عادةً ما تقدّر المجتمعات امتياز الشباب، لكنّ أمّي ذات السبعين عاماً خالفت هذه القاعدة كتمرّد رقيق، مع أنها في الحقيقة تتحدّى الحدود طوال حياتها.
نشأت أمّي، وفاء الناظر، في منطقة القبّة، في زاوية دافئة مترابطة من طرابلس، حيث كان والدها وأربعة من إخوته، مع أختهم، يقيمون في ثلاثة أبنية متجاورة. لم تكن العائلة جزءاً من الحياة فحسب؛ بل كانت البنية التي تقوم عليها. لكن في هذه البيئة التقليدية، كان المسار المرسوم للفتيات غالباً ما تحدّده العادة أكثر مما تحدّده الإرادة.
في سنّ الثالثة عشرة، وبينما كانت متّجهة إلى المدرسة صباحاً، أخبر ابن عمها سمير، الأكبر منها بستة عشر عاماً، والده أنه يرغب في الزواج بها. نقل والده بشير، وهو أكبر إخوته، عرض الخطبة إلى والد وفاء، مصطفى. اتُّخذ القرار بسرعة، كما جرت العادة. تزوّجت وفاء في ذلك العام، وانتقلت إلى شقّة فوق بيت طفولتها تماماً.

ومع ذلك، لم تكن تلميذة المدرسة فيها قد اختفت. في صباح اليوم التالي لزفافها، ارتدت زيّها المدرسي ومشت إلى الصف. استقبلتها المديرة بحسم هادئ: “أنت متزوّجة الآن. لا يمكنكِ ارتياد المدرسة”، وهكذا، أُغلق الباب. لكنّ وفاء لم تكن ممّن يستسلمون للأبواب المغلقة.
بعد عشرة أعوام، كان لديها ثلاثة أطفال، وكنتُ أنا الرابعة. انتقلنا إلى شقّة جديدة في شارع المطران. كان عمري أربعين يوماً حين انتقل جدّي مصطفى أيضاً إلى منزل في شارع الثقافة، على بُعد دقائق قليلة. صارت هاتان الداران، دارنا ودار جدّينا، قلب حياتنا. وبين تلك الجدران الأليفة، وفي الإيقاعات اليومية العادية، بدأت رحلة أمّي الهادئة الاستثنائية.
عندما كان عمري ستّ أو سبع سنوات، أتذكّر أمّي تدرس بهدوء في البيت. كانت تتحضّر للبكالوريا اللبنانية، وهي تربّي أربعة أطفال صغار. لم تجرؤ على إخبار والدي. كانت تعرف أنه لن يوافق. ليس بدافع سوء النيّة، بل لأن مدينة مثل طرابلس محافظة إلى حدّ أن مقاومته كانت نتاج ذهنية شكّلها زمان ومكان لا تسع أحلامها، التي امتدّت أبعد من حدود خبرته. في عينيه، كانت الحياة مكتملة أصلاً بالنسبة إليه: أمّي لديها بيت، وأطفال، وأمان؛ فما الذي يمكن أن يطلبه المرء أكثر؟.
فارق السنّ بينهما جعل الحوارات العميقة صعبة، وكان التواصل حول الأحلام والهوّية والغاية شيئاً لم يتعلّما كيف يفعلانه. لقد صنع فارق العمر، وهو أقرب إلى جيل كامل، مسافة صامتة. لم يعرفا كيف يتكلّمان اللغة العاطفية نفسها، ولم تكن أحلام مثل أحلامها تنسجم مع الإطار الذي تربّى هو على الإيمان به.
في السنة الأولى، لم تنجح، لكنّها لم تستسلم. في العام التالي، يوم إعلان النتائج عبر الإذاعة الوطنية، أخبرت والدي أخيراً. كانت النتائج تُعلَن بأرقام المرشّحين لا بأسمائهم. ورد رقمها. لقد نجحت. عزفت أغنية عبد الحليم المبهجة “وحياة قلبي وأفراحه”، وغنّينا جميعاً بفخر وأمل.

احتفل والدي أيضاً، معتقداً أن هذه ذروة طموحها، وأنها بلغت أخيراً نهاية ذلك الفصل، لكنّ ما رآه نهايةً لم يكن في الحقيقة، إلا بوابة أُعيد فتحها. لم يخفت الحلم، بل كان ينتظر بهدوء، أن يأتي وقته مجدّداً، كانت وفاء قد بدأت للتوّ.
التحقت بالجامعة اللبنانية لدراسة الفنون التشكيلية. كانت تتركنا في بيت جدّتنا وتحضر الدروس على مقربة من الحيّ. بين متطلّبات الأمومة وثقل الدراسة، تعثّرت في الحضور ورسبت ذلك العام.
لكنّها، من دون أن ترتدع، سجّلت مجدّداً، في صمت وسرّية، تمسّكاً بحلم أثمن من أن تتخلّى عنه أو تشرحه.
ثم في يوم ما، دخل رجل إلى المقهى حيث كان يجلس والدي وهنّأه بنجاح وفاء. ذُهل أبي، لم يكن يعلم أن هذا الرجل أستاذ أمي في الجامعة. في البيت، سألها: “لماذا تحتاجين إلى شهادة؟ أنت لا تبحثين عن عمل. أنا أؤمّن كلّ شيء”.
لم يفهم ببساطة لماذا تطارد هذا الحلم، وفي نهاية المطاف، توقّفت مرّة أخرى عن الدراسة.
بعد سنوات، أكملت بصمت إجازتها ثم ماجستير في علم الاجتماع، ولا يزال أبي لا يعلم. أرادت أن تعمل، استغرق الأمر وقتاً وبعض المشادّات، لكنّها نالت بركته في النهاية، واصلت تدريس العربية طوال ثلاثة وعشرين عاماً.
وحين تقاعدت في الرابعة والستين، بدأت تدرس الخطّ العربي. قرابة عقد، مارست الخط ّالعربي برهافة وعزم، ثم جاء العام 2019، عام الاضطراب في لبنان، انهار الاقتصاد، وجمّدت المصارف حساباتنا، فقدت أمّي مدّخرات عمرها.
لكنّها بدلاً من المرارة، اختارت ما هو أجرأ. قرّرت مرّة أخرى أن تدرس الفنّ. الحلم الذي حملته أكثر من ثلاثين سنة. في سنّ السبعين، سجّلت من جديد في الجامعة اللبنانية في طرابلس، هذه المرّة طالبةً في كليّة الفنون الجميلة، اختصاص الفنون التشكيلية.
جلست بين طلابٍ يصغرونها بخمسة عقود، تدخل القاعات لا كغريبة، بل كقوّة صامتة، إلى أن ضربت الجائحة بقوّة مطلع العام 2020. انقلب العالم رأساً على عقب، واضطُرّت فجأة إلى الانتقال إلى صفوف إلكترونية من البيت. بالنسبة إلى من وُلدت في منتصف القرن العشرين، كانت الرقمية لغةً غير مألوفة، غريبة ومتقلّبة ومربكة في كثير من الأحيان. كان تسجيل الدخول إلى الصفوف الافتراضية، ورفع الواجبات، والتعامل مع منصّات صُمّمت لأبناء العالم الرقمي، أشبه بالمشي في أرض غريبة. كانت معظم مقرّراتها بالعربية، لكن تخلّلتها موادّ وعروض وواجبات بالإنكليزية أو بالفرنسية، وكان ثمّة مقرّر كامل يُدرّس بالإنكليزية.

كان كلّ لفظ غير مألوف جبلاً لتسلّقه، لكنّها تسلّقته. وبقاموس في يد، وأنا ابنتها في اليد الأخرى، ترجمت وفسّرت وثابرت. كلمة كلمة، صورة صورة، شقّت طريقها. لم تكن التكنولوجيا أبداً منطقة راحتها، لكنّ عزيمتها جعلتها رفيقتها.
لم يكن زملاؤها دائماً يفهمون ما الذي يدفعها، ربما بدت لهم خارج السياق، حضوراً غير مألوف في مساحة ظنّوها للشباب وحدهم. ومع أن بعض الأساتذة بذلوا ما يستطيعون ضمن حدود الساعات الطويلة والجداول الضيّقة وواقع التعليم العامّ المنهَك، لم يكن التعاطف حاضراً دائماً، بل إن قلّة منهم برّرت تباعدها بالقول إن النظام الجامعي لم يُصمَّم لأخذ كبار السنّ في الاعتبار.
نحن نتكلّم كثيراً، وبصوت عالٍ عن الشمول، ندافع عنه في العرق والنوع والقدرة والهوّية، نُدرّسه في الصفوف ونعلّقه على اللوحات الإعلانية، ونتحدّث عنه في وسائل التواصل، لكن، في مكان ما على الطريق، أجدني أتساءل… أين يقع العمر ضمن وعدنا الجماعي بالشمول؟
في التعليم، ولا سيّما التعليم العالي، هل نحن شاملون حقاً؟ أم أننا نرسم خطوطاً بصمت؟ هل نقرّر، بوعي أو من دونه، من ينتمي ومن لم يعد ينتمي؟ وهل، في سعينا نحو التقدّم، نترك وراءنا أولئك الذين يحملون حكمة وشغفاً صقلهما طول العمر؟ هل نبقى بشراً حين نفضّل الكفاءة على التعاطف؟ هل سمحنا لأنفسنا بأن نوسم ونُقصي الذين يمشون أبطأ، أو يعالجون الأمور بشكل مختلف، أو يطرحون أسئلة لم نعتد سماعها؟
الجامعة ليست مجرّد برمجيات ولوحاتٍ بيضاء وجداول. في جوهرها، هي ملاذ للطاقة الإنسانية، هي مكان تُشحذ فيه العقول، لكنّ الأهمّ أنها مساحة تُستدعى فيها الروح للتفتح. الأساتذة ليسوا مجرّد ناقلي معلومات؛ إنهم أدلّاء ومرشدون وحَمَلة شعلة، في أيديهم قوّة مقدّسة، لا للتعليم فحسب، بل للارتقاء.
وفي تلك المساحة المقدّسة، لا ينبغي للعمر أن يكون خطّاً فاصلاً أبداً. الطالب الذي يدخل الصف في السبعين يحمل رجاء من نوع آخر، رجاء ربما انتظر عقوداً ليُرى. رجاء قد يشتعل أبطأ، لكنّه غالباً ما يضيء أشدّ. ما يحتاجونه ليس الشفقة ولا التساهل، بل الحضور، وقليلاً من الصبر والإيمان.
هم لا يطلبون طرقاً مختصرة، يطلبون الإتاحة. لا يسعون إلى المديح، يسعون إلى الغاية.
التعليم في أسمى صوره، ليس عن التماثل، بل عن التحوّل. ولا تحوّل—أيّ تحوّل— من دون رحمة وتعاطف وقناعة لا تتزعزع بأن كلّ نفس، مهما كان موعد وصولها إلى الباب، تستحقّ أن تُستقبَل، وأن تُرشَد إلى الأمام، وأن تُرفَع أعلى.

التقدّم في السنّ ليس انحداراً؛ بل استمرار. وفي هذا الفصل الحيوي من الحياة، يرتبط بالعافية النفسية والعاطفية والبدنية ارتباطاً وثيقاً. تمكين كبار السنّ يتطلّب أكثر من مجرّد إتاحة الرعاية الصحّية أو النشاط البدني؛ يتطلّب الغاية، والوصلة، والكرامة، والإيمان بأنهم لا يزالون، ودائماً، في طور الصيرورة.
لأن الرفاه ليس مسألة صحّة فحسب، بل مسألة إنسانية، ولا يتجلّى ذلك أوضح مما يتجلّى في الحاجة النفسية العميقة لدى كبار السنّ لأن يُرَوا، ويُضمّوا، ويُعترف بأهميّتهم.
نتحدّث كثيراً عن الشمول، لكن أين يقع العمر في تلك المحادثة؟
في سعينا نحو الابتكار والتقدّم، هل ننسى أن ندعو أولئك ذوي الحكمة الأعمق والقصص الأطول؟ هل نستبعد من دون قصد كبار السنّ من مساحات النموّ، مثل التعليم العالي والقيادة؟ إن مجتمعاً يثمّن الشمول يجب أن يثمّن كبار السنّ لا بالقول وحده، بل بطرق ذات معنى وقابلة للتطبيق.
الموهبة مهمة، لكنّ الجهد أهمّ، أمّا الجهد المستمرّ عبر الزمن، فذلك هو الجَلَد.
الجَلَد ليس مجرّد عمل شاقّ، إنه العمل الشاقّ على شيء ذي معنى—لمدّة طويلة. إنه الاستمرار عندما يتعب العقل، وتبطؤ اليدان، وحين تغشى الشكوك الطريق. الجَلَد هو أن تحضر عندما لا يحضر الآخرون. هو أن تتعلّم من الفشل بدلاً من الانطواء عليه. هو أن تُبقي عينك على اللعبة البعيدة حين تتلوّث اللعبة القريبة.
لم تستسلم وفاء؛ واصلت الحضور على أي حال.
على الرغم من المنحنى الحادّ للتعلّم، والتعثّر أحياناً في تضاريس رقمية غير مألوفة وبُعدها عن اللغة الإنكليزية، تقدّمت برشاقة وحزم وقوّة هادئة. ما نقصها من الطلاقة التقنية عوّضته بالحضور، بالجوهر، بالأصالة. لم تكن سريعة الحركة لكنّها كانت متعمّدة الخطى. كلّ خطوة خطتها كانت ذات معنى.
بينما اعتمد الآخرون على محرّكات البحث والمنصّات اللامعة لاستلهام الاتّجاه الإبداعي، استدارت هي إلى الداخل. لم يأتِ إلهامها من “بينترست” أو من معارض على الإنترنت، بل من الذاكرة والحدس والقلب. لم تكرّر أعمالها ما هو رائج؛ بل ردّدت ما هو حقيقي.

كلّ ضربة فرشاة همست بحكاية. كلّ اسكتش حمل ذكرى. صيغت أعمالها من لحظات معاشة، أفراح وديعة، خسارات عميقة، مشاهد طفولة، تمرّدات هادئة، وجمال عادي لحياة طويلة متعدّدة الطبقات.
في عالم تحرّكه ومضات سريعة وصور مفلترة واستنساخات سهلة، اختارت الحقيقة. لا مصقولة، ولا كاملة؛ بل خامة، رقيقة، وإنسانية. وفي تلك الحقيقة الهادئة، وجدت أعمالها أعمق قوّتها.
على مدى السنوات التسع الماضية وأنا أعيش معها، شهدت بنفسي الكلفة التي حمّلتها هذه الرحلة جسدياً وعاطفياً وروحياً.

نادراً ما تتكلّم عن صعوباتها، لكنّها تتبدّى بطرق هادئة: في التعب الذي يلازمها بعد أيّام طويلة من الجهد؛ في الشكوك الصامتة التي تومض أحياناً على وجهها؛ وفي تلك اللحظات النادرة المتلألئة من الفرح عندما يحدث الانسجام أخيراً، عندما يُرى الجهد، عندما تضغط “إرسال” وتزفر تنهيدة نصر هادئ.
كثيراً ما تمنّيت لو أن زملاءها أو أساتذتها شاركوها ولو شعاعاً من ذلك الفرح خارج حدود الصف أو المهل النهائية. ليشهدوا ماذا يعني، حقّاً، أن تُنجز شيئاً في عمرها لا من أجل الدرجات أو الوظائف أو الاعتراف، بل من أجل الامتلاء الخالص بالصيرورة.
كلّ ما احتاجته على الحقيقة كان مزيداً قليلاً من الوقت، ولمسة أكثر من الإرشاد، ورشّة رقيقة من الصبر. أحياناً لا يلزم الكثير— فقط ما يكفي ليشعر المرء أنه مرئيّ ومقدَّر وقادر، ما يكفي لمساعدته على حمل الثقل أبعد قليلاً، والسير بقيّة الطريق بكرامة ونور.
ومع ذلك، لم تستسلم.

هذه ليست مجرّد قصّة أمّ عادت إلى المدرسة، إنها قصّة امرأة رفضت أن يُعرّفها العمر أو الظرف. امرأة استعادت حقّها في أن تنمو، وأن تتعلّم، وأن تُعبّر، وأن تحلم.
وفاء ليست مجرّد طالبة، إنها تذكير بأن الحياة لا تنتهي عند السبعين، ولا الستين، ولا الخمسين، إنها شهادة على المثابرة والشغف وجمال الابتداء من جديد.










