ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

دفاعاً عن ذكرى “ثورة يناير”… عن الذاكرة والوجود والجنون أيضاً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بيروت، عمَّان، باريس، وقبلها مصر، دمياط، بورسعيد، والقاهرة، ليست أماكن بقدر ما هي بحار، أنهار، وأشجار، قطَّعها الحاكم، كلّ واحدة منها نسخة ناقصة مني، أقلّ اكتمالاً من السابقة. المنفى لم يخطفني دفعة واحدة، بل فعل ذلك بالتقسيط: اللغة، الإيقاع، اللحن، والكلام، غير مفهوم، وغامض. الحبّ إن فشل، هذا هو نهاية المنفى، نهاية الإنسان، صدقاً. حينها، يُفقدك مكانك، أيّاً كان هذا المكان، وتصبح وجودك مثل عدمك، مؤقتاً، مشروطاً، مزيّفاً، متحايلاً، دائماً بين شيء فقدته، ربما ذكرى امرأة، ونَس صديق، عناق أختك، مثلاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هذا النصّ ترانيم حول المعنى… توجدني وتودّعني. 

في الذكرى الخامسة عشرة لـ”ثورة يناير”، لا أعود إلى الذكرى، ولا الشعارات، ولا البيت، ولا حتى إلى نفسي، أعود إلى الفراغ الذي خلّفَته. 

الفراغ أنا، الجسد. كأن الزمن، بدلاً من أن يُراكم المعنى، راكم طبقات من النفي، الشكّ والصمت، حتى إن بدا في تجلّيات الكلام والكتابة، صمت آخر، وجنون مستمرّ وعاجز. 

في الذكرى الماضية، الرابعة عشرة، كتبت نصّاً هادئاً وغاضباً، بعنوان “السياسة ومحطّات الانتحار”، وقتها كنت في بيروت، أتحضّر نحو عبور جديد، منفى آخر، ومن حياة معلّقة إلى مؤقّتة وتائهة. لم يكن النصّ معرفياً أبداً، بقدر ما كان تشريحاً واعترافاً لحالة ذاتية/ عامّة، تتساءل نيابة عني، كيف يمكن للحياة حين تُغلق كلّ منافذها، أن تدفع الإنسان إلى التفكير في اختفاءٍ ما، جسدي أو رمزي؟

اليوم، بعد عام، لا أملك يقيناً أكبر، فيَّ تعب أعمق وأسئلة جافَّة وإجابات مأساوية صامتةً، تحمل على أقمشتها دم رؤوس الأطفال المُقطَّعة، وتحمل صمتاً يتفرّج على الإبادة، الهزيمة، الكراهية، والمقاومة.

*****

“أخاف أن يموت فيَّ بقايا روحي، اليقين، رغم أنّه دون حرج، وبنصف سخرية، أُعلن هزيمته وموته قبل أن يموت، أو أنه مات فعلاً، كما أمزح دائماً، مثلاً. لا أمزح، مات، دون أن يتوقّف عن البكاء، الحركة، أو أظنّ ذلك.”

بالنسبة لي، لم تعد الحياة مشروعاً ولا وعداً، بل إحساس باقٍ بالكاد يشبه الأطلال التي أعرف أنها كانت عامرة، حارتي مثلاَ، لكنّني لم أعد أجرؤ على السكن فيها. حين أحاول استدعاء الحماسة القديمة، حماسة الحياة ذاتها، ولو أني لم أكن في أيّ ساعة مقبلاً على الحياة، في هذا الزمن المفقود، بمعناها العادي والمادّي، تأتيني مثقلة بسخرية سوداء، سوداء جدّاً، كأن الذاكرة نفسها صارت تشكّ في صِدقها. التجربة الثورية/ المشاعريّة في نقائها الأوّل، لم تختفِ، لكنّها تحوّلت إلى عبء أخلاقي ثقيل، دون وعي، يقول لي: استمرّ وحافظ على ما كُنت عليه من إيمان، في زمن لايقينيّ، وسؤال بهدوء يُلّح: ماذا أفعل بكلّ هذا الإيمان الذي لم يصل، يوماً إليَّ؟ وكيف أحوّله إلى إيمان أُدرك أنه لن يصل؟

لم أعد أتساءل لماذا فشلت الثورة، الحياة ذاتها؟ بل ماذا فعل هذا الفشل بي؟ وما تعريف الفشل والحياة ذاتها؟ وكيف تسللّ إلى داخلي وأعاد تشكيل علاقتي بالفعل، بالانتظار، باليأس، بالمشي مع الليل ونجومه، والحياة ذاتها، كأنها شيء ساحر، جمالي؟ لكنّني وهي أيضاً، فاشلة مثل السياسة، والحبّ، والجنون، والجنس. الجنس فاشل جدّاً، صدقاً، في زمننا الحياة لم تمت في الحياة فحسب، بل تآكلت فينا، أجسادنا تحوّلت إلى حزن كثيف، شعور دائم بأن كلّ محاولة متأخّرة، وأن كلّ فعل محكوم عليه بالعدم. حتى الفلسفة والشِعر منها، التي كنت ألوذ بها، بقراءتها وتأمّلها، لم تعد عزاءً؛ بل صارت سؤلاً فاضحاً، فإذا كان المعنى يُصنع بالفعل، فماذا نفعل حين يُصادر الفعل؟ والإنسان، إذا صادرَ نفسه، أقصد الإنسان الحقيقي، ماذا يتبقّى؟

أحياناً أشعر، خصوصاً حين أرى الشِعر، أن ما خسرته لم يكن سلطة ولا شارعاً ولا لحظة تاريخية، ولا حياة مثالية، ولا شَعر امرأة غير مثالية، بل القدرة على التخيّل. فقدتُ صورة الحاضر، ومَعها، فقدتْ الحياة لغتها، وجدانها. وحين يُفقد خيالها، لا يبقى من الحياة ومني، سوى إدارة للخسارة، باردة، في عالم ثقافي وإنساني بارد، بارد جدّاً، مثل عالم الشمال. 

ومع ذلك، يظلّ هذا الإحساس الحياتي بكلّ شاعريته، المتبقّي في وجداني حتى اللحظة، يقاوم الفناء الكامل، بعناد كسول غير مفهوم، أو كبقايا يقين لا أعرف لماذا لا يختفِ كلّياً؟ ولا ماذا يريد؟ 

أرفض السجن، هذه الأيّام، أخاف جدّاً من السجن، ودائما أتذكّر الجدران السوداء، قسوة هذا العالم، هذا الجسَد. وأخاف أن يموت فيَّ بقايا روحي، اليقين، رغم أنّه دون حرج، وبنصف سخرية، أُعلن هزيمته وموته قبل أن يموت، أو أنه مات فعلاً، كما أمزح دائماً، مثلاً. لا أمزح، مات، دون أن يتوقّف عن البكاء، الحركة، أو أظنّ ذلك.

*****

“أعيش حاضراً بلا جذور، وماضياً بلا استقرار. لا هذا يمسكني، ولا ذاك يعترف بي.”

المنفى.. آه من المنفى، فلا يبدأ عند تخطّي الحدود. يبدأ عند نسيان طعم ما تعوّدت على حلاوة طعمه. ترتّج الذاكرة، وتصبح التفاصيل في اهتزاز، مشكوكاً فيها. أحياناً، أتوهّم، هل عشت تلك اللحظات فعلاً، أم أختلقها لأحتمل الاستمرار؟ الذاكرة، التي ظننتها مخزناً للمعنى، الآن تحوّلت إلى عبء مزدوج، فائضها يوجع، وغيابها يُشككّ ويَهمس. يا حبيبي، لا تقلق، هذه بدايات الجنون، وأكرّر بطريقة أُخرى، كما يقول ممدوح عدوان، دفاعاً عن الجنون ونفسي، وكلّ متسوّلي الحياة، الحبّ، ورسائل العشق، والخوف، أجد نفسي فيه عالقاً، بين كثافة لا تُطاق، وفراغ ينخِر أفكاري كلّ ليلة، على سيمفونيات الألم، يتركني وحدي مع ذاتي المتآكلة، وجودياً بلا شراع، دون مرسى ولا مأوى، عند الرملة البيضاء، مثلاً. لكنّي، سأدافع عن الجنون، الهزيمة، الحبّ، والإنسان، سأدافع عن الذاكرة. 

أنسى مثلاً، أسماء شوارع، وجوهاً، نبرات صوت، ابتسامات كاذبة. قلت لأمّي، ذات مكالمة فائتة، بينما كانت تعلّمني طَبخ البامية، على ما أتذكر “اشتريتي مكتبة جديدة في البيت؟”، قالت: “هي ذات المكتبة، وذات البيت، أنت نسيتْ شكل البيت، ونسيتنا، ربما”. ضحكتْ وحزنتْ. حزنتُ وضحكتُ… أنسى مثلا، أشياء لا داعي لذكرها، لكنّها فارقة، أين أنا؟ انتظر ساعة؟ ربما، بعد استيقاظ الأوهام فيَّ، حتى أعرف؟ وعرفت؟ لكن، كيف؟ ولماذا؟ وهل سأعود؟ 

وأكتشف أن النسيان يمتدّ ليطال أشياء أثقل: غضبي القديم، إيماني الأوّل، تيه مشاعري، رؤيتي للعالم حين كنت أؤمن بشكل كلّي أن الفعل يخلق معنى. لكن، هذا الزمن ميَّع الفعل وذوَّب المعنى. هنا، النسيان ليس ضعفاً، بل حيلة بقاء، دون وعي، دفاعاً صامتاً. كأن العقل حين عجز عن مصالحة الفقدان، فاختار محوه، أو حتى نصفه، نصف قلبي. للأسف، كان مَحواً غير نظيف، جزءاً منه بفعل التخدير (المنوّمات والكحوليات والمخدّرات)، وتطاير الدخان، في الهواء ليلاً، فيترك فراغاً مظلماً، وبين الرماد يُبتلع كلّ ما تبقّى من الزمن، يجعل كلّ صورة أشبه بجرح مفتوح بلا نهاية، يحاول النجاة، يقول، كما كان رجل في السويداء يستغيث: “أنا سوري (إنسان) يا خيّ”، وفي النهاية، لا أُصلّي، ولا أنام، لكن، ربما، سأموت، أيضاً دفاعاً عن الموت، إنه مُريح، بعيداً عن الحرب والكراهية. 

في هذا العالم الفارغ، وعلى مرأى من اكتمال القمر، لا يكتمل سؤال المعنى، الذات، هل أنا مجموع ذكرياتي؟ الذاكرة تتآكل، وتجوع، فماذا يذكّرني؟ ويُطعمني، إنسان إلكتروني! يمثّل أنه إنسان أعلى، إلهي، مقاوم عروبي أو مثقّف انستغرامي! أعيش حاضراً بلا جذور، وماضياً بلا استقرار. لا هذا يمسكني، ولا ذاك يعترف بي. لكنني، وللأمانة، راضٍ جدّاً، وهادئ. أتمسّك وأعترف بي، أحياناً، الزمن يفقد معناه، يصبح دوراناً بطيئاً حول ذات مثقلة، الملائكة تشهد، والله يضحك، بلا تقدّم ولا ارتداد، مجرّد تكرار مستمرّ لخيبات صغيرة متراكمة، فَكبرت حتى الورود البيضاء، أمواج البحر، تفقد، في عيني، خفّة جمالها، وأبحث، مرّةً أخرى، عمّا فقدت، مثلاً.  

والمفارقة، ربما تكون قاسية أو هي قاسية فعلاً، أن ضعف الذاكرة لا يخفّف الذنب، بل يضاعفه. والإله، ربما، يُسامح دون تسبيح أو رجاء. كأن النسيان خيانة، والتذكّر واجب أخلاقي حتى لو كان مستحيلاً. حتى تذكّر نفسي ثقيلاً… ربما، التيه هو الشكل الوحيد المتاح للحياة، فلم يعد النسيان خياراً، بل شرط للاستمرار. كلّ محاولة لاستعادة الذات تشبه عبور جسر هزيل فوق هاوية، تشبيه هزيل كالحقيقة، أو كالحياة أو كحقيقة الحياة. لحظة يقظة تُذكّرني بأنني لم أعد أملك شيئاً، ولا مكاناً أعيش أو أموت فيه بالكامل، والحياة ناقصة، والموت ناقص، أقصد داخل نفسي، لا يوجد لـي مكان عندك يا الله، داخل روحي… ولا أعرف، لكن، أيضاً، دفاعاً عن الإله والملائكة. 

*****

“هنا، أنا، أو هناك، في منطقة هامشية، هشّة جدّاً، لكنّي الآن أشعر بصدقها.”

بيروت، عمَّان، باريس، وقبلها مصر، دمياط، بورسعيد، والقاهرة، ليست أماكن بقدر ما هي بحار، أنهار، وأشجار، قطَّعها الحاكم، كلّ واحدة منها نسخة ناقصة مني، أقلّ اكتمالاً من السابقة. المنفى لم يخطفني دفعة واحدة، بل فعل ذلك بالتقسيط: اللغة، الإيقاع، اللحن، والكلام، غير مفهوم، وغامض. الحبّ إن فشل، هذا هو نهاية المنفى، نهاية الإنسان، صدقاً. حينها، يُفقدك مكانك، أيّاً كان هذا المكان، وتصبح وجودك مثل عدمك، مؤقتاً، مشروطاً، مزيّفاً، متحايلاً، دائماً بين شيء فقدته، ربما ذكرى امرأة، ونَس صديق، عناق أختك، مثلاً.

الاستلاب لا يقتصر على الحياة، بل يسكن الوجود ذاته، هكذا عرّفه عمّ ماركس. أن تعيش دون اعتراف كامل. لا أنت من أهل المقهى، ولا المقهى من أهلك، والشارع، حاضراً وغائباً في حياتك، تصبح مهام إدارية مستمرّة: أوراق، مواعيد، طوابير، آه من الطوابير، أصوات، وأحياناً مجرّد صدى من صوتك غير مكتمل، لأن اكتماله مشروط بأيّ شيء ذي معنى حقيقي… إنني، أي الإنسان الناقص، كائن- في- العالم، أحمل عصفوراً يتيماً، مثل صديقي، عصفوراً أعمى “مكلبشاً” في ظلام الزنزانة. لكن، ماذا أفعل إذا كان العالم نفسه يقبلني على الهامش، وأحبّ الهامش، عندما أختاره لا حين يُفرض عليّ. ساعتها، يتقاطع الحياتي والسياسي منها مع الوجودي. المنفى هو استمرار سياسي داخل جسدي، وعيِّي، وروحي، استمرار شبَحي، له أثر ملموس وغير مَلموس، بخفّة وثِقل. 

ومع مرور الزمن الذي لم أعد أفرّق بينه كثيراً، أقصد، لم أعد أهتمّ بمراقبة أسماء الأيّام. سؤال الجدوى يتجلّى، لا كرغبة في الانتهاء، بل كشكّ فيَّ، وفي المعنى أكثر منّي. لماذا أستمرّ؟ ليس لأنني أؤمن، بل لأنني لم أعثر على بديل. الاستمرار نفسه يتحوّل إلى عادة، مثل الجنس، إلى فعل بلا سبب واضح أو إحساس صادق. وربما يكون هذا أقسى أشكال الاستلاب: أن تعيش لا لأنك اخترت الحياة، لأنك، يا مسكين، لم تمتلك يوماً رفاهية التنازل عنها، ولم يُسمح لك بتجربة الهروب الكامل، إلى الطبيعة، الجبال الخضراء، ومن نفسك، والزمن الباقي. ومع ذلك، يبقى شيء، مني عارياً، يقاوم الفناء الكامل، كما قلت، بقايا يقين غامض لا أعرف سبب بقائه، لكنّه، وأكرّر، يرفض أن يموت، أن يستسلم للشرَّ، الشرّ ليس تافهاً، الإنسان التافه، العابث، وأحلم بالجمال حتى لو كنت مهزوماً، وإن تحوّل كلّ معنى إلى مجرّد عبث حياتي، فربما، دفاعاً عن الحلم، الجمال، والعبث.

لا أكتب هذا النصّ العفوي/ الهامشي/ المُضطرب، لأقول شيئاً واضحاً أو لأصل إلى نتيجة؛ لأن النتائج نفسها تخلّت عنّا جميعاً منذ زمن، منذ جحيم الخلق والنار، أكتبه كصلاة، كقُبلة، تعوّدني على البقاء والتجريب، كمحاولة متأخّرة لترتيب الفوضى الداخلية، أو على الأقلّ للاعتراف بها، الرفض، الضعف، ورائحة الدم، دم المراهقة، حين كان يتطاير الدخان، وتتمايل الأغصان، لا أحتفل ولا أرثي ولا أتذكّر. 

هنا، أنا، أو هناك، في منطقة هامشية، هشّة جدّاً، لكنّي الآن أشعر بصدقها. 

لم يتبقَّ من الثورة، الذكرى، والألم، سوى هذه القدرة العنيدة على السؤال، الشكّ، والامتناع عن التماهي الكامل مع الهزيمة، الوهم، الحبّ. فلم يتبقَّ مني سوى هذه اليد التي تكتب، رغم التيه، تآكل الذاكرة، والمنفى الذي استقرّ في الداخل… حتى طَعم الملوخية، لم أعد أتذوّقه، كما كان، ربما، يحتاج إلى يد أخرى، ومكان قديم، بجانب شبّاك بيتي، مع أولاد أختي مثلاً. لا أعرف إن كان هذا يكفي، أعرف، أنه لن يقود إلى أي شيء، أعرف، أنه ما زال ممكناً، وهذا وحده، في زمن كهذا، ليس أمراً هيّناً مثلاً، دفاعاً عن الكتابة. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
24.01.2026
زمن القراءة: 8 minutes

بيروت، عمَّان، باريس، وقبلها مصر، دمياط، بورسعيد، والقاهرة، ليست أماكن بقدر ما هي بحار، أنهار، وأشجار، قطَّعها الحاكم، كلّ واحدة منها نسخة ناقصة مني، أقلّ اكتمالاً من السابقة. المنفى لم يخطفني دفعة واحدة، بل فعل ذلك بالتقسيط: اللغة، الإيقاع، اللحن، والكلام، غير مفهوم، وغامض. الحبّ إن فشل، هذا هو نهاية المنفى، نهاية الإنسان، صدقاً. حينها، يُفقدك مكانك، أيّاً كان هذا المكان، وتصبح وجودك مثل عدمك، مؤقتاً، مشروطاً، مزيّفاً، متحايلاً، دائماً بين شيء فقدته، ربما ذكرى امرأة، ونَس صديق، عناق أختك، مثلاً.

هذا النصّ ترانيم حول المعنى… توجدني وتودّعني. 

في الذكرى الخامسة عشرة لـ”ثورة يناير”، لا أعود إلى الذكرى، ولا الشعارات، ولا البيت، ولا حتى إلى نفسي، أعود إلى الفراغ الذي خلّفَته. 

الفراغ أنا، الجسد. كأن الزمن، بدلاً من أن يُراكم المعنى، راكم طبقات من النفي، الشكّ والصمت، حتى إن بدا في تجلّيات الكلام والكتابة، صمت آخر، وجنون مستمرّ وعاجز. 

في الذكرى الماضية، الرابعة عشرة، كتبت نصّاً هادئاً وغاضباً، بعنوان “السياسة ومحطّات الانتحار”، وقتها كنت في بيروت، أتحضّر نحو عبور جديد، منفى آخر، ومن حياة معلّقة إلى مؤقّتة وتائهة. لم يكن النصّ معرفياً أبداً، بقدر ما كان تشريحاً واعترافاً لحالة ذاتية/ عامّة، تتساءل نيابة عني، كيف يمكن للحياة حين تُغلق كلّ منافذها، أن تدفع الإنسان إلى التفكير في اختفاءٍ ما، جسدي أو رمزي؟

اليوم، بعد عام، لا أملك يقيناً أكبر، فيَّ تعب أعمق وأسئلة جافَّة وإجابات مأساوية صامتةً، تحمل على أقمشتها دم رؤوس الأطفال المُقطَّعة، وتحمل صمتاً يتفرّج على الإبادة، الهزيمة، الكراهية، والمقاومة.

*****

“أخاف أن يموت فيَّ بقايا روحي، اليقين، رغم أنّه دون حرج، وبنصف سخرية، أُعلن هزيمته وموته قبل أن يموت، أو أنه مات فعلاً، كما أمزح دائماً، مثلاً. لا أمزح، مات، دون أن يتوقّف عن البكاء، الحركة، أو أظنّ ذلك.”

بالنسبة لي، لم تعد الحياة مشروعاً ولا وعداً، بل إحساس باقٍ بالكاد يشبه الأطلال التي أعرف أنها كانت عامرة، حارتي مثلاَ، لكنّني لم أعد أجرؤ على السكن فيها. حين أحاول استدعاء الحماسة القديمة، حماسة الحياة ذاتها، ولو أني لم أكن في أيّ ساعة مقبلاً على الحياة، في هذا الزمن المفقود، بمعناها العادي والمادّي، تأتيني مثقلة بسخرية سوداء، سوداء جدّاً، كأن الذاكرة نفسها صارت تشكّ في صِدقها. التجربة الثورية/ المشاعريّة في نقائها الأوّل، لم تختفِ، لكنّها تحوّلت إلى عبء أخلاقي ثقيل، دون وعي، يقول لي: استمرّ وحافظ على ما كُنت عليه من إيمان، في زمن لايقينيّ، وسؤال بهدوء يُلّح: ماذا أفعل بكلّ هذا الإيمان الذي لم يصل، يوماً إليَّ؟ وكيف أحوّله إلى إيمان أُدرك أنه لن يصل؟

لم أعد أتساءل لماذا فشلت الثورة، الحياة ذاتها؟ بل ماذا فعل هذا الفشل بي؟ وما تعريف الفشل والحياة ذاتها؟ وكيف تسللّ إلى داخلي وأعاد تشكيل علاقتي بالفعل، بالانتظار، باليأس، بالمشي مع الليل ونجومه، والحياة ذاتها، كأنها شيء ساحر، جمالي؟ لكنّني وهي أيضاً، فاشلة مثل السياسة، والحبّ، والجنون، والجنس. الجنس فاشل جدّاً، صدقاً، في زمننا الحياة لم تمت في الحياة فحسب، بل تآكلت فينا، أجسادنا تحوّلت إلى حزن كثيف، شعور دائم بأن كلّ محاولة متأخّرة، وأن كلّ فعل محكوم عليه بالعدم. حتى الفلسفة والشِعر منها، التي كنت ألوذ بها، بقراءتها وتأمّلها، لم تعد عزاءً؛ بل صارت سؤلاً فاضحاً، فإذا كان المعنى يُصنع بالفعل، فماذا نفعل حين يُصادر الفعل؟ والإنسان، إذا صادرَ نفسه، أقصد الإنسان الحقيقي، ماذا يتبقّى؟

أحياناً أشعر، خصوصاً حين أرى الشِعر، أن ما خسرته لم يكن سلطة ولا شارعاً ولا لحظة تاريخية، ولا حياة مثالية، ولا شَعر امرأة غير مثالية، بل القدرة على التخيّل. فقدتُ صورة الحاضر، ومَعها، فقدتْ الحياة لغتها، وجدانها. وحين يُفقد خيالها، لا يبقى من الحياة ومني، سوى إدارة للخسارة، باردة، في عالم ثقافي وإنساني بارد، بارد جدّاً، مثل عالم الشمال. 

ومع ذلك، يظلّ هذا الإحساس الحياتي بكلّ شاعريته، المتبقّي في وجداني حتى اللحظة، يقاوم الفناء الكامل، بعناد كسول غير مفهوم، أو كبقايا يقين لا أعرف لماذا لا يختفِ كلّياً؟ ولا ماذا يريد؟ 

أرفض السجن، هذه الأيّام، أخاف جدّاً من السجن، ودائما أتذكّر الجدران السوداء، قسوة هذا العالم، هذا الجسَد. وأخاف أن يموت فيَّ بقايا روحي، اليقين، رغم أنّه دون حرج، وبنصف سخرية، أُعلن هزيمته وموته قبل أن يموت، أو أنه مات فعلاً، كما أمزح دائماً، مثلاً. لا أمزح، مات، دون أن يتوقّف عن البكاء، الحركة، أو أظنّ ذلك.

*****

“أعيش حاضراً بلا جذور، وماضياً بلا استقرار. لا هذا يمسكني، ولا ذاك يعترف بي.”

المنفى.. آه من المنفى، فلا يبدأ عند تخطّي الحدود. يبدأ عند نسيان طعم ما تعوّدت على حلاوة طعمه. ترتّج الذاكرة، وتصبح التفاصيل في اهتزاز، مشكوكاً فيها. أحياناً، أتوهّم، هل عشت تلك اللحظات فعلاً، أم أختلقها لأحتمل الاستمرار؟ الذاكرة، التي ظننتها مخزناً للمعنى، الآن تحوّلت إلى عبء مزدوج، فائضها يوجع، وغيابها يُشككّ ويَهمس. يا حبيبي، لا تقلق، هذه بدايات الجنون، وأكرّر بطريقة أُخرى، كما يقول ممدوح عدوان، دفاعاً عن الجنون ونفسي، وكلّ متسوّلي الحياة، الحبّ، ورسائل العشق، والخوف، أجد نفسي فيه عالقاً، بين كثافة لا تُطاق، وفراغ ينخِر أفكاري كلّ ليلة، على سيمفونيات الألم، يتركني وحدي مع ذاتي المتآكلة، وجودياً بلا شراع، دون مرسى ولا مأوى، عند الرملة البيضاء، مثلاً. لكنّي، سأدافع عن الجنون، الهزيمة، الحبّ، والإنسان، سأدافع عن الذاكرة. 

أنسى مثلاً، أسماء شوارع، وجوهاً، نبرات صوت، ابتسامات كاذبة. قلت لأمّي، ذات مكالمة فائتة، بينما كانت تعلّمني طَبخ البامية، على ما أتذكر “اشتريتي مكتبة جديدة في البيت؟”، قالت: “هي ذات المكتبة، وذات البيت، أنت نسيتْ شكل البيت، ونسيتنا، ربما”. ضحكتْ وحزنتْ. حزنتُ وضحكتُ… أنسى مثلا، أشياء لا داعي لذكرها، لكنّها فارقة، أين أنا؟ انتظر ساعة؟ ربما، بعد استيقاظ الأوهام فيَّ، حتى أعرف؟ وعرفت؟ لكن، كيف؟ ولماذا؟ وهل سأعود؟ 

وأكتشف أن النسيان يمتدّ ليطال أشياء أثقل: غضبي القديم، إيماني الأوّل، تيه مشاعري، رؤيتي للعالم حين كنت أؤمن بشكل كلّي أن الفعل يخلق معنى. لكن، هذا الزمن ميَّع الفعل وذوَّب المعنى. هنا، النسيان ليس ضعفاً، بل حيلة بقاء، دون وعي، دفاعاً صامتاً. كأن العقل حين عجز عن مصالحة الفقدان، فاختار محوه، أو حتى نصفه، نصف قلبي. للأسف، كان مَحواً غير نظيف، جزءاً منه بفعل التخدير (المنوّمات والكحوليات والمخدّرات)، وتطاير الدخان، في الهواء ليلاً، فيترك فراغاً مظلماً، وبين الرماد يُبتلع كلّ ما تبقّى من الزمن، يجعل كلّ صورة أشبه بجرح مفتوح بلا نهاية، يحاول النجاة، يقول، كما كان رجل في السويداء يستغيث: “أنا سوري (إنسان) يا خيّ”، وفي النهاية، لا أُصلّي، ولا أنام، لكن، ربما، سأموت، أيضاً دفاعاً عن الموت، إنه مُريح، بعيداً عن الحرب والكراهية. 

في هذا العالم الفارغ، وعلى مرأى من اكتمال القمر، لا يكتمل سؤال المعنى، الذات، هل أنا مجموع ذكرياتي؟ الذاكرة تتآكل، وتجوع، فماذا يذكّرني؟ ويُطعمني، إنسان إلكتروني! يمثّل أنه إنسان أعلى، إلهي، مقاوم عروبي أو مثقّف انستغرامي! أعيش حاضراً بلا جذور، وماضياً بلا استقرار. لا هذا يمسكني، ولا ذاك يعترف بي. لكنني، وللأمانة، راضٍ جدّاً، وهادئ. أتمسّك وأعترف بي، أحياناً، الزمن يفقد معناه، يصبح دوراناً بطيئاً حول ذات مثقلة، الملائكة تشهد، والله يضحك، بلا تقدّم ولا ارتداد، مجرّد تكرار مستمرّ لخيبات صغيرة متراكمة، فَكبرت حتى الورود البيضاء، أمواج البحر، تفقد، في عيني، خفّة جمالها، وأبحث، مرّةً أخرى، عمّا فقدت، مثلاً.  

والمفارقة، ربما تكون قاسية أو هي قاسية فعلاً، أن ضعف الذاكرة لا يخفّف الذنب، بل يضاعفه. والإله، ربما، يُسامح دون تسبيح أو رجاء. كأن النسيان خيانة، والتذكّر واجب أخلاقي حتى لو كان مستحيلاً. حتى تذكّر نفسي ثقيلاً… ربما، التيه هو الشكل الوحيد المتاح للحياة، فلم يعد النسيان خياراً، بل شرط للاستمرار. كلّ محاولة لاستعادة الذات تشبه عبور جسر هزيل فوق هاوية، تشبيه هزيل كالحقيقة، أو كالحياة أو كحقيقة الحياة. لحظة يقظة تُذكّرني بأنني لم أعد أملك شيئاً، ولا مكاناً أعيش أو أموت فيه بالكامل، والحياة ناقصة، والموت ناقص، أقصد داخل نفسي، لا يوجد لـي مكان عندك يا الله، داخل روحي… ولا أعرف، لكن، أيضاً، دفاعاً عن الإله والملائكة. 

*****

“هنا، أنا، أو هناك، في منطقة هامشية، هشّة جدّاً، لكنّي الآن أشعر بصدقها.”

بيروت، عمَّان، باريس، وقبلها مصر، دمياط، بورسعيد، والقاهرة، ليست أماكن بقدر ما هي بحار، أنهار، وأشجار، قطَّعها الحاكم، كلّ واحدة منها نسخة ناقصة مني، أقلّ اكتمالاً من السابقة. المنفى لم يخطفني دفعة واحدة، بل فعل ذلك بالتقسيط: اللغة، الإيقاع، اللحن، والكلام، غير مفهوم، وغامض. الحبّ إن فشل، هذا هو نهاية المنفى، نهاية الإنسان، صدقاً. حينها، يُفقدك مكانك، أيّاً كان هذا المكان، وتصبح وجودك مثل عدمك، مؤقتاً، مشروطاً، مزيّفاً، متحايلاً، دائماً بين شيء فقدته، ربما ذكرى امرأة، ونَس صديق، عناق أختك، مثلاً.

