خصّص دونالد ترامب اهتماماً كبيراً للجالية اللبنانية في حملته الانتخابية، إذ تعهّد في رسالة وجّهها إلى الجالية اللبنانية الأميركية بإنهاء “المعاناة والدمار في لبنان”. وقال: “خلال فترة إدارتي كان هناك سلام في الشرق الأوسط، وسننعم بالسلام مرة أخرى قريباً جداً! سأصلح المشاكل التي تسببت بها كامالا هاريس وجو بايدن، وسأوقف المعاناة والدمار في لبنان. أريد أن أرى الشرق الأوسط يعود إلى السلام الحقيقي، السلام الدائم. سننجز ذلك بشكل صحيح حتى لا يتكرر كل 5 أو 10 سنوات”.
وأضاف: “أعطيكم كلمتي، سأحافظ على الشراكة المتساوية بين جميع المجتمعات اللبنانية. يستحق أصدقاؤكم وعائلاتكم في لبنان العيش في سلام ورخاء ووئام مع جيرانهم، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. أتطلع الى العمل مع الجالية اللبنانية المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية لضمان سلامة وأمن شعب لبنان العظيم”.
جاءت هذه التصريحات خلال حفل انتخابي في ولاية ميشيغان، وهي ولاية متأرجحة، دعا فيه ترامب قادة مسلمين إلى المسرح. خلال هذا الحدث، وصف الإمام بلال الزهيري ترامب بأنه مرشح “السلام”، وأكد أن المسلمين يدعمون ترامب لأنه يعد بالسلام وإنهاء الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا.
ترامب اليوم يستغل غضب مسلمي أميركا تجاه سياسات بايدن الداعمة لإسرائيل. وقد صرّح بأن المسلمين “يمكنهم أن يغيروا نتيجة الانتخابات”، وذلك خلال تجمع انتخابي بضاحية نوفاي قرب مدينة ديترويت، التي أصبحت أول مدينة ذات غالبية عربية في الولايات المتحدة.

والد صهر ترامب: اللبناني مسعد بولس
بالنسبة لنا في العالم العربي وفي لبنان تحديداً، فإنّ الاسم الأبرز من حاشية ترامب هو رجل الأعمال اللبناني الأصل، مسعد بولس، ووالد مايكل بولس، زوج ابنة ترامب الصغرى، تيفاني. يلعب بولس دوراً بارزاً في حملة دونالد ترامب الرئاسية لعام 2024، فهو منسّق العلاقات العربية لترامب، إذ يعمل على التواصل مع الجالية العربية الأميركية، وبخاصة في ولاية ميشيغان التي تعتبر ساحة انتخابية حاسمة. بولس، الذي ولد في الكورة بلبنان، هو رجل أعمال ناجح يمتلك مصالح اقتصادية كبيرة في نيجيريا وغرب إفريقيا. انضم الى الحزب الجمهوري عام 1992 وكان متطوعاً في حملة جورج بوش الأب. كما ترشّح للانتخابات النيابية اللبنانية عام 2009 وكان مقرّبًا من سليمان فرنجية، رئيس تيار المردة.
يركّز بولس على أنّ ترامب ضد الحروب ويدعم السلام بشكل كامل، وهو الآن يعمل كمنسق العلاقات العربية لحملة ترامب، حيث يسعى إلى استمالة الناخبين العرب والمسلمين في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان. بولس يركز على التفاعل مع الجاليات العربية والمسلمة التي تشعر بخيبة أمل من سياسات بايدن تجاه الشرق الأوسط، بخاصة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
في مقابلة إعلامية أخيراً، قال بولس، “الرئيس الوحيد الذي يمكنه أن ينجز السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط هو الرئيس ترامب… ترامب أنهى الحروب وسحب الجنود الأميركيين من عدد كبير من المناطق حول العالم”. وأضاف، “نحن تمكنّا من كسب تأييد كبير من عدد كبير من الأئمة ورؤساء البلديات ذات الغالبية المسلمة في منطقة ميشيغان”. بحسب بولس، فإنّ نسبة كبيرة من الناخبين المسيحيين العرب، الذين يشكلون حوالى 70 في المئة من الجالية العربية الأميركية، يدعمون ترامب والحزب الجمهوري بنسبة تصل إلى 80 الى المئة. يشمل ذلك الأقباط المصريين والمسيحيين اللبنانيين والكلدان والآشوريين من العراق”.
هناك أيضاً تحول كبير بين الناخبين المسلمين الذين كانوا تقليدياً يدعمون الحزب الديمقراطي، لكنهم الآن يتجهون نحو دعم ترامب لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، وفقاً له، وأنّ التحول في دعم الناخب المسلم لترامب يعود إلى أسباب عدة، منها السياسات المتعلقة بالحرب في غزة ولبنان، بالإضافة إلى قضايا داخلية تتعلق بالأسرة والتعليم والاقتصاد. كما أن هناك اعتقاداً بأن ترامب هو الرئيس الوحيد القادر على تحقيق “السلام العادل والشامل والدائم” في الشرق الأوسط، بحسب بولس.
ما علاقة أنطون صحناوي بترامب؟
أمّا الشخصية اللبنانية الثانية التي تدعم ترامب فهي أنطون صحناوي، وهو مصرفي ومنتج سينمائي، رئيس مجلس إدارة مجموعة بنك سوسيته جنرال في لبنان SGBL ومالك لعدد من المنصّات الإعلامية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة آل سميث الكاثوليكية في نيويورك. التقى صحناوي بالرئيس ترامب وزوجته ميلانيا خلال عشاء سنوي للمؤسسة، حيث ناقش معه الأوضاع في لبنان ومعاناة الشعب اللبناني، وعرض رؤيته لمستقبل لبنان كدولة قادرة على جذب الاستثمارات في حال تمتّعت بالاستقرار والسلام بعيداً عن التدخلات الأجنبية، على رغم عدم وجود تقارير مؤكدة حول دعم مالي مباشر من الصحناوي لحملة ترامب.

أين شاغوري وفارس؟
الشخصية الثالثة والتي كانت أساسية في الانتخابات السابقة، ولكن غائبة عن هذه الانتخابات حتى الآن، هي جيلبير شاغوري، رجل أعمال وفيلانثروبي لبناني – نيجيري يقيم حالياً في باريس، ارتبط اسمه بمجموعة من الأعمال، بما في ذلك قطاع العقارات والإنشاءات والتمويل.
دفع شاغوري مبلغ 1.8 مليون دولار لتسوية اتهامات بأنه، بمساعدة آخرين، قدم مبلغاً قيمته نحو 180 ألف دولار، من خلال وسيط، كتبرعات لأربعة مرشحين سياسيين في الانتخابات الفيدرالية المختلفة في الولايات المتحدة الأميركية، بحسب تحقيق سابق لموقع “درج”. اعترف شاغوري بتقديمه هذه المساهمات غير القانونية وانتهاكه قوانين التبرعات الانتخابية الفيدرالية بين حزيران/ يونيو 2012 وآذار/ مارس 2016، ودخل في اتفاقية مقاضاة مؤجلة مع السلطات الأميركية في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وسدد الغرامة في كانون الأول/ ديسمبر 2019، بحسب وزارة العدل الأميركية.
يُعرف شاغوري في لبنان بعلاقته المتينة والمقرّبة مع كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حزب المردة ومرشح رئاسة الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية في الداخل، وعلاقاته الدولية القوية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومع المملكة العربية السعودية.
أمّا الشخصية الرابعة فهي المستشار السياسي والأستاذ الجامعي اللبناني – الأميركي وليد فارس. عُرف فارس بعمله مع الحملات الرئاسية الجمهورية لكل من ميت رومني في عام 2012 ودونالد ترامب في عام 2016، حيث كان مستشاراً للسياسة الخارجية لترامب خلال حملة 2016. كان فارس شخصية بارزة في مناقشة قضايا الإرهاب وشؤون الشرق الأوسط. في لبنان، يُعرف فارس بقربه من حزب القوات اللبنانية. ابتعد فارس عن الحياة السياسية الأميركية فلم يظهر اسمه في الانتخابات الرئاسية وبالقرب من ترامب في السنوات الماضية. ويكتب حالياً في مواقع صحافية، من بينها موقع قناة “العربية”.
