ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

درس زهران ممداني لسوريا ولبنان وأخواتهما

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أثبت ممداني أن الهويات المتعددة لا تهدد الدولة، بل تثريها حين تُدار بعدالة ومساواة. تلك هي النقطة التي أخفق فيها لبنان حين جعل الطائفة أساس المواطنة، وأخفقت فيها سوريا حين جعلت الولاء السياسي بديلاً عنها. فبدل أن تكون التعددية منبع قوة، تحوّلت إلى ذريعة للتقسيم هنا، وإلى تهمة هناك.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

سارع كثر من السوريين إلى الاحتفاء بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، وتذكروا أن زوجته سورية، فلقّبوه على سبيل المزاح بـ”صهرنا”. زوجته، راما دوجي، أميركية من أصل سوري، ويُرجّح أنها تنتمي إلى أسرة الدوجي الدمشقية العريقة. ولحسن الحظ، لم يتحرّ كثيرون – حتى الآن – خلفيتها الطائفية، فمرّ الأمر من دون شقاق طائفي.

لكن ما بدا في ظاهره خبرًا سياسيًا أميركيا عابرًا، تحوّل في الوجدان السوري إلى لحظة وجدانية نادرة، جمعت بين الدعابة والحنين. تداول كثيرون مقطعًا لممداني وهو يقول، بلغة عربية وبلكنة شامية واضحة: “أنا صهركم من الشام”. تحوّلت العبارة إلى ميم اجتماعي، يكشف في عمقه عن رغبة دفينة في أن يُرى المختلف بوصفه مكافئًا لا نقيضًا؛ شريكًا في المعنى لا تهديدًا للهوية. 

وكأن اللاوعي السوري يقرّ، من دون تصريح، بأن العالم الذي يحتفي بالتعدّد ويؤمن بالمشاركة هو العالم الذي يتطلعون إليه، لا ذاك الذي حُرموا منه في أوطانهم.

فوز ممداني، كما آمل، كان تذكيرًا بأن العدالة والمساواة والتنوع ليست شعارات تُرفع، بل ممارسات تُبنى بالصبر والعمل، وأن الديمقراطية لا تُقصي المختلف، بل تحتضنه.

أما في لبنان، فقد اتخذ الحدث بعدًا رمزيًا مختلفًا، خصوصًا في المخيال الشيعي، حيث بدا وكأنه انتصار معنوي على سياسات ترامب المنحازة لإسرائيل. وربط البعض فوز ممداني بحالات مشابهة، مثل انتخاب عبد الله حمود ومحمد بيضون في مدن صغيرة بولاية ميشيغان. غير أن هذا الفرح الهويّاتي، وإن كان مفهومًا، تجاهل أن أسباب فوز ممداني داخلية تمامًا: خطابه الاجتماعي والاقتصادي المنحاز للطبقة العاملة، قدرته على التواصل المباشر مع الناخبين، وتنشيطه الطاقة التقدمية داخل الحزب الديمقراطي. لم يكن انتصاره نتيجة انتماء خارجي أو طائفي، بل ثمرة التزامه بقضايا المعيشة والسكن وتكلفة الحياة، واستثماره الذكي في وسائل التواصل والنقابات الشعبية.

وعلى رغم أن صلاحيات عمدة نيويورك واسعة ومؤثرة، فإن رمزية فوز ممداني تتجاوز المنصب، لتغدو شهادة على ديمقراطية حية، تستند إلى مصالح الناس لا إلى العصبيات التي ما زالت تحكم نظرة بعض المهاجرين وأوطانهم الأصلية إلى السياسة.

ما يحتاجه السوريون واللبنانيون اليوم ليس الاكتفاء بالاحتفاء بـ”صهر رمزي” في نيويورك، بل تحويل هذه العدوى الجميلة إلى درس عملي في بناء أنظمة تشاركية تُعيد الى السياسة معناها النبيل: خدمة الناس، لا حكمهم.

إعرف نفسك

قبل عام فقط، لم يكن اسم زهران ممداني متداولًا خارج الأوساط المحلية. واليوم، دخل التاريخ بوصفه أصغر رئيس بلدية في نيويورك منذ أكثر من قرن، وأول من ينحدر من أصول جنوب آسيوية، وأول مسلم، وأول داعم صريح لفلسطين، وأول اشتراكي ديمقراطي يتولى هذا المنصب.

لم يأتِ فوزه من فراغ، بل من تركيزه على جمهور غالبًا ما يُهمَل في الحملات التقليدية: العمال والمهاجرون من الطبقة العاملة. خاطبهم بلغة واضحة، وبقي مخلصًا لرسالته منذ اللحظة الأولى. شعار حَمْلته “مدينة يمكننا تحمّل تكاليفها” لم يكن مجرد عبارة انتخابية، بل تحوّل إلى هوية سياسية، ترددت في كل لقاء وتصريح حتى يوم الفوز.

ذهب ممداني إلى الناس حيث هم. أنتج محتوى بلغات متعددة، وتواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والبودكاست، والإعلام التقليدي. لم يتردد في إطلاق إعلانات على قناة فوكس نيوز، أو عقد مؤتمرات صحافية مخصصة لصنّاع المحتوى. كان حضوره متعدد الوسائط، لكنه موحّد في الرسالة.

والأهم من ذلك كله، أنه لم يزيف نفسه. لم يتقمص شخصية انتخابية، ولم يتحدث بلغة مصطنعة. كان هو نفسه: صادقًا، مباشرًا، يتحدث بأسلوبه الخاص، بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

تفويض شعبي: إحياء الديمقراطية من جذورها

الديمقراطية، في جوهرها الأرسطي، لا تزدهر في صالونات النخب، بل في حركة الناس. حملة ممداني جسّدت هذا المعنى بكل وضوح. أكثر من مئة ألف متطوع، وتبرعات صغيرة لم تتجاوز في المتوسط مئة دولار، وتفاعل رقمي واسع، كلها ساهمت في إحياء نموذج ديمقراطي كان على وشك التآكل.

في مدينة مكّنت فيها آلية التصويت التفضيلي أصوات الفئات الهشة، من أصحاب البقالات اليمنيين إلى مقدّمي الرعاية الإثيوبيين، وسّع ممداني قاعدة الناخبين، وجذب أفواجًا من المصوّتين للمرة الأولى، لا سيما من الشباب وذوي البشرة الملونة، ممن طالما رأوا في صندوق الاقتراع آلة بيروقراطية لا تعبّر عنهم.

الديمقراطية التي مارسها ممداني لم تكن طقسًا انتخابيًا شكليًا، بل تمرّدًا مدنيًا على اللامبالاة، وعلى هيمنة الحزب الديمقراطي التقليدية، وعلى من وصفهم براد لاندر بـ “المتسلّقين،” لصالح مناضلين يستخدمون السياسات كسلاح ضد اليأس.

حصد ممداني أكثر من مليوني صوت، متجاوزًا كل الأرقام السابقة، ومؤسسًا لتحالف جديد من “الهشاشة الصاعدة”- تحالف يضم عمّالًا، وموظفين، ومهنيين من الطبقة فوق المتوسطة، يجمعهم الغضب مما أسماه ممداني ساخراً “التضخم الحلال،” أي ارتفاع أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها المهاجرون.

وعلى منصة “إكس”، ترددت أصداء هذا الانتصار عالميًا: محللون مصريون رأوا فيه دليلًا على قدرة الديمقراطية على تصحيح أخطائها، ونقّاد هنود اعتبروا هجوم المحافظين من الجالية الهندية خيانة لقيم التعاطف السياسي. في زمن ضخ فيه الملياردير بيل آكمان ومجموعات الضغط ملايين الدولارات لتشويه صورة ممداني وربطه بالإرهاب أو الشريعة، جاء هذا الفوز ليؤكد أن الديمقراطية التشاركية تصمد حين تُعلي قيمة الإنسان فوق هيمنة المال.

وكما قال في خطابه المنتصر، بوضوح لا يخلو من التحدّي: “إنما هذه مدينتكم، وهذه الديمقراطية لكم أيضًا”.

الليبرالية على المحك: من الوسطية الحذرة إلى العدالة الاجتماعية

تجد الليبرالية نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم، بوصفها إرثًا تنويريًا قائمًا على الحقوق الفردية والتقدم عبر السوق. صعود زهران ممداني يضع هذا الإرث في مواجهة مباشرة مع واقع جديد، حيث لم تعد التعديلات الطفيفة تكفي، ولم تعد الوسطية مجدية.

اشتراكيته الديمقراطية، المستندة إلى صعود حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في أميركا من خمسة آلاف إلى أكثر من ثمانين ألف عضو منذ نداء بيرني ساندرز عام 2016، تطرح ممارسة أكثر جرأة: تجميد الإيجارات، توسيع التعليم المبكر، حافلات مجانية، متاجر بلدية، وضرائب تصاعدية على الأثرياء. إنها ليبرالية معاد تصورها، لا تسعى إلى هدم السوق، بل إلى ترويضه عبر “ديمقراطية اقتصادية” تعيد توزيع القوة، وتفكك تركّزها، بما يتيح للحرية السياسية أن تتنفس خارج قبضة رأس المال.

ليست هذه الليبرالية التي جسّدها سلف ممداني الأسبق بيل دي بلازيو، ولا تلك التي هشّمتها سياسات ترامب المعادية للمهاجرين، بل نموذج جديد يستلهم الديمقراطية الاجتماعية الإسكندنافية، ويصبغها بجرأة أميركية خاصة.

غزة: اختبار أخلاقي لليبرالية

موقف ممداني الثابت من كرامة الفلسطينيين، متحديًا ما كان يُعدّ سابقًا “قبلة الموت الانتخابي”، يضع الليبرالية أمام اختبار أخلاقي صارم. في مدينة تتقارب فيها أعداد المسلمين واليهود، يمثّل فوزه لحظة نضج في الخطاب الليبرالي، حيث يُفسح المجال للتعقيد الأخلاقي، بدلًا من الولاءات الثنائية التي لطالما كبّلت السياسة الأميركية.

ممداني لا يساوم في المبادئ، ولا يهادن في القضايا الجوهرية. إنه يجسّد تحوّلًا من ليبرالية النخب إلى إصلاحات تصادمية مع رأس المال، ومن مساومات خلف الأبواب إلى مواجهة علنية مع منظومات الهيمنة. لكن هذا الطموح، مهما بدا واعدًا، يواجه خطر الاصطدام بجدار الجمود المؤسسي، ويعيد طرح السؤال القديم: هل تستطيع الليبرالية أن تتجاوز عبادة السوق من دون أن تنقسم على ذاتها؟

استعادة القيم الأميركية: التعددية، الفرصة، والتميز المتحدي

في جوهرها، تروي السردية الأميركية قصة التعددية، وإتاحة الفرصة، والتميز بوصفها عقيدة وطنية. وممداني، في هذا السياق، هو امتداد حيّ للخط الاشتراكي الديمقراطي الذي بدأه يوجين ديبس في القرن التاسع عشر، وتابعه بيرني ساندرز في القرن الحادي والعشرين.

كابن منفيين فرّا من ديكتاتورية عيدي أمين، تمثّل قصته ملحمة المهاجرين الكبرى: من أحياء كولومبيا إلى قاعة البلدية، مجسّدًا الفرصة لا كخرافة فردية، بل كمنظومة داعمة للمهمّشين. انتصاره يعيد تأكيد مركزية التعددية في نظام سياسي شوهته افتراءات ترامب عن “المرشح المأجور”، وإسلاموفوبيا كومو المدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

وحين قال بعربية فصيحة: “أنا منكم وإليكم”، لم تكن مجرد عبارة، بل جسرًا لغويًا وفكريًا، يربط نيويورك بدمشق، ويعلن أن القيم الأميركية، في جوهرها، دعوة كونية إلى التعاطف الكوزموبوليتاني، لا إلى الانغلاق القومي المقيت.

ما بعد الفوز: اختبار الإرادة التقدميّة

رئاسة ممداني، التي تبدأ في الأول من كانون الثاني/ يناير 2026، لن تكون سهلة. بين تعنّت المؤسسة السياسية، وانتقام ترامب المالي، وضغوط الحكم في ظل استقطاب حاد، ستُختبر قدرة الشجاعة التقدمية على تحويل الإنصاف إلى واقع من دون تنفير الوسط.

لكن الأثر الأعمق يكمن في الإشعاع الملهم لهذا الفوز. إذ يمكن أن يتحوّل إلى خريطة طريق للانتخابات النصفية المقبلة، حيث قد يتفوّق مناضلو “الجبل الأميركي”—التيار الاشتراكي الديمقراطي—على وسطيي “الجيروند”، مثبتين أن الانتخابات يمكن أن تُبنى على مناهضة المحسوبية والعدالة المناخية، من دون الحاجة إلى مليارديرات.

درس ممداني في سوريا ولبنان

يمكن لكلٍّ من سوريا ولبنان أن يقرآ في تجربة زهران ممداني درسًا يتجاوز السياسة الأميركية إلى ما هو أعمق: إعادة اكتشاف المعنى الأخلاقي للسياسة نفسها. فممداني، الذي صعد من الهامش إلى مركز القرار مستندًا إلى الناس لا إلى العصبيات، جسّد نموذجًا نقيضًا تمامًا لما آل إليه المشهد في البلدين. في لبنان، السياسة غنيمة موزعة بين الطوائف، والمجتمع المدني المتقدّم يختنق داخل نظام محاصصة يمنع الدولة من الوجود. وفي سوريا، الدولة المفرطة في سطوتها التهمت المجتمع وجرّدته من صوته حتى بات التنظيم ذاته تهمة. كلا البلدين فقدا التوازن بين الحرية والنظام؛ الأول حريته بلا دولة، والثاني دولته بلا حرية. أما ممداني، فذكّر بأن السياسة يمكن أن تكون جسرًا بين المجتمع والدولة، لا ساحة لتدمير أحدهما باسم الآخر.

ما حققه ممداني ليس انتصارًا انتخابيًا فحسب، بل درسا في بناء الثقة، العنصر المفقود في سوريا ولبنان كليهما. لقد آمن بأن الديمقراطية تبدأ من الحيّ، من النقابة، من اللقاءات الصغيرة مع الناس، وأن شرعيتها تنبع من المشاركة لا من الوصاية. هذه الفلسفة السياسية، التي أعادت المعنى إلى الفعل الديمقراطي، يمكن أن تُلهم لبنان، حيث تآكلت الثقة بين الدولة ومواطنيها تحت ركام الزبائنية والفساد، ويمكن أن تُعيد الأمل لسوريا، حيث تحوّل الخوف إلى قفص، والسلطة إلى قدر لا يُقاوَم. فالمجتمعات، كما أظهرت حملته، لا تحتاج إلى زعماء يخلّصونها، بل إلى مؤسسات تسمح لها بأن تمارس خلاصها بنفسها.

أثبت ممداني أن الهويات المتعددة لا تهدد الدولة، بل تثريها حين تُدار بعدالة ومساواة. تلك هي النقطة التي أخفق فيها لبنان حين جعل الطائفة أساس المواطنة، وأخفقت فيها سوريا حين جعلت الولاء السياسي بديلاً عنها. فبدل أن تكون التعددية منبع قوة، تحوّلت إلى ذريعة للتقسيم هنا، وإلى تهمة هناك. تجربة ممداني تعيد تعريف التعددية لا بوصفها قبولًا بالاختلاف، بل تحويلًا له إلى مصدر تضامن مشترك. حين قال “هذه مدينتكم، وهذه الديمقراطية لكم أيضًا”، لم يكن يخاطب المهاجرين في نيويورك فقط، بل كلّ مجتمع منقسم يحتاج إلى أن يتذكر أن المساواة لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع من خلال المشاركة الفعلية في القرار العام.

في بلدين كلبنان وسوريا، أنهكتهما الحرب والطائفية والاستبداد، يمكن لصوت ممداني أن يُقرأ كدعوة إلى ترميم العقد الاجتماعي من الأسفل لا من الأعلى؛ إلى بناء “ممر ضيق” جديد، يوازن بين دولة قادرة ومجتمع حرّ. فالسياسة، كما برهن، ليست امتيازًا للنخب أو الميليشيات، بل ممارسة يومية للعدالة والكرامة. ومن هنا، ربما، يبدأ الطريق الطويل نحو الخروج من الهاوية التي تحدث عنها أسيموغلو وروبنسون في كتابهما المهم “الممر الضيق” – طريق يبدأ من إعادة تعريف السياسة لا كفنّ للسيطرة، بل كفنّ للإصغاء، ومن الإيمان بأن الديمقراطية لا تولد من القصور، بل من الشوارع التي تعرف وجوه الناس وأحلامهم.

وبانتظار ذلك، ستظل صرخة ممداني التي أطلقها في خطاب انتصاره مدوية، ليس في سماء نيويورك فحسب، بل في سماء أميركا كلها، وربما العالم: “إذا أردت أن تصل إلى أيٍّ منا، عليك أن تمرّ بنا جميعًا”.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
06.11.2025
زمن القراءة: 8 minutes

أثبت ممداني أن الهويات المتعددة لا تهدد الدولة، بل تثريها حين تُدار بعدالة ومساواة. تلك هي النقطة التي أخفق فيها لبنان حين جعل الطائفة أساس المواطنة، وأخفقت فيها سوريا حين جعلت الولاء السياسي بديلاً عنها. فبدل أن تكون التعددية منبع قوة، تحوّلت إلى ذريعة للتقسيم هنا، وإلى تهمة هناك.

سارع كثر من السوريين إلى الاحتفاء بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، وتذكروا أن زوجته سورية، فلقّبوه على سبيل المزاح بـ”صهرنا”. زوجته، راما دوجي، أميركية من أصل سوري، ويُرجّح أنها تنتمي إلى أسرة الدوجي الدمشقية العريقة. ولحسن الحظ، لم يتحرّ كثيرون – حتى الآن – خلفيتها الطائفية، فمرّ الأمر من دون شقاق طائفي.

لكن ما بدا في ظاهره خبرًا سياسيًا أميركيا عابرًا، تحوّل في الوجدان السوري إلى لحظة وجدانية نادرة، جمعت بين الدعابة والحنين. تداول كثيرون مقطعًا لممداني وهو يقول، بلغة عربية وبلكنة شامية واضحة: “أنا صهركم من الشام”. تحوّلت العبارة إلى ميم اجتماعي، يكشف في عمقه عن رغبة دفينة في أن يُرى المختلف بوصفه مكافئًا لا نقيضًا؛ شريكًا في المعنى لا تهديدًا للهوية. 

وكأن اللاوعي السوري يقرّ، من دون تصريح، بأن العالم الذي يحتفي بالتعدّد ويؤمن بالمشاركة هو العالم الذي يتطلعون إليه، لا ذاك الذي حُرموا منه في أوطانهم.

فوز ممداني، كما آمل، كان تذكيرًا بأن العدالة والمساواة والتنوع ليست شعارات تُرفع، بل ممارسات تُبنى بالصبر والعمل، وأن الديمقراطية لا تُقصي المختلف، بل تحتضنه.

أما في لبنان، فقد اتخذ الحدث بعدًا رمزيًا مختلفًا، خصوصًا في المخيال الشيعي، حيث بدا وكأنه انتصار معنوي على سياسات ترامب المنحازة لإسرائيل. وربط البعض فوز ممداني بحالات مشابهة، مثل انتخاب عبد الله حمود ومحمد بيضون في مدن صغيرة بولاية ميشيغان. غير أن هذا الفرح الهويّاتي، وإن كان مفهومًا، تجاهل أن أسباب فوز ممداني داخلية تمامًا: خطابه الاجتماعي والاقتصادي المنحاز للطبقة العاملة، قدرته على التواصل المباشر مع الناخبين، وتنشيطه الطاقة التقدمية داخل الحزب الديمقراطي. لم يكن انتصاره نتيجة انتماء خارجي أو طائفي، بل ثمرة التزامه بقضايا المعيشة والسكن وتكلفة الحياة، واستثماره الذكي في وسائل التواصل والنقابات الشعبية.

وعلى رغم أن صلاحيات عمدة نيويورك واسعة ومؤثرة، فإن رمزية فوز ممداني تتجاوز المنصب، لتغدو شهادة على ديمقراطية حية، تستند إلى مصالح الناس لا إلى العصبيات التي ما زالت تحكم نظرة بعض المهاجرين وأوطانهم الأصلية إلى السياسة.

ما يحتاجه السوريون واللبنانيون اليوم ليس الاكتفاء بالاحتفاء بـ”صهر رمزي” في نيويورك، بل تحويل هذه العدوى الجميلة إلى درس عملي في بناء أنظمة تشاركية تُعيد الى السياسة معناها النبيل: خدمة الناس، لا حكمهم.

إعرف نفسك

قبل عام فقط، لم يكن اسم زهران ممداني متداولًا خارج الأوساط المحلية. واليوم، دخل التاريخ بوصفه أصغر رئيس بلدية في نيويورك منذ أكثر من قرن، وأول من ينحدر من أصول جنوب آسيوية، وأول مسلم، وأول داعم صريح لفلسطين، وأول اشتراكي ديمقراطي يتولى هذا المنصب.

لم يأتِ فوزه من فراغ، بل من تركيزه على جمهور غالبًا ما يُهمَل في الحملات التقليدية: العمال والمهاجرون من الطبقة العاملة. خاطبهم بلغة واضحة، وبقي مخلصًا لرسالته منذ اللحظة الأولى. شعار حَمْلته “مدينة يمكننا تحمّل تكاليفها” لم يكن مجرد عبارة انتخابية، بل تحوّل إلى هوية سياسية، ترددت في كل لقاء وتصريح حتى يوم الفوز.

ذهب ممداني إلى الناس حيث هم. أنتج محتوى بلغات متعددة، وتواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والبودكاست، والإعلام التقليدي. لم يتردد في إطلاق إعلانات على قناة فوكس نيوز، أو عقد مؤتمرات صحافية مخصصة لصنّاع المحتوى. كان حضوره متعدد الوسائط، لكنه موحّد في الرسالة.

والأهم من ذلك كله، أنه لم يزيف نفسه. لم يتقمص شخصية انتخابية، ولم يتحدث بلغة مصطنعة. كان هو نفسه: صادقًا، مباشرًا، يتحدث بأسلوبه الخاص، بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

تفويض شعبي: إحياء الديمقراطية من جذورها

الديمقراطية، في جوهرها الأرسطي، لا تزدهر في صالونات النخب، بل في حركة الناس. حملة ممداني جسّدت هذا المعنى بكل وضوح. أكثر من مئة ألف متطوع، وتبرعات صغيرة لم تتجاوز في المتوسط مئة دولار، وتفاعل رقمي واسع، كلها ساهمت في إحياء نموذج ديمقراطي كان على وشك التآكل.

في مدينة مكّنت فيها آلية التصويت التفضيلي أصوات الفئات الهشة، من أصحاب البقالات اليمنيين إلى مقدّمي الرعاية الإثيوبيين، وسّع ممداني قاعدة الناخبين، وجذب أفواجًا من المصوّتين للمرة الأولى، لا سيما من الشباب وذوي البشرة الملونة، ممن طالما رأوا في صندوق الاقتراع آلة بيروقراطية لا تعبّر عنهم.

الديمقراطية التي مارسها ممداني لم تكن طقسًا انتخابيًا شكليًا، بل تمرّدًا مدنيًا على اللامبالاة، وعلى هيمنة الحزب الديمقراطي التقليدية، وعلى من وصفهم براد لاندر بـ “المتسلّقين،” لصالح مناضلين يستخدمون السياسات كسلاح ضد اليأس.

حصد ممداني أكثر من مليوني صوت، متجاوزًا كل الأرقام السابقة، ومؤسسًا لتحالف جديد من “الهشاشة الصاعدة”- تحالف يضم عمّالًا، وموظفين، ومهنيين من الطبقة فوق المتوسطة، يجمعهم الغضب مما أسماه ممداني ساخراً “التضخم الحلال،” أي ارتفاع أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها المهاجرون.

وعلى منصة “إكس”، ترددت أصداء هذا الانتصار عالميًا: محللون مصريون رأوا فيه دليلًا على قدرة الديمقراطية على تصحيح أخطائها، ونقّاد هنود اعتبروا هجوم المحافظين من الجالية الهندية خيانة لقيم التعاطف السياسي. في زمن ضخ فيه الملياردير بيل آكمان ومجموعات الضغط ملايين الدولارات لتشويه صورة ممداني وربطه بالإرهاب أو الشريعة، جاء هذا الفوز ليؤكد أن الديمقراطية التشاركية تصمد حين تُعلي قيمة الإنسان فوق هيمنة المال.

وكما قال في خطابه المنتصر، بوضوح لا يخلو من التحدّي: “إنما هذه مدينتكم، وهذه الديمقراطية لكم أيضًا”.

الليبرالية على المحك: من الوسطية الحذرة إلى العدالة الاجتماعية

تجد الليبرالية نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم، بوصفها إرثًا تنويريًا قائمًا على الحقوق الفردية والتقدم عبر السوق. صعود زهران ممداني يضع هذا الإرث في مواجهة مباشرة مع واقع جديد، حيث لم تعد التعديلات الطفيفة تكفي، ولم تعد الوسطية مجدية.

اشتراكيته الديمقراطية، المستندة إلى صعود حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في أميركا من خمسة آلاف إلى أكثر من ثمانين ألف عضو منذ نداء بيرني ساندرز عام 2016، تطرح ممارسة أكثر جرأة: تجميد الإيجارات، توسيع التعليم المبكر، حافلات مجانية، متاجر بلدية، وضرائب تصاعدية على الأثرياء. إنها ليبرالية معاد تصورها، لا تسعى إلى هدم السوق، بل إلى ترويضه عبر “ديمقراطية اقتصادية” تعيد توزيع القوة، وتفكك تركّزها، بما يتيح للحرية السياسية أن تتنفس خارج قبضة رأس المال.

ليست هذه الليبرالية التي جسّدها سلف ممداني الأسبق بيل دي بلازيو، ولا تلك التي هشّمتها سياسات ترامب المعادية للمهاجرين، بل نموذج جديد يستلهم الديمقراطية الاجتماعية الإسكندنافية، ويصبغها بجرأة أميركية خاصة.

غزة: اختبار أخلاقي لليبرالية

موقف ممداني الثابت من كرامة الفلسطينيين، متحديًا ما كان يُعدّ سابقًا “قبلة الموت الانتخابي”، يضع الليبرالية أمام اختبار أخلاقي صارم. في مدينة تتقارب فيها أعداد المسلمين واليهود، يمثّل فوزه لحظة نضج في الخطاب الليبرالي، حيث يُفسح المجال للتعقيد الأخلاقي، بدلًا من الولاءات الثنائية التي لطالما كبّلت السياسة الأميركية.

ممداني لا يساوم في المبادئ، ولا يهادن في القضايا الجوهرية. إنه يجسّد تحوّلًا من ليبرالية النخب إلى إصلاحات تصادمية مع رأس المال، ومن مساومات خلف الأبواب إلى مواجهة علنية مع منظومات الهيمنة. لكن هذا الطموح، مهما بدا واعدًا، يواجه خطر الاصطدام بجدار الجمود المؤسسي، ويعيد طرح السؤال القديم: هل تستطيع الليبرالية أن تتجاوز عبادة السوق من دون أن تنقسم على ذاتها؟

استعادة القيم الأميركية: التعددية، الفرصة، والتميز المتحدي

في جوهرها، تروي السردية الأميركية قصة التعددية، وإتاحة الفرصة، والتميز بوصفها عقيدة وطنية. وممداني، في هذا السياق، هو امتداد حيّ للخط الاشتراكي الديمقراطي الذي بدأه يوجين ديبس في القرن التاسع عشر، وتابعه بيرني ساندرز في القرن الحادي والعشرين.

كابن منفيين فرّا من ديكتاتورية عيدي أمين، تمثّل قصته ملحمة المهاجرين الكبرى: من أحياء كولومبيا إلى قاعة البلدية، مجسّدًا الفرصة لا كخرافة فردية، بل كمنظومة داعمة للمهمّشين. انتصاره يعيد تأكيد مركزية التعددية في نظام سياسي شوهته افتراءات ترامب عن “المرشح المأجور”، وإسلاموفوبيا كومو المدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

وحين قال بعربية فصيحة: “أنا منكم وإليكم”، لم تكن مجرد عبارة، بل جسرًا لغويًا وفكريًا، يربط نيويورك بدمشق، ويعلن أن القيم الأميركية، في جوهرها، دعوة كونية إلى التعاطف الكوزموبوليتاني، لا إلى الانغلاق القومي المقيت.

ما بعد الفوز: اختبار الإرادة التقدميّة

رئاسة ممداني، التي تبدأ في الأول من كانون الثاني/ يناير 2026، لن تكون سهلة. بين تعنّت المؤسسة السياسية، وانتقام ترامب المالي، وضغوط الحكم في ظل استقطاب حاد، ستُختبر قدرة الشجاعة التقدمية على تحويل الإنصاف إلى واقع من دون تنفير الوسط.

لكن الأثر الأعمق يكمن في الإشعاع الملهم لهذا الفوز. إذ يمكن أن يتحوّل إلى خريطة طريق للانتخابات النصفية المقبلة، حيث قد يتفوّق مناضلو “الجبل الأميركي”—التيار الاشتراكي الديمقراطي—على وسطيي “الجيروند”، مثبتين أن الانتخابات يمكن أن تُبنى على مناهضة المحسوبية والعدالة المناخية، من دون الحاجة إلى مليارديرات.

درس ممداني في سوريا ولبنان

يمكن لكلٍّ من سوريا ولبنان أن يقرآ في تجربة زهران ممداني درسًا يتجاوز السياسة الأميركية إلى ما هو أعمق: إعادة اكتشاف المعنى الأخلاقي للسياسة نفسها. فممداني، الذي صعد من الهامش إلى مركز القرار مستندًا إلى الناس لا إلى العصبيات، جسّد نموذجًا نقيضًا تمامًا لما آل إليه المشهد في البلدين. في لبنان، السياسة غنيمة موزعة بين الطوائف، والمجتمع المدني المتقدّم يختنق داخل نظام محاصصة يمنع الدولة من الوجود. وفي سوريا، الدولة المفرطة في سطوتها التهمت المجتمع وجرّدته من صوته حتى بات التنظيم ذاته تهمة. كلا البلدين فقدا التوازن بين الحرية والنظام؛ الأول حريته بلا دولة، والثاني دولته بلا حرية. أما ممداني، فذكّر بأن السياسة يمكن أن تكون جسرًا بين المجتمع والدولة، لا ساحة لتدمير أحدهما باسم الآخر.

ما حققه ممداني ليس انتصارًا انتخابيًا فحسب، بل درسا في بناء الثقة، العنصر المفقود في سوريا ولبنان كليهما. لقد آمن بأن الديمقراطية تبدأ من الحيّ، من النقابة، من اللقاءات الصغيرة مع الناس، وأن شرعيتها تنبع من المشاركة لا من الوصاية. هذه الفلسفة السياسية، التي أعادت المعنى إلى الفعل الديمقراطي، يمكن أن تُلهم لبنان، حيث تآكلت الثقة بين الدولة ومواطنيها تحت ركام الزبائنية والفساد، ويمكن أن تُعيد الأمل لسوريا، حيث تحوّل الخوف إلى قفص، والسلطة إلى قدر لا يُقاوَم. فالمجتمعات، كما أظهرت حملته، لا تحتاج إلى زعماء يخلّصونها، بل إلى مؤسسات تسمح لها بأن تمارس خلاصها بنفسها.

أثبت ممداني أن الهويات المتعددة لا تهدد الدولة، بل تثريها حين تُدار بعدالة ومساواة. تلك هي النقطة التي أخفق فيها لبنان حين جعل الطائفة أساس المواطنة، وأخفقت فيها سوريا حين جعلت الولاء السياسي بديلاً عنها. فبدل أن تكون التعددية منبع قوة، تحوّلت إلى ذريعة للتقسيم هنا، وإلى تهمة هناك. تجربة ممداني تعيد تعريف التعددية لا بوصفها قبولًا بالاختلاف، بل تحويلًا له إلى مصدر تضامن مشترك. حين قال “هذه مدينتكم، وهذه الديمقراطية لكم أيضًا”، لم يكن يخاطب المهاجرين في نيويورك فقط، بل كلّ مجتمع منقسم يحتاج إلى أن يتذكر أن المساواة لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع من خلال المشاركة الفعلية في القرار العام.

في بلدين كلبنان وسوريا، أنهكتهما الحرب والطائفية والاستبداد، يمكن لصوت ممداني أن يُقرأ كدعوة إلى ترميم العقد الاجتماعي من الأسفل لا من الأعلى؛ إلى بناء “ممر ضيق” جديد، يوازن بين دولة قادرة ومجتمع حرّ. فالسياسة، كما برهن، ليست امتيازًا للنخب أو الميليشيات، بل ممارسة يومية للعدالة والكرامة. ومن هنا، ربما، يبدأ الطريق الطويل نحو الخروج من الهاوية التي تحدث عنها أسيموغلو وروبنسون في كتابهما المهم “الممر الضيق” – طريق يبدأ من إعادة تعريف السياسة لا كفنّ للسيطرة، بل كفنّ للإصغاء، ومن الإيمان بأن الديمقراطية لا تولد من القصور، بل من الشوارع التي تعرف وجوه الناس وأحلامهم.

وبانتظار ذلك، ستظل صرخة ممداني التي أطلقها في خطاب انتصاره مدوية، ليس في سماء نيويورك فحسب، بل في سماء أميركا كلها، وربما العالم: “إذا أردت أن تصل إلى أيٍّ منا، عليك أن تمرّ بنا جميعًا”.