ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

دومينيك دوفيلبان رئيساً لفرنسا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عند سؤال الفرنسيين عن أوّل صورة تتبادر إلى أذهانهم فور سماعهم باسم دوفيلبان، غالبية الإجابات ستكون: خطابه داخل مجلس الأمن الدولي يوم 14 شباط/ فبراير 2003. بصفته وزيراً للخارجية الفرنسية (بين عامي 2002 و2004)، ألقى دوفيلبان خطابه الشهير الذي اعتُبر تأسيسياً لموقف فرنسا الرافض للغزو الأميركي للعراق. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أحد عشر شهراً يفصلنا عن الدور الأوّل للانتخابات الرئاسية الفرنسية، صحيح أن بورصة المرشّحين ما تزال تتأرجح ولائحة المتنافسين على كرسي الإليزيه لم تكتمل بعد، لكن يمكن الخروج باستنتاج أوّلي: ما سيميّز هذا الاستحقاق عمّا سبقه هو الحضور غير المسبوق للملفّات الخارجية، وتحوّلها إلى أحد عوامل الفرز الداخلي. أمر يجسّده الترشّح المحتمل لدومينيك دوفيلبان. 

عند سؤال الفرنسيين عن أوّل صورة تتبادر إلى أذهانهم فور سماعهم باسم دوفيلبان، غالبية الإجابات ستكون: خطابه داخل مجلس الأمن الدولي يوم 14 شباط/ فبراير 2003. بصفته وزيراً للخارجية الفرنسية (بين عامي 2002 و2004)، ألقى دوفيلبان خطابه الشهير الذي اعتُبر تأسيسياً لموقف فرنسا الرافض للغزو الأميركي للعراق. 

أن تبقى هذه الصورة حاضرة في الذاكرة الفرنسية بعد 23 عاماً، فإنها دليل على حنين الفرنسيين إلى ذلك “الماضي الجميل”، عندما كانت بلادهم ذات نفوذ وتأثير دوليين.

 وتضاعف هذا الحنين بعد عمليّة 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، وما تلاها من حروب في الشرق الأوسط، دلت على انكماش في النفوذ والتأثير الفرنسيين. 

لذا، لم تكن الإطلالات الإعلامية لدوفيلبان عابرة: صحيح أن العديد من الأكاديميين والسياسيين الفرنسيين اتّخذوا موقفاً “وسطياً” متجنّبين السقوط في فخّ “ازدواجية المعايير” (إدانة هجمات 7 أكتوبر كما المجازر الإسرائيلية، التمسّك بالقانون الدولي وبالحلول السياسية لا العسكرية، رفض التبعية لأيّ طرف خارجي)، لكنّ دوفيلبان منح هذا الاصطفاف نكهة مختلفة لكونه صادراً عن شخصيّة صنعت، إلى جانب الرئيس الأسبق جاك شيراك، واحدة من أمجاد الدبلوماسية الفرنسية: رفض باريس غزو العراق أعاد ترسيخ القيم الفرنسية، ما يعزّز نوستالجيا الفرنسيين “لآخر محطّة مجيدة عرفتها بلادهم”. 

الأضواء الإعلامية التي خطفها دوفيلبان عقب عمليّة “طوفان الأقصى”، وفّرت له أرضية العودة إلى الحلبة السياسية الفرنسية بعد خروجه من المشهد السياسي قبل 19 عاماً، خروج أتى بعد فوز خصمه اللدود نيكولا ساركوزي بالانتخابات الرئاسية في عام 2007. 

هجمات 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 وارتداداتها على الداخل الفرنسي، كشفت قدرة الأحداث الخارجية على المساهمة في خلط الأوراق الداخلية وتصويب خيار الناخبين، على نحو لم يكن معهوداً في السابق. وعليه، علت أصوات تنادي بالحاجة إلى رئيس للجمهورية يُعيد تصويب الدبلوماسية الفرنسية “المتخبّطة”، ومؤهّل للاشتباك مع نظام دولي بات يميل إلى منطق “حقّ القوّة” لا “قوّة الحقّ”. سياسة من شأنها الحفاظ على مصالح فرنسا الدولية والحدّ من التوتّر الداخلي، بفعل المغالاة بتوجيه تهم معاداة السامية ومحاباة الإرهاب في بلد يضمّ أكبر جاليتين عربية ويهودية في أوروبا.

انطلاقاً من إرثه الدبلوماسي من جهة، ومن عمله الخاصّ في المحاماة والاستشارات الدولية ما جعله على تواصل دائم بقادة العالم من جهة أخرى، بدأ دوفيلبان استعداداته للعودة عن تقاعده السياسي. صحيح أنه لم يعلن بعد ترشّحه بشكل رسمي، لكنّ كل المؤشّرات تدلّ على أنها مسألة وقت، بدليل إطلاقه حزباً جديداً، وتنظيمه تجمّعات سياسية وقيامه بجولات ولقاءات تجمعه بمختلف الشرائح الاجتماعية (المزارعون، الفئات الشابّة…)، فضلاً عن حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي.  

إلى جانب خلفيته الدبلوماسية، يملك دوفيلبان أوراق قوّة بوسعه توظيفها على الصعيد الداخلي: عدم انغماسه المباشر في الحياة السياسية طوال 19 عاماً يسهّل عليه تسويق نفسه بصورة المجدّد السياسي. صحيفة Libération كشفت في 28 أيّار/ مايو 2026، أن دوفيلبان يعوّل على الظهور بثوب “الموحّد” للفرنسيين وسط مناخ يتّسم بالانقسام العمودي، خاصّة بين اليمين المتطرّف (ممثّلاً بحزب التجمّع الوطني) وأقصى اليسار (ممثّلاً بحركة فرنسا الأبية). 

من جهة أخرى، بات مألوفاً بعد انتخاب إيمانويل ماكرون، بروز تنظيمات سياسية فرنسية غايتها التسويق لشخص أكثر منها لبرنامج أو لأيديولوجيا. 

على صعيد آخر، ووفقاً للصحافية في صحيفة L’humanité راشيل غارا- فالسارسيل، أدّت التحوّلات في البيئة السياسية الفرنسية إلى خلق مساحة لمرشّحين “متخصّصين في ملفّ محدّد”، صحيح أن برنامج دوفيلبان الانتخابي لن ينحصر في الشقّ الخارجي، إنما بوسعه استثمار “تخصّصه” لإضفاء هويّة خاصّة تميّزه عن منافسيه. 

ما سبق ذكره لا يعني أن طريق الرجل نحو قصر الإليزيه معبّدة بالورود، بل يمكن القول إن أوراق قوّته قد تنقلب ضده، ما يطرح تساؤلاً حول منهجية تعامله مع أسلحة ذات حدّين.

ورقة قوّته الرئيسية أي السياسة الخارجية، تشوبها نقاط ضعف تُتيح لخصومه التصويب عليه: عمله الخاصّ جعله على علاقة وطيدة مع مراكز القرار في الصين والدول الخليجية، ما يعني إمكانية الغمز من زاوية تضارب المصالح عند تطرّقه لعلاقة فرنسا بهذه الدول، يضاف إلى ذلك احتمال اتّهامه بازدواجية المعايير لصِلاته بدول لا تمثّل بدورها قيم فرنسا، وبالتالي التشكيك بنزاهته الشخصية.

من جانب آخر، طروحاته في السياسة الخارجية تُعدّ أقرب إلى برامج بعض الأحزاب والشخصيّات اليسارية الفرنسية أكثر منها إلى خطاب اليمين الفرنسي، أي عائلته السياسية، لكنّ هذا التقاطع لن يكون كافياً لجذب الناخبين اليساريين، لا سيّما المحازبين منهم الذين سيقترعون بالضرورة لمرشّحي أحزابهم، علاوة على ذلك، تفرّغه لأعماله الخاصّة طوال السنوات الـ19 الماضية كرّسه كأحد أفراد البرجوازية الباريسية. صورة قد تؤدّي إلى نفور شريحة واسعة من الفرنسيين، وعلى وجه التحديد اليساريين منهم، من ترشّحه المحتمل بالنظر إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في هذا السياق نقلت مؤسّسة Ipsos ، الرائدة في مجال الأبحاث واستطلاعات الرأي، عن مقرّبين من دوفيلبان إحساسهم بقدرته على “تمثيل مصالح فرنسا، لا مصالح الفرنسيين”. 

وعليه، تنتظر دوفيلبان ورشة دعائية لإعادة تأهيل صورته وتصديره كمقرّب من عامّة الشعب، فالسهام بدأت تُصوّب نحوه. 

المحامي الشهير اللبناني الأصل روبير بورجي كشف في وثائقي حمل عنوان “دومينيك دوفيلبان المثير للاهتمام”، عن تلقّي وزير الخارجية الأسبق هدايا كانت عبارة عن تمثالين نصفيين لنابليون بونابارت بقيمة إجمالية بلغت 125000 يورو. بورجي أضاف أنه كان الوسيط في تلك العمليّة التي موّلها رئيس بوركينا فاسو السابق بليز كومباوري ورجل الأعمال الإيطالي جيان أنجيلو بيروتشي، الذي وصفه التحقيق بـ”ملك النفط في أفريقيا”. 

سبق لبورجي أن أقدم على خطوة مشابهة في انتخابات العام 2017، إذ وجّه الضربة القاضية لطموحات فرنسوا فيون الرئاسية في ما عُرف بفضيحة البدلات الثمينة. لم يُخفِ بورجي وهو صديق شخصي لنيكولا ساركوزي، الخصم اللدود لدوفيلبان كما سبق وذكرنا، أن دافعه لكشف هذا المستور هو تعليق دوفيلبان “غير اللائق” على محاكمة صديقه: “حينها قرّرت فعل كل ما بوسعي لعرقلة طريق دوفيلبان نحو الرئاسة”. 

بغضّ النظر عن الرواية المضادّة لدوفيلبان ومسار التحقيق القضائي، يُعدّ هذا الملفّ جرس إنذار أوّلي يتوجّب أخذه بمنتهى الجدّية: فما من سلاح محرّم خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية. 

والحقيقة أن “الضربات من تحت الحزام” قد لا تأتي حصراً من بورجي: بصمته الإيجابية في وزارة الخارجية لم تنسحب على فترة تولّيه رئاسة الحكومة بين عامي 2005 و2007، ليواجه حركة احتجاجية عنيفة بعد طرحه قانون “عقد التوظيف الأوّل”. الكباش السياسي الذي عرفته فرنسا في حينها، أضرّ بصورة دوفيلبان إذ بدا مفتقداً للمرونة والحنكة السياسية، صورة قد يعاد تعويمها. 

والحديث عن “عقد التوظيف الأوّل” يقودنا إلى سياسته الداخلية، صحيح أنه لم يكشف بالكامل مشروعه الداخلي، لكن ما أعلنه حتى الساعة في ما يتعلّق بإصلاح نظام التقاعد وضرورة تقليص عجز الموازنة العامّة، يدلّ أن برنامجه سيكون يميني التوجّه، وإن احتوى على نفس يساري محدود (فرض ضريبة على أصحاب الثروات). 

رغم ذلك، لا يبدو دوفيلبان قادراً حتى الساعة على جذب الناخبين اليمينيين، ليس لتغريده خارج السرب اليميني في ما يخصّ السياسية الخارجية أو لبعض الطروحات اليسارية، بل لابتعاده عن المشهد السياسي لنحو عقدين ما يجعله مفتقداً لرافعة حزبية متينة. للتذكير، سعى دوفيلبان إلى خوض الاستحقاق الرئاسي في عام 2012، لكنّه فشل في جمع التوكيلات الانتخابية اللازمة.

على صفحات الـ Libération اعتبر فيكتور بواتو أن حملة دوفيلبان تحكمها التناقضات: هو شخص “وحيد يدعو إلى الوحدة، مليونير يلعب ورقة الشعب، يُصغى إليه في الشؤون الدولية وغامض في الملفّات الأخرى”، يضاف إلى ذلك تموضعه السياسي الذي سيحرمه من أصوات اليساريين لكونه يمينياً، ومن أصوات اليمينيين لابتعاده التنظيمي عنهم، باختصار هو “رجل اليمين المفضّل لليسار” والكلام دائما لبواتو.

الأرقام تشير بدورها إلى شخصيّته المركّبة: وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسّستا Ifop وFiducial ونُشر في أيّار/ مايو 2026، لن يحصد دوفيلبان أكثر من 3% من إجمالي أصوات الناخبين، لكن عندما أجرت المؤسّستان المذكورتان استطلاعاً آخر  نُشر في 17 حزيران/ يونيو 2026، خُصّص لرصد شعبية عدد من الشخصيّات العامّة الفرنسية، حلّ دوفيلبان في المركز الثالث بـ 48% من آراء المستطلعين. 

عقبات لا يبدو أنها بوارد إحباط عزيمة الرجل

بالنظر إلى المشهد الانتخابي بصورته الحالية، يمكن القول إن رهان دوفيلبان هو التالي: بداية يعتبر أن أيّ مرشّح من الكتلة الوسطية سيتحمّل التبعات السلبية لسياسة إيمانويل ماكرون، ولن يكون باستطاعة أيّ منهم التهرّب من جردة الحساب هذه، خاصّة وأن من أعلن ترشيحه حتى اللحظة كان في موقع القرار، أي رئيسي الوزراء السابقين إدوارد فيليب وغابريال أتال. 

والحال قد ينسحب على وزير الداخلية السابق برونو روتايو، مرشّح حزب “الجمهوريون”، ووريث اليمين التقليدي أي العائلة السياسية السابقة لدوفيلبان. التحالف الحكومي الذي نسجه روتايو (بصفته رئيساً للحزب) مع ماكرون عقب حلّ “الجمعية الوطنية الفرنسية” في عام 2024، قد يمنعه من تسويق نفسه كبديل موثوق.  

يضاف إلى ذلك الصراع بين أتال وفيليب لاحتكار بطاقة ترشّح كتلة الوسط، صراع لم تتّضح آليّة حسمه بعد. من جهة أخرى، تشدّد روتايو في ملفّات كالهجرة والأمن، سيضعه في منافسة مع مرشّحي اليمين المتطرّف وعلى رأسهم مرشح حزب “التجمع الوطني”، يضاف إلى ما سبق بوادر الصدام بين المرشّحين اليساريين من أقصى اليسار إلى الاشتراكيين الديمقراطيين.

برأي دوفيلبان، هذا التناحر وما يرافقه من مزايدات انتخابية وسياسية سيؤدّي إلى إضعاف عدد من المرشّحين وإلى تشدّد محتمل في البرامج الانتخابية، ما سيتيح له التموضع في ملعب الاعتدال عبر خطاب “ديغولي” يتوجّه من خلاله إلى كتلتي وسط اليمين ووسط اليسار.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
01.07.2026
زمن القراءة: 7 minutes

عند سؤال الفرنسيين عن أوّل صورة تتبادر إلى أذهانهم فور سماعهم باسم دوفيلبان، غالبية الإجابات ستكون: خطابه داخل مجلس الأمن الدولي يوم 14 شباط/ فبراير 2003. بصفته وزيراً للخارجية الفرنسية (بين عامي 2002 و2004)، ألقى دوفيلبان خطابه الشهير الذي اعتُبر تأسيسياً لموقف فرنسا الرافض للغزو الأميركي للعراق. 

أحد عشر شهراً يفصلنا عن الدور الأوّل للانتخابات الرئاسية الفرنسية، صحيح أن بورصة المرشّحين ما تزال تتأرجح ولائحة المتنافسين على كرسي الإليزيه لم تكتمل بعد، لكن يمكن الخروج باستنتاج أوّلي: ما سيميّز هذا الاستحقاق عمّا سبقه هو الحضور غير المسبوق للملفّات الخارجية، وتحوّلها إلى أحد عوامل الفرز الداخلي. أمر يجسّده الترشّح المحتمل لدومينيك دوفيلبان. 

عند سؤال الفرنسيين عن أوّل صورة تتبادر إلى أذهانهم فور سماعهم باسم دوفيلبان، غالبية الإجابات ستكون: خطابه داخل مجلس الأمن الدولي يوم 14 شباط/ فبراير 2003. بصفته وزيراً للخارجية الفرنسية (بين عامي 2002 و2004)، ألقى دوفيلبان خطابه الشهير الذي اعتُبر تأسيسياً لموقف فرنسا الرافض للغزو الأميركي للعراق. 

أن تبقى هذه الصورة حاضرة في الذاكرة الفرنسية بعد 23 عاماً، فإنها دليل على حنين الفرنسيين إلى ذلك “الماضي الجميل”، عندما كانت بلادهم ذات نفوذ وتأثير دوليين.

 وتضاعف هذا الحنين بعد عمليّة 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، وما تلاها من حروب في الشرق الأوسط، دلت على انكماش في النفوذ والتأثير الفرنسيين. 

لذا، لم تكن الإطلالات الإعلامية لدوفيلبان عابرة: صحيح أن العديد من الأكاديميين والسياسيين الفرنسيين اتّخذوا موقفاً “وسطياً” متجنّبين السقوط في فخّ “ازدواجية المعايير” (إدانة هجمات 7 أكتوبر كما المجازر الإسرائيلية، التمسّك بالقانون الدولي وبالحلول السياسية لا العسكرية، رفض التبعية لأيّ طرف خارجي)، لكنّ دوفيلبان منح هذا الاصطفاف نكهة مختلفة لكونه صادراً عن شخصيّة صنعت، إلى جانب الرئيس الأسبق جاك شيراك، واحدة من أمجاد الدبلوماسية الفرنسية: رفض باريس غزو العراق أعاد ترسيخ القيم الفرنسية، ما يعزّز نوستالجيا الفرنسيين “لآخر محطّة مجيدة عرفتها بلادهم”. 

الأضواء الإعلامية التي خطفها دوفيلبان عقب عمليّة “طوفان الأقصى”، وفّرت له أرضية العودة إلى الحلبة السياسية الفرنسية بعد خروجه من المشهد السياسي قبل 19 عاماً، خروج أتى بعد فوز خصمه اللدود نيكولا ساركوزي بالانتخابات الرئاسية في عام 2007. 

هجمات 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 وارتداداتها على الداخل الفرنسي، كشفت قدرة الأحداث الخارجية على المساهمة في خلط الأوراق الداخلية وتصويب خيار الناخبين، على نحو لم يكن معهوداً في السابق. وعليه، علت أصوات تنادي بالحاجة إلى رئيس للجمهورية يُعيد تصويب الدبلوماسية الفرنسية “المتخبّطة”، ومؤهّل للاشتباك مع نظام دولي بات يميل إلى منطق “حقّ القوّة” لا “قوّة الحقّ”. سياسة من شأنها الحفاظ على مصالح فرنسا الدولية والحدّ من التوتّر الداخلي، بفعل المغالاة بتوجيه تهم معاداة السامية ومحاباة الإرهاب في بلد يضمّ أكبر جاليتين عربية ويهودية في أوروبا.

انطلاقاً من إرثه الدبلوماسي من جهة، ومن عمله الخاصّ في المحاماة والاستشارات الدولية ما جعله على تواصل دائم بقادة العالم من جهة أخرى، بدأ دوفيلبان استعداداته للعودة عن تقاعده السياسي. صحيح أنه لم يعلن بعد ترشّحه بشكل رسمي، لكنّ كل المؤشّرات تدلّ على أنها مسألة وقت، بدليل إطلاقه حزباً جديداً، وتنظيمه تجمّعات سياسية وقيامه بجولات ولقاءات تجمعه بمختلف الشرائح الاجتماعية (المزارعون، الفئات الشابّة…)، فضلاً عن حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي.  

إلى جانب خلفيته الدبلوماسية، يملك دوفيلبان أوراق قوّة بوسعه توظيفها على الصعيد الداخلي: عدم انغماسه المباشر في الحياة السياسية طوال 19 عاماً يسهّل عليه تسويق نفسه بصورة المجدّد السياسي. صحيفة Libération كشفت في 28 أيّار/ مايو 2026، أن دوفيلبان يعوّل على الظهور بثوب “الموحّد” للفرنسيين وسط مناخ يتّسم بالانقسام العمودي، خاصّة بين اليمين المتطرّف (ممثّلاً بحزب التجمّع الوطني) وأقصى اليسار (ممثّلاً بحركة فرنسا الأبية). 

من جهة أخرى، بات مألوفاً بعد انتخاب إيمانويل ماكرون، بروز تنظيمات سياسية فرنسية غايتها التسويق لشخص أكثر منها لبرنامج أو لأيديولوجيا. 

على صعيد آخر، ووفقاً للصحافية في صحيفة L’humanité راشيل غارا- فالسارسيل، أدّت التحوّلات في البيئة السياسية الفرنسية إلى خلق مساحة لمرشّحين “متخصّصين في ملفّ محدّد”، صحيح أن برنامج دوفيلبان الانتخابي لن ينحصر في الشقّ الخارجي، إنما بوسعه استثمار “تخصّصه” لإضفاء هويّة خاصّة تميّزه عن منافسيه. 

ما سبق ذكره لا يعني أن طريق الرجل نحو قصر الإليزيه معبّدة بالورود، بل يمكن القول إن أوراق قوّته قد تنقلب ضده، ما يطرح تساؤلاً حول منهجية تعامله مع أسلحة ذات حدّين.

ورقة قوّته الرئيسية أي السياسة الخارجية، تشوبها نقاط ضعف تُتيح لخصومه التصويب عليه: عمله الخاصّ جعله على علاقة وطيدة مع مراكز القرار في الصين والدول الخليجية، ما يعني إمكانية الغمز من زاوية تضارب المصالح عند تطرّقه لعلاقة فرنسا بهذه الدول، يضاف إلى ذلك احتمال اتّهامه بازدواجية المعايير لصِلاته بدول لا تمثّل بدورها قيم فرنسا، وبالتالي التشكيك بنزاهته الشخصية.

من جانب آخر، طروحاته في السياسة الخارجية تُعدّ أقرب إلى برامج بعض الأحزاب والشخصيّات اليسارية الفرنسية أكثر منها إلى خطاب اليمين الفرنسي، أي عائلته السياسية، لكنّ هذا التقاطع لن يكون كافياً لجذب الناخبين اليساريين، لا سيّما المحازبين منهم الذين سيقترعون بالضرورة لمرشّحي أحزابهم، علاوة على ذلك، تفرّغه لأعماله الخاصّة طوال السنوات الـ19 الماضية كرّسه كأحد أفراد البرجوازية الباريسية. صورة قد تؤدّي إلى نفور شريحة واسعة من الفرنسيين، وعلى وجه التحديد اليساريين منهم، من ترشّحه المحتمل بالنظر إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في هذا السياق نقلت مؤسّسة Ipsos ، الرائدة في مجال الأبحاث واستطلاعات الرأي، عن مقرّبين من دوفيلبان إحساسهم بقدرته على “تمثيل مصالح فرنسا، لا مصالح الفرنسيين”. 

وعليه، تنتظر دوفيلبان ورشة دعائية لإعادة تأهيل صورته وتصديره كمقرّب من عامّة الشعب، فالسهام بدأت تُصوّب نحوه. 

المحامي الشهير اللبناني الأصل روبير بورجي كشف في وثائقي حمل عنوان “دومينيك دوفيلبان المثير للاهتمام”، عن تلقّي وزير الخارجية الأسبق هدايا كانت عبارة عن تمثالين نصفيين لنابليون بونابارت بقيمة إجمالية بلغت 125000 يورو. بورجي أضاف أنه كان الوسيط في تلك العمليّة التي موّلها رئيس بوركينا فاسو السابق بليز كومباوري ورجل الأعمال الإيطالي جيان أنجيلو بيروتشي، الذي وصفه التحقيق بـ”ملك النفط في أفريقيا”. 

سبق لبورجي أن أقدم على خطوة مشابهة في انتخابات العام 2017، إذ وجّه الضربة القاضية لطموحات فرنسوا فيون الرئاسية في ما عُرف بفضيحة البدلات الثمينة. لم يُخفِ بورجي وهو صديق شخصي لنيكولا ساركوزي، الخصم اللدود لدوفيلبان كما سبق وذكرنا، أن دافعه لكشف هذا المستور هو تعليق دوفيلبان “غير اللائق” على محاكمة صديقه: “حينها قرّرت فعل كل ما بوسعي لعرقلة طريق دوفيلبان نحو الرئاسة”. 

بغضّ النظر عن الرواية المضادّة لدوفيلبان ومسار التحقيق القضائي، يُعدّ هذا الملفّ جرس إنذار أوّلي يتوجّب أخذه بمنتهى الجدّية: فما من سلاح محرّم خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية. 

والحقيقة أن “الضربات من تحت الحزام” قد لا تأتي حصراً من بورجي: بصمته الإيجابية في وزارة الخارجية لم تنسحب على فترة تولّيه رئاسة الحكومة بين عامي 2005 و2007، ليواجه حركة احتجاجية عنيفة بعد طرحه قانون “عقد التوظيف الأوّل”. الكباش السياسي الذي عرفته فرنسا في حينها، أضرّ بصورة دوفيلبان إذ بدا مفتقداً للمرونة والحنكة السياسية، صورة قد يعاد تعويمها. 

والحديث عن “عقد التوظيف الأوّل” يقودنا إلى سياسته الداخلية، صحيح أنه لم يكشف بالكامل مشروعه الداخلي، لكن ما أعلنه حتى الساعة في ما يتعلّق بإصلاح نظام التقاعد وضرورة تقليص عجز الموازنة العامّة، يدلّ أن برنامجه سيكون يميني التوجّه، وإن احتوى على نفس يساري محدود (فرض ضريبة على أصحاب الثروات). 

رغم ذلك، لا يبدو دوفيلبان قادراً حتى الساعة على جذب الناخبين اليمينيين، ليس لتغريده خارج السرب اليميني في ما يخصّ السياسية الخارجية أو لبعض الطروحات اليسارية، بل لابتعاده عن المشهد السياسي لنحو عقدين ما يجعله مفتقداً لرافعة حزبية متينة. للتذكير، سعى دوفيلبان إلى خوض الاستحقاق الرئاسي في عام 2012، لكنّه فشل في جمع التوكيلات الانتخابية اللازمة.

على صفحات الـ Libération اعتبر فيكتور بواتو أن حملة دوفيلبان تحكمها التناقضات: هو شخص “وحيد يدعو إلى الوحدة، مليونير يلعب ورقة الشعب، يُصغى إليه في الشؤون الدولية وغامض في الملفّات الأخرى”، يضاف إلى ذلك تموضعه السياسي الذي سيحرمه من أصوات اليساريين لكونه يمينياً، ومن أصوات اليمينيين لابتعاده التنظيمي عنهم، باختصار هو “رجل اليمين المفضّل لليسار” والكلام دائما لبواتو.

الأرقام تشير بدورها إلى شخصيّته المركّبة: وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسّستا Ifop وFiducial ونُشر في أيّار/ مايو 2026، لن يحصد دوفيلبان أكثر من 3% من إجمالي أصوات الناخبين، لكن عندما أجرت المؤسّستان المذكورتان استطلاعاً آخر  نُشر في 17 حزيران/ يونيو 2026، خُصّص لرصد شعبية عدد من الشخصيّات العامّة الفرنسية، حلّ دوفيلبان في المركز الثالث بـ 48% من آراء المستطلعين. 

عقبات لا يبدو أنها بوارد إحباط عزيمة الرجل

بالنظر إلى المشهد الانتخابي بصورته الحالية، يمكن القول إن رهان دوفيلبان هو التالي: بداية يعتبر أن أيّ مرشّح من الكتلة الوسطية سيتحمّل التبعات السلبية لسياسة إيمانويل ماكرون، ولن يكون باستطاعة أيّ منهم التهرّب من جردة الحساب هذه، خاصّة وأن من أعلن ترشيحه حتى اللحظة كان في موقع القرار، أي رئيسي الوزراء السابقين إدوارد فيليب وغابريال أتال. 

والحال قد ينسحب على وزير الداخلية السابق برونو روتايو، مرشّح حزب “الجمهوريون”، ووريث اليمين التقليدي أي العائلة السياسية السابقة لدوفيلبان. التحالف الحكومي الذي نسجه روتايو (بصفته رئيساً للحزب) مع ماكرون عقب حلّ “الجمعية الوطنية الفرنسية” في عام 2024، قد يمنعه من تسويق نفسه كبديل موثوق.  

يضاف إلى ذلك الصراع بين أتال وفيليب لاحتكار بطاقة ترشّح كتلة الوسط، صراع لم تتّضح آليّة حسمه بعد. من جهة أخرى، تشدّد روتايو في ملفّات كالهجرة والأمن، سيضعه في منافسة مع مرشّحي اليمين المتطرّف وعلى رأسهم مرشح حزب “التجمع الوطني”، يضاف إلى ما سبق بوادر الصدام بين المرشّحين اليساريين من أقصى اليسار إلى الاشتراكيين الديمقراطيين.

برأي دوفيلبان، هذا التناحر وما يرافقه من مزايدات انتخابية وسياسية سيؤدّي إلى إضعاف عدد من المرشّحين وإلى تشدّد محتمل في البرامج الانتخابية، ما سيتيح له التموضع في ملعب الاعتدال عبر خطاب “ديغولي” يتوجّه من خلاله إلى كتلتي وسط اليمين ووسط اليسار.