“ترند” اليوم في لبنان: امرأة عارية على كورنيش المنارة… عشرات الهواتف مرفوعة، أعين شاخصة نحو الشاشة، وجمهور كامل يتابع “المشهد الغريب” بفضول يشبه الفرجة أكثر ممّا يشبه القلق أو التساؤل أو التعاطف مع شخص قد يكون في حالة نفسية سيّئة.
وجد بعض الرجال على كورنيش المنارة في بيروت معركتهم الكبرى: امرأة عارية قرب البحر. خلال دقائق، تجمهروا حولها، صوّبوا هواتفهم نحو جسدها، راقبوها، صرخوا، ثم قرّر أحدهم أن يكمل المشهد بصفعة عنيفة على وجهها. وسط الفوضى، يُسمع صوت رجل يقول: “أوعى تمد إيدك عليها”. جملة سريعة وعابرة، لكنّها بدت للحظة كأنها آخر ما تبقّى من الحدّ الأدنى الإنساني وسط مشهد جماعي من التلصّص والعنف.
لكن أحدهم مدّ يده فعلاً، هكذا ببساطة، رجل عادي، لا شرطي ولا قاضٍ ولا طبيب، شعر أن من حقّه أن يمدّ يده على امرأة لا يعرفها، فقط لأنها أزعجت نظامه الأخلاقي الهشّ، والمفارقة أن كثيرين لم يروا العنف في الضرب، بل في جسد المرأة نفسه.
من السهل على “رجل المنارة” لعب دور البطل حين يكون الخصم امرأة وحيدة ومكشوفة وهشّة. فجأة يستيقظ فيه “الشرف”، وتنتفخ عضلات الأخلاق، ويقرّر حماية المجتمع من خطر امرأة تقف قرب البحر، امرأة عارية؟ هنا يستيقظ الرقيب الأخلاقي فوراً.
ما جرى على الكورنيش لم يكن حادثة فردية، بل مشهد مكثّف عن طبيعة السلطة الذكورية في المجتمع اللبناني، سلطة لا تحتاج إلى قانون كي تضرب، ولا إلى تفويض كي تعاقب، يكفي أن يشعر الرجل بأن سلوك امرأة “لا يعجبه” حتى يمنح نفسه حق التدخّل الجسدي، وهذا بالضبط ما يجعل الحادثة خطيرة: ليس لأنها صادمة بصرياً، بل لأنها كشفت كيف يتحوّل العنف إلى ردّ فعل اجتماعي طبيعي ومبرَّر.
السيطرة وفهم البنية الأبوية
الرجل الذي ضرب السيّدة لم يكن يدافع عن الأخلاق، بل عن شعوره بالسلطة، ما فعله كان أقرب إلى إعلان ملكية: هذا الفضاء لنا، وهذه الأجساد يجب أن تخضع لقواعدنا. كثير من الرجال في مجتمعاتنا لا يحتملون المرأة الخارجة عن السيطرة. امرأة تصرخ، ترفض، تحتجّ، تكشف جسدها، تخرج عن الصورة المتوقّعة، كلها تُعتبر تهديداً مباشراً للنظام الذكوري، لذلك يصبح العنف محاولة لإعادتها إلى “مكانها الطبيعي”، الصفعة هنا ليست مجرّد ضربة، بل رسالة: نحن من يقرّر حدود المقبول.
هذا السلوك ليس معزولاً عن البنية الأبوية في لبنان. دراسة Understanding Masculinities التي أعدّتها UN Women بالتعاون مع Promundo، وشملت لبنان ودولاً عربية أخرى، أظهرت أن نسبة كبيرة من الرجال، ما زالت تتبنّى أدواراً تقليدية تعتبر الرجل “الوصي” وصاحب القرار النهائي داخل الأسرة والمجتمع، كما ربطت الدراسة بين التمسّك بالنظام الأبوي وبين تبرير التحرّش والعنف ضدّ النساء في الفضاء العامّ، ولفتت أيضاً إلى أن كثيراً من الرجال ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم “حماة الأخلاق”، أو المسؤولين عن ضبط سلوك النساء.
هذه العقلية تظهر بوضوح في طريقة التعامل مع النساء اللواتي يخرجن عن الصورة النمطية المتوقّعة. ففي لبنان، لا يُنظر دائماً إلى المرأة بوصفها فرداً مستقلّاً في الفضاء العامّ، بل بوصفها جسداً يجب مراقبته وضبطه.
تقارير صادرة عن UN Women وعن KAFA “كفى”، تشير إلى أن العنف القائم على النوع الاجتماعي في المنطقة يرتبط بشكل مباشر بفكرة السيطرة على النساء، وربط “شرف المجتمع” بأجسادهن وسلوكهن، فيما يُمنح الرجال اجتماعياً دور الحارس أو المراقب.
الرجل “المنقذ”
الأمر لا يتعلّق فقط بالعنف الجسدي، بل أيضاً بردود الفعل الجماعية التي تبرّره. بعض التعليقات على فيديو المنارة تعاملت مع الرجل كأنه “أنقذ الموقف”، لا كأنه اعتدى على امرأة قد تكون في حالة نفسية أو صحّية خطيرة تستحقّ أوّلاً السؤال والفهم والاحتواء ربما، وهذا تحديداً ما تحذّر منه دراسات الجندر: حين يتحوّل العنف ضدّ النساء إلى سلوك مفهوم أو مقبول اجتماعياً، إذا اعتُبر أن المرأة “تجاوزت الحدود”.
دراسة أخرى بعنوان Comparative Study of Violence Against Female Reporters and Male Reporters أظهرت كيف تتعرّض النساء في المجال العامّ، وخصوصاً اللواتي يظهرن بصوت عالٍ أو خارج الأدوار التقليدية، لمستويات أعلى من العنف والتحرّش والتهديد مقارنة بالرجال. الفكرة الأساسية هنا أن المرأة التي تحتلّ مساحة عامّة بصوت أو جسد أو موقف مختلف، تُعتبر “مستفزّة” للنظام الذكوري نفسه.
لذلك لم تكن الصفعة مجرّد ردّ فعل فردي، كانت لحظة مكثّفة لعلاقة المجتمع اللبناني بجسد المرأة: علاقة قائمة على المراقبة، والتأديب، والرغبة الدائمة في إعادة النساء إلى الحدود التي يرسمها الرجال.
المشكلة بالنسبة إلى كثيرين لم تكن في العنف، بل في أن امرأة تجرّأت على الظهور خارج القواعد المعتادة. العريّ هنا لم يهزّ المجتمع لأنه “غير أخلاقي”، بل لأنه كسر وهم السيطرة. المجتمع الذكوري يريد المرأة مرتّبة، صامتة، متوقّعة، قابلة للتفسير، أما المرأة الخارجة عن السياق فتثير الذعر. لهذا السبب تحديداً، يتحوّل جسد المرأة دائماً إلى ساحة معركة، الجميع يشعر بحقّه في التعليق عليه، مراقبته، ضبطه، تغطيته، أو معاقبته، الجسد الأنثوي في المجتمعات القمعية ليس ملك صاحبته بالكامل، بل ملك الجماعة، والعائلة، والشارع، والرجال الغاضبين.
الكاميرات والفرجة الجماعيّة
المشهد الأكثر رعباً في الفيديو لم يكن المرأة نفسها، بل الناس المحيطون بها. عشرات الهواتف مرفوعة، صور من زوايا عدّة، تصوير بفضول بارد. في لحظة ما، تحوّلت المرأة إلى محتوى، لم تعد إنسانة قد تكون منهارة أو مريضة أو خائفة، بل مادّة قابلة للنشر والمشاركة والتفاعل.
هذا ما تفعله ثقافة “الترند”: تنزع الإنسانية عن الناس وتحوّلهم إلى مشهد للاستهلاك. الكل يريد اللقطة، لا الفهم. الكل يريد التصوير، لا المساعدة. حتى العنف نفسه يصبح جزءاً من العرض.
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف هذا أحياناً بـ”تأثير المتفرّج” أو الـBystander Effect، أي حين يفترض كل شخص أن شخصاً آخر سيتدخّل، فيتحوّل الجميع إلى مراقبين بدل أن يكونوا فاعلين. لكن ما تضيفه وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أخطر من مجرّد اللامبالاة التقليدية. الهاتف الذكيّ لم يعد أداة توثيق فقط، بل صار أداة لصناعة الفرجة الجماعية. الإنسان الواقع في لحظة ضعف يتحوّل فوراً إلى فيديو قابل للاستهلاك وإعادة النشر والتعليق والسخرية.
إقرأوا أيضاً:
تشير أبحاث ودراسات حول السلوك الرقمي إلى أن ثقافة المنصّات غيّرت طريقة تعامل البشر مع العنف والأزمات العامّة، إذ أصبح “توثيق اللحظة” مرتبطاً بالرغبة في جذب الانتباه والحصول على التفاعل الاجتماعي، أكثر من الرغبة في الفهم أو المساعدة. ففي دراسة نُشرت في مجلّة Computers in Human Behavior، ناقش باحثون كيف تدفع وسائل التواصل الاجتماعي الأفراد إلى تصوير الأحداث الصادمة ومشاركتها ضمن ما يسمّى “اقتصاد الانتباه”، حيث تتحوّل المآسي والأزمات إلى محتوى قابل للاستهلاك والتفاعل الرقمي، كما تناولت دراسات أخرى مفهوم “تبلّد التعاطف” أو Compassion Fatigue، الناتج عن التعرّض المستمرّ لمشاهد العنف والانهيار عبر الشاشات، ما يجعل الناس أكثر استعداداً للمشاهدة وأقلّ ميلاً إلى التدخّل أو المساعدة الفعلية.
الجمهور وصناعة المشهد
في فيديو المنارة، لم يكن هناك فقط رجل يضرب امرأة، بل جمهور كامل يشارك في صناعة المشهد. بعضهم صرخ، وبعضهم استمرّ بالتصوير حتى أثناء الاعتداء. هذه ليست حيادية. التصوير هنا لم يكن منفصلاً عن العنف، بل جزء منه. لأن الكاميرا، حين تُرفع في وجه شخص هشّ بدل أن تُستخدم لحمايته، تتحوّل إلى أداة تجريد من الإنسانية.
والأخطر أن مواقع التواصل تكافئ هذا السلوك. الفيديوهات الصادمة تنتشر أسرع، وتحصد تفاعلاً أكبر، وتمنح أصحابها شعوراً زائفاً بالأهمّية والحضور. وهكذا يصبح الإنسان المعذّب أو المنهار مجرّد فرصة لصناعة “محتوى قويّ”… لم يعد السؤال: “كيف نساعد؟”، بل: “صوّرت الفيديو؟”.
ما كشفه فيديو المنارة ليس امرأة عارية فقط، بل مجتمع يعيش أزمة عميقة في علاقته بالتعاطف. مجتمع يقف فيه الناس حول إنسان قد يكون في حالة انهيار نفسي، لا ليحموا هشاشته، بل لالتقاط أوضح صورة وأفضل زاوية تصوير.
العنف كجزء من النظام الاجتماعي نفسه
الخطر الحقيقي في حادثة المنارة ليس فقط الرجل الذي ضرب، بل الناس الذين برّروا له. لأن المجتمعات التي تتسامح مع العنف الأخلاقي اليوم، ستتسامح غداً مع عنف أكبر. كل شيء يبدأ من اقتناع شخص عادي بأن له حقّاً استثنائياً في تأديب الآخرين. حين يتحوّل الشارع إلى محكمة، والرجل إلى شرطي أخلاق، والصفعة إلى “ردّ فعل مفهوم”، يصبح العنف جزءاً من النظام الاجتماعي نفسه، لهذا، لم تكن المرأة العارية أخطر ما في المشهد، الأخطر كان الرجل الذي ظنّ أن يده قانون.
تشبه هذه المرأة البلاد
تشبه هذه المرأة بعريّها هذه البلاد أكثر. ليست الفكرة في الجسد نفسه، بل في الانكشاف الكامل. بلد مفضوح من الداخل، ومنهار، ومتروك، تتساقط عنه كل الأقنعة الواحد تلو الآخر، لكنّه ما زال يصرّ على لعب دور المحافظ المرتّب والمنضبط أخلاقياً. لبنان نفسه يقف عارياً منذ سنوات أمام العالم: دولة من دون عدالة، ولا حماية اجتماعية، ولا محاسبة، ولا مؤسّسات حقيقية. الناس هنا مكشوفون يومياً أمام الفقر والعنف والخوف والقلق والانهيار، لكنّ كل هذا لا يثير الذعر الجماعي بقدر ما يثيره جسد امرأة على كورنيش. ربما لأن هذه المرأة، من دون أن تقول شيئاً، عرّت الجميع. عرّت هشاشة مجتمع يدّعي الأخلاق فيما يبرّر الضرب. عرّت رجالاً شعروا بالقوّة فقط أمام امرأة وحيدة. عرّت جمهوراً يرفع الهاتف أسرع ممّا يمدّ يد المساعدة. وعرّت بلداً يعيش انهياراً نفسياً جماعياً لكنّه يفضّل تحويل امرأة مجهولة إلى قضيّة أخلاقية كي يهرب من مواجهة خرابه الحقيقي.
في الفيديو، بدت المرأة وحدها مكشوفة، لكنّ الحقيقة أن الكاميرات كشفت مجتمعاً كاملاً: خوفه من الاختلاف، هوسه بالسيطرة، واستعداده الدائم لمعاقبة أيّ شخص يخرج عن النصّ. لهذا لم تكن المرأة العارية هي الفضيحة، الفضيحة كانت كل ما أحاط بها.












