قبل سبع وثلاثين سنة، في مساء 23 آب/ أغسطس 1989، أمسك مليونا إنسان بأيدي بعضهم بعضاً على امتداد ستمئة كيلومتر تقريباً، من فيلنيوس إلى ريغا وصولاً إلى تالين، في مشهد بقي يُختصر لاحقاً بعبارة “طريق البلطيق”. كان ذلك المشهد السلمي احتجاجاً على معاهدة مولوتوف-ريبنتروب، التي ألحقت دول البلطيق الثلاث بالاتحاد السوفياتي قسراً عام 1940، وقد نجح خلال أشهر قليلة في إحراج الكرملين وفتح الطريق أمام استقلال ليتوانيا ثم لاتفيا وإستونيا بين 1990 و1991.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف، وبعدما دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الخامس، هو: أين أصبحت هذه الدول الثلاث الصغيرة التي وقفت يوماً في وجه إمبراطورية نووية؟ وكيف أعادت الحرب في أوكرانيا تشكيل علاقتها بموسكو، وبأقلياتها الروسية، وبحلف الناتو الذي أصبحت اليوم خط دفاعه الأمامي؟
أولاً: إرث “طريق البلطيق” وذاكرة الاستقلال السلمي
لم يكن نجاح دول البلطيق في تفادي مصير دموي شبيه بما حدث في يوغوسلافيا أو بعض جمهوريات القوقاز مصادفة، بل نتاج مزيج من الدبلوماسية والمقاومة المدنية المنظّمة. فحين حاول الكرملين في كانون الثاني/ يناير 1991 استعادة زمام السيطرة عسكرياً عبر اقتحام مبنى الإذاعة والتلفزيون والبرلمان في فيلنيوس وريغا، لم يواجهه الليتوانيون واللاتفيون بالسلاح، بل بمئات آلاف المواطنين الذين شكّلوا متاريس بشرية حول المباني السيادية، فيما عُرف بأحداث “المتاريس”. وقد أحرجت تلك الصور – الدبابات في مواجهة مدنيين يغنون – موسكو دولياً، وساهمت في منعها من المضيّ في قمع شامل.
وإزاء إرث سوفياتي ثقيل شمل وجود مئات الآلاف من المستوطنين الروس، اختارت الدول الثلاث مساراً قانونياً بدل المواجهة: منحت ليتوانيا الجنسية التلقائية لجميع المقيمين على أراضيها في ما عُرف بـ”الخيار الصفري”، في حين اشترطت لاتفيا وإستونيا اجتياز اختبارات لغة وتاريخ لمن لم يكن مواطناً قبل عام 1940، ومنحتا من تبقّى وضع “غير المواطن” (Non-citizen) بجوازات سفر رمادية. وقد امتصّ هذا الترتيب الغضب لعقدين من الزمن، قبل أن يعاد فتحه بقوة بعد عام 2022، كما سيأتي لاحقاً.
وفي موازاة ذلك، قادت الدول الثلاث مفاوضات هادئة أفضت إلى مغادرة آخر جندي سوفياتي/ روسي أراضيها بحلول صيف 1994، ثم توّجت مسارها بالانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في ربيع 2004.
“لم تكن هذه الدول الثلاث تراهن على السلاح، بل على الشرعية الدولية والاندماج المؤسسي كضمانة وجودية”.
ثانياً: الحرب في أوكرانيا تعيد فتح ملف الأقلية الروسية
غيّر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط/ فبراير 2022 جذرياً، الطريقة التي تنظر بها دول البلطيق إلى الازدواجية اللغوية والثقافية التي تعايشت معها لعقود. فما كان يُدار سابقاً بوصفه ملف اندماج تدريجي، تحوّل إلى قضية أمن قومي مباشر، إذ باتت النخب السياسية في ريغا وتالين وفيلنيوس ترى في الحضور الروسي – اللغوي والإعلامي والديموغرافي – نقطة ضعف بإمكان موسكو استغلالها على غرار ما فعلته في دونباس وشبه جزيرة القرم.
التحوّل اللغوي الكامل
أقرّت إستونيا ولاتفيا خططاً لإنهاء التعليم الناطق بالروسية بشكل كامل، بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى المدارس الثانوية، وفرضتا على موظفي القطاعين العام والخدمي إتقان اللغة الوطنية تحت طائلة الغرامة. وترافق ذلك مع حظر واسع للإعلام الروسي الرسمي الذي كان الجيل الأكبر سناً من الناطقين بالروسية يعتمد عليه، ما عمّق شعوراً بالتهميش لدى هذه الفئة تحديداً، في مقابل جيل أصغر نشأ داخل الاتحاد الأوروبي ويتحدث اللغتين ويميل إلى الاندماج بدل المواجهة.
لاتفيا: البؤرة الأكثر احتقاناً
تُظهر التطورات الأحدث أن لاتفيا، حيث يشكّل الناطقون بالروسية نحو ربع السكان وقرابة نصف سكان العاصمة ريغا والمدن الشرقية الحدودية مثل دوجافبيلس، أصبحت الساحة الأكثر توتراً في هذا الملف. فمنذ آب/ أغسطس 2024 بدأت السلطات اللاتفية إرسال إخطارات رسمية لآلاف من حاملي الجواز الروسي المقيمين على أراضيها، تُلزمهم بإثبات إتقان اللغة اللاتفية عند مستوى لا يقل عن “إيه 2″، إضافة إلى الخضوع لمراجعة أمنية وتعبئة استمارة تتضمن أسئلة حول موقفهم من الحرب على أوكرانيا وضمّ شبه جزيرة القرم. ووفق تقارير صحافية، صدرت خلال خريف 2025، رحّلت لاتفيا ما يزيد عن 800 شخص لم يجتازوا الاختبار أو لم يستكملوا الإجراءات الأمنية، بينهم أشخاص تجاوزوا السبعين من العمر، ما دفع منظمات حقوقية محلية إلى تقديم مساعدة قانونية ولغوية مجانية للمسنين، بينما ردّت موسكو بوصف الإجراء بأنه “اضطهاد عرقي” وأعلنت عن آلية لاستقبال المرحّلين وتوطينهم داخل روسيا.
في المقابل، تبقى ليتوانيا الأقل توتراً في هذا الملف بحكم تركيبتها السكانية؛ إذ لا تتجاوز نسبة الناطقين بالروسية فيها 6 في المئة، وقد استفادت من “الخيار الصفري” الذي طبّقته منذ الاستقلال، فمنحت الجنسية للجميع من دون شروط لغوية معقدة. أما إستونيا، حيث تبلغ نسبة الروس نحو 22 في المئة ويتركزون بكثافة تفوق الـ90 في المئة في مقاطعة إيدا-فيرو ومدينة نارفا الحدودية، فتتبع مساراً وسطياً يجمع بين “الأسْتَنة” الكاملة للتعليم ومنع حاملي الجنسية الروسية من التصويت في الانتخابات المحلية، مع مراقبة أمنية مشدّدة لهذه المنطقة المعزولة جغرافياً وثقافياً.
ورافقت هذه السياسات حملة موازية لإزالة النصب والرموز السوفياتية من الساحات العامة، وهو إجراء تراه الأقليات الروسية طمساً لذاكرة أجدادها الذين قاتلوا النازية، بينما تعتبره حكومات البلطيق تخلّصاً من رموز احتلال. ويبقى الانقسام الجيلي هو السمة الأبرز لهذا المشهد: جيل أكبر سناً يشعر بالغبن ويظل مرتبطاً عاطفياً بموسكو، وجيل أصغر يرى في الاندماج الأوروبي مستقبله الطبيعي.
ثالثاً: البلطيق كخط دفاع أول لحلف الناتو
لم يعد حلف الناتو ينظر إلى دول البلطيق بوصفها “أطرافاً” هامشية في الجغرافيا الأطلسية، بل بوصفها الخط الأمامي الأكثر تعرضاً لأي مواجهة محتملة مع روسيا. فمنذ عام 2022 تخلّى الحلف عن عقيدته القديمة القائمة على “تحرير الأرض بعد سقوطها” لصالح عقيدة “الدفاع عن كل شبر منذ اللحظة الأولى”، وهو ما تُرجم عملياً برفع مستوى “الوجود الأمامي المعزز”(EFP) من كتائب صغيرة إلى ألوية قتالية كاملة.
في ليتوانيا: تقود ألمانيا مجموعة قتالية، وتُنشئ قاعدة عسكرية دائمة يُتوقع أن تضم نحو خمسة آلاف جندي بحلول عام 2027.
في لاتفيا: تقود كندا لواءً متعدد الجنسيات بلغ قوامه أكثر من 3500 جندي، مع خطط لرفع عديد القوات الكندية إلى نحو 2200 جندي، وقد أعلن هذا اللواء بلوغه الجاهزية القتالية الكاملة خلال عام 2026.
إقرأوا أيضاً:
في إستونيا: تقود بريطانيا المجموعة القتالية، ووقّعت الدولتان خارطة طريق دفاعية ثنائية توسّع الحضور العسكري البريطاني، وتشمل تموضعاً مسبقاً لمعدات لواء بريطاني قابل للانتشار السريع.
وتشير تقارير حديثة إلى أن ألمانيا وهولندا اتفقتا، بالتنسيق مع الناتو، على تكليف “فيلق ألماني-هولندي مشترك” بمسؤولية الدفاع عن إستونيا ولاتفيا، في خطوة تضيف طبقة قيادية جديدة إلى البنية الدفاعية لمنطقة تُعد من أكثر مناطق الحلف تعرضاً للخطر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. ويترافق هذا التعزيز العسكري مع قفزة كبيرة في الإنفاق الدفاعي لدول البلطيق الثلاث، التي باتت من بين الدول الأعلى إنفاقاً نسبةً إلى ناتجها المحلي داخل الحلف بأسره، فقد تجاوز الإنفاق في ليتوانيا الـ4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تخطط لرفعه إلى أكثر من 5 في المئة خلال عام 2026، بينما تسير لاتفيا وإستونيا على مسار مماثل، نحو مستويات إنفاق تتجاوز سقف الناتو الجديد البالغ 5 في المئة.
رابعاً: بحر البلطيق ساحة حرب هجينة
إلى جانب التموضع العسكري التقليدي، تحوّل بحر البلطيق نفسه إلى ساحة مواجهة غير معلنة. فمنذ أواخر عام 2024 سُجّلت سلسلة من حوادث تخريب استهدفت كابلات كهرباء وإنترنت بحرية تربط دول المنطقة، من بينها كابل “إستلينك 2″ بين فنلندا وإستونيا، وكابلات أخرى بين السويد وليتوانيا وبين ألمانيا وفنلندا. وأشارت التحقيقات الفنلندية والغربية إلى تورط سفن تابعة لما يُعرف بـ”أسطول الظل” الروسي – وهو أسطول من ناقلات نفط قديمة يرفع أعلاماً أجنبية ويُستخدم أصلاً للتحايل على العقوبات الغربية – في إلحاق هذه الأضرار عبر جرّ مراسيها على قاع البحر، في ما اعتُبر أول استخدام متعمد محتمل لهذا الأسطول لاستهداف بنية تحتية أوروبية حيوية.
رداً على ذلك، أطلق حلف الناتو عملية سمّاها “حارس البلطيق” (Baltic Sentry) في مطلع عام 2025، تقضي بنشر سفن وطائرات ومسيّرات دائمة لمراقبة الممرات البحرية وردع أي تخريب مستقبلي، وسط تحذيرات ألمانية متكررة من أن روسيا “تهدد الجميع في منطقة البلطيق”. ويكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة كون نحو 84 في المئة من صادرات النفط الخام الروسي، بحسب تصريحات رسمية لاتفية، تمر عبر بحر البلطيق مستخدمةً هذا الأسطول، أي ما يوازي أكثر من ثلث إيرادات الموازنة الروسية.
وفي خطوة رمزية لا تقل دلالة، أنهت دول البلطيق الثلاث في شباط/ فبراير 2025 ارتباطها بشبكة الكهرباء السوفياتية القديمة “بريل” (BRELL) التي ظلت تربطها بروسيا وبيلاروسيا حتى بعد استقلالها بثلاثة عقود ونصف، لتندمج بالكامل في الشبكة الأوروبية الموحّدة، في قطيعة بنيوية يُختصر بها آخر خيوط الاعتماد التقني المتبقية من الحقبة السوفياتية.
خامساً: كالينينغراد وممر سووالكي… نقطة الانفجار المحتملة
يبقى جيب كالينينغراد الروسي المعزول جغرافياً بين ليتوانيا وبولندا أخطر بند في أي سيناريو تصعيد مستقبلي. فهذا الجيب الذي لا تتجاوز مساحته الخمسة عشر ألف كيلومتر مربع يستضيف صواريخ “إسكندر” القادرة على حمل رؤوس نووية والوصول إلى عواصم البلطيق وبرلين ووارسو في دقائق معدودة، إلى جانب المقر الرئيسي لأسطول البلطيق الروسي في ميناء بالتيسك غير القابل للتجمّد شتاءً، ومنظومات دفاع جوي وصاروخي من طراز إس-400 تمنح موسكو قدرة نظرية على شلّ حركة الطيران والإمدادات البحرية للناتو في المنطقة.
ويرتبط هذا الجيب برّاً بحليفته بيلاروسيا عبر “ممر سووالكي”، الشريط الحدودي الضيق الذي لا يتجاوز طوله مئة كيلومتر بين ليتوانيا وبولندا، والذي يُعدّ من أكثر النقاط حساسية في الحسابات الدفاعية الأطلسية؛ إذ إن أي سيطرة روسية-بيلاروسية عليه ستعزل دول البلطيق الثلاث برياً بالكامل عن باقي القارة الأوروبية. وقد فرضت ليتوانيا وبولندا، تزامناً مع العقوبات الأوروبية، قيوداً مشددة على عبور شحنات البضائع الروسية عبر أراضيهما نحو الجيب، ما دفع موسكو إلى وصف ذلك بـ”الحصار غير القانوني” والاعتماد بشكل أكبر على النقل البحري والجوي عبر المياه الدولية. وقد ازداد هذا الجيب عزلة بحرية بعد انضمام فنلندا والسويد رسمياً إلى الناتو، وهو ما حوّل بحر البلطيق عملياً إلى ما يوصف بـ”بحيرة أطلسية” يطوّق الحلف من خلالها روسيا من كل الاتجاهات البحرية تقريباً.
خاتمة: بين الصمود المؤسسي والهشاشة الديموغرافية
منذ “طريق البلطيق” عام 1989 وحتى عملية “حارس البلطيق” عام 2025، قطعت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا مساراً طويلاً: من هامش الاتحاد السوفياتي إلى قلب المنظومة الدفاعية الغربية. لكن الحرب في أوكرانيا لم تمنح هذه الدول الثلاث غطاءً عسكرياً أكثر صلابة فحسب، بل كشفت في الوقت نفسه هشاشتها الداخلية من جهتين.
فمن جهة، أعادت فتح ملف الأقليات الروسية، الذي كان يُدار سابقاً بحذر دبلوماسي، ليتحوّل اليوم إلى ساحة توتر مفتوحة. ومن جهة أخرى، عرّضتها لضغط هجين متواصل، لا يستهدف حدودها البرية بقدر ما يستهدف كابلاتها البحرية وشبكاتها الحيوية.
وهكذا لم يعد السؤال الذي يواجه البلطيق اليوم: “هل ستصمد أمام هجوم عسكري مباشر؟”، بل بات: “هل يمكن الموازنة بين الحزم الأمني والاندماج الاجتماعي، من دون أن ينفجر أحدهما في وجه الآخر؟”.