في ظل تقارب دونالد ترامب مع اللبنانيين، يبرز جو لبناني مرحب بترامب ومؤيد له، بخاصة بين الشخصيات المقربة من “محور” حزب الله والثنائي الشيعي، وأيضاً شخصيات مقربة من المرشح الرئاسي سليمان فرنجية. تجلى هذا الدعم أخيراً بتغريدة من النائب جميل السيد، المحسوب على حزب الله، دعا فيها اللبنانيين في الولايات المتحدة الأميركية للتصويت لترامب:
“إلى أحبّائي اللبنانيين والعرب حاملي الجنسية الأميركية ولا سيما المقيمين في أميركا…
بمناسبة الانتخابات الأميركية والتأثير الأساسي لأصواتكم فيها،
ولو تَسَنّى لي أن أكون واحداً منكم، فإنني كُنتُ سأختار بلا تردّد المرشّح الرئاسي دونالد ترامب لأنه الأنسب في رأيي للأسباب التالية:
• لأنني أعتقد أنه جريء وواضح وصادق وليس من هواة الحروب…
• ولأنه قادر أكثر من سواه على وقف الحرب الاسرائيلية الجارية ضد غزة ولبنان…
• ولأنه يُدرك كيف يحافظ على التوازنات والحقوق الوطنية لمختلف دول المنطقة وشعوبها…
• أرجو من كُل من يطّلع على هذا الرأي تعميمه على عائلته وأصدقائه مع الشكر،
وبالتوفيق إن شاء الله…”.
ماذا عن اللوبيات العربية؟
يتّفق كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على دعمهما لدونالد ترامب، الذي عزّز قوة الدولتين في المنطقة خلال رئاسته. فمن المرجح أن تتخذ هاريس موقفاً أكثر صرامة بشأن الصراعات في السودان واليمن وتنخرط دبلوماسياً مع إيران، وهي مواقف تتعارض مع الطموحات الجيوسياسية للإمارات والسعودية، بحسب مقال لمجلة Foreign Policy.
“في ظل إدارة ترامب السابقة، تمتعت الدول الخليجية بمستويات غير مسبوقة من الدعم الأميركي، بما في ذلك عبر صفقات الأسلحة وموقف واشنطن المتشدد ضد إيران. في حين يمثّل نهج هاريس المتوقع في السياسة الخارجية الأميركية تناقضاً صارخاً”، فهي من المرجّح أن تعود إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وفق المقال عينه.
لا بدّ من التذكير بأن دونالد ترامب كان عرّاب اتفاقيات أبراهام التي وُقّعت في أيلول/ سبتمبر 2020 بين الإمارات وإسرائيل، ما وطّد العلاقة بين الدولتين. وبعد أشهر، انضمت المغرب والسودان إلى الاتفاقيات، وكانت المملكة العربية السعودية تسير نحو توقيع الاتفاق حتى توقفت العملية بسبب أحداث 7 أكتوبر والحرب الإسرائيلية على غزة.
كشفت دراسة صادرة عن معهد كوينسي الأميركي بعنوان “اللوبي الإماراتي في أميركا”، نُشرت في كانون الأول/ ديسمبر 2022، أن 25 منظمة كانت مسجلة تحت قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) للعمل لصالح عملاء إماراتيين في عامي 2020 و2021. هذه المنظمات أبلغت عن إجراء 10,765 اتصالًا نيابة عن عملائها الإماراتيين. دفع العملاء الإماراتيون أكثر من 64 مليون دولار للشركات التي تمثلهم.
كما أفادت هذه الشركات ووكلاؤها الأجانب المسجلون بأنهم قدموا أكثر من 1.65 مليون دولار كتبرعات سياسية، وذهب أكثر من نصف مليون دولار إلى أعضاء الكونغرس الذين تواصلت معهم هذه الشركات نيابة عن عملائها الإماراتيين.
وفقًا لموقع OpenSecrets لتتبع المال السياسي، تلقى اللوبي الإماراتي أكثر من 157 مليون دولار من الإمارات العربية المتحدة منذ عام 2016 (حتى نهاية عام 2022)، ما يجعله واحداً من أكثر اللوبيات الأجنبية تمويلاً في أميركا.
في سياق منفصل، أشار تحقيق لصحيفة واشنطن بوست الأميركية الى أنه “لم تستفد أي دولة من نظام العقوبات بشكل أكثر فعالية من الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة خليجية تمتلك بعضاً من أكبر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في العالم. لقد اجتذب سوق العقارات الفاخرة في دبي، أكبر مدن الإمارات، مجموعة من تجار الأسلحة والمجرمين والأوليغارشيين الروس واللصوص الأفارقة. ووفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، كانت البلاد “نقطة عبور للمخدرات غير المشروعة ومرور لعائدات المخدرات” التي تم غسلها من خلال البنوك والعقارات”، “في الظروف العادية، سيتم فرض عقوبات على معظم النظام”. لكن حكومة الإمارات لم تخضع للعقوبات، بحسب التحقيق. ويعود ذلك لأسباب عدة أبرزها:
الإمارات هي حليف رئيسي للولايات المتحدة، إذ تستضيف قاعدة جوية أميركية. كما أنفقت الإمارات 193 مليون دولار على جماعات الضغط في واشنطن بين عامي 2016 و2023. يمكن تخيّل المبالغ الطائلة التي تدفعها دولة الإمارات.
أمّا المملكة العربية السعودية فأنفقت أكثر من 142 مليون دولار على عمليات الضغط والتأثير في الولايات المتحدة منذ عام 2016، من بينها ملايين الدولارات من المدفوعات في عام 2022، بحسب موقع Open Secrets.
بحسب الموقع، خلال السنة الأولى من إدارة بايدن، كشف الوكلاء السعوديون عن دفع أكثر من 25 مليون دولار لعمليات التأثير الأجنبي والضغط السياسي، وهذا المبلغ غير مسبوق باستثناء عام 2018. إذ دفعت السعودية نحو 39 مليون دولار في ذلك العام، في محاولة لإعادة تحسين صورة المملكة بعد قتل الصحافي جمال خاشقجي في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018.
أمّا قطر، فبالطبع تلعب دوراً مؤثراً أيضاً عبر لوبياتها السياسية في الولايات المتحدة، إلّا أنّها تواجه تحديات كبيرة بسبب النفوذ الإسرائيلي داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
أنفقت قطر ما لا يقل عن 24 مليون دولار على أنشطة الضغط في واشنطن منذ بداية عام 2017 (حتى تموز/ يوليو 2018)، بحسب رويترز. وهذا مقارنة بإجمالي 8.5 مليون دولار أنفقتها قطر في عامي 2015 و2016 على أنشطة الضغط السياسي.
كشف تحقيق للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) كيف ساهم مساعد سابق للرئيس جو بايدن وقائد مجموعة جمع الأموال لدعم حملة إعادة انتخابه، مارك دويل، في تنظيم اجتماع بين السيناتور روبرت مينينديز وأحد أفراد العائلة الحاكمة القطرية، ما أثار اهتمام المدّعين الفيدراليين.
وُجد مينينديز مذنباً بتهم فساد فيدرالية، بما في ذلك الرشوة والابتزاز والعمل كعميل أجنبي غير مسجل، ويواجه الآن عقوبة سجن طويلة محتملة، وسيتم الحكم عليه في 29 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. من بين التهم الأخرى، تم العثور على مينينديز مذنباً، باستخدام منصبه القوي لصالح قطر، مقابل المال وسبائك الذهب.

المصدر: رويترز (نشر المقال في 6 تموز/ يوليو 2018)
إقرأوا أيضاً:












