العدالة سؤال مركزي وتأسيسي في عملية بناء الشرعية لأي نظام، فليس بإمكان أي نظام سياسي أن يؤسس لشرعيته ويحفظها من دون سردية عن العدالة. تتساوى في هذا جميع الأنظمة من ألمانيا النازية الساعية الى تحقيق العدالة للألمان الذين تعرضوا للظلم في معاهدة فرساي وما حصل بعدها، إلى النظام الشيوعي الساعي لتحقيق العدالة الاشتراكية أو الانظمة الليبرالية. العدالة أمر لا يمكن تجاوزه والقفز عنه، لهذا لا يمكن فصل خطاب العدالة عن خطاب الشرعية الخاص بالنظام السياسي.
لا يشذّ حال السلطة الانتقالية في سوريا عن غيرها في علاقتها بسؤال العدالة، بخاصة أنها تولت السلطة بانتصارها في حرب أهلية في مواجهة نظام وحشي مثل نظام الأسد، حرب عرفت مجازر وعنفاً مهولين تداخل فيهما السياسي بالطائفي، ما جعل سؤال العدالة سؤالاً ملحاً ومركزياً، بخاصة العدالة الانتقالية وبشكل مستوحى من أنظمة عرفت تجارب مشابهة من العنف المرتبط بانقسامات أهلية.
مطلب العدالة في سوريا كان مطلباً راسخاً طيلة سنوات الحرب في مواجهة جرائم نظام الأسد والفصائل الإسلامية، في مواجهة السجون والإخفاء القسري الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف من السوريين. وحضر هذا المطلب مباشرة بعد سقوط نظام الأسد باعتباره مطلباً ملحاً، ليس فقط استجابة لآلام السوريين، إنما كخطوة ضرورية وأولى في معالجة انهيار الوطنية السورية وتأسيس نظام عدالة باعتباره عملية تأسيسية في بناء نظام ما بعد الأسد.
غير أن ما حصل في سوريا خلال العام الأخير يشير إلى تحول مهم في سؤال العدالة، وهو التذرع بالعدالة لتبرير وتسويغ جرائم وانتهاكات كبرى قامت بها السلطة.
الثأر ونزع مسؤولية السلطة
صرنا نسمع كثيراً عن غياب العدالة الانتقالية أو تأخرها مع كل غزوة أو فزعة تقوم بها السلطة السورية أو يقوم بها الأهالي، من مجازر الساحل إلى حرب السويداء إلى الهجوم على العلويين في حمص على خلفية اتهامهم بجريمة قتل أحد أبناء عشيرة بني خالد، اتضح بطلانه لاحقاً، أو الهجوم على العلويين بعد اعتصاماتهم، وحتى الهجوم على الأكراد والمعارك ضدهم. عندها تُطرح “العدالة الانتقالية” سبباً تفسيرياً او تبريراً لما حصل، تأخر العدالة هو السبب في ما حصل، ولو تحققت هذه العدالة لما حصل ما حصل! وبهذا تصير العدالة كما يبدو جزءاً من النقد لتباطؤ السلطة في تحقيقها، وأيضاً حلاً لهذه الانتهاكات باعتبارها تتعلق فقط بمسألة العدالة الانتقالية وغيابها.
هذه المحاججة التي تربط بين الانتهاكات وغياب العدالة الانتقالية، باعتبار الأولى نتيجة لغياب الثانية، لا ترتبط بتيار سياسي محدد، إذ يستخدمها الإسلاميون والمدنيون من دعاة الوطنية السورية الصلبة وأنصار السلطة الحالية (أو معارضوها البناؤون) ومطبلوها (منحبكجيها) الحاضرون دوماً وفي أي عصر لتقديم خدماتهم لصاحب السلطان أياً كانت هويته.
وهذا ما يجعل من التذرع بغياب العدالة الانتقالية في تفسير هذه الانتهاكات وتشريحها جزءاً من دعاية السلطة وخطابها نفسه حتى لو تجمّل قليلاً بالنقد البنّاء، فهو ينزع المسؤولية المباشرة عنها جاعلاً ما حصل ثأراً لجريمة سابقة، وبالتالي فإن منع تكرار هذه الجرائم يمكن فقط عبر معاقبة المجرم الأصلي، صاحب الجريمة الأولى، وهذا من مسؤولية الدولة/السلطة.
وهذا بدوره يعني تكريس شرعية السلطة باعتبارها المسؤولة عن معالجة الواقع وإحقاق العدل، ولا بأس -بل من الجيد- أن يظهر هذا التكريس لشرعيتها مترافقاً مع قليل من التوبيخ على تقصيرها في تحقيق العدل. وهو ما تقبله السلطة سريعاً بتنفيذ عدد من الاعتقالات لمجرمين في النظام السابق، وكثيراً ما يكونون غير معروفين أو ربما ينتمون الى درجات دنيا في النظام السابق، ولكنهم للمصادفة كثيراً ما يكونون بدورهم ناشطين في الحراك الحالي المناهض للسلطة.
إقرأوا أيضاً:
بالتأكيد العدالة الانتقالية مطلب أساسي في ذاته أولاً، باعتبار العدالة حاجة إنسانية أساسية، مثلما هي مطلب أساسي في سوريا لتحقيق مصالحة إنسانية أياً تكن الصيغة السياسية التي ستؤول إليها الأمور في سوريا، مصالحة وتأسيس لنظام يقطع مع الجريمة والإرهاب والقمع في شرعيته وآليات عمله.
من يهدر العدالة في سوريا؟
الحاجة الى العدالة الانتقالية من ناحية، واستخدامها كذريعة في تفسير وشرح الانتهاكات الحاصلة الآن تفرض علينا تفكيكاً لهذا الخطاب وفحصه وتفنيده.
يتغافل هذا الحجاج عن المسؤولية المباشرة للسلطة في إهدار سؤال العدالة والتملص منه، سواء ما كان مرتبطاً باتفاقات مع أطراف دولية وإقليمية لترك كبار مجرمي النظام السابق يهربون خارج البلاد أو إنجاز تسويات معهم، بمن فيهم كبار رجال الأعمال مثل محمد حمشو، وهي تسويات تمت من دون اعتراف بأدوراهم ومسؤولياتهم أو شفافية تسمح حتى بمعرفة محتواها وما تم التوافق عليه.
كذلك، تغيب الشفافية والوضوح عن عمل اللجنة المكلفة بمتابعة مسالة العدالة الانتقالية أو المعتقلين والمختفين قسرياً. في المقابل يتم الاستثمار في سؤال العدالة بشكل شديد الانتهازية، فيتم إيقاف أشخاص على خلفية كونهم من أزلام النظام السابق عند مواجهة أزمة أو احتجاجات، بخاصة في مناطق العلويين، أو التلطي خلف العدالة أمام امتحانات سياسية في مواجهة الدروز والأكراد، إذ يُقدم هؤلاء بوصفهم ملجأ للفلول، وهو ما يمكن أن يكون محقاً، لكن هذا الاتهام لا يظهر إلا عند تأزم الأوضاع معهم وتبريراً لمهاجمتهم والاعتداء عليهم.
العدالة أم الثأر؟
الربط بين العدالة والانتهاكات يجعل من العدالة شكلاً من أشكال الثأر، وهو ما يحمل اتهاماً غير مباشر لضحايا نظام الأسد وأهاليهم بكونهم المسؤولين عن هذه الانتهاكات. غير أنه لا سبب لدينا للقبول بمثل هذا الربط بغياب أية أدلة تدعمه.
بغياب المحاسبة والتحقيق في الجرائم الحاصلة، يغيب المتهمون والمعتقلون فيها، وبالتالي لا يمكن لنا التحقق من رابط بين الضحايا وأهاليهم ومن قام بمثل هذه الانتهاكات. لكن، في ما نعرفه عن حالات شبيهة، وما نعرفه أيضاً من مطالب الضحايا في مخيمات النزوح الذين تعرضوا للتهجير والاعتداء والجرائم وأهالي المعتقلين، فإن أهم مطالبهم لا تتمثل بالثأر إنما بتحقيق العدل لهم والكشف عن مصير أحبائهم.
ما يطلبونه أولاً هو حياة مستقرة وآمنة للذين نجوا منهم، العودة إلى بيوتهم ومدنهم وقراهم التي هجروا منها، تأمين الدراسة والتعليم لأبنائهم لكي يحظوا بالشروط الدنيا للحياة، وبالتالي فإن آخر ما يريدونه هو استمرار الاضطراب والحرب والمعارك التي تجعل من العودة إلى حياة ممكنة وكريمة في حدها الأدنى مستحيلاً. لا مصلحة واضحة للضحايا وأهالي الضحايا في استمرار هذه الانتهاكات والجرائم والأوضاع الخطرة التي تنذر بالانفجار، بل إن مصلحتهم تقف تماماً في الجهة المعاكسة لها.
أيضاً، وعلى الجانب الآخر لضحايا نظام الأسد، هناك اتهام ضمني لضحايا الانتهاكات الحالية بمسؤوليتهم عن جرائم نظام الأسد، بكونهم مجرمين ومذنبين فيها. وهذا الاتهام هو اتهام هوياتي، كونكم علويين فأنتم مذنبون.
ليست المسألة سؤال هل كان نظام الأسد نظام طائفياً يستدعي عصبية علوية أم لا، وهي مسألة تستحق النقاش في ذاتها. لكنها، في مواجهة الانتهاكات الحالية، تقوم بتحويل كل علوي إلى متهم حتى تثبت براءته، كل علوي هو مجرم محتمل، بما يبيح ضمنياً استهدافه أو على الأقل جعل هذا الاستهداف متفهماً ومبرراً.
هذا الدور التبريري عبر الإيحاء بمسؤولية الضحايا عن جرائم النظام السابق، يظهر وضوحاً في حالتي الدروز والأكراد الذين لم يكونوا جزءاً من نظام الأسد، على رغم ذلك اسُتخدمت هذه الحجة ضدهم عبر التذرع بوجود الفلول بينهم، سواء كانوا دروزاً أو أكراداً أو لا، وحصولهم على حماية أو التذرع بعلاقاتهم وصلاتهم القديمة مع نظام الأسد وتواطؤهم معه، بما ينزع عنهم صفة الضحية الواضحة أمام هذه الانتهاكات. وهو ما لا يحصل مع بيئات سنية تواطأت مع نظام الأسد، لأنه وبكل بساطة لا وجود لهجوم استهدف بيئات سُنية بشكل ممنهج مثلما حصل في حالتي الدروز والأكراد، على رغم وجود عمليات ثأر فردية كثيرة.
هذا يدفع الى طرح المسألة بصيغة مغايرة، العدالة لم تكن الدافع وراء هذه الانتهاكات، بل لاحقة عليها لتبريرها وتسويغها وإخفاء طبيعتها الأساسية بوصفها استهدافاً على الهوية تحفزه أيديولوجيا تحملها وتحفزها وترعاها السلطة نفسها.
“صمّام الأمان” !
يترافق دوماً مع هذه الحجة التحذير من غياب أحمد الشرع بوصفه صماماً للأمان، حامي الأقليات (نعم، صار أمير جبهة النصرة وعضو القاعدة ورسول أبو بكر البغدادي إلى سوريا حامياً للأقليات والتنوع في سوريا من دون مزاح!). مطلب العدالة وقد اختُزل في الثأر سمح بتصوير الوضع وكأننا أمام جماهير هائجة تحتاج إلى زعيم حكيم وقوي يلجمها، وهو نفسه الوحيد القادر على تحقيق الوسط الذهبي، حماية الأقليات المذنبة وتحقيق العدالة المقبولة من الأغلبية، ومن دونه فإننا ذاهبون إلى مذبحة! هنا يكمن المعنى الحقيقي للتذرع بالعدالة بوصفها تأسيساً لشرعية السلطة الحالية وزعامة أحمد الشرع.
أن تسمي المهزوم مجرماً
المسألة الأخيرة والخطرة في هذا التناول للعدالة هو إهدارها الكامل. فمع استمرار الجرائم والانتهاكات، وهو الأمر الذي تشهد عليه الأحوال، فلن يعود هناك معنى للعدالة بازدياد القتلة والجرائم التي تحصل باسم العدالة نفسها. وهؤلاء لن يقدموا للمحاسبة والمعاقبة، التي ربما تقتصر على بعض الأسماء الدنيا لأفراد نكرات، فيما يبقى المسؤولون الحقيقيون عنها في أعلى سلسلة القيادة بعيدين عن المحاسبة. عندها، لا تعود العدالة عدلاً، إنما ثأر وشريعة المنتصر الذي يسمي المهزوم مجرماً بكل بساطة، وهو ما سيشعر به المهزومون بكل وضوح ومن دون أن ينخدعوا بالعبارات المنمّقة عن الأخوة وغيرها.
تنتفي العدالة كشرط لتأسيس شرعية نظام وعقد اجتماعي ومصالحة، لتصير فقط إعلان انتصار جماعة على أخرى، في تكريس لمنطق العقاب للمهزوم، الذي عليه أن يسعى الى النصر في الحرب المقبلة. بهذا تنعدم المهمة الأساسية للعدالة، المتمثلة في تأسيس شرعية مقبولة وعقد اجتماعي بقواعد متوافق عليها من الجميع كونها تصون حقوقهم.
التذرع بالعدالة في تسويغ الانتهاكات والجرائم الحاصلة مسألة شديدة الخطر، كونه يدمر معنى العدالة. وعلى رغم أنه يعلي من الحاجة الى السلطة الحالية على المدى القصير، إلا أنه بالمقابل يسحق فكرة الشرعية نفسها على المدى البعيد مؤسساً لعلاقات سلطة على ثنائية المنتصر والمهزوم، ومكرساً لعدالة متماهية مع الثأر ويمكن استخدامها أداتياً لتسويغ أية جريمة لاحقة.
إقرأوا أيضاً:












