أستيقظ هذه الأيّام محاطاً بشعور ثقيل لا يفارقني. ثقل في الصدر، وقلق لا تهدّئه أي لحظة صمت، حتى حين يبدو كلّ شيء ساكناً.
هناك صوت داخلي لا يصمت، يذكّرني بأن الخطر قريب، وأن الأمان الذي أبحث عنه ليس إلا استراحة قصيرة بين عاصفتين. أتنقّل بين متابعة الأخبار ورصد الانتهاكات الإسرائيلية، وبين محاولة التقاط أنفاسي. لكن ما إن أغمض عينيّ ليلاً، حتى أجد نفسي في المشهد نفسه، الذي لم يغادرني منذ أن بدأت الحرب: وجوه مذعورة، أصوات صفارات وإنذارات، طائرات في السماء، وانفجارات تعصف بالمكان.
حين بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان الصيف الماضي، لم أكن أعرف كيف يبدو الخوف الحقيقي. اليوم أعرفه جيّداً. أعرف كيف يُثقل أنفاسي ويجمّد نبض قلبي، كيف يجعلني أبدو هادئاً من الخارج بينما يصرخ داخلي طلباً للنجاة. في ليالي القصف الإسرائيلي على بيروت، كان ارتجاج البيت مع كلّ ضربة، وتصاعد الدخان، وأصوات الناس في الشوارع، ومواء قططي وهي تركض مذعورة، مشاهد لا تنسى. كنت أعيش مع صديقي وعائلة نازحة من الجنوب هرباً من الموت، وكانت نظراتنا مرآةً لرعب دفين لم نجد له وصفاً.
لم أعش حرباً من قبل، لكنّني عشتها هذه المرّة بكلّ تفاصيلها الثقيلة. منذ اللحظة التي استشهدت فيها زميلتي ورفيقتي فرح عمر أثناء تغطيتها العدوان الإسرائيلي في طير حرفا، أصبح للموت وجه أعرفه عن قرب. لم تعد صور القصف بالنسبة لي مجرّد أخبار، بل جروح تتفتّح في ذاكرتي مع كلّ صورة جديدة لمبنى منهار، أو جسد مغطّى بالتراب.
لقد تعبت من مشاهدة مقاطع الفيديو والصور لمبانٍ مدمّرة وأشخاص يصرخون من الألم. أُعيد اللقطات مراراً وتكراراً بحثاً عن دليل حقيقي ننقله للناس، في مواجهة الرواية الإسرائيلية المضلّلة. كنّا نستهلك مشاهد العنف طوال فترة الحرب، ورغم شحّ الإمكانات والنزوح المستمرّ، واصلنا نقل الحقيقة.
كنت أعيش تجربة اللبنانيين كواحد منهم. جئت للدراسة وتغطية الأحداث في لبنان، وأصبحت جزءاً من معاناة يومية يعيشها الناس والصحافيون. لم يعد هناك مكان آمن، وكلّنا أصبحنا عرضة للخطر. مهنتي لم تكن عادية، فأنا كصحافي ومدقّق حقائق مسؤول عن زميلات وزملاء يعملون في مناطق غير آمنة، يتابعون القصف على بيروت والجنوب والبقاع. الشوارع خاوية، المباني مدمّرة، وكلّ تلك الصور أصبحت حبيسة الذاكرة.
عندما اشتدّ القصف على المنطقة التي أسكنها، اضطررت مع صديقي وقططي للخروج من المنزل. عشت تجربة النزوح مثل أي لبناني لا يعرف إلى أين يذهب. ما زال صوت أبواق السيارات وصراخ الأطفال والنساء عالقين في رأسي، وكذلك مشهد طوابير السيارات لساعات طويلة هرباً من القصف. لم أستطع مغادرة لبنان إلى بلدي؛ شعرت بمسؤوليّة ثقيلة: كيف أترك الناس يواجهون هذا وحدهم؟ كنّا نتشارك المصير نفسه، وكنت أرى أن واجبي هو التوثيق مهما كان الثمن.

مع مرور الوقت، أصبح الموت إحساساً يومياً، والأرق صديقاً لا يرحل. تغيّرت ملامحي وسلوكي، ودخلت في اكتئاب لم أكن أعرفه من قبل. جمدت مشاعري حتى تجاه أقرب الناس، وانغمست في تفاصيل العمل ومتابعة الأخبار، ونسيت نفسي. بدا داخلي كبركة ماء ألقيت فيها حجراً؛ دوائر من الاضطراب تتّسع حتى تتلاشى، ولا يبقى سوى سطح ساكن يُخفي ما تحته.
لم أكتب لأنني مستعدّ لمواجهة مشاعري، بل لأن كلّ شيء من حولي تغيّر: أفكار الناس، صمتهم، انكساراتهم. حتى أنا، أصبحت أتنقّل بين الخوف والفراغ العاطفي، أتشبّث بما تبقّى من ذاتي وسط عالم يتغيّر بسرعة، وعالم يبدو فيه الأمان فكرة هشّة.
لقد غيّرتنا الحرب جميعاً، ليس فقط في مشاعرنا واهتماماتنا، بل في مواقفنا وقيمنا. ما كان ثابتاً صار هشّاً، وما كان أماناً صار مهدّداً. حتى العلاقات بين الناس انقلبت، والألم والانتقام صارا لغتين شائعتين. ذابت القيم تحت وطأة الخيانة والكذب، وسرنا على دروب ممزّقة نرتدي أقنعة تُخفي وجوهنا الحقيقية، بينما الحقيقة تظلّ ساكنة في أعيننا وتصرخ في صمتنا.
ستبقى الذكريات التي عشتها ومن عاشها معي في لبنان حبيسة الذاكرة، سنظلّ نبحث عن أحلام توقّفت، وعن أماكن كانت ملاذاً، وعن قضايا كنّا نؤمن بها، وفي خضمّ الركام والألم والأمل، يبقى السؤال: متى نتحرّر؟
إقرأوا أيضاً:










