماية الخنادق التي يحتمي بها الجنود الأوكرانيون، قريباً من منطقة دنيبرو في شرق أوكرانيا. يوم الحادث أي 28 كانون الأول/ ديسمبر 2023 كان يقوم بعمله متحركاً بين نقطتين تفصلهما مسافة 1600 متر، يومها كان الطقس سيئاً وكان بقية الجنود يتذمرون من ذلك ولم يكونوا متحمسين جداً للقتال. عندما وصل إلى النقطة الثانية التي يشتغل فيها وجد أن الجنود الروس قاموا بتفخيخ المسار الذي يتحرك فيه ولسوء حظه داس على إحدى القنابل لتنفجر ملقية به مسافة 20 متراً بعيداً ليفقد أحد ساقيه وتُجرح الأخرى. تم انتشاله من قبل زملائه وجلبه إلى الخندق ووضع ضمادات لإيقاف النزيف. ولكن تواصل القصف على مواقع الجنود الأوكرانيين وتراكم الوحل على الطريق نتيجة هطول الأمطار عطّل عملية إجلائه من قبل زملائه، التي دامت حوالي ساعتين، مما تسبب في فقدانه ساقه الأخرى.

“كنت معظم الوقت فاقداً للوعي وعندما استيقظت سألت أحد زملائي عن حالتي. تردد في الإجابة وسألني: هل تريد حقاً أن تعرف حقيقة وضعك؟، قلت: نعم، فأجابني: لقد فقدت ساقيك الاثنتين. أصبت بصدمة كبيرة، يقول يافهان الذي لم يشأ أن يتوسع أكثر في الحديث حول الموضوع.

تم نقله إلى مدينة دنيبرو، حيث كانت إلى جانبه صديقته التي تزوجها فيما بعد ووالدته، “كانت تلك فترة صعبة جداً بالنسبة إلي”، يعلق بألم.

يدرك يافهان أنه لم يعد ممكناً بالنسبة إليه العودة إلى عمله السابق كتقني ضمن شركة، ولكنه بفضل الخبرة التي راكمها في زرع الألغام، طُلب منه، بعد أن يتعافى تماماً، أن يصبح مدرباً ضمن الجيش وتحديداً بالنسبة إلى أعضاء كتيبته السابقة وكتيبة أخرى.

يقبع الشاب في هذا المركز منذ شهر تموز/ يوليو الماضي ويتم تأهيله لاستعمال أطراف اصطناعية تعوض ساقيه المبتورتين، ويحاول أن يُبقي معنوياته عالية، ويتمنى أن تتحرر بلده يوماً، ويعد بأن يبذل كل ما في وسعه لتحقيق ذلك.

روسلانا دانيلكينا أو الوجه الإعلاني لمن نجحوا في تجاوز الإعاقة

لئن ما زال يافهان يتحسس طريقه نحو حياته الجديدة، فإن هناك قصص نجاح ملهمة لجنود وجنديات في وضعيته نفسها وقد استطاعوا تجاوز إعاقتهم. ذاك حال الجندية السابقة روسلانا دانيلكينا ذات ال19 سنة، التي فقدت إحدى ساقيها على جبهات القتال. ولكنها لم تستسلم وتمكّنت من بناء حياة جديدة لتصبح اليوم عارضة أزياء وممثلة إعلانات وملهمة لملايين الأوكرانيين.

روسلانا بعد إصابتها (أخذت هذه الصورة من الموقع الرسمي للدولة الأوكرانية)

تطوعت روسلانا وهي في الثامنة عشرة من عمرها للعمل مع القوات المسلحة الأوكرانية كعاملة اتصالات، وكانت مهمتها تتمثل في تلقي المعلومات عن وصول القذائف وتحركات القوات الروسية وإحالتها إلى القيادة. وفي يوم 10 شباط/ فبراير 2023 تعرضت المركبة العسكرية التي كانت تقلها إلى قصف بقذائف الهاون. “كنت أعتقد أنني سأموت لكن لحسن حظي كانت هناك سيارة للأطباء العسكريين تسير وراءنا فقدموا لي الإسعافات بشكل سريع. بعدها وضعوني في سيارة الإسعاف ووضعوا ساقي المبتورة قريباً مني، عندها أدركت أن حياتي ستتغير إلى الأبد”، تقول روسلانا في شهادتها على الموقع الرسمي للدولة الأوكرانية.

بكت الفتاة لمدة يومين في المستشفى، ثم قررت أن لا تستسلم وأن تتعود على وضعها الجديد. وفعلاً استطاعت أن تنجح في ذلك لتتحول اليوم إلى شخصية وطنية معروفة تشتغل كوجه إعلاني للعديد من الماركات، كما تدل على ذلك صفحتها على إنستغرام وتشارك في جلسات توعوية لفائدة المرضى والمصابين، تروي خلالها قصة نجاحها في تجاوز الحادث ومخلفاته.

أخذت هذه الصورة من حساب روتسلانا على انستغرام

قصة روتسلانا ليست الوحيدة من هذا النوع، فهناك قصص أخرى لشبان وشابات استطاعوا إعادة بناء حياتهم من جديد، ولا تنفك وسائل الإعلام الأوكرانية تُروّج لقصصهم في محاولة لإعطاء الأمل لآلاف من الجنود والجنديات الذين تركت الحرب على أجسادهم آثاراً إلى الأبد.

نغادر هذا المركز ممتلئين بكل هذه القصص الصعبة والملهمة التي سمعناها. وعند باب الخروج، يعترضنا مرة أخرى  منظر  بعض المصابين الذين ما زالوا يحتسون القهوة تحت أشعة الشمس في الحديقة ونتساءل: هل للجميع القدرة على التجاوز وإعادة البناء من جديد؟….

يُذكر أن عدد المصابين الذين يحتاجون إلى أطراف اصطناعية سيبلغ حوالي 50 ألفاً بحلول نهاية 2024، حسب الإحصائيات الرسمية للحكومة الأوكرانية. 

14.10.2024
زمن القراءة: 11 minutes

ننشر ابتداءً من اليوم مجموعة من المقالات حول زيارة الصحافية حنان زبيس أوكرانيا في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2024، زيارة اطلعت خلالها على أوضاع الحرب التي امتدت  لأكثر  من سنتين ونصف السنة، زارت زبيس خلالها مراكز علاج الجنود الجرحى ومساعدة الأطفال للتعافي من آثار الحرب، بالإضافة إلى مراكز إيواء النازحين والمناطق التي تعرضت للهجوم والتدمير أثناء الاجتياح الروسي للمدينة، وأجرت لقاءات مع ضحايا الصراع وشهود عيان.

تلقيت مؤخراً دعوة من المنظمة الهولندية “صحافيون من أجل العدالة” التي تتعامل مع المركز الإعلامي حول الأزمة الأوكرانية، لزيارة أوكرانيا مع مجموعة من الصحافيين من بلدان “الجنوب الشامل” مثل التشيلي والهند والسنغال وإفريقيا الجنوبية. لم أفكر كثيراً في قبول الدعوة لأن تغطية الحرب في أوكرانيا فرصة لا تُتاح بسهولة لصحافيين في منطقتنا المشغولة بمشاكلها الخاصة، كما أننا نعتبر في “درج” أن الانفتاح على الآخرين واجب وأن مساندة قضايا الشعوب المضطهدة في العالم هو أقل ما يمكننا القيام به لإعلاء كلمة الحق.

هكذا وجدت نفسي ضمن فريق من الصحافيين مجتمعين في فندق في فرصوفيا في بولونيا قبل أن نعبر الحدود نحو أوكرانيا للوصول إلى أول محطة في الرحلة وهي مدينة لفيف الأوكرانية (تبعد 70 كيلومتراً عن الحدود البولونية). 

رحلة الوصول إلى أوكرانيا

برغم تفاني فريق المركز الإعلامي حول الأزمة الأوكرانية لجعل رحلتنا  الطويلة مريحة، حيث استغرقت نحو 7 ساعات، إلا أن ذلك لم يخفف قط من إحساس الرهبة والخوف من دخول بلد يعاني من الحرب منذ سنتين ونصف السنة. 

كان الوصول إلى الحدود البولونية – الأوكرانية سلساً، على عكس ما كنا نتوقعه، لم يكن هنالك طابور طويل، ولكن كان يجب الامتثال لأوامر حرس الحدود من الجهتين.

