“شو عم يصير عنا؟ سمعتوا شي إنو ضربوا عنا؟”هكذا يتواصل كثر من اللبنانيين المقيمين في دول الخليج مع أقاربهم وأصدقائهم في لبنان خلال الحرب القائمة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، في محاولة لمعرفة ما يحدث على الأرض، في ظل حصر المعلومات الأمنية هناك بالقنوات الرسمية للدول.
“جئنا إلى الخليج لأنه أكثر أماناً من لبنان. الآن لا أعرف ماذا أفعل”، قالت إحدى اللبنانيات المقيمات في الرياض لوكالة فرانس برس. وقال أردني مقيم في الرياض: “خرجت مع ابني الصغير عندما سمعنا فجأة صوت الانفجار. كان الناس من حولنا ينظرون إلى السماء محاولين فهم ما يحدث. هذا ليس شيئاً تتوقعه في الرياض”.
في لحظةٍ، تحولت دول الخليج من مكان يُنظر إليه كملاذ آمن نسبياً إلى ساحة معركة، تستهدف المدن بالصواريخ والمسيرات، تصل رسائل تحذيرية إلى الهواتف تنبه إلى احتمال سقوط صواريخ وتدعو السكان إلى الابتعاد عن النوافذ. وفي هذا السياق، أصبحت السيطرة على المعلومات جزءاً من إدارة الحرب نفسها.
بينما تحاول دول الخليج “منع كشف مواقع حساسة، وتقليل الهلع بين السكان، والحفاظ على صورتها كدول مستقرة”، تتداول وسائل إعلام لبنانية وأجنبية وحتى إسرائيلية أخباراً عن تعرض القواعد الأميركية في دول الخليج لهجمات بالمسيرات أو عن اعتراض الدفاعات الجوية الصواريخ.
بحسب بيانات معهد دراسات الأمن القومي، تعد الإمارات العربية المتحدة أكثر الدول العربية تأثراً بالهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات الإيرانية منذ اندلاع الحرب، إذ سجلت نحو 1268 هجوماً. تليها الكويت بـ562 هجوماً، ثم قطر بـ162، والبحرين بـ129، والأردن بـ49. في المقابل، سُجّل هجومان فقط في كل من عمان والسعودية.
وتسعى الحكومات الخليجية إلى احتواء انتشار هذه الأخبار أو نفيها، والتأكيد أنها ليست طرفاً في الحرب، إذ نفى مسؤول إماراتي لصحيفة “جيروزاليم بوست” أن تكون الإمارات قد استهدفت منشأة لتحلية مياه البحر في إيران، وهو خبر كانت قد نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية.
السيطرة على المعلومات كجزء من إدارة الحرب
خلال العقود الماضية، تحولت الإمارات وقطر والسعودية إلى مراكز للصحافة العالمية في الشرق الأوسط. وتم بناء منصات إعلامية عربية وأجنبية في المدن الخليجية. لكن في ظل الواقع الأمني المرتبط بالحرب القائمة، اتجهت دول الخليج إلى تشديد الرقابة على وسائل الإعلام وعلى تداول المعلومات المرتبطة بالتطورات الأمنية.
وليست القيود المفروضة على تداول المعلومات خلال النزاعات المسلحة ظاهرة جديدة. فخلال حرب الخليج عام 1991، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها نظاماً صارماً للتحكم بتداول المعلومات. وعمل الصحافيون حينها ضمن ما عُرف بـ”مجموعات التغطية المشتركة”، إذ رافق عدد محدود منهم القوات العسكرية، فيما خضعت المواد الإعلامية للمراجعة قبل نشرها، مع قيود على التصوير والوصول إلى مواقع العمليات. يتكرر اليوم مشهد تقييد الحريات في الخليج لكن بأدوات مختلفة. وانتقل التحكم بالمعلومات إلى الفضاء الرقمي، حيث تجرم القوانين في دول الخليج تداول الشائعات والأخبار المضللة والمعلومات عن التطورات الأمنية خارج القنوات الرسمية للدول.
الإمارات تحصر المعلومات بالقنوات الرسمية
تجرم القوانين الإماراتية إعادة نشر المعلومات المضللة حتى لو لم يكن الشخص هو مصدرها الأصلي. فمجرد إعادة إرسال رسالة عبر “واتسآب”، أو تداول خبر مزيف، أو تصوير ونشر مواقع أمنية أو حيوية، قد يضع الأفراد تحت طائلة المساءلة القانونية.
وتعتبر شرطة دبي أن نشر المعلومات “يروج لإثارة الخوف والقلق في المجتمع ويساهم في زعزعة الأمن والاستقرار”. وطلبت من المواطنين والمقيمين الاعتماد على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات والتعامل بمسؤولية مع ما يتم تداوله عبر المنصات الرقمية. وذكرت شرطة دبي أن “نشر أو تداول الشائعات أو الأخبار المضللة، أو أي محتوى يخالف ما تم الإعلان عنه رسمياً، أو من شأنه إثارة الرعب أو الإضرار بالأمن أو النظام العام أو الصحة العامة، تترتب عليه “عقوبات قانونية مشددة، قد تصل إلى الحبس وغرامة لا تقل عن 200,000 درهم”، أي ما يقارب الـ55000 دولار أميركي.
إقرأوا أيضاً:
وحذر النائب العام للدولة حمد سيف الشامسي في بيان، من “تصوير أو نشر أو تداول صور ومقاطع فيديو، توثّق مواقع الحوادث أو الأضرار الناتجة من سقوط مقذوفات أو شظايا في بعض المناطق”.
في المقابل، تنشر حكومة الإمارات ووزارة الدفاع عبر منصاتهما الرسمية تحديثات حول الوضع الأمني، لتوضيح أن الأصوات التي تسمع في مناطق متفرقة من الدولة ناتجة من اعتراض منظومات الدفاع الجوي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والجوالة القادمة من إيران. وفعلت السلطات الخلية الإعلامية الوطنية المشتركة لإطلاع المجتمع الإماراتي والدولي على المستجدات، كما استخدمت نظام الإنذار المبكر الذي يرسل رسائل نصية تحذيرية باللغتين العربية والإنكليزية مصحوبة باهتزاز وصوت مرتفع.


وبموجب هذه القوانين، حظرت النيابة العامة في الإمارات مواقع إعلامية سعودية بينها قناة “العربية عاجل” ومواقع وأجنبية وحسابات إلكترونية مثل حساب الناشط السعودي إياد الحمود، حساب الإعلامي السعودي مالك الروقي، المعارضة الإماراتية مريم الحمادي، و”منصة مسبار” المتخصصة بالتحقق من الشائعات، والحساب الاقتصادي لمنصة “الشرق” السعودية، وحساب الخبير الاستراتيجي السعودي هشام الغنام. وتعرضت هذه الحسابات لما يُعرف بـ”الحجب الجغرافي”، أي منع الوصول إليها داخل الإمارات، بموجب قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الصادر عام 2021، الذي يتضمن مواد تُطبق في حالات الحروب والأزمات.
البحرين تحظّر نشر المعلومات العسكريّة
يتم إبلاغ المواطنين والمقيمين في الإمارات عن تطورات الأوضاع الأمنية عبر مركز الاتصال الوطني. فيما أعلنت قوة دفاع البحرين حظر تصوير أو نشر أو إعادة تداول أي صور أو مقاطع مرئية أو تسجيلات أو معلومات تتعلق بالمواقع العسكرية التابعة لها أو بالعمليات العسكرية والإجراءات الدفاعية التي تنفذها، وذلك استناداً إلى قانون القضاء العسكري لعام 2002 وقانون العقوبات لعام 1976. كما حذّرت من تداول المعلومات غير الموثوقة أو المفبركة عبر وسائل الإعلام التقليدية أو المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن مثل هذه الأفعال قد تعرّض مرتكبيها للمساءلة القانونية.
غرامة تصل إلى 100 ألف ريال في قطر
حذّرت وزارة الداخلية القطرية من التجمهر أو تصوير ونشر المقاطع المرتبطة بالمستجدات الميدانية، تجنباً للمساءلة القانونية، داعية المواطنين والمقيمين إلى متابعة القنوات الرسمية للحصول على المعلومات، مثل مكتب الاتصال الحكومي ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية. كما فعّلت وزارة الداخلية إجراءات التنبيه ونظام الإنذار المبكر لإبلاغ السكان بأي تطورات أمنية.
تُعدّ إعادة نشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة جريمة يعاقب عليها القانون في قطر. فبموجب تعديل قانون العقوبات لعام 2020، قد تصل العقوبة إلى السجن لمدة خمس سنوات وغرامة لا تتجاوز الـ100 ألف ريال قطري، مع مضاعفة العقوبة إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب.
وفي هذا السياق، أعلنت إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية الإلكترونية التابعة للإدارة العامة للمباحث الجنائية توقيف أكثر من 300 شخص على خلفية نشر معلومات ومقاطع فيديو مضللة مرتبطة بالأحداث الجارية.
السعودية تشدد الرقابة على تداول المعلومات الأمنية
حذرت وزارة الداخلية السعودية المواطنين من تداول الشائعات أو المقاطع المصورة مجهولة المصدر، وطلبت استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية. ويعد تصوير ونشر وقائع الاستهدافات أو الحوادث الأمنية مخالفة لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، حيث ينظر إليه على أنه نشر بيانات على الشبكة المعلوماتية، ما يترتب عليه المساس بالنظام العام أو زعزعة الأمن أو إلحاق ضرر بالمصلحة العامة.
الكويت تلقي القبض على ناشري المعلومات
أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن إلقاء القبض على شخصين بتهمة نشر مقاطع فيديو تستهزئ بالقوات المسلحة ومنظومة الدفاع الجوي الكويتي. وكانت النيابة العامة الكويتية قد ذكرت بقانون أمن الدولة الذي يعاقب من ينشر الإشاعات والأخبار الكاذبة التي تمسّ بالأمن القومي، بالحبس لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
وحصرت الكويت تداول المعلومات الأمنية عبر المنصات الرسمية، وتقوم بتحذير السكان عبر الوسائل التقليدية، أي صفارات الإنذار أو إشعارات مسبقة عبر تطبيق “سهل” الحكومي، حسبما أشارت وزارة الداخلية.
بين محاولات الحكومات الخليجية ضبط الأخبار، والصور والفيديوهات عبر مواقع التواصل، يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة موازية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية. وذكرت بعض وسائل الإعلام أن حصر تداول المعلومات يهدف إلى الحد من انتشار الأخبار المضللة ومنع جرّ دول الخليج إلى الحرب القائمة عبر تشويه الحقائق ونشر الأخبار المزيفة، مشيرة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تُستخدم لتضليل المعلومات بما يساهم في إحداث زعزعة في الرأي العام.
إقرأوا أيضاً:














