ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

دور الرعاية في السعودية: سجون للنساء غير المطيعات!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فتيات وشابّات قلن إنهن تعرّضن للجلد وسوء المعاملة في ما يُعرف بـدور الرعاية بعد مشادّات مع آبائهن أو أزواجهن

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

توم ليفيت وديبا بارينت

انتشرت مؤخّراً صورة لامرأة شابّة ترتدي عباءة سوداء، واقفة على حافّة نافذة في الطابق الثاني، بشكل خطير، في مدينة شمال غرب السعودية، ويظهر في  صورة أخرى مجموعة من الرجال يرافقونها إلى الأسفل بمساعدة رافعة.

هوّية المرأة غير معروفة، لكنّها كانت محتجزة على ما يُزعَم في أحد “السجون” السرّية الشهيرة في السعودية، والمخصّصة للنساء اللواتي نُبذن من قِبل عائلاتهن أو أزواجهن، بسبب العصيان، أو العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج، أو الغياب عن المنزل.

تختزل الصورة  معاناة المئات أو أكثر، من الفتيات والنساء الشابّات اللواتي يُعتقد أنهن محتجزات في مثل هذه المنشآت، حيث يُفترض أنهن يخضعن لإعادة تأهيل ليتمكنّ من العودة إلى أسرهن.

الحديث العلني، أو مشاركة لقطات من داخل دور الرعاية هذه، أمر مستحيل في بلد يبدو أن الأصوات المطالبة بحقوق النساء فيه، قد أُسكتت. لكن خلال الأشهر الستّة الماضية جمعت صحيفة “الغارديان” شهادات عن واقع الحياة داخل هذه المؤسّسات، التي وُصفت بأنها “جحيمية، حيث  تتعرّض المحتجزات للجلد أسبوعياً، وتُفرض عليهن دروس دينية قسرية، ولا يُسمح لهن بالزيارات أو الاتّصال بالعالم الخارجي”.

ويُقال إن الظروف هناك سيّئة للغاية، لدرجة أنه تمّ تسجيل عدّة حالات انتحار، أو محاولات انتحار،  ويمكن أن تقضي النساء سنوات وهن محتجزات غير قادرات على الخروج، من دون إذن من الأسرة، أو ولي أمر ذكر.

تقول امرأة سعودية شابّة تمكّنت لاحقاً من الفرار خارج السعودية: “كلّ فتاة نشأت في السعودية تعرف عن دور الرعاية ومدى فظاعتها، إنها مثل الجحيم. حاولت إنهاء حياتي عندما علمت أنه سيتمّ أخذي إليها، كنت أعلم ما يحدث هناك، وقلت لنفسي، لن أتمكّن من النجاة”.

وتقول الناشطة السعودية مريم الدوسري المقيمة في لندن: “الفتاة أو المرأة الشابّة تبقى هناك طالما استغرق الأمر لقبول القواعد”.

تحتفل السعودية باستضافة كأس العالم للرجال، وتروّج لنفسها بدقّة على الساحة العالمية كدولة إصلاحية، لكنّها  تواجه النساء اللاتي تجرّأن على المطالبة علناً بمزيد من الحقوق والحرّيات،  بالإقامة الجبرية أو السجن أو النفي. 

يقول النشطاء إن “دور الرعاية في البلاد هي إحدى الأدوات الأقلّ شهرة، التي يستخدمها النظام للسيطرة على النساء ومعاقبتهن”، ويطالبون بإلغائها. في حين يصف  مسؤولون سعوديون  دور الرعاية التي أُنشئت في أنحاء البلاد في الستينيات، بأنها “توفّر ملاذاً للفتيات المتّهمات، أو المدانات بجرائم مختلفة”، ويقولون إنها تُستخدم لـ”إعادة تأهيل النزيلات بمساعدة أطباء نفسيين لإعادتهن إلى أسرهن”.

لكنّ سارة اليحيى التي بدأت حملة لإلغاء دور الرعاية، تحدّثت إلى عدد من الفتيات اللواتي وصفن هذه الدور بأنها “نظام عنيف، حيث تخضع النزيلات لتفتيش جسدي واختبارات عذرية عند الوصول، ويُعطين مهدّئات للنوم”.

تقول سارة: “إنها سجون وليست دور رعاية كما يحبّون تسميتها. هناك تنادي النساء بعضهن بعضاً بالأرقام، الرقم 35 تعالي هنا مثلاً، وعندما تشارك إحداهن اسم عائلتها تُجلد، إذا لم تصلِّ تُجلد، إذا وُجدت وحدها مع فتاة أخرى تُجلد وتُتّهم بأنها مثلية، يجتمع الحراس ويشاهدون عندما تُجلد الفتيات”، وتكشف سارة التي تبلغ الآن 38 عاماً وتعيش في المنفى، أن والديها هدّدوها بإرسالها إلى دار الرعاية منذ أن كانت في الثالثة عشرة، وتضيف: “كان والدي يستخدم دور الرعاية كتهديد إذا لم أستجب لتحرّشه الجنسي بي”، لافتة إلى أن “الفتيات والنساء قد يواجهن معضلة مروّعة في الاختيار بين دار الرعاية، أو البقاء في منزل يتعرّضن فيه للعنف”، وتتابع: “يجعلون من المستحيل على الآخرين مساعدة النساء الهاربات من سوء المعاملة. أعرف امرأة حُكم عليها بالسجن ستّة أشهر لأنها ساعدت ضحيّة عنف. توفير المأوى في حالة المرأة المتّهمة بـالغياب، هو جريمة في السعودية”، وتختم سارة قائلة: “إذا تمّ الاعتداء الجنسي عليك، أو حملت من شقيقك أو والدك، أنتِ من تُرسلين إلى دار الرعاية لحماية سمعة العائلة”.

أمينة (اسم مستعار-25  عاماً)  تقول إنها لجأت إلى دار رعاية في بريدة؛ مدينة في وسط السعودية، بعد أن تعرّضت للضرب من والدها، وتقول إن المبنى كان قديماً ومتداعياً ومقلقاً، والموظّفين باردون وغير متعاونين، وقد قلّلوا من شأن تجربتها وقالوا لها إن الفتيات الأخريات كن في وضع أسوأ بكثير، وكنّ مقيدات بالسلاسل في منازلهن، وطلبوا منها أن تشكر الله أن وضعها ليس بذلك السوء.

في اليوم التالي استدعى الموظّفون والدها كما تقول أمينة، لكنّهم لم يفعلوا الكثير لحمايتها، طلبوا منا كتابة “شروطنا”. طلبت أمينة  ألا  تُضرب،  أو تُجبر  على الزواج، وأن يُسمح لها بالعمل، وطلب والدها  “أن تحترم  الجميع، وألا تغادر  المنزل من دون إذن، وأن تكون  دائماً برفقة محرم”، تقول أمينة: “وقّعت من الخوف، لم أشعر أن لدي خياراً”.

تقول أمينة إن الضرب استمرّ عندما عادت إلى المنزل، وفي النهاية اضطرّت للفرار إلى المنفى، وتشرح: “أتذكّر أنني كنت وحيدة تماماً وخائفة، شعرت أنني سجينة في منزلي من دون حماية أو دفاع عني من أحد، شعرت أن حياتي غير مهمّة، وأنه حتى لو حدث لي شيء فظيع فلن يهتمّ أحد”.

تتعلّم الفتيات الصغيرات الخوف من دار الرعاية في سنّ مبكرة، تقول  شمس (اسم مستعار) إنها كانت في السادسة عشرة عندما جاءت امرأة كانت في إحدى دور الرعاية إلى مدرستها، وأخبرت الصف أنها بدأت علاقة مع شابّ، وأُلقي القبض عليها من قِبل الشرطة الدينية، وأُجبرت على الاعتراف لوالدها، وبعد أن  حملت تبرّأت منها عائلتها، ورفض والد الطفل الزواج بها، فأُرسلت إلى دار الرعاية، تضيف شمس: “قالوا لنا حينها إذا مارست المرأة الجنس أو دخلت في علاقة تصبح رخيصة، أما الرجل فيبقى رجلاً دائماً، وإذا جعلت المرأة نفسها رخيصة فستبقى كذلك إلى الأبد”.

