في سنوات طفولتي ومراهقتي، وتحديداً في عطلات نهايات الأسبوع، عند وصولي مع أهلي إلى الضيعة قادمين من بيتنا في حارة حريك، كنت أسمع صوت الوصول إلى البيت، بالتحديد أسمع صوت الوصول إلى بيت الضيعة.
ولنصل إلى البيت، كان أبي يسلك الطريق البحري لأن الأوتوستراد لم يكن قد أُنشئ بعد، ويخفف السرعة تدريجياً عند مفرق الضيعة استعداداً للطلعة القاسية التي كانت تتطلب، كي نجتازها، قوة دفع من سيارتنا المتواضعة لا سرعة. وكان حينها يتغير صوت السيارة نتيجة استخدام كامل قوتها لاجتياز الجزء الأصعب من الطلعة، قبل أن يتغير صوتها مجدداً عندما نصل إلى قمتها، فيهدأ روع السيارة ويسير بها أبي ببطء لأننا نكون قد وصلنا إلى الحي. وبعد أمتار قليلة من نهاية الطلعة، يوقف أبي السيارة أمام بيتنا، الذي هو أيضاً بيت جدي لأمي، وتقول ماما: “يللا يا ولاد نزلوا”.
فننزل من السيارة، ويحضننا صوت الهدوء وأصوات العصافير والديوك، وتصمت السيارة.
أحياناً، وأنا أقود سيارتي، تجتمع الظروف والأصوات ذاتها، وليس بالضرورة في المكان نفسه: صوت تغيّر سرعة السيارة، صوت تخفيف السرعة، صوت ركن السيارة بعد أمتار من السواقة البطيئة، صوت إطفاء المحرك، صوت اللهفة الصامتة للنزول من السيارة إلى الشارع، وصوت العصافير… فأسأل أختي الجالسة بقربي، وأنا متأكدة تماماً من إجابتها: “صوت شو هيدا؟”، فترد بلا تفكير: “صوت الوصول إلى الضيعة”.
أما أغاني هاني شاكر، فكانت أصوات المكوث في الضيعة.
على الرغم من أنني وُلدت وعشت في حارة حريك، وأمضيت جزءاً كبيراً من مراهقتي فيها، في حين كنت أمضي في الضيعة فقط عطلات نهايات الأسبوع، عندما يسمح الطقس بذلك، ومواسم الصيف، إلا أن هاني شاكر مرتبط عندي بالضيعة أكثر.
فترة المراهقة في الضيعة تشمل تفاصيل كثيرة، ليست كلها لها علاقة مباشرة بالمراهقة، ولا حتى بالحب واللوعة التي تتحدث عنها أغاني هاني شاكر، لكن كانت لهذه الأغاني في تلك الفترة حصة طاغية من كل هذه التفاصيل.
كانت أغاني هاني شاكر هي الموسيقى الخلفية للمهام اليومية التي كنا مكلّفين بها من أمهاتنا، قبل أن تأتي فترة العصر من كل نهار ونخرج لنتلاقى مع باقي من أُطلق سراحهن من بيوتهن وحرّها.
في فترة النهار، وتحديداً في الوقت الذي يقع بين وجبتي الفطور والغداء، كانت تلك فترة تنظيف البيت اليومية، وكانت تصدح خلالها أغاني هاني شاكر في كل البيوت، بالإضافة إلى أغاني جورج وسوف ومصطفى قمر وإيهاب توفيق وعمرو دياب… وغيرهم.
المفارقة أنه، وعلى الرغم من أن هذه الفترة لا تزال الفترة التي تُنظَّف فيها البيوت يومياً، إلا أنني، ومنذ زمن، لم أعد أسمع هذه الأغاني من أي بيت قرب بيتي، إلا في ما ندر.
أغاني هاني شاكر كانت رفيقة التنظيف والشطف. لا أذكر أننا –أنا وصديقات الحي وقريباتي – كنا نحب هذه المهام. ولكنني لا أذكر أيضاً أننا كنا نتذمّر. كان أمراً لا بد منه، مهامنا التي كُلفنا بها، ونقوم بها بإشراف أمهاتنا وتعليماتهن كي نتمكن من المضي نحو ما تبقى من نهارنا. كأننا لا يمكن أن نتجاوز تلك الفترة إذا لم نقم بالمهام المطلوبة منا، أو مثلاً كأننا لن نحصل على وجبة الغداء إذا لم نشطف!
وربما كان يواسينا أننا كلنا نقوم بتلك المهام وفي الوقت نفسه. كنا نمسح أرض البيت بالماء: “نبشّ” الممسحة بسطل الماء المخلوط بسائل التنظيف ونلفها حول “المساحة” أو “اللقاطة”، ونمررها على أرض الغرفة، ثم “نلقّط” البلاط بـ “اللقاطة” ثم نعيد مسح الأرض بممسة ناشفة. أما شطف البيت فلم يكن يومياً بل ربما يوماً بعد يوم. الشطف يتطلب الكثير من الماء الذي ندلقه من السطل على البلاط أو نرشه مباشرة من النربيش (خرطوم الماء)، ثم نشطفه بالمقشة ويشطف معنا هاني شاكر.
إقرأوا أيضاً:
عندما أتذكر أو أستمع الآن إلى أغنية “مشتريكي ما تبيعيش” مثلاً، فأنا أسمع أيضاً صوت المقشة وهي تفرك الصابون وفقاعاته على البلاط مراراً، وصوت “اللقاطة” التي تزيل الماء عن البلاط، وصوت “طرطشة” الماء عندما نرشه في كل اتجاه ونغسل قدمينا ونحن نشطف، وأسمع الأصوات القادمة من المطبخ حيث أعمال تحضير وجبة الغداء غالباً، والأصوات القادمة من البيوت القريبة التي على الأرجح هي أصوات شطف وتحضير غداء و”أصاحب مين”، وأصوات باعة الخضار والنساء اللواتي يشترين منه عندما يتوقف أمام بيوتنا، وأسمع صوت الأذان، أي صوت حلول الظهر.
كانت أغاني هاني شاكر صوت تلك اللحظات التي نجلس فيها على البلاط بعدما أصبح نظيفاً وبارداً، ونشرب الـ “بيبسي” في كوب زجاحي طويل فيه ثلج كثير مكافأة بعد الشطف.
هاني شاكر كان أيضاً صوت خلفية الاستلقاء بعد الظهر، حين يكون الخروج مستحيلاً بسبب الحر، فنلجأ كلنا الى قراءة روايات عبير. صندوق فيه أعداد كثيرة من السلسلة نمرّره في ما بيننا، وقد ورثناه ممّن كنّ يكبرننا سناً. روايات مُررت من جيل الى جيل، ومن بيت الى بيت ومن بنت الى بنت… لتساعدنا مع أغاني هاني شاكر على اجتياز فترة أخرى من النهار.
عندما أسمع أغاني هاني شاكر الآن، أسمعها لأزور تلك السنوات، حتى وأنا أسمع أغانيه الحزينة أبتسم. أسمعها فأفتح باباً لا يفتح بالمفاتيح العادية.
“أنا مش بعتب عليك”، “معاك”، “أصاحب مين”، “علي الضحكاية علي”… هذه الأغاني وغيرها بالنسبة إلي ليست أغاني حبّ، وليست أغاني حزينة، إنما هي الصوت القادم من حقبة “زمكانية” لا يمكن زيارتها من دون هذه الأغاني.
لم نكن فقط نحفظ الأغاني، بل كنا نحفظها بترتيبها على الكاسيت، وبترتيب إصدارات الكاسيتات زمنياً، وبترتيب وربط الكاسيتات مع من كنا نحبّ حين صدرت. كل كاسيت كان يذكّر بشخص.
بعد انقضاء فترة العصر وانحسار شمسها وحرارتها، كنا نلتقي في بيوت بعضنا لنختار الملابس التي سنلبسها لفترة “الكزدورة”. كان هذا نشاطاً قائماً بحد ذاته: “تعوا لعندي بدي ألبس”.
هذه الدعوة تعني أن صاحبتها ستكون واقفة لفترة زمنية ليست قصيرة أمام المرآة، تحاول أن تختار، ونختار معها ولها، ما ترتديه وما يتماشى مع ما نرتديه، قبل أن نخرج لـ”نكزدر” مسافة لا تتجاوز الـ300 متر، نكررها ذهاباً وإياباً ونحن “نقصقص” البزر الصغير، ونستمع لأغاني هاني شاكر التي تصدح من سيارات المارة، والتي غالباً يقودها شبان، ويكرّرون كزدورتهم ذهاباً وإياباً طالما استمرت كزدورتنا، قبل أن ينتهي يومنا العادي، وننتظر بشوق غير عادي أن نلتقي مجدداً في اليوم التالي العادي أيضاً.
ليست الروائح فقط، الأصوات أيضاً تفتح لنا أبواب الذاكرة.
ومع هذه الذكريات التي هبّت كالنسيم بشكل جماعي مع خبر وفاة هاني شاكر، ننتبه أكثر الى أنه كانت للأغاني في يومياتنا مساحة أوسع، مساحة للفرح حتى لو كانت أغاني حزينة، أو خلفية لمهام منزلية. كان فرحاً عادياً وله أصوات تتسرّب من الشبابيك.
الحنين والابتسام لأغاني هاني شاكر هما تعبير عن شوق للأيام العادية التي لا تخلو من الأغاني، وأمنياتنا بألا نتوقف عن شطف بيوت قرانا الجنوبية.
إقرأوا أيضاً:












