المضيّ قدماً بعينين معصوبتين، والتحسّس في الظلام، والتدبير وحدنا، والتحمّل… ومع قليل من الحظّ، تكون هناك أمّ أو صديقة ترشدانك، هكذا يبدو المشهد الذي رسمته لي النساء اللواتي التقيتُ بهنّ.
تحوّل، إعادة اكتشاف الذات، خجل، حداد، أو تحرّر… نحاول معاً أن نفهم لماذا لا يزال سنّ انقطاع الطمث موضوعاً محرّماً إلى هذا الحدّ؟ سأتحدّث كأنثى، وعن النساء، لكن هذا الحديث ليس مخصّصاً للنساء فقط.
عندما جاءتني دورتي الشهرية، كان الأمر مُحضَّراً له عبر الحكايات: حكايات صديقاتي في المدرسة، وحصص التربية الدينية حيث كان يُتحدَّث عن الطهارة. أتذكّر جيّداً أنه في سنّ الحادية عشرة، دعتني إحدى الصديقات في المدرسة إلى حفلة أقامتها والدتها على شرف بلوغها، وكأنها تعلن أن ابنتها أصبحت الآن امرأة.
كان لدينا كلّ شيء: نعرف كلّ شيء، لم يتبقَّ سوى الانتظار. لكنّ المرحلة التالية التي سنصلها بعد سنوات طويلة، أعني تلك التي ستُمثّل مرحلة توقّف هذه الدورات التي كانت تنظّم حياتنا… تبدو لي أكثر غموضاً بكثير، لا شيء ولا أحد يهيّئنا لتلك اللحظة.
ما لفتني لدى النساء اللواتي طلبن جلسات استشارية للحديث عن تلك المرحلة، هو الرغبة في الكلام، الحاجة الملحّة إلى البوح. نساء في الخمسينيات من أعمارهنّ لا يُشبهن إطلاقا تلك المنشورات التي اعتدنا مشاهدتها في العيادات الطبّية النسائية، كنتُ أستمع إليهن بعينين مذهولتين تجاوزتا قدرتهما على الاستيعاب.
واحدة من السيّدات اللواتي تحدّثت إلي عن تجربتها، قالت إنه لو كان لا بدّ فعلاً من تشبيه مرحلة انقطاع الطمث برحلة، فسيكون أقرب إلى هذا: “أشعر وكأنهم رموني على زورق في وسط نهر، وقالوا لي: أنتِ تنطلقين من هنا، وستصلين إلى هناك. لكن كيف تصلين؟ دبّري أمركِ بنفسك”.
سيّدة أخرى شدّدت على غياب الكلام والتوعية المسبقة، وعلى قوّة التابو المرتبط بهذا الموضوع. إحدى من التقيت بهن قالت لي إنها كذّبت لمدّة خمس سنوات قبل أن تُعلن لزوجها أن دورتها الشهرية قد اختفت، كانت تخشى ألّا تعود المرأة التي عرفها وأحبّها.
دفعني ذلك إلى القراءة أكثر والبحث، ثم إلى قرار واضح: أن نتحدّث أكثر عن انقطاع الدورة الشهرية، إذ لا ينبغي أن تبقى النساء وحيدات في هذه التجربة. هناك نوع من الغموض يحيط بهذه المرحلة، تصل النساء إلى سنّ انقطاع الطمث ولا أحد يُخبرهنّ بشيء، ونادراً ما يُتحدّث عنها علناً.
لم أكن أفكّر في الأمر من قبل، لكن ما كنت أسمعه من المراجِعات بدا لي صادماً.
إنها مرحلة من حياة النساء، مرحلة تؤثّر فينا جميعاً بعمق، ومع ذلك، وحتى بين النساء، نادراً ما نتحدّث عنها. في جيلي، لم نكن نتحدّث كثيراً عن الحياة الجنسية أو عن الجسد، لكنّ سنّ انقطاع الطمث تحديداً، ظلّ محاطاً بصمت ثقيل.
نقول بسهولة إن كلّ امرأة مختلفة، وإن كلّ تجربة فريدة، لكنّ كلمات معيّنة تتكرّر في جميع الجلسات: الوحدة، العزلة، الخجل، ونقص المعرفة. اختلاف التجارب لا يلغي تشابه الشعور، ولا يخفّف من وطأة العيش في الظلّ.
شخصياً، بدأ جهلي بسنّ انقطاع الطمث من عدم معرفتي حتى بالفئة العمرية المعنيّة به، ما اضطرّني إلى العودة إلى الأساس العلمي. بحسب منظّمة الصحّة العالمية، تصل معظم النساء إلى مرحلة انقطاع الطمث الطبيعي بين الخامسة والأربعين والخامسة والخمسين من العمر، ويقع المتوسّط العالمي تقريباً عند الحادية والخمسين، ويُعدّ هذا التحوّل جزءاً طبيعياً من مسار التقدّم البيولوجي في العمر، لا حالة مرضية بحدّ ذاته.
مصطلح مينوبوز (Menopause) مشتقّ من كلمتين: Meno وتعني الطمث، Pause وتعني التوقّف. لا يحصل هذا التغيّر في جسم المرأة فجأة، بل هو تحوّل تدريجي وطويل الأمد، وتمرّ المرأة خلاله بعدّة مراحل متداخلة:
الفترة السابقة (Premenopause).
حيث تبدأ التغيّرات الهرمونية بالظهور بشكل خفيف، وقد تطرأ اضطرابات بسيطة على الدورة الشهرية.
الفترة المحيطة (Perimenopause).
وهي مرحلة انتقالية قد تمتدّ من أربع إلى عشر سنوات، وتتّسم بعدم انتظام الدورة وظهور أعراض جسدية ونفسية متنوّعة، إلى أن تتوقّف الدورة نهائياً.
المرحلة المناخية أو الانتقالية (Climatère).
وهو مصطلح يشمل مجموع هذه المراحل: ما قبل الإياس، وما حوله، وما بعد انقطاع الطمث، ويعبّر عن التحوّل الهرموني الكامل في حياة المرأة.
أمّا بالنسبة إلى منى ، مثلاً، فقد حدث الأمر لديها بوضوح في سنّ أبكر. استقبلتُها عبر الشاشة منذ عام، قالت لي: “منذ خمس سنوات، كنتُ في الواقع صغيرة السنّ نسبياً. في دائرة صديقاتي ومعارفي، كنتُ أول من مرّت بهذه التجربة”.
ما عاشته آنذاك كان أشبه باضطرابات متفرّقة: تغيّرات في المزاج، في النوم، في الجسد، في الإحساس. احتاجت وقتاً طويلاً لتضع هذه القطع إلى جانب بعضها بعضاً، إلى أن سمّت ما تعيشه: سنّ انقطاع الطمث.
إقرأوا أيضاً:
تقول منى: “في البداية، وبما أنني كنتُ الوحيدة بين صديقاتي وعائلتي التي تعاني من كلّ هذه “الاختلالات الصغيرة”، قلتُ لنفسي: حسناً، ماذا يحدث لي؟وفعلاً، يُعدّ سنّ الحادية والأربعين مبكراً نسبياً، وبكلمات مقتضبة قالت لي طبيبتي النسائية يوماً: حاولي أن تجدي اختصاصياً نفسياً، أنتِ لا تفعلين شيئاً سوى البكاء… هل أنتِ واعية بما يحدث؟”.
تتابع منى: “أنا لستُ شخصاً ثابتاً تماماً، لطالما كانت لديّ لحظات ضعف. لكن في تلك الفترة، كنتُ أقول لنفسي: غريب… أنا أنهار، لكننّي لا أفهم لماذا؟ لم يكن لدي سبب واضح لعدم الشعور المعنوي الجيّد أو للقلق، ولم أكن أفهم ما يحدث. كأنك فجأة تفقدين نقاط ارتكازك، ولا تعودين تشعرين بجسدك ولا بذهنك كما في السابق”.
أثناء استماعي إلى هذه الشهادات، عادت إلى ذاكرتي كتيّبات أحضرتها والدتي إلى المنزل حين كنت في المرحلة الثانوية. قرأتُ بعضها دون أن أفهم، وحين سألتها أخبرتني أنها تحاول أن تفهم التغيّرات التي بدأت تطرأ على جسدها مع دخولها مرحلة انقطاع الطمث. بدا لي الأمر آنذاك مبكراً، فقد كانت دون الخمسين، وكنتُ أنا نفسي بعيدة زمنياً وجسدياً عن هذا التحوّل، غير قادرة حتى على الاعتراف بحدوثه لأمّي لاحقاً، أدركت أن هذا الجهل لم يكن فردياً، بل كان جزءاً من صمت جماعي يحيط بمرحلة مفصلية في حياة النساء، رغم أهمّيتها البيولوجية والنفسية.
يتكرّر هذا الصمت في شهادات نساء كثيرات، منهن مريم التي بالكاد تجرّأت على الحديث عمّا كانت تعيشه في البداية: هشاشة متزايدة، حساسية مفرطة، وإحساس تدريجي بفقدان الجاذبية، مقابل غياب أيّ سؤال بسيط من المحيط: “هل أنتِ بخير؟”.
ورغم كونها امرأة مستقلّة، واعية بحقوقها، ظلّ الحديث عن الهبّات الحرارية، التعرّق المفاجئ، الألم، وتغيّرات الجسد محاطاً بالحرج، لأن هذه التجارب لا تُعد “جذّابة” في مجتمع يُعيد تعريف قيمة المرأة باستمرار، وفق قدرتها على الإرضاء لا على العيش. هكذا يتحوّل انقطاع الطمث إلى تجربة تُعاش بصمت، لا لأنها هامشية، بل لأن التعبير عنها يُعدّ إزعاجاً غير مرغوب فيه.
بقى سنّ انقطاع الطمث موضوعاً محصوراً في حميمية ضيّقة بين النساء. صحيح أننا نادراً ما نتحدّث عنه بوصفه عمليّة طبيعية تمرّ بها جميع النساء بأشكال مختلفة، لكنّ الحقيقة أنه موضوع لا يُقال علناً، ولا يُعترف به كمرحلة حياتية قائمة بذاتها.
وأنا جالسة أمام منى، شعرتُ بحاجتها العميقة إلى مشاركة تجربتها، ليس فقط لتروي ما عاشته، بل كي لا تعيش أخريات تلك الوحدة التي فُرضت عليها رغماً عنها. كان دخولها مرحلة ما حول سنّ انقطاع الطمث عنيفاً بعض الشيء. ففي منتصف الثلاثينيات من عمرها، اضطرّت للخضوع لعمليّة جراحية بسبب سرطان في الرحم، من دون أن يخبرها أيّ طبيب أن استئصال هذا العضو قد يؤدّي، في كثير من الأحيان، إلى سنّ يأس مبكر.
وجدت نفسها وحيدة، تتساءل عمّا يحدث في جسمها بعد الجراحة، تحاول فهم أعراض متفرّقة لا رابط واضح بينها. إلى أن أدركت، تقريباً بالمصادفة – وبفضل مسلسل تلفزيوني – أن ما تعيشه هو في الواقع أعراض مرحلة ما حول سنّ انقطاع الطمث، عندها فقط قرّرت استشارة طبيب.
قيل لها يومها، إن عدداً متزايداً من النساء أصبحن يتقبّلن تماماً حقيقة مرورهنّ بسنّ انقطاع الطمث، لكنّها علّقت بوضوح: المسألة، بالنسبة إليها، لم تكن تقبّلاً، بقدر ما كانت محاولة فهم، كلّ ما أرادته في البداية كان أن تعرف: هل ما يحدث لها مرتبط بالعمليّة الجراحية؟ أم أنه جزء من أعراض سنّ انقطاع الطمث؟
جاءها الردّ ملتبساً: قد يكون مرتبطاً بالعمليّة، وقد يكون نفسياً، ولا يمكن الجزم إن كان الأمر مرَضياً أم لا. لذلك أصرّت طويلاً على إجراء فحوصات هرمونية، إلى أن قيل لها أخيراً إن لديها انخفاضاً في مستوى الإستروجين، وإن هذا قد يكون السبب، وهو ما بدا، في حدّ ذاته، أمراً جنونياً بعد كلّ هذا الضياع.
للخروج من هذا الضياع، تخبرني سماح أنها قضت ما يقارب عاماً كاملاً تبحث بنفسها عن المعلومات. تقول إنها لم تجد كتاباً واحداً بالعربية عن سنّ انقطاع الطمث، واضطرّت للبحث بلغات أخرى لا تتقنها بما يسمح لها بالفهم العميق، وتشير إلى أن الحديث عن هذه المرحلة يُختزل غالباً في الهبّات الحرارية، وكأنها العارض الوحيد، بينما الواقع أكثر تعقيداً بكثير، وهذا الاختزال تبسيط مخلّ للتجربة.
لكن، أمام اضطرابات جسدية ونفسية بهذا العمق، لا يمكن الاكتفاء بمحرّك البحث غوغل كمرجع وحيد. فالسؤال المتكرّر: “أنا مكتئبة… هل هذا سنّ انقطاع الطمث؟” لا يجد إجابة واضحة. وما أفهمه من خلال الاستماع إلى منى ومريم وسماح هو أن كثيراً من الأطبّاء لا يزالون غير مهيّئين بما يكفي للتعامل مع هذه المرحلة.
تقول سماح إنها زارت عدداً من أطبّاء النساء، كانوا يستقبلونها لربع ساعة، ينظرون إلى الساعة، ثم يطرحون السؤال نفسه: هل تريدين الهرمونات أم لا؟ وكأن الخيارات تُختزل كلّها في هذا القرار.
مسألة العلاجات الهرمونية شديدة الإشكال، وغالباً ما تُقدَّم بوصفها الحلّ الوحيد. ففي ستينيات القرن الماضي، كانت تُعطى بلا حساب، إلى أن شكّل العام 2002 نقطة تحوّل حادّة بعد صدور دراسة أظهرت زيادة مخاطر الإصابة بسرطان الثدي وأمراض القلب والسكتات الدماغية وتكوّن الجلطات. كانت تلك الدراسة بمثابة زلزال في الخطاب الطبّي حول سنّ انقطاع الطمث، وأدّت إلى قطيعة حقيقية مع ممارسات استمرّت لعقود.
اكتشفتُ، بدهشة، أن المعرفة الطبّية الحالية حول هذه المرحلة لا يتجاوز عمرها عشرين عاماً فقط. وإذا كانت النساء يعرفن القليل عن انقطاع الطمث، فذلك لأننا لا نزال في بدايات فهم القضايا الطبّية المرتبطة به.
اليوم، لا يزال استخدام العلاجات الهرمونية موضع نقاش. ويُطلب من النساء تعويض ما ينقصهنّ كي يبقين “كما كنّ”. لكنّ انقطاع الطمث لا يُختصر في وصفة، ولا يُمحى بحبّة. إنه مرحلة تُعاش، بما تحمله من تحوّل، وهشاشة، وإعادة ترتيب للعلاقة مع الجسد والزمن، مرحلة تفتح أسئلة أكثر ممّا تقدّم أجوبة.