وقفت الحافلة الصغيرة التي كانت تقلنا عند النقطة الحدودية من الجهة البولونية، انفتح الباب لتطل علينا شرطية جميلة طلبت منا بكل أدب أن نعطيها جوازات سفرنا، أخذتها ثم ذهبت بها إلى مكتبها للتحقق من هوياتنا، في الأثناء، بقينا ننتظر داخل الحافلة، لفت نظرنا خلال هذا الوقت، وجود العديد من الشاحنات على الجهتين من المعبر، منها ما كان ينتظر في الطابور للعبور، ومنها ما كان مرابضاً على جهتي الطريق. تكرر المشهد نفسه عند المعبر الأوكراني، وعندما سألنا عن سبب ذلك أخبرتنا منسقة الرحلة أن الحدود البولونية أصبحت  أحد المعابر الرئيسية لدخول البضائع إلى أوكرانيا وخروجها منذ بداية الحرب. 

بعد نحو 15 دقيقة، بدأت الشرطية تنادي على كل منا لينزل من السيارة حتى تقوم بأخذ بصماته وختم جوازه، ثم انطلقنا إلى المعبر الأوكراني. تكرر السيناريو نفسه: فُتح باب الحافلة، ظهرت شرطية أوكرانية، كان وجهها منقبضاً وعابساً على عكس زميلتها من الجهة البولونية، وأخذت جوازاتنا. في هذه المرة لم تستمر فترة انتظارنا طويلاً وعبرنا أخيراً إلى الأراضي الأوكرانية. 

على الحدود الأوكرانية

كان لدي إحساس غريب، مزيج من الرهبة والحماسة لاكتشاف هذه البلد الذي ظللت لمدة سنتين ونصف السنة، أتابع أخباره على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد. كان أول شيء اكتشفه فيه هو الأراضي الممتدة  والطريق الذي كان يشق مزارع القمح والذرة. من وقت لآخر كانت تعترضنا قرى صغيرة ببيوتها القديمة وكنائسها ذات القباب والصومعات الذهبية، وكأنها تنتمي إلى عهود أخرى، وكأن الوقت لم يمر هنا. 

نحاول أن نلتقط أية إشارة إلى وجود الحرب أو مرورها من هذا المكان ولكن لا شيء يلفت انتباهنا، ربما لأن المنطقة لم تصل إليها الصواريخ الروسية، وهي تُعدّ بعيدة نسبياً عن مناطق الصراع الحالية على الحدود الروسية الأوكرانية، وحتى عن العاصمة كييف (783 كلم) المعرضة للقصف بشكل مستمرة.

بعد بضع ساعات تتوقف الحافلة في محطة لتعبئة البنزين، أنزل لطلب قهوة، فيكون بذلك أول تواصل مع شخص أوكراني مدني وهي النادلة التي لا تجيد الإنجليزية، حالها كحال جزء كبير من الشعب الأوكراني، لذلك لم تفهم تماماً ما أحتاج إليه. كنت أتفحص وجهها كمن يبحث عن إشارة عن الحرب أو التأثر بها، ولكنها كانت شابة عادية، خدومة رغم أنها لم تكن تبتسم، وطبعاً لم يكن ممكناً أن أسألها عن أي شيء يخص بلدها نظراً لصعوبة التواصل بسبب مشكلة اللغة. وهي مشكلة اعترضتني كثيراً في كييف عندما كنت أحاول التواصل مع بعض السكان.

عند الثامنة مساء وصلنا إلى مدينة لفيف. تبهرنا المدينة بهندستها الجميلة وبكنائسها الباذخة، حيث تعتبر العاصمة الثقافية لأوكرانيا، نظراً لتعاقب حضارات عديدة عليها، فقد كانت تحت سيطرة الممكلة البولونية ثم تم ضمها إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية قبل أن يحتلها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية، ويبسط الاتحاد السوفياتي بعد ذلك نفوذه عليها. يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1200 ميلادية وقد تم وضع مركز المدينة التاريخي ضمن لائحة اليونسكو للتراث العالمي.

تقف الحافلة قريباً من الفندق الموجود في قلب المدينة القديمة للفيف. وهنا تفاجئنا الحركية الموجودة في المقاهي والبارات، حيث يتجمع الشباب من بنات شبان للاحتفال. على بُعد بضعة أمتار من الفندق، تقف مجموعة منهم لتغني وتتمايل على إيقاع أغنية أوكرانية معروفة محدثين جلبة كبيرة في الطريق. لا شيء يدل على وجود الحرب. الجميع يقضي أمسية جميلة منتشرين على شرفات الحانات والمطاعم. شابات أنيقات يتعلقن بأذرع شبان ينبضون فحولة. الجو هادئ ودافئ في هذه الأمسية من نهايات شهر أيلول/ سبتمبر.

أتساءل من جديد: أين هي الحرب؟  

ولكن الإجابة تأتي  في اليوم التالي عندما نزور مركزاً لعلاج جرحى الحرب لنجد أنفسنا في قلب الصراع وما يُخلفه من خسائر وأحزان. 

إعادة إصلاح الأجساد المعطوبة

تحت أشعة شمس خفيفة نصل إلى بناية جميلة وأنيقة، حيث توجد فضاءات مختلفة للجلوس وحديقة صغيرة، لا شيء يدل على هوية المكان، ولكن سرعان ما تصفعنا الحقيقة الصادمة عندما يعترض طريقنا جنود سابقون يتجولون على كراسٍ متحركة أو يمشون باستعمال أطراف اصطناعية. فجأة، تتجلى لنا الحرب في أحد أبشع أشكالها. شبان في مقتبل العمر ينبضون حياة وشباباً، وجدوا أنفسهم وقوداً لهذا الصراع غير متكافئ، الذي لا تُعرف نهايته. فجأة أصبحوا عاجزين أو مقعدين، منهم من فقد ذراعاً أو ساقاً وحتى ساقين. كلهم تقريباً يضعون أيدي أو سيقاناً اصطناعية، وهو وما يميز هذا المركز المتخصص في مساعدة جرحى الحرب، لاستعادة الأطراف التي فقدوها وبالتالي، استعادة ما يشبه الحياة العادية. 

اسم المركز ليس اعتباطياً وهو Superhumans أو “البشر الخارقون”. نعم، هم كذلك لأنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على التعود على أعضاء اصطناعية غريبة عن أجسامهم، وبالتالي على أجساد جديدة صنعتها الحرب وتركت عليها آثاراً لا تُمحى، والأصعب هو التعود على نظام حياة جديد مختلف تماماً عن السابق، فالعديد منهم لا يستطيعون العودة إلى جبهات القتال، ولا حتى إلى أعمالهم ما قبل الحرب. نعم، يجب أن تكون بطلاً خارقاً حتى تستطيع أن تعيد إنتاج نمط حياة آخر سيُرافقك إلى آخر العمر.

يحاول الأطباء والمعالجون في هذا المركز إعادة ترميم الأجساد المعطوبة، وإعطائها فرصة أخرى للعودة بقدر الإمكان إلى نمط عيش عادي، باستعمال آخر التقنيات في مجال الأطراف الاصطناعية، ولكن كيف يمكن إعادة ترميم نفسية هؤلاء الجنود الشبان الذين حرمتهم الحرب من التمتع بأجسام كاملة؟

يبدو الحزن والانكسار في عيون الجنود الذين اعترضوا طريقنا. كان عدد منهم يجلسون في الساحة المقابلة للمدخل الرئيسي يشربون القهوة بصمت تحت أشعة الشمس، كل منغمس في أفكاره. أي مستقبل لهؤلاء؟ 

أحيانا كان بعض الجنود يسيرون برفقة زوجاتهم أو صديقاتهم. مهم جداً بالنسبة للمصابين وجود أفراد من عائلاتهم معهم خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة، حتى أن المركز يسمح بوجود العائلات لفترات طويلة مع المرضى.

أحد الجنود المصابين، اقترب منا وقد جلب انتباهه وجودنا داخل المركز، في محاولة لمعرفة هويتنا. بإنجليزيته الضعيفة، حاول إفهامنا أنه جاء إلى هذا المركز منذ شهر آب/ أغسطس بعد أن قضى نحو سنة تحت العلاج، حيث فقد أحد ساقيه. أرانا بفخر فيديو لزوجته التي بقيت معه سنة كاملة في المستشفى للعناية به وصورة لابنته ذات الأحد عشر عاماً.   

يعد مركز Superhumans في مدينة لفيف الوحيد من نوعه حالياً في كامل أوكرانيا لمساعدة الجنود الذين بُترت أطرافهم، للحصول على أطراف اصطناعية. ويستقبل المصابين من كل جهات البلاد. ولكن في الأثناء، هناك مركزين مماثلين قيد الإنجاز: الأول في مدينة دنيبرو والثاني في مدينة أوديسا. ومن المنتظر أن يفتحا أبوابهما في آخر سنة 2024. 

افتُتح هذا المركز في شباط/ فبراير 2023 وهو يستقبل حوالي 100 مريض أسبوعياً، و3000 مريض في السنة وتبلغ طاقة استيعابه 70 سريراً.

تتراوح مدة الإقامة للمريض الواحد بين أسبوعين وشهر، وقد يُطلب من المرضى العودة مرات عديدة خلال السنة، وذلك حسب خطورة الإصابة ومكان البتر، حسب ما يفسر أندريه إيشيك مدير المكتب الإعلامي للمركز، الذي يُوضّح أيضاً أن المركز يحتوي كذلك على قاعات للعمليات وعلى قسم للإحاطة النفسية، ليس بالمرضى فقط ولكن بأهاليهم أيضاً. يُعتقد أن وجود الأهالي سواء الأمهات أو الزوجات أو الصديقات إلى جانب الجنود في هذه الظروف مفيد جداً لمساعدتهم على التأقلم مع الوضع الجديد “لذلك نسمح لهم بقضاء وقت طويل معهم خلال النهار”.

يصطحبنا أندريه في جولة داخل المركز ليُرينا مختلف أقسامه. بداية المختبر الذي يتم فيه تصنيع الأطراف الاصطناعية عبر تكنولوجيا حديثة طورتها شركة ألمانية اسمها Ottobock متخصصة في تصنيع الأطراف الاصطناعية وأجهزة تقويم العظام. تمنح هذه التكنولوجيا الحديثة سهولة وسلاسة في الاستعمال، حيث تُمكّن مستعملها من المشي والركض والتقاط الأشياء وممارسة الرياضة وحتى الركوب على الدراجة وتسلق الجبال. “من المهم بالنسبة إلينا أن يكون استعمال هذه الأطراف الاصطناعية سهلاً بالنسبة لمرضانا وأن تمكنهم من استعادة حياة عادية بأكبر قدر ممكن”، يقول أندريه وهو يُرينا مثالاً لأحد هذه الأطراف. وهذا يؤكد ما جاء في كُتيب تقديم المركز أن أحد أهدافه هو “تحويل أوكرانيا إلى “بلد الرجال الخارقين”، بدلاً من “بلد المصابين بصدمات نفسية”. 

أندريه وهو يرينا أحد الأطراف الاصطناعية

نواصل الجولة في المركز لندخل هذه المرة إلى قاعة التأهيل الجسدي للمصابين حتى يتعودوا على استعمال الأطراف الاصطناعية، فالأمر ليس بالهين، حيث يقضون أياماً وأحيانا أسابيع وهو يتمرنون على المشي بهذه الأطراف أو مسك الأشياء أو حتى تحريك أجسادهم باستعمالها. يساعدهم في ذلك مجموعة من الأطباء والمعالجين. عند دخول القاعة يلفت انتباهنا وجود امرأة جندية فقدت ساقها وهي تحاول بمساعدة المعالجة أن تتعود على المشي بالساق الاصطناعية الجديدة. في الجهة الأخرى من القاعة يسعى جندي يحافظ على توازنه وهو جاثٍ على ركبتيه بعد أن بُترت ساقاه الاثنتان، في حين يحاول ثالث أن يمشي على آلة المشي مرتدياً أحد الأطراف الاصطناعية. يفسر أندريه أن عملية التأقلم مع الأعضاء الجديدة تحتاج إلى صبر ومجهود كبيرين ولكن الوضع ليس دائماً سيئاً بما أن بعض المصابين يربطون علاقة قوية مع أطرافهم الجديدة، بحيث يصبح من الصعب عليهم التخلي عنها آخر النهار عندما يطلب منهم المعالجون خلعها وتركها في قاعة التدريب قبل العودة إلى غرفهم.