ليلى(اسم مستعار)  لا تزال تعيش في السعودية، وتقول إنها أُخذت إلى دار الرعاية بعد أن اشتكت للشرطة من والدها وإخوتها، وكشفت أنهم أساءوا إليها، ثم اتّهموها بجلب العار للعائلة، بعد أن نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عن حقوق المرأة، وبقيت في دار الرعاية حتى وافق والدها على إطلاق سراحها، رغم أنه يُزعم أنه هو أساء إليها.

تقول ناشطة سعودية في مجال حقوق المرأة رفضت الكشف عن اسمها: “هؤلاء النساء ليس لديهن أحد. يمكن أن يُتخلّى عنهن لسنوات حتى من دون ارتكاب جريمة. الطريقة الوحيدة للخروج هي من خلال ولي أمر ذكر، أو الزواج، أو القفز من المبنى. كان بعض الرجال المسنّين أو المدانين سابقاً الذين لا يجدون زوجة، يبحثون عن زوجة في هذه المؤسّسات، بعض النساء كنّ يقبلن بذلك كسبيل وحيد للخروج”.

تقول الناشطة فوزية العتيبي التي اضطرّت للفرار من البلاد في عام 2022، إن “بعض الرجال السعوديين يقولون إن المرأة تستحقّ أن تكون هناك، أو يجب أن تكون ممتنّة لأن الحكومة توفّر مرافق لحمايتها”، وتضيف: “لا أحد يجرؤ على التغريد أو الحديث عن هذه الأماكن. لا أحد سيسأل عنك عندما تذهبين إلى هناك. يجعلون الضحايا يشعرن بالخجل”.

يقول النشطاء إنه إذا كان النظام السعودي جادّاً بشأن حقوق المرأة، فعليه إصلاح نظام دور الرعاية، وتوفير ملاجئ آمنة حقيقية لضحايا العنف. 

وتقول ناشطة سعودية تعيش الآن في المنفى: “هناك نساء لديهن عائلات جيّدة لا تسيء إليهن ولا تُخفيهن، لكن العديد منهن يعشن تحت قيود صارمة، ويعانين من سوء المعاملة بصمت. الدولة تدعم هذا العنف من خلال هذه المؤسّسات، إنها موجودة فقط للتمييز ضدّ النساء، لماذا تسمح السلطات السعودية ببقائها مفتوحة؟”.

تقول منظّمة “القسط لحقوق الإنسان” إن “منشآت دار الرعاية معروفة داخل السعودية كأدوات للدولة، لفرض المعايير الجندرية، وتتعارض بشدّة مع سردية السلطات السعودية حول تمكين المرأة”، وتلفت نادين عبد العزيز مسؤولة الحملات في المنظّمة: “إذا كانوا جادّين بشأن تقدّم حقوق المرأة، فعليهم إلغاء هذه الممارسات التمييزية، والسماح بإنشاء ملاجئ حقيقية تحمي، بدلاً من معاقبة من تعرّضن لسوء المعاملة”.

قال متحدّث باسم الحكومة السعودية إن “هناك شبكة من مرافق الرعاية المتخصّصة التي تدعم الفئات الضعيفة، بمن فيهم النساء والأطفال المتضرّرون من العنف الأسري”، ورفض بشكل قاطع الادّعاءات المتعلّقة بالاحتجاز القسري، أو سوء المعاملة، أو الإكراه.

وأضاف: “هذه ليست مراكز احتجاز، وأي ادّعاء بإساءة المعاملة يُؤخذ على محمل الجدّ، ويخضع لتحقيق شامل… النساء حرّات في المغادرة في أي وقت، سواء لحضور المدرسة، أو العمل، أو الأنشطة الشخصيّة الأخرى، ويمكنهن الخروج بشكل دائم متى شئن دون الحاجة إلى موافقة من ولي أمر، أو أحد أفراد الأسرة”.

وأشار إلى أن “تقارير العنف الأسري تُستقبِل عبر خط ساخن مخصّص وسرّي، وأن الحالات كلّها تُعالج بسرعة لضمان سلامة المتضرّرين”.

نشر هذا التحقيق بداية بالإنجليزية في صحيفة “الغارديان

12.06.2025
زمن القراءة: 6 minutes

فتيات وشابّات قلن إنهن تعرّضن للجلد وسوء المعاملة في ما يُعرف بـدور الرعاية بعد مشادّات مع آبائهن أو أزواجهن

توم ليفيت وديبا بارينت

انتشرت مؤخّراً صورة لامرأة شابّة ترتدي عباءة سوداء، واقفة على حافّة نافذة في الطابق الثاني، بشكل خطير، في مدينة شمال غرب السعودية، ويظهر في  صورة أخرى مجموعة من الرجال يرافقونها إلى الأسفل بمساعدة رافعة.

هوّية المرأة غير معروفة، لكنّها كانت محتجزة على ما يُزعَم في أحد “السجون” السرّية الشهيرة في السعودية، والمخصّصة للنساء اللواتي نُبذن من قِبل عائلاتهن أو أزواجهن، بسبب العصيان، أو العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج، أو الغياب عن المنزل.

تختزل الصورة  معاناة المئات أو أكثر، من الفتيات والنساء الشابّات اللواتي يُعتقد أنهن محتجزات في مثل هذه المنشآت، حيث يُفترض أنهن يخضعن لإعادة تأهيل ليتمكنّ من العودة إلى أسرهن.

الحديث العلني، أو مشاركة لقطات من داخل دور الرعاية هذه، أمر مستحيل في بلد يبدو أن الأصوات المطالبة بحقوق النساء فيه، قد أُسكتت. لكن خلال الأشهر الستّة الماضية جمعت صحيفة “الغارديان” شهادات عن واقع الحياة داخل هذه المؤسّسات، التي وُصفت بأنها “جحيمية، حيث  تتعرّض المحتجزات للجلد أسبوعياً، وتُفرض عليهن دروس دينية قسرية، ولا يُسمح لهن بالزيارات أو الاتّصال بالعالم الخارجي”.

ويُقال إن الظروف هناك سيّئة للغاية، لدرجة أنه تمّ تسجيل عدّة حالات انتحار، أو محاولات انتحار،  ويمكن أن تقضي النساء سنوات وهن محتجزات غير قادرات على الخروج، من دون إذن من الأسرة، أو ولي أمر ذكر.

تقول امرأة سعودية شابّة تمكّنت لاحقاً من الفرار خارج السعودية: “كلّ فتاة نشأت في السعودية تعرف عن دور الرعاية ومدى فظاعتها، إنها مثل الجحيم. حاولت إنهاء حياتي عندما علمت أنه سيتمّ أخذي إليها، كنت أعلم ما يحدث هناك، وقلت لنفسي، لن أتمكّن من النجاة”.

وتقول الناشطة السعودية مريم الدوسري المقيمة في لندن: “الفتاة أو المرأة الشابّة تبقى هناك طالما استغرق الأمر لقبول القواعد”.

تحتفل السعودية باستضافة كأس العالم للرجال، وتروّج لنفسها بدقّة على الساحة العالمية كدولة إصلاحية، لكنّها  تواجه النساء اللاتي تجرّأن على المطالبة علناً بمزيد من الحقوق والحرّيات،  بالإقامة الجبرية أو السجن أو النفي. 

يقول النشطاء إن “دور الرعاية في البلاد هي إحدى الأدوات الأقلّ شهرة، التي يستخدمها النظام للسيطرة على النساء ومعاقبتهن”، ويطالبون بإلغائها. في حين يصف  مسؤولون سعوديون  دور الرعاية التي أُنشئت في أنحاء البلاد في الستينيات، بأنها “توفّر ملاذاً للفتيات المتّهمات، أو المدانات بجرائم مختلفة”، ويقولون إنها تُستخدم لـ”إعادة تأهيل النزيلات بمساعدة أطباء نفسيين لإعادتهن إلى أسرهن”.

لكنّ سارة اليحيى التي بدأت حملة لإلغاء دور الرعاية، تحدّثت إلى عدد من الفتيات اللواتي وصفن هذه الدور بأنها “نظام عنيف، حيث تخضع النزيلات لتفتيش جسدي واختبارات عذرية عند الوصول، ويُعطين مهدّئات للنوم”.

تقول سارة: “إنها سجون وليست دور رعاية كما يحبّون تسميتها. هناك تنادي النساء بعضهن بعضاً بالأرقام، الرقم 35 تعالي هنا مثلاً، وعندما تشارك إحداهن اسم عائلتها تُجلد، إذا لم تصلِّ تُجلد، إذا وُجدت وحدها مع فتاة أخرى تُجلد وتُتّهم بأنها مثلية، يجتمع الحراس ويشاهدون عندما تُجلد الفتيات”، وتكشف سارة التي تبلغ الآن 38 عاماً وتعيش في المنفى، أن والديها هدّدوها بإرسالها إلى دار الرعاية منذ أن كانت في الثالثة عشرة، وتضيف: “كان والدي يستخدم دور الرعاية كتهديد إذا لم أستجب لتحرّشه الجنسي بي”، لافتة إلى أن “الفتيات والنساء قد يواجهن معضلة مروّعة في الاختيار بين دار الرعاية، أو البقاء في منزل يتعرّضن فيه للعنف”، وتتابع: “يجعلون من المستحيل على الآخرين مساعدة النساء الهاربات من سوء المعاملة. أعرف امرأة حُكم عليها بالسجن ستّة أشهر لأنها ساعدت ضحيّة عنف. توفير المأوى في حالة المرأة المتّهمة بـالغياب، هو جريمة في السعودية”، وتختم سارة قائلة: “إذا تمّ الاعتداء الجنسي عليك، أو حملت من شقيقك أو والدك، أنتِ من تُرسلين إلى دار الرعاية لحماية سمعة العائلة”.

أمينة (اسم مستعار-25  عاماً)  تقول إنها لجأت إلى دار رعاية في بريدة؛ مدينة في وسط السعودية، بعد أن تعرّضت للضرب من والدها، وتقول إن المبنى كان قديماً ومتداعياً ومقلقاً، والموظّفين باردون وغير متعاونين، وقد قلّلوا من شأن تجربتها وقالوا لها إن الفتيات الأخريات كن في وضع أسوأ بكثير، وكنّ مقيدات بالسلاسل في منازلهن، وطلبوا منها أن تشكر الله أن وضعها ليس بذلك السوء.

في اليوم التالي استدعى الموظّفون والدها كما تقول أمينة، لكنّهم لم يفعلوا الكثير لحمايتها، طلبوا منا كتابة “شروطنا”. طلبت أمينة  ألا  تُضرب،  أو تُجبر  على الزواج، وأن يُسمح لها بالعمل، وطلب والدها  “أن تحترم  الجميع، وألا تغادر  المنزل من دون إذن، وأن تكون  دائماً برفقة محرم”، تقول أمينة: “وقّعت من الخوف، لم أشعر أن لدي خياراً”.

تقول أمينة إن الضرب استمرّ عندما عادت إلى المنزل، وفي النهاية اضطرّت للفرار إلى المنفى، وتشرح: “أتذكّر أنني كنت وحيدة تماماً وخائفة، شعرت أنني سجينة في منزلي من دون حماية أو دفاع عني من أحد، شعرت أن حياتي غير مهمّة، وأنه حتى لو حدث لي شيء فظيع فلن يهتمّ أحد”.

تتعلّم الفتيات الصغيرات الخوف من دار الرعاية في سنّ مبكرة، تقول  شمس (اسم مستعار) إنها كانت في السادسة عشرة عندما جاءت امرأة كانت في إحدى دور الرعاية إلى مدرستها، وأخبرت الصف أنها بدأت علاقة مع شابّ، وأُلقي القبض عليها من قِبل الشرطة الدينية، وأُجبرت على الاعتراف لوالدها، وبعد أن  حملت تبرّأت منها عائلتها، ورفض والد الطفل الزواج بها، فأُرسلت إلى دار الرعاية، تضيف شمس: “قالوا لنا حينها إذا مارست المرأة الجنس أو دخلت في علاقة تصبح رخيصة، أما الرجل فيبقى رجلاً دائماً، وإذا جعلت المرأة نفسها رخيصة فستبقى كذلك إلى الأبد”.