الاستلاب لا يقتصر على الحياة، بل يسكن الوجود ذاته، هكذا عرّفه عمّ ماركس. أن تعيش دون اعتراف كامل. لا أنت من أهل المقهى، ولا المقهى من أهلك، والشارع، حاضراً وغائباً في حياتك، تصبح مهام إدارية مستمرّة: أوراق، مواعيد، طوابير، آه من الطوابير، أصوات، وأحياناً مجرّد صدى من صوتك غير مكتمل، لأن اكتماله مشروط بأيّ شيء ذي معنى حقيقي… إنني، أي الإنسان الناقص، كائن- في- العالم، أحمل عصفوراً يتيماً، مثل صديقي، عصفوراً أعمى “مكلبشاً” في ظلام الزنزانة. لكن، ماذا أفعل إذا كان العالم نفسه يقبلني على الهامش، وأحبّ الهامش، عندما أختاره لا حين يُفرض عليّ. ساعتها، يتقاطع الحياتي والسياسي منها مع الوجودي. المنفى هو استمرار سياسي داخل جسدي، وعيِّي، وروحي، استمرار شبَحي، له أثر ملموس وغير مَلموس، بخفّة وثِقل. 

ومع مرور الزمن الذي لم أعد أفرّق بينه كثيراً، أقصد، لم أعد أهتمّ بمراقبة أسماء الأيّام. سؤال الجدوى يتجلّى، لا كرغبة في الانتهاء، بل كشكّ فيَّ، وفي المعنى أكثر منّي. لماذا أستمرّ؟ ليس لأنني أؤمن، بل لأنني لم أعثر على بديل. الاستمرار نفسه يتحوّل إلى عادة، مثل الجنس، إلى فعل بلا سبب واضح أو إحساس صادق. وربما يكون هذا أقسى أشكال الاستلاب: أن تعيش لا لأنك اخترت الحياة، لأنك، يا مسكين، لم تمتلك يوماً رفاهية التنازل عنها، ولم يُسمح لك بتجربة الهروب الكامل، إلى الطبيعة، الجبال الخضراء، ومن نفسك، والزمن الباقي. ومع ذلك، يبقى شيء، مني عارياً، يقاوم الفناء الكامل، كما قلت، بقايا يقين غامض لا أعرف سبب بقائه، لكنّه، وأكرّر، يرفض أن يموت، أن يستسلم للشرَّ، الشرّ ليس تافهاً، الإنسان التافه، العابث، وأحلم بالجمال حتى لو كنت مهزوماً، وإن تحوّل كلّ معنى إلى مجرّد عبث حياتي، فربما، دفاعاً عن الحلم، الجمال، والعبث.

لا أكتب هذا النصّ العفوي/ الهامشي/ المُضطرب، لأقول شيئاً واضحاً أو لأصل إلى نتيجة؛ لأن النتائج نفسها تخلّت عنّا جميعاً منذ زمن، منذ جحيم الخلق والنار، أكتبه كصلاة، كقُبلة، تعوّدني على البقاء والتجريب، كمحاولة متأخّرة لترتيب الفوضى الداخلية، أو على الأقلّ للاعتراف بها، الرفض، الضعف، ورائحة الدم، دم المراهقة، حين كان يتطاير الدخان، وتتمايل الأغصان، لا أحتفل ولا أرثي ولا أتذكّر. 

هنا، أنا، أو هناك، في منطقة هامشية، هشّة جدّاً، لكنّي الآن أشعر بصدقها. 

لم يتبقَّ من الثورة، الذكرى، والألم، سوى هذه القدرة العنيدة على السؤال، الشكّ، والامتناع عن التماهي الكامل مع الهزيمة، الوهم، الحبّ. فلم يتبقَّ مني سوى هذه اليد التي تكتب، رغم التيه، تآكل الذاكرة، والمنفى الذي استقرّ في الداخل… حتى طَعم الملوخية، لم أعد أتذوّقه، كما كان، ربما، يحتاج إلى يد أخرى، ومكان قديم، بجانب شبّاك بيتي، مع أولاد أختي مثلاً. لا أعرف إن كان هذا يكفي، أعرف، أنه لن يقود إلى أي شيء، أعرف، أنه ما زال ممكناً، وهذا وحده، في زمن كهذا، ليس أمراً هيّناً مثلاً، دفاعاً عن الكتابة.