 “هناك من يترجوننا أن نتركهم ليأخذوها معهم لأنهم أُعجبوا بها أو تعودوا عليها”، يقول أندري ضاحكاً”، ويتابع “ولكننا نحاول أن نفسر لهم أنه خلال فترة التأهيل لا ينبغي أن يُجهدوا أنفسهم كثيراً باستعمالها”.

في قاعة التأهيل

تبلغ تكلفة الساق الاصطناعية الواحدة  حوالي 10 آلاف يورو، أما إذا كانت تحتوي على ركبة ألكترونية  فيمكن التحكم فيها حتى عبر تطبيق بالهاتف، فقد يصل ثمنها إلى 75 ألف يورو. بطبيعة الحال، لا يدفع المصابون ثمن هذه الأطراف، إنما تُمنح لهم مجاناً نتيحة التمويلات الكبيرة التي يحصل عليها المركز من الحكومات والمنظمات الأوروبية.

تمت صناعة 413 طرفاً اصطناعياً خلال 2023 وتمتع بها 290 شخصاً خلال السنة نفسها. 

“يافهان” فقد ساقيه الاثنتين ولكنه تحول إلى مدرب لزرع الألغام

في قاعة الإستقبال الرئيسة للمركز، حيث يوجد صالون ومكتبة وطاولة للعب كرة الطاولة، تكثر الجلبة ويتزاحم الجنود المصابون أمام آلة القهوة، يقفون في الطابور، كل ينتظر دوره للحصول على فنجان قهوة، بعضهم يجلس على كرسي متحرك والبعض الآخر يتقدم باستخدام سيقان وأذرع اصطناعية.

طابور القهوة

يطلب أندريه من أحدهم أن يتحدث إلينا عن قصته فيقبل بكل سرور. هكذا قابلنا يافهان بارامونوف، 32 سنة، جندي سابق فقد ساقيه الاثنتين. كان يجلس على كرسي متحرك وقد وضع بين ساقيه المبتورتين إلى ما فوق الركبة فنجان القهوة وهاتفه الجوال. بدا متحمساً لرواية قصته وكان يحاول كل الوقت أن يبدو طبيعاً وكأنه متصالح مع وضعه الجديد وأحياناً كان يضحك ويتمايل بجسده في محاولة للإيهام بأنه يسيطر على الموقف. ولكننا لاحظنا أنه يتحرك كثيراً بتوتر إلى درجة أنه سكب القهوة على نفسه، كما أنه كان يتجنب التحديق في أعيننا.

الجندي يافهان 

يافهان كان  جندياً مكلفاً بزرع الألغام ضمن “كتيبة الدونباس” لحماية الخنادق التي يحتمي بها الجنود الأوكرانيون، قريباً من منطقة دنيبرو في شرق أوكرانيا. يوم الحادث أي 28 كانون الأول/ ديسمبر 2023 كان يقوم بعمله متحركاً بين نقطتين تفصلهما مسافة 1600 متر، يومها كان الطقس سيئاً وكان بقية الجنود يتذمرون من ذلك ولم يكونوا متحمسين جداً للقتال. عندما وصل إلى النقطة الثانية التي يشتغل فيها وجد أن الجنود الروس قاموا بتفخيخ المسار الذي يتحرك فيه ولسوء حظه داس على إحدى القنابل لتنفجر ملقية به مسافة 20 متراً بعيداً ليفقد أحد ساقيه وتُجرح الأخرى. تم انتشاله من قبل زملائه وجلبه إلى الخندق ووضع ضمادات لإيقاف النزيف. ولكن تواصل القصف على مواقع الجنود الأوكرانيين وتراكم الوحل على الطريق نتيجة هطول الأمطار عطّل عملية إجلائه من قبل زملائه، التي دامت حوالي ساعتين، مما تسبب في فقدانه ساقه الأخرى.

“كنت معظم الوقت فاقداً للوعي وعندما استيقظت سألت أحد زملائي عن حالتي. تردد في الإجابة وسألني: هل تريد حقاً أن تعرف حقيقة وضعك؟، قلت: نعم، فأجابني: لقد فقدت ساقيك الاثنتين. أصبت بصدمة كبيرة، يقول يافهان الذي لم يشأ أن يتوسع أكثر في الحديث حول الموضوع.

