يبدو أنني قطعت، في السنوات الأخيرة، رحلة سياسية طويلة من دون أن أتحرك فعلياً من مكاني. أحياناً أقرأ ما يُكتب فأشعر أنني انتقلت، في نظر البعض، من خانة إلى نقيضها، مع أن الأسئلة التي أطرحها لم تتغير كثيراً.
سابقاً، كان رفض سلاح حزب الله كافياً لوضعك في خانة سياسية محدّدة. اليوم، لا يزال رفض السلاح قائماً، لكن انتقاد السلطة التي تقول إنها تواجهه يمكن أن ينقلك إلى الخانة المقابلة.
الدولة كانت دائماً جزءاً أساسياً من هذا النقاش، لكنها ليست شعاراً يُرفع في مواجهة حزب الله، ثم تصبح السلطة التي ترفع الشعار في منأى عن النقد.
كنتُ منذ البداية من الداعين إلى مقاطعة الانتخابات، ولم يكن خلافي مع الانتخابات بحدّ ذاتها، بل مع الطريقة التي كان يتم بها إنتاج السلطة من خلالها. كان السؤال بالنسبة إليّ بسيطاً: هل يمكن استخدام الأدوات والمنطق نفسيهما ثم انتظار نتيجة مختلفة؟
كان الخلاف يومها حول الطريق إلى التغيير، وحول ما إذا كانت الانتخابات ستغيّر شيئاً فعلاً أم ستعيد توزيع المقاعد داخل النظام نفسه. لذلك لم تكن معارضة هذه السلطة نتيجة خيبة من أدائها بعد وصولها؛ الاعتراض كان موجوداً منذ اللحظة التي قيل لنا إنها ستكون مدخلاً للتغيير.
الدولة ليست طرفاً في المعركة
من هنا، لا أستطيع أن أتعامل مع الدولة والسلطة كأنهما شيء واحد. الدولة ليست سلطة بعينها، والسلطة ليست الدولة. وإذا كانت الدولة هي المعيار، فالسلطة تُحاسب بهذا المعيار، أياً كانت الجهة التي تواجهها.
لهذا، عندما تنتقد أداء الدولة في المفاوضات، لا تكون الإجابة عن حزب الله إجابة عن السؤال. وحين تسأل لماذا لا تتخذ موقفاً من قصف أو تهجير أو تدمير، لا يكفي أن يقال لك: “حزب الله هو الذي أدخلنا في الحرب”.
نعم، حزب الله أدخل لبنان في الحرب، وهذه مسؤولية سياسية لا يمكن القفز فوقها. لكن هذا لا يجيب عن السؤال الآخر: ماذا تفعل الدولة وهي داخل الحرب؟ كيف تحمي اللبنانيين؟ وكيف تدير المواجهة وتتفاوض على إنهائها؟ وإذا كان حزب الله يضعف الدولة، فهذا لا يعفيها من مسؤولية ضعفها.
وهنا تظهر مشكلة تتكرر في السياسة اللبنانية: عندما يخطئ الخصم، يصبح خطأ الطرف الآخر أقل أهمية، وعندما يخطئ الطرف الآخر، يصبح خطأ الخصم هو الإجابة الجاهزة. تسأل عن مسؤولية، تأتيك مسؤولية أخرى، وفي النهاية يتغير موضوع النقاش من الفعل نفسه إلى الشخص الذي يجب أن نضعه في قفص الاتهام.
وهذا يظهر بوضوح عندما نصل إلى حزب الله. فرفض سلاحه كان دائماً جزءاً أساسياً من الموقف السياسي، لكن التعامل معه لا يمكن اختزاله في السلاح وحده. هناك بيئة تحميه، وهذه البيئة تحمل ذاكرة لبنانية طويلة.
يعطي التاريخ اللبناني أمثلة على ما يحدث عندما تتراجع قوة طائفة وتفقد جزءاً من وزنها السياسي. لا يعني ذلك أن حصتها داخل النظام تبقى محفوظة إلى أن تعيد بناء قوتها؛ غالباً ما تتحول المساحة التي تفقدها إلى مجال لتوسع الطوائف الأخرى، ويعاد توزيع النفوذ والمصالح وفقاً لموازين القوة الجديدة.
لهذا، عندما يُطلب من بيئة حزب الله أن تتخلى عن السلاح، لا تسمع فقط سؤالاً عن السلاح. هناك أيضاً سؤال عن اليوم التالي: ماذا سيحدث لها بعد السلاح؟ قد يرى آخرون أن هذا الخوف مبالغ فيه، أو أن استخدامه لتبرير السلاح غير مقبول، وهذا نقاش مشروع. لكن تجاهله لا يجعله يختفي.
إقرأوا أيضاً:
المطلوب بديل جديد لا فراغ آخر
المسألة أبعد من مجرد نزع السلاح، لكن لا أعتقد أن الإجابة تكون ببساطة: “المطلوب هو الدولة”.
المطلوب بديل جديد، وليس حزباً آخر. لكن القول إن البديل هو الدولة لا يحل المشكلة وحده. أي دولة؟ ومن يضمن أن يشعر من يُطلب منه التخلي عن سلاحه بأن هذه الدولة ستتعامل معه كمواطن، لا كبيئة يجب ضبطها بعد انتهاء دور الحزب؟
إذا كان الهدف فعلاً إنهاء نفوذ حزب الله، فلا يكفي أن نقول إن البديل هو الدولة. يجب أن تكون الدولة موجودة بطريقة تجعل الناس يرون فيها بديلاً عن الحزب، لا مجرد قوة ستملأ الفراغ الذي يتركه. وهذا لا يبقى كلاماً نظرياً؛ يظهر في طريقة حضور الدولة وتعاملها مع الناس، وفي قدرتها على أن تكون موجودة في الجنوب كما هي موجودة في بيروت، وأن تؤمّن حقوق الناس من دون أن تتعامل معهم بحسب الجهة السياسية الموجودة في منطقتهم.
فإذا كانت الدولة ستتعامل مع منطقة ما أولاً باعتبارها “منطقة حزب الله”، فكيف ستقنع أهلها بأنها جاءت لتحلّ محلّ الحزب، لا لتحل محله كقوة نفوذ جديدة؟ وإذا كانت تريد من الناس أن يتخلوا عن علاقة سياسية وأمنية استمرت سنوات، فعليها أن تقدم لهم علاقة أخرى بالدولة نفسها، لا أن تطلب منهم فقط التخلّي عن العلاقة السابقة.
وهذا لا يتعلق بحزب الله وحده. معظم الأحزاب اللبنانية نشأت داخل بيئات طائفية أو مناطقية محددة، وعندما يصبح الحزب ممثلاً حصرياً لبيئته، فإن خسارته لا تُقرأ كخسارة انتخابية فقط، بل أيضاً كخسارة للبيئة نفسها. لذلك يصعب أن يكون البديل عن حزب الله حزباً طائفياً آخر يأخذ مكانه؛ إذا كان المطلوب إنهاء نفوذه، فلا بد أن يكون هناك شيء يجعل الناس أقل حاجة إليه، لا أكثر خوفاً من غيابه.
إذا فككت سردية حزب الله، قيل إنك تدافع عنه، وإذا حاولت فهم البيئة التي تحميه، قيل إنك تبرر له، وحين تنتقد الدولة في طريقة مواجهته، يقال إنك تخدمه. وقد اختبرت هذا بنفسي في نقاش قديم حول الحكومة. قلت يومها إن طريقة تصرفها قد تجعل من خرجوا على حزب الله يعودون إليه، فجاءتني الإجابة سريعاً: “لم يعد إليه إلا المنافقون”.
مذاك، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت طريقة الحكومة تدفع بعض الناس فعلاً إلى العودة إلى الحزب؛ وإنما من هو الشخص الذي يمكن أن يفعل ذلك. وهكذا يصبح الحكم على صاحب السؤال أسهل من مناقشة السؤال نفسه.
والشيء نفسه يحدث في الإعلام. يُستدعى المحلل لأنه يمثل موقعاً سياسياً، لا لأنه يملك بالضرورة تحليلاً يستحق النقاش. واحد لهذا الطرف وآخر للطرف المقابل، وبعدها تبدأ المباراة: من رد؟ من أسكت؟ من خرج أقوى؟ ومع الوقت يصبح الموقف السياسي هوية، والتحليل جزءاً من الاستقطاب، وتصنيف صاحب الكلام أسهل من مناقشة كلامه.
ربما لهذا يمكن أن تنتقل من “شيعة السفارة” إلى الـ”نيو ممانعة” من دون أن تتغير الأسئلة الأساسية. ما زال هناك رفض لسلاح حزب الله، وما زال هناك طلب للدولة، لكن الدولة التي نطالب بها ليست سلطة فوق المساءلