ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“دروع إعلامية”: كيف يطوّع أصحاب النفوذ في لبنان الصحافيين والناشطين المستقلّين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“الدولة العميقة” في لبنان بأجنحتها المتعدّدة، سواء عبر السلاح والترهيب أو عبر المال والنفوذ الطائفي، نجحت في تحييد عدد من الأصوات لا سيّما الصحافية، التي تطالب بمحاسبة الفاسدين وكبح جماح الانهيار المالي، عبر الاستحواذ على المؤسّسات الإعلامية خصوصاً الناشئة والصغرى منها، وحتى الأصوات “المستقلّة” أو من يمكن تصنيفهم ضمن خانة “المؤثّرين”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

جمعت انتفاضة “17 تشرين” في العام 2019 العديد من الأصوات، لا سيّما الصحافية منها، المطالبة بمحاسبة الفاسدين، وكبح جماح الانهيار المالي، واستعادة أموال المودعين، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 مطالب استندت إلى مجهود صحافي كبير، جرى خلاله عرض أرقام وحقائق وفضح متورّطين بسرقة اللبنانيين، وكانت هذه الأصوات تتلاقى على رفض القمع والاعتداء على الصحافيين، وتشارك في وقفات تضامنية، لمواجهة استخدام الأجهزة الأمنية والقضاء وحتى الإعلام، في قمع الصحافيين وأصحاب الرأي.

لكن مشهد ” 17 تشرين” لم يعد على حاله اليوم، وإن بقي صحافيون على ثباتهم، ذلك أن “الدولة العميقة” في لبنان بأجنحتها المتعدّدة، سواء عبر السلاح والترهيب، أو عبر المال والنفوذ الطائفي، نجحت في تحييد الكثيرين بأشكال مختلفة. 

من أبرز أشكال التطويع إذا جاز التوصيف، هو الاستحواذ على المؤسّسات الإعلامية، خصوصاً الناشئة والصغرى منها، وحتى الأصوات “المستقلّة”، بمعنى من يمكن تصنيفهم ضمن خانة “المؤثّرين”. 

فبعد الحملات الإعلامية الأخيرة التي استهدفت بشكل ممنهج الأصوات الناقدة، أو الداعية إلى إجراءات إصلاحية، يتردّد في أوساط صحافية أنباء عن لجوء بعض رؤوس الأموال إلى الاستحواذ على مؤسسّات إعلامية صغيرة أو ناشئة، لتفادي معارضتها. لكن كيف وصلنا إلى هنا؟

أزمة التمويل السياسي

منذ الثورات العربية في عام ٢٠١١، وما تبعها من طفرة في مساحات إعلامية ناقدة وتجارب صحافية جديدة، جهدت الثورات المضادّة التي قادتها الأنظمة على الاستثمار في وسائل إعلام كبرى، لضمان سيطرتها على السردية. من هنا برز تجفيف تمويل بعض المؤسّسات، في حين انتعشت مؤسّسات أخرى. 

في لبنان، لعب التمويل السياسي الذي كان شريان حياة عدد من المؤسّسات على هذا الوتر، وقد أدّى تراجعه مرحلياً إلى إقفال بعض المؤسسّات نهائياً، مثل “المستقبل” و”السفير”، في حين تمكّنت مؤسّسات إعلامية أخرى، من تأمين خطوط تمويل سياسي تحفظ بقاءها، مع ضمان “الولاء” لصاحب المال. 

هذا الواقع، جعل من الإعلاميين والإعلاميات أسرى هذه المعادلة. من هنا نجد كيف لجأ بعض النافذين في الحقل الإعلامي، إلى توظيف أصوات “مستقلّة” نوعاً ما أو ناقدة. هذا التوظيف أتاح سيطرة صاحب المؤسّسة، ومن خلفه الجهات التي تموّله، على توجّه تلك الأصوات، وأتاح لإدارة المؤسّسات ضبط من كان يجد نفسه ضمن “انتفاضة ١٧ تشرين” وصوتها النقدي العالي. وسط هذه الأجواء يمكن أن تدفع تغريدة تضامن، أو نقد أزمة كبرى، صاحبها أو صاحبتها إلى الحذف، أو التعرّض للاقصاء من المؤسّسة الإعلامية.

لا يقتصر الأمر على ضبط المواقف الخاصّة، بل يتعدّاها الى انخراط بعض الصحافيين في الحملات المنظّمة، ليصبحوا أدوات حرب مباشرة. 

برز هذا في الحملات التي خاضها صحافيون، ومقدّمو برامج، وصحافيات في قناة MTV مثلاً، ضدّ شخصيّات سياسية ومواقع صحافية، كان لها موقف واضح من مسار الإصلاح المتعثّر، ونفوذ بعض المصرفيين الكبار والسياسيين فيه. 

خيضت هذه الحملات بأسلوب لا مهني، ويحفل بالشخصنة، وعبارات التخوين والتهويل، ويرتكز في غالبه على ترويج نظريات المؤامرة. وما شهدناه في لبنان في الشهرين الماضيين أبرز أمامنا مثالاً جديداً عن سطوة صاحب العمل وصاحب المال، بل ومشاعره أحياناً، عندما يثبت أنه نجح في إخضاع أصوات طرحت نفسها يوماً، على أنها ثورية غير قابلة للإخضاع.

دور “السقف العالي”

لا شكّ في أن التوظيف هو تحييد ناعم للصحافي، أو المثقّف، أو غيره، عبر وضعه تحت سقف المؤسّسة وحسابات صاحبها، خصوصاً إن كانت تختلف مع قناعاته، أو عندما تختلف معها. ويعين أصحاب المؤسّسات في ذلك، تغييب العمل النقابي. لكن هذا الأسلوب القديم يلبّي حاجة أخرى لدى مالك المؤسّسة، أو مموّلها من خلال توظيف أصحاب “السقف العالي”، حاجة نفسية، وهي الشعور بالانتصار والهيمنة على هذه الأصوات، حيث يُثبت أن المال، أو حبّ الظهور قادران على دفع هؤلاء إلى تجاوز مبادئهم، وتطويع شخصيّات كانت معارضة لنهجه والتحكّم بخطابها. فتختار هذه الأخيرة التمسّك بمصالحها وامتيازاتها، على التمسّك بمبادئ تجاهر بها. وتتحوّل، مثلاً، من معارضة شرسة للمصارف، إلى مدافعة عن مصالحها، أو محايدة أمام النقاش المحتدم، أو حريصة على انتقادها بطريقة مواربة لا تمسّ بمصالح المصرفيين المموّلين للمؤسّسة.

هذا ما يُشعر أًصحاب النفوذ بالدهاء، وبأنهم يستمدّون شرعية ما، عبر هذه الأصوات التي يمكن لهم وضعها كدرع صحافي في مواجهة الآخر الذي يشكّل تهديداً لمصالحهم الخاصّة. وربما يخالط تلك المشاعر شعور بالاحتقار الضمني تجاه الأصوات التي كان يُفترض بها المقاومة؛ بناء على ما تطرحه هي، لكنّها تختار الخضوع، وإن بحثت لنفسها عن مبرّرات، وحاولت إقناع نفسها والآخرين بها.

وبعيداً عمّا بات يُعرف حديثاً بالمؤثّرين، وعن الوجوه المعروفة، لطالما عملت السلطات في السابق على محاولة وضع المثقفين والمؤثّرين تحت جناحها وبمواجهة مصالح العامّة. بعض هؤلاء كان يوفّق بين تقاطعه مع المؤسّسة التي يعمل فيها، وإدراك هامش حرّيته فيها، والاستفادة منه من دون المزايدة في الشجاعة، أو الخوض في حملات موجّهة تطعن بحلفائه السابقين، وحتى بأصدقائه الحاليين. 

لكن المستوى الإعلامي تراجع اليوم تحت وطأة ضغط المال وانتشار قيم الشعبوية، وبات يفتقد في الكثير من الأحيان إلى أبسط المعايير، إلى درجة أنه حتى الحملات فقدت بعض “اللياقات” والذكاء، التي كانت تتمتّع بها من قبل. وهو ما شهدناه في حلقات من برنامجي مارسيل غانم وجو معلوف، وفي تقارير يُفترض أنها إخبارية، فتحوّلت إلى مساحات للثرثرة والنميمة، تستمدّ بعض محتواها من التلصّص على مجموعات عبر تطبيق “واتساب”. فما عاد هناك ما يميّز بعض الإعلاميين، الذي يظهرون في ساعات الذروة، عن مستخدمي وسائل التواصل ممن لم يحظوا بفرصة اكتساب العلم والمعرفة، وهُمّشوا وصاروا يتعاطون مع انتقاد الزعيم على أنه مسّ بمصالحهم يستدعي الشتم والسُعار.

سطوة صاحب العمل

كما تكرّرت مؤخّراً ذريعة يبرّر بها بعض الصحافيين خضوعهم لإملاءات صاحب العمل، وإن تطلّب ذلك انتهاكاً لأدنى المعايير المهنية والأخلاقية، أو الاستناد إلى تقارير صحافية يعلمون جيّداً أن أصحابها يلفّقون التهم. إذ بات يعتقد البعض أنه يمكنه التذرّع بـ”لقمة العيش”، ليرتضي القيام بمهامّ إعلامية تسبّب الضرر بالصالح العامّ، والأذى للأفراد ولأشخاص مهمّشين، وكأن الصحافة مهنة من لا مهنة له. في حين أنه وبحكم المتغيّرات التي طرأت على المهنة والأزمات المالية التي تضرب العاملين فيها، بات من الأسهل الاسترزاق من مهن أخرى، بدل التذرّع بالضرورات المعيشية لهدم أبسط المعايير المهنية.

وإزاء ما تتعرّض له المهنة في لبنان من اعتداء يمسّ بجوهرها، عبر حملات تحريضية وتضليلية تروّج مفاهيم خاطئة، تُحتّم المسؤولية على كلّ من يقدّم نفسه كثوري أو صاحب مبدأ، أن يرفض الإسفاف بحقّ زملاء خلوقين يقومون بعمل مهني، ويقدّمون موادّ منوّعة تدافع عن مصالح المجتمع والإنسان، ويشكّلون خطّ دفاع أمام تآكل المعايير وسطوة المصالح. فعندما تشتدّ الحملات ومحاولات التتفيه، كالتي شاهدناها في برامج وموادّ إعلامية مدفوعة من المصرفي أنطون صحناوي، تزداد الحاجة إلى موقف واضح يصوّب الأمور، أو أقلّه أن يرفض “الثوري” الاستفراد بمن يطرح قضايا المواطنين، ويجرؤ على المسّ بمصالح الفاسدين. 

كما تزداد الحاجة إلى مواقف تشدّد على التمسّك بأبسط المعايير لحماية الجسم الصحافي، ولإثبات أن أصواتهم غير قابلة للكتم أمام أصحاب المال والنفوذ قبل غيرهم، وأنه ليس من السهل التحكّم بها، خصوصاً أصحاب الامتيازات، فكلما قاومت تلك الأصوات، كلّما صعّبت مهمة تضييق هامش الحرّية المتاح في لبنان اليوم.

17.05.2025
زمن القراءة: 5 minutes

“الدولة العميقة” في لبنان بأجنحتها المتعدّدة، سواء عبر السلاح والترهيب أو عبر المال والنفوذ الطائفي، نجحت في تحييد عدد من الأصوات لا سيّما الصحافية، التي تطالب بمحاسبة الفاسدين وكبح جماح الانهيار المالي، عبر الاستحواذ على المؤسّسات الإعلامية خصوصاً الناشئة والصغرى منها، وحتى الأصوات “المستقلّة” أو من يمكن تصنيفهم ضمن خانة “المؤثّرين”.

جمعت انتفاضة “17 تشرين” في العام 2019 العديد من الأصوات، لا سيّما الصحافية منها، المطالبة بمحاسبة الفاسدين، وكبح جماح الانهيار المالي، واستعادة أموال المودعين، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 مطالب استندت إلى مجهود صحافي كبير، جرى خلاله عرض أرقام وحقائق وفضح متورّطين بسرقة اللبنانيين، وكانت هذه الأصوات تتلاقى على رفض القمع والاعتداء على الصحافيين، وتشارك في وقفات تضامنية، لمواجهة استخدام الأجهزة الأمنية والقضاء وحتى الإعلام، في قمع الصحافيين وأصحاب الرأي.

لكن مشهد ” 17 تشرين” لم يعد على حاله اليوم، وإن بقي صحافيون على ثباتهم، ذلك أن “الدولة العميقة” في لبنان بأجنحتها المتعدّدة، سواء عبر السلاح والترهيب، أو عبر المال والنفوذ الطائفي، نجحت في تحييد الكثيرين بأشكال مختلفة. 

من أبرز أشكال التطويع إذا جاز التوصيف، هو الاستحواذ على المؤسّسات الإعلامية، خصوصاً الناشئة والصغرى منها، وحتى الأصوات “المستقلّة”، بمعنى من يمكن تصنيفهم ضمن خانة “المؤثّرين”. 

فبعد الحملات الإعلامية الأخيرة التي استهدفت بشكل ممنهج الأصوات الناقدة، أو الداعية إلى إجراءات إصلاحية، يتردّد في أوساط صحافية أنباء عن لجوء بعض رؤوس الأموال إلى الاستحواذ على مؤسسّات إعلامية صغيرة أو ناشئة، لتفادي معارضتها. لكن كيف وصلنا إلى هنا؟

أزمة التمويل السياسي

منذ الثورات العربية في عام ٢٠١١، وما تبعها من طفرة في مساحات إعلامية ناقدة وتجارب صحافية جديدة، جهدت الثورات المضادّة التي قادتها الأنظمة على الاستثمار في وسائل إعلام كبرى، لضمان سيطرتها على السردية. من هنا برز تجفيف تمويل بعض المؤسّسات، في حين انتعشت مؤسّسات أخرى. 

في لبنان، لعب التمويل السياسي الذي كان شريان حياة عدد من المؤسّسات على هذا الوتر، وقد أدّى تراجعه مرحلياً إلى إقفال بعض المؤسسّات نهائياً، مثل “المستقبل” و”السفير”، في حين تمكّنت مؤسّسات إعلامية أخرى، من تأمين خطوط تمويل سياسي تحفظ بقاءها، مع ضمان “الولاء” لصاحب المال. 

هذا الواقع، جعل من الإعلاميين والإعلاميات أسرى هذه المعادلة. من هنا نجد كيف لجأ بعض النافذين في الحقل الإعلامي، إلى توظيف أصوات “مستقلّة” نوعاً ما أو ناقدة. هذا التوظيف أتاح سيطرة صاحب المؤسّسة، ومن خلفه الجهات التي تموّله، على توجّه تلك الأصوات، وأتاح لإدارة المؤسّسات ضبط من كان يجد نفسه ضمن “انتفاضة ١٧ تشرين” وصوتها النقدي العالي. وسط هذه الأجواء يمكن أن تدفع تغريدة تضامن، أو نقد أزمة كبرى، صاحبها أو صاحبتها إلى الحذف، أو التعرّض للاقصاء من المؤسّسة الإعلامية.

لا يقتصر الأمر على ضبط المواقف الخاصّة، بل يتعدّاها الى انخراط بعض الصحافيين في الحملات المنظّمة، ليصبحوا أدوات حرب مباشرة. 

برز هذا في الحملات التي خاضها صحافيون، ومقدّمو برامج، وصحافيات في قناة MTV مثلاً، ضدّ شخصيّات سياسية ومواقع صحافية، كان لها موقف واضح من مسار الإصلاح المتعثّر، ونفوذ بعض المصرفيين الكبار والسياسيين فيه. 

خيضت هذه الحملات بأسلوب لا مهني، ويحفل بالشخصنة، وعبارات التخوين والتهويل، ويرتكز في غالبه على ترويج نظريات المؤامرة. وما شهدناه في لبنان في الشهرين الماضيين أبرز أمامنا مثالاً جديداً عن سطوة صاحب العمل وصاحب المال، بل ومشاعره أحياناً، عندما يثبت أنه نجح في إخضاع أصوات طرحت نفسها يوماً، على أنها ثورية غير قابلة للإخضاع.

دور “السقف العالي”

لا شكّ في أن التوظيف هو تحييد ناعم للصحافي، أو المثقّف، أو غيره، عبر وضعه تحت سقف المؤسّسة وحسابات صاحبها، خصوصاً إن كانت تختلف مع قناعاته، أو عندما تختلف معها. ويعين أصحاب المؤسّسات في ذلك، تغييب العمل النقابي. لكن هذا الأسلوب القديم يلبّي حاجة أخرى لدى مالك المؤسّسة، أو مموّلها من خلال توظيف أصحاب “السقف العالي”، حاجة نفسية، وهي الشعور بالانتصار والهيمنة على هذه الأصوات، حيث يُثبت أن المال، أو حبّ الظهور قادران على دفع هؤلاء إلى تجاوز مبادئهم، وتطويع شخصيّات كانت معارضة لنهجه والتحكّم بخطابها. فتختار هذه الأخيرة التمسّك بمصالحها وامتيازاتها، على التمسّك بمبادئ تجاهر بها. وتتحوّل، مثلاً، من معارضة شرسة للمصارف، إلى مدافعة عن مصالحها، أو محايدة أمام النقاش المحتدم، أو حريصة على انتقادها بطريقة مواربة لا تمسّ بمصالح المصرفيين المموّلين للمؤسّسة.

هذا ما يُشعر أًصحاب النفوذ بالدهاء، وبأنهم يستمدّون شرعية ما، عبر هذه الأصوات التي يمكن لهم وضعها كدرع صحافي في مواجهة الآخر الذي يشكّل تهديداً لمصالحهم الخاصّة. وربما يخالط تلك المشاعر شعور بالاحتقار الضمني تجاه الأصوات التي كان يُفترض بها المقاومة؛ بناء على ما تطرحه هي، لكنّها تختار الخضوع، وإن بحثت لنفسها عن مبرّرات، وحاولت إقناع نفسها والآخرين بها.

وبعيداً عمّا بات يُعرف حديثاً بالمؤثّرين، وعن الوجوه المعروفة، لطالما عملت السلطات في السابق على محاولة وضع المثقفين والمؤثّرين تحت جناحها وبمواجهة مصالح العامّة. بعض هؤلاء كان يوفّق بين تقاطعه مع المؤسّسة التي يعمل فيها، وإدراك هامش حرّيته فيها، والاستفادة منه من دون المزايدة في الشجاعة، أو الخوض في حملات موجّهة تطعن بحلفائه السابقين، وحتى بأصدقائه الحاليين. 

لكن المستوى الإعلامي تراجع اليوم تحت وطأة ضغط المال وانتشار قيم الشعبوية، وبات يفتقد في الكثير من الأحيان إلى أبسط المعايير، إلى درجة أنه حتى الحملات فقدت بعض “اللياقات” والذكاء، التي كانت تتمتّع بها من قبل. وهو ما شهدناه في حلقات من برنامجي مارسيل غانم وجو معلوف، وفي تقارير يُفترض أنها إخبارية، فتحوّلت إلى مساحات للثرثرة والنميمة، تستمدّ بعض محتواها من التلصّص على مجموعات عبر تطبيق “واتساب”. فما عاد هناك ما يميّز بعض الإعلاميين، الذي يظهرون في ساعات الذروة، عن مستخدمي وسائل التواصل ممن لم يحظوا بفرصة اكتساب العلم والمعرفة، وهُمّشوا وصاروا يتعاطون مع انتقاد الزعيم على أنه مسّ بمصالحهم يستدعي الشتم والسُعار.

سطوة صاحب العمل

كما تكرّرت مؤخّراً ذريعة يبرّر بها بعض الصحافيين خضوعهم لإملاءات صاحب العمل، وإن تطلّب ذلك انتهاكاً لأدنى المعايير المهنية والأخلاقية، أو الاستناد إلى تقارير صحافية يعلمون جيّداً أن أصحابها يلفّقون التهم. إذ بات يعتقد البعض أنه يمكنه التذرّع بـ”لقمة العيش”، ليرتضي القيام بمهامّ إعلامية تسبّب الضرر بالصالح العامّ، والأذى للأفراد ولأشخاص مهمّشين، وكأن الصحافة مهنة من لا مهنة له. في حين أنه وبحكم المتغيّرات التي طرأت على المهنة والأزمات المالية التي تضرب العاملين فيها، بات من الأسهل الاسترزاق من مهن أخرى، بدل التذرّع بالضرورات المعيشية لهدم أبسط المعايير المهنية.

وإزاء ما تتعرّض له المهنة في لبنان من اعتداء يمسّ بجوهرها، عبر حملات تحريضية وتضليلية تروّج مفاهيم خاطئة، تُحتّم المسؤولية على كلّ من يقدّم نفسه كثوري أو صاحب مبدأ، أن يرفض الإسفاف بحقّ زملاء خلوقين يقومون بعمل مهني، ويقدّمون موادّ منوّعة تدافع عن مصالح المجتمع والإنسان، ويشكّلون خطّ دفاع أمام تآكل المعايير وسطوة المصالح. فعندما تشتدّ الحملات ومحاولات التتفيه، كالتي شاهدناها في برامج وموادّ إعلامية مدفوعة من المصرفي أنطون صحناوي، تزداد الحاجة إلى موقف واضح يصوّب الأمور، أو أقلّه أن يرفض “الثوري” الاستفراد بمن يطرح قضايا المواطنين، ويجرؤ على المسّ بمصالح الفاسدين. 

كما تزداد الحاجة إلى مواقف تشدّد على التمسّك بأبسط المعايير لحماية الجسم الصحافي، ولإثبات أن أصواتهم غير قابلة للكتم أمام أصحاب المال والنفوذ قبل غيرهم، وأنه ليس من السهل التحكّم بها، خصوصاً أصحاب الامتيازات، فكلما قاومت تلك الأصوات، كلّما صعّبت مهمة تضييق هامش الحرّية المتاح في لبنان اليوم.