تم نقله إلى مدينة دنيبرو، حيث كانت إلى جانبه صديقته التي تزوجها فيما بعد ووالدته، “كانت تلك فترة صعبة جداً بالنسبة إلي”، يعلق بألم.

يدرك يافهان أنه لم يعد ممكناً بالنسبة إليه العودة إلى عمله السابق كتقني ضمن شركة، ولكنه بفضل الخبرة التي راكمها في زرع الألغام، طُلب منه، بعد أن يتعافى تماماً، أن يصبح مدرباً ضمن الجيش وتحديداً بالنسبة إلى أعضاء كتيبته السابقة وكتيبة أخرى.

يقبع الشاب في هذا المركز منذ شهر تموز/ يوليو الماضي ويتم تأهيله لاستعمال أطراف اصطناعية تعوض ساقيه المبتورتين، ويحاول أن يُبقي معنوياته عالية، ويتمنى أن تتحرر بلده يوماً، ويعد بأن يبذل كل ما في وسعه لتحقيق ذلك.

روسلانا دانيلكينا أو الوجه الإعلاني لمن نجحوا في تجاوز الإعاقة

لئن ما زال يافهان يتحسس طريقه نحو حياته الجديدة، فإن هناك قصص نجاح ملهمة لجنود وجنديات في وضعيته نفسها وقد استطاعوا تجاوز إعاقتهم. ذاك حال الجندية السابقة روسلانا دانيلكينا ذات ال19 سنة، التي فقدت إحدى ساقيها على جبهات القتال. ولكنها لم تستسلم وتمكّنت من بناء حياة جديدة لتصبح اليوم عارضة أزياء وممثلة إعلانات وملهمة لملايين الأوكرانيين.

روسلانا بعد إصابتها (أخذت هذه الصورة من الموقع الرسمي للدولة الأوكرانية)

تطوعت روسلانا وهي في الثامنة عشرة من عمرها للعمل مع القوات المسلحة الأوكرانية كعاملة اتصالات، وكانت مهمتها تتمثل في تلقي المعلومات عن وصول القذائف وتحركات القوات الروسية وإحالتها إلى القيادة. وفي يوم 10 شباط/ فبراير 2023 تعرضت المركبة العسكرية التي كانت تقلها إلى قصف بقذائف الهاون. “كنت أعتقد أنني سأموت لكن لحسن حظي كانت هناك سيارة للأطباء العسكريين تسير وراءنا فقدموا لي الإسعافات بشكل سريع. بعدها وضعوني في سيارة الإسعاف ووضعوا ساقي المبتورة قريباً مني، عندها أدركت أن حياتي ستتغير إلى الأبد”، تقول روسلانا في شهادتها على الموقع الرسمي للدولة الأوكرانية.

بكت الفتاة لمدة يومين في المستشفى، ثم قررت أن لا تستسلم وأن تتعود على وضعها الجديد. وفعلاً استطاعت أن تنجح في ذلك لتتحول اليوم إلى شخصية وطنية معروفة تشتغل كوجه إعلاني للعديد من الماركات، كما تدل على ذلك صفحتها على إنستغرام وتشارك في جلسات توعوية لفائدة المرضى والمصابين، تروي خلالها قصة نجاحها في تجاوز الحادث ومخلفاته.

أخذت هذه الصورة من حساب روتسلانا على انستغرام

قصة روتسلانا ليست الوحيدة من هذا النوع، فهناك قصص أخرى لشبان وشابات استطاعوا إعادة بناء حياتهم من جديد، ولا تنفك وسائل الإعلام الأوكرانية تُروّج لقصصهم في محاولة لإعطاء الأمل لآلاف من الجنود والجنديات الذين تركت الحرب على أجسادهم آثاراً إلى الأبد.

نغادر هذا المركز ممتلئين بكل هذه القصص الصعبة والملهمة التي سمعناها. وعند باب الخروج، يعترضنا مرة أخرى  منظر  بعض المصابين الذين ما زالوا يحتسون القهوة تحت أشعة الشمس في الحديقة ونتساءل: هل للجميع القدرة على التجاوز وإعادة البناء من جديد؟….

يُذكر أن عدد المصابين الذين يحتاجون إلى أطراف اصطناعية سيبلغ حوالي 50 ألفاً بحلول نهاية 2024، حسب الإحصائيات الرسمية للحكومة الأوكرانية.