ليلى(اسم مستعار)  لا تزال تعيش في السعودية، وتقول إنها أُخذت إلى دار الرعاية بعد أن اشتكت للشرطة من والدها وإخوتها، وكشفت أنهم أساءوا إليها، ثم اتّهموها بجلب العار للعائلة، بعد أن نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عن حقوق المرأة، وبقيت في دار الرعاية حتى وافق والدها على إطلاق سراحها، رغم أنه يُزعم أنه هو أساء إليها.

تقول ناشطة سعودية في مجال حقوق المرأة رفضت الكشف عن اسمها: “هؤلاء النساء ليس لديهن أحد. يمكن أن يُتخلّى عنهن لسنوات حتى من دون ارتكاب جريمة. الطريقة الوحيدة للخروج هي من خلال ولي أمر ذكر، أو الزواج، أو القفز من المبنى. كان بعض الرجال المسنّين أو المدانين سابقاً الذين لا يجدون زوجة، يبحثون عن زوجة في هذه المؤسّسات، بعض النساء كنّ يقبلن بذلك كسبيل وحيد للخروج”.

تقول الناشطة فوزية العتيبي التي اضطرّت للفرار من البلاد في عام 2022، إن “بعض الرجال السعوديين يقولون إن المرأة تستحقّ أن تكون هناك، أو يجب أن تكون ممتنّة لأن الحكومة توفّر مرافق لحمايتها”، وتضيف: “لا أحد يجرؤ على التغريد أو الحديث عن هذه الأماكن. لا أحد سيسأل عنك عندما تذهبين إلى هناك. يجعلون الضحايا يشعرن بالخجل”.

يقول النشطاء إنه إذا كان النظام السعودي جادّاً بشأن حقوق المرأة، فعليه إصلاح نظام دور الرعاية، وتوفير ملاجئ آمنة حقيقية لضحايا العنف. 

وتقول ناشطة سعودية تعيش الآن في المنفى: “هناك نساء لديهن عائلات جيّدة لا تسيء إليهن ولا تُخفيهن، لكن العديد منهن يعشن تحت قيود صارمة، ويعانين من سوء المعاملة بصمت. الدولة تدعم هذا العنف من خلال هذه المؤسّسات، إنها موجودة فقط للتمييز ضدّ النساء، لماذا تسمح السلطات السعودية ببقائها مفتوحة؟”.

تقول منظّمة “القسط لحقوق الإنسان” إن “منشآت دار الرعاية معروفة داخل السعودية كأدوات للدولة، لفرض المعايير الجندرية، وتتعارض بشدّة مع سردية السلطات السعودية حول تمكين المرأة”، وتلفت نادين عبد العزيز مسؤولة الحملات في المنظّمة: “إذا كانوا جادّين بشأن تقدّم حقوق المرأة، فعليهم إلغاء هذه الممارسات التمييزية، والسماح بإنشاء ملاجئ حقيقية تحمي، بدلاً من معاقبة من تعرّضن لسوء المعاملة”.

قال متحدّث باسم الحكومة السعودية إن “هناك شبكة من مرافق الرعاية المتخصّصة التي تدعم الفئات الضعيفة، بمن فيهم النساء والأطفال المتضرّرون من العنف الأسري”، ورفض بشكل قاطع الادّعاءات المتعلّقة بالاحتجاز القسري، أو سوء المعاملة، أو الإكراه.

وأضاف: “هذه ليست مراكز احتجاز، وأي ادّعاء بإساءة المعاملة يُؤخذ على محمل الجدّ، ويخضع لتحقيق شامل… النساء حرّات في المغادرة في أي وقت، سواء لحضور المدرسة، أو العمل، أو الأنشطة الشخصيّة الأخرى، ويمكنهن الخروج بشكل دائم متى شئن دون الحاجة إلى موافقة من ولي أمر، أو أحد أفراد الأسرة”.

وأشار إلى أن “تقارير العنف الأسري تُستقبِل عبر خط ساخن مخصّص وسرّي، وأن الحالات كلّها تُعالج بسرعة لضمان سلامة المتضرّرين”.

نشر هذا التحقيق بداية بالإنجليزية في صحيفة “الغارديان