fbpx

ذكرى سقوط بغداد: من أين جاءت هذه الأساطيل كلها؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كل هذه الأساطيل… كل تلك الأزرار. الحمولات الثقيلة، والطائرات عابرة القارات. مُدرّجات الإسمنت، والأقمار الصناعية… لهذا ربما يقف العراق وظهره إلى الحائط، نحيفاً ومنهكاً، وفي حجرات الطاغية مفاتيح أقفاصه، كأن كل الحروب التي مضت لم تشفع له ساعة راحة قبل فوات الأوان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

دائماً بعد فوات الأوان، ينتظر العراقيون الحرب حين لا يعثرون على وسيلة أخرى لتمضية الوقت. 

على الشاطئ الضحضاح لنهير يتفرع من شط العرب، تبحث الصغيرات عن أسماك ولقى في قصة محمد خضير، وتأرجح ابنة الجندي نفسها بين نخلتين. إلا أن الصبية لم تكبر منذ حربين، وها هي تنتظر الأب العائد من حرب ثالثة أو رابعة بعد فوات الأوان.  

عليّ أنْ أمسح نظارتي كي أرى النساء في مملكة محمد خضير السوداء سادرات خارج مشهد الحرب، حيث تعبر قذيفة من البحر وتقلع طائرة “الهوكر”. قالت ابنة خالي بصوتها المحايد على الهاتف: أين نذهب؟ قذيفة واحدة تمر على مسافة بعيدة ستهدم بيت جدي على رؤوسنا، فهو من طراز فات أوانه. قلت لها، ينبغي أن تخرجوا قبل… قالت: نحن هنا أصلاً بعد فوات الأوان. 

كل هذه الأساطيل… كل تلك الأزرار. الحمولات الثقيلة، والطائرات عابرة القارات. مُدرّجات الإسمنت، والأقمار الصناعية… لهذا ربما يقف العراق وظهره إلى الحائط، نحيفاً ومنهكاً، وفي حجرات الطاغية مفاتيح أقفاصه، كأن كل الحروب التي مضت لم تشفع له ساعة راحة قبل فوات الأوان.  

يتمتم العراقيون بجمل ناقصة، حلّ الترقّب بينهم ضيفاً يخفي معالم وجهه. إنهم يتنفسون هواء الحرب ويحكّون جلودهم المتقشرة من الرعب. سأمسك قلبي عن الخفقان، كانت تقول، عندما أسمع الأزيز الأول للطيران، وأعرف أن هذا الأزيز جاء بعد فوات الوقت.  

الحرب التي التصقت كجَرَبٍ على جلد العراق، تعوّد الناس على هرشها وهم يرمقون تغضنات الغضب فوق وجه رئيسهم. نبرة الـ”ها” التي تنبز من خنة صوته الممطوط، سيجاره الكوبي الذي يستمر ساعات ينفث هالة من الدخان فوق رأسه، يعرف أنه أشعله بعد فوات الأوان أو قبله.  

هل القدرة والإرادة منفصلتان؟ هذا السؤال كان شاغل أحدهم، اكتشف قدرته على قول كل ما يعرفه، ولكنه انتهى إلى أن ما كان يقدر عليه يتعارض مع ما هو كائنه، وهكذا وصل العراقي إلى طريقه المسدود، يرفع يديه ووجهه إلى الحائط. 

سيتذكر العرب افتتانهم بحذاقة الكلمات التي تخاطب وجدان الأمة، تلك التي تضفي الجلال على سوقية الحرب ورخص ثمن الدماء التي دفعها العراقيون قرابين الخطابة النفّاجة.

 ضربة حظ من تلك التي يبلغ فيها الأباطرة بالتاريخ إلى منتهاه. كان غوبلز سعيداً وهو يقول: في حال هزيمة النازيين، فإنهم سيدركون كيف يصفقون الباب وراءهم، بحيث لا تني البشرية تتذكرهم لعصور طويلة.  

وسيتذكر العرب افتتانهم بحذاقة الكلمات التي تخاطب وجدان الأمة، تلك التي تضفي الجلال على سوقية الحرب ورخص ثمن الدماء التي دفعها العراقيون قرابين الخطابة النفّاجة. وها هم يقتربون من مواجهة لا طاقة لهم على تحمّلها. فأميركا التي تختبر عدتها للدخول في عالم جديد تتاجر بآلامهم، وتضع مستقبلاً لشعب من الخرسان، وطاغيتهم ينفش ريشه وهو يشهد الدروع البشرية تتقاطر لحفظ قصوره ومخابئه من التلف. أي مفارقة على العراقيين استيعابها بلمح البصر؟ البحر من ورائهم وما الذي تبقىّ سوى معجزة لكسيح وما من مسيح في زمن تكنولوجيا الأزرار النووية وصواريخ الانثراكس.  

لو يعلم العراقيون أن خرابهم هو الثمن المناسب لعظمة تمن عليهم بها الميكروفونات وحبر المطابع، فهم شعب عظيم بعين كل العرب، وهم لؤلؤة الشرق الأوسط بعين أميركا، فأي الحكايتين عليهم تصديقها كي يبلغوا موتهم الأخير سعداء بالنياشين والهتافات. 

الخيال وحده يرعى هذه الحرب، مثل مخرج لا يريد أنْ يؤذي مشاهديه. سيتعين عليهم أن يشهدوا تناظرات الاستعارة والمجازات كي تحل بدل فاجعة القتل، كأن تنحني الأشجار ويفور الماء وتفرّ الطيور. أما ما يفعله البشر عند سقوط القنبلة الأولى، فهو محض توقعات لا يتحملها خيال مَلّ موته. 

فيما إذا حدثت المعجزة وذهبت الحشود إلى بيوتها، فما الذي يتبقى لأولئك الجنود الناجين بحكم الصدفة. سيجرون أطرافهم الثقيلة في طريق العودة من حرب مؤجلة، وستهتز فوق أكتافهم بنادق قديمة، وفي طريق نصرهم المؤزر، سيلمحون في كل منعطف مصابيح تعشي عيونهم، وسيبتسم أول تمثال للرئيس يصادفهم، وسينحنون كي يؤدوا له طقوس الاحترام. 

 ببطء  يتأملون بلاداً كئيبة ويتمتمون كلاماً لا يسمعه غيرهم: ربما الليل يضاعف الوحشة، ربما تعب الرحلة ومنظر البساطيل، ربما…  

 أول الصباح سيذهبون إلى تظاهرة الولاء متعبين، وستشق حناجرهم عنان السماء: “ليبق الرئيس إلى الأبد… إلى الأبد… إلى…”. 

وفي آخر الأمر، وبعد فوات الأوان، سينسون أن الهتاف هو التعويض المناسب عن جنون لا طاقة لهم على تحمّله. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
03.04.2023
زمن القراءة: 3 minutes

كل هذه الأساطيل… كل تلك الأزرار. الحمولات الثقيلة، والطائرات عابرة القارات. مُدرّجات الإسمنت، والأقمار الصناعية… لهذا ربما يقف العراق وظهره إلى الحائط، نحيفاً ومنهكاً، وفي حجرات الطاغية مفاتيح أقفاصه، كأن كل الحروب التي مضت لم تشفع له ساعة راحة قبل فوات الأوان.

دائماً بعد فوات الأوان، ينتظر العراقيون الحرب حين لا يعثرون على وسيلة أخرى لتمضية الوقت. 

على الشاطئ الضحضاح لنهير يتفرع من شط العرب، تبحث الصغيرات عن أسماك ولقى في قصة محمد خضير، وتأرجح ابنة الجندي نفسها بين نخلتين. إلا أن الصبية لم تكبر منذ حربين، وها هي تنتظر الأب العائد من حرب ثالثة أو رابعة بعد فوات الأوان.  

عليّ أنْ أمسح نظارتي كي أرى النساء في مملكة محمد خضير السوداء سادرات خارج مشهد الحرب، حيث تعبر قذيفة من البحر وتقلع طائرة “الهوكر”. قالت ابنة خالي بصوتها المحايد على الهاتف: أين نذهب؟ قذيفة واحدة تمر على مسافة بعيدة ستهدم بيت جدي على رؤوسنا، فهو من طراز فات أوانه. قلت لها، ينبغي أن تخرجوا قبل… قالت: نحن هنا أصلاً بعد فوات الأوان. 

كل هذه الأساطيل… كل تلك الأزرار. الحمولات الثقيلة، والطائرات عابرة القارات. مُدرّجات الإسمنت، والأقمار الصناعية… لهذا ربما يقف العراق وظهره إلى الحائط، نحيفاً ومنهكاً، وفي حجرات الطاغية مفاتيح أقفاصه، كأن كل الحروب التي مضت لم تشفع له ساعة راحة قبل فوات الأوان.  

يتمتم العراقيون بجمل ناقصة، حلّ الترقّب بينهم ضيفاً يخفي معالم وجهه. إنهم يتنفسون هواء الحرب ويحكّون جلودهم المتقشرة من الرعب. سأمسك قلبي عن الخفقان، كانت تقول، عندما أسمع الأزيز الأول للطيران، وأعرف أن هذا الأزيز جاء بعد فوات الوقت.  

الحرب التي التصقت كجَرَبٍ على جلد العراق، تعوّد الناس على هرشها وهم يرمقون تغضنات الغضب فوق وجه رئيسهم. نبرة الـ”ها” التي تنبز من خنة صوته الممطوط، سيجاره الكوبي الذي يستمر ساعات ينفث هالة من الدخان فوق رأسه، يعرف أنه أشعله بعد فوات الأوان أو قبله.  

هل القدرة والإرادة منفصلتان؟ هذا السؤال كان شاغل أحدهم، اكتشف قدرته على قول كل ما يعرفه، ولكنه انتهى إلى أن ما كان يقدر عليه يتعارض مع ما هو كائنه، وهكذا وصل العراقي إلى طريقه المسدود، يرفع يديه ووجهه إلى الحائط. 

سيتذكر العرب افتتانهم بحذاقة الكلمات التي تخاطب وجدان الأمة، تلك التي تضفي الجلال على سوقية الحرب ورخص ثمن الدماء التي دفعها العراقيون قرابين الخطابة النفّاجة.

 ضربة حظ من تلك التي يبلغ فيها الأباطرة بالتاريخ إلى منتهاه. كان غوبلز سعيداً وهو يقول: في حال هزيمة النازيين، فإنهم سيدركون كيف يصفقون الباب وراءهم، بحيث لا تني البشرية تتذكرهم لعصور طويلة.  

وسيتذكر العرب افتتانهم بحذاقة الكلمات التي تخاطب وجدان الأمة، تلك التي تضفي الجلال على سوقية الحرب ورخص ثمن الدماء التي دفعها العراقيون قرابين الخطابة النفّاجة. وها هم يقتربون من مواجهة لا طاقة لهم على تحمّلها. فأميركا التي تختبر عدتها للدخول في عالم جديد تتاجر بآلامهم، وتضع مستقبلاً لشعب من الخرسان، وطاغيتهم ينفش ريشه وهو يشهد الدروع البشرية تتقاطر لحفظ قصوره ومخابئه من التلف. أي مفارقة على العراقيين استيعابها بلمح البصر؟ البحر من ورائهم وما الذي تبقىّ سوى معجزة لكسيح وما من مسيح في زمن تكنولوجيا الأزرار النووية وصواريخ الانثراكس.  

لو يعلم العراقيون أن خرابهم هو الثمن المناسب لعظمة تمن عليهم بها الميكروفونات وحبر المطابع، فهم شعب عظيم بعين كل العرب، وهم لؤلؤة الشرق الأوسط بعين أميركا، فأي الحكايتين عليهم تصديقها كي يبلغوا موتهم الأخير سعداء بالنياشين والهتافات. 

الخيال وحده يرعى هذه الحرب، مثل مخرج لا يريد أنْ يؤذي مشاهديه. سيتعين عليهم أن يشهدوا تناظرات الاستعارة والمجازات كي تحل بدل فاجعة القتل، كأن تنحني الأشجار ويفور الماء وتفرّ الطيور. أما ما يفعله البشر عند سقوط القنبلة الأولى، فهو محض توقعات لا يتحملها خيال مَلّ موته. 

فيما إذا حدثت المعجزة وذهبت الحشود إلى بيوتها، فما الذي يتبقى لأولئك الجنود الناجين بحكم الصدفة. سيجرون أطرافهم الثقيلة في طريق العودة من حرب مؤجلة، وستهتز فوق أكتافهم بنادق قديمة، وفي طريق نصرهم المؤزر، سيلمحون في كل منعطف مصابيح تعشي عيونهم، وسيبتسم أول تمثال للرئيس يصادفهم، وسينحنون كي يؤدوا له طقوس الاحترام. 

 ببطء  يتأملون بلاداً كئيبة ويتمتمون كلاماً لا يسمعه غيرهم: ربما الليل يضاعف الوحشة، ربما تعب الرحلة ومنظر البساطيل، ربما…  

 أول الصباح سيذهبون إلى تظاهرة الولاء متعبين، وستشق حناجرهم عنان السماء: “ليبق الرئيس إلى الأبد… إلى الأبد… إلى…”. 

وفي آخر الأمر، وبعد فوات الأوان، سينسون أن الهتاف هو التعويض المناسب عن جنون لا طاقة لهم على تحمّله. 

03.04.2023
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية