fbpx

رائحة “زمامير” بيروت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بيروت وضواحيها وكل من لفّ لفيفها، بقع غير مرئية في هذا العالم الثالث المدمّى، لكنها بقع مؤلمة ولها زئير الزمامير، وصراخ السائرين نحو حتفهم كما لو أنهم في طريقهم إلى حفلة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا شك في أنني لست الوحيدة التي تتوتّر أثناء التجوّل بالسيارة في بيروت أو حتى في ضواحيها، إنها ربما “فوبيا” عامة، إنما لا وقت لدينا لعلاجها أو التفكير فيها، كما أننا لا نملك بديلاً عن بيروت. 

في النهاية، لا يستطيع المرء شراء عاصمة أخرى لوطنه. فالأوطان وعواصمها كالأسماء وكالعائلة، أشياء لا نستطيع اختيارها أو تبديلها، تأتي معنا وتبقى، إذ ترافقنا همومها ولعناتها وآفاقها وتداعياتها وحفلات جنونها حتى الموت.

إلى أين يذهب هؤلاء المستعجلون كلهم؟ ولماذا هم مستعجلون أصلاً؟ لماذا قد يستعجل المرء من أجل أي شيء في بلد كلبنان؟ طوال الوقت أفكّر بالأمر، علامَ هذه العجلة كلها؟ ولماذا يخشى الناس أن يتأخروا؟ ولمَ لا يستمتعون ببعض الجاز أو الشجن الذي في معزوفة تركية؟ لكنّ الشجن في طرقاتنا محفّز آخر للجنون والسرعة، يُخيّل للبعض أن القيادة بسرعة تجعل الشجن يتداعى، كما قد يلتهم عاشق مجروح الكثير من الشوكولا حتى ينسى!

لزمامير بيروت رائحة، لا يمكن تفسيرها، لكنها تشبه عجزنا واستقواءنا على الحرب وعلى السلم وعلى الملل والخوف والتعب. بيروت وضواحيها وكل من لفّ لفيفها، بقع غير مرئية في هذا العالم الثالث المدمّى، لكنها بقع مؤلمة ولها زئير الزمامير، وصراخ السائرين نحو حتفهم كما لو أنهم في طريقهم إلى حفلة. 

أعيش مع زمرة من المستعجلين في مدينة واحدة، ومن أجل الشفافية، فلأعترف بأنني أكون واحدة منهم في بعض الأحيان، بحيث أستعجل الوصول حتى حين لا أكون على عجلة من أمري في الواقع، وأزمّر كثيراً. ربما يفكّر أحدهم، “إلى أين تذهب هذه المجنونة ولماذا هذه الزمامير كلها؟”.

في روايته “البطء”، يربط الكاتب التشيكي الراحل ميلان كونديرا الذاكرة بالسرعة والبطء، ويقول: “تتناسب درجة البطء طرداً مع قوّة الذاكرة، وتتناسب درجة السرعة طرداً مع قوّة النسيان”. وبما أن الجميع هنا مستعجل بمن فيهم أنا، يبدو أننا شعب يعاني من قوة النسيان، نقود سياراتنا نحو اللاجدوى ونحو ما نعتقده “مهماً”، متناسين أو غير آبهين لمآسينا وواقعنا. ربما يا سيّد كونديرا، نكون شعباً غير قادر على تحمّل البطء والذاكرة، وهذا كل ما في الأمر.

طوال سنتين تقريباً، بقيت أغنية “شبابيك بيروت” دواء للحظات التعب والأرق، إذ تقول تانيا صالح بصوتها الرائع “شبابيك بيروت عم توعى عمهلها، وبيوت خلف بيوت شو ما عملت برحلها…”. كانت أغنية تعبّر ببساطة عن علاقتي بالشبابيك وقصص الناس التي خلفها، القصص التي تستحق أن تُحكى إنما لا ينظر إليها أحد لأن الشبابيك مقفلة والستائر مسدلة. أخشى أنّ على أحدهم أن يكتب أغنية بعنوان “زمامير بيروت”، فخلف كل زمّور لا بدّ من حكاية لرجل عائد فارغ اليدين إلى أولاد، أو فارغ القلب إلى حضن حبيبته، أو حكاية لسيّدة تصارع وتبقى في مكانها لأن القوانين لا تسندها ولأن المجتمع يحقد على حريتها. أو ربما حكاية لمن لا يكفي راتبه لشراء الخبز أو دفع إيجار الغرفة التي يسكنها، وبدل البكاء، يزمّر كثيراً…

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
20.01.2024
زمن القراءة: 2 minutes

بيروت وضواحيها وكل من لفّ لفيفها، بقع غير مرئية في هذا العالم الثالث المدمّى، لكنها بقع مؤلمة ولها زئير الزمامير، وصراخ السائرين نحو حتفهم كما لو أنهم في طريقهم إلى حفلة. 

لا شك في أنني لست الوحيدة التي تتوتّر أثناء التجوّل بالسيارة في بيروت أو حتى في ضواحيها، إنها ربما “فوبيا” عامة، إنما لا وقت لدينا لعلاجها أو التفكير فيها، كما أننا لا نملك بديلاً عن بيروت. 

في النهاية، لا يستطيع المرء شراء عاصمة أخرى لوطنه. فالأوطان وعواصمها كالأسماء وكالعائلة، أشياء لا نستطيع اختيارها أو تبديلها، تأتي معنا وتبقى، إذ ترافقنا همومها ولعناتها وآفاقها وتداعياتها وحفلات جنونها حتى الموت.

إلى أين يذهب هؤلاء المستعجلون كلهم؟ ولماذا هم مستعجلون أصلاً؟ لماذا قد يستعجل المرء من أجل أي شيء في بلد كلبنان؟ طوال الوقت أفكّر بالأمر، علامَ هذه العجلة كلها؟ ولماذا يخشى الناس أن يتأخروا؟ ولمَ لا يستمتعون ببعض الجاز أو الشجن الذي في معزوفة تركية؟ لكنّ الشجن في طرقاتنا محفّز آخر للجنون والسرعة، يُخيّل للبعض أن القيادة بسرعة تجعل الشجن يتداعى، كما قد يلتهم عاشق مجروح الكثير من الشوكولا حتى ينسى!

لزمامير بيروت رائحة، لا يمكن تفسيرها، لكنها تشبه عجزنا واستقواءنا على الحرب وعلى السلم وعلى الملل والخوف والتعب. بيروت وضواحيها وكل من لفّ لفيفها، بقع غير مرئية في هذا العالم الثالث المدمّى، لكنها بقع مؤلمة ولها زئير الزمامير، وصراخ السائرين نحو حتفهم كما لو أنهم في طريقهم إلى حفلة. 

أعيش مع زمرة من المستعجلين في مدينة واحدة، ومن أجل الشفافية، فلأعترف بأنني أكون واحدة منهم في بعض الأحيان، بحيث أستعجل الوصول حتى حين لا أكون على عجلة من أمري في الواقع، وأزمّر كثيراً. ربما يفكّر أحدهم، “إلى أين تذهب هذه المجنونة ولماذا هذه الزمامير كلها؟”.

في روايته “البطء”، يربط الكاتب التشيكي الراحل ميلان كونديرا الذاكرة بالسرعة والبطء، ويقول: “تتناسب درجة البطء طرداً مع قوّة الذاكرة، وتتناسب درجة السرعة طرداً مع قوّة النسيان”. وبما أن الجميع هنا مستعجل بمن فيهم أنا، يبدو أننا شعب يعاني من قوة النسيان، نقود سياراتنا نحو اللاجدوى ونحو ما نعتقده “مهماً”، متناسين أو غير آبهين لمآسينا وواقعنا. ربما يا سيّد كونديرا، نكون شعباً غير قادر على تحمّل البطء والذاكرة، وهذا كل ما في الأمر.

طوال سنتين تقريباً، بقيت أغنية “شبابيك بيروت” دواء للحظات التعب والأرق، إذ تقول تانيا صالح بصوتها الرائع “شبابيك بيروت عم توعى عمهلها، وبيوت خلف بيوت شو ما عملت برحلها…”. كانت أغنية تعبّر ببساطة عن علاقتي بالشبابيك وقصص الناس التي خلفها، القصص التي تستحق أن تُحكى إنما لا ينظر إليها أحد لأن الشبابيك مقفلة والستائر مسدلة. أخشى أنّ على أحدهم أن يكتب أغنية بعنوان “زمامير بيروت”، فخلف كل زمّور لا بدّ من حكاية لرجل عائد فارغ اليدين إلى أولاد، أو فارغ القلب إلى حضن حبيبته، أو حكاية لسيّدة تصارع وتبقى في مكانها لأن القوانين لا تسندها ولأن المجتمع يحقد على حريتها. أو ربما حكاية لمن لا يكفي راتبه لشراء الخبز أو دفع إيجار الغرفة التي يسكنها، وبدل البكاء، يزمّر كثيراً…

20.01.2024
زمن القراءة: 2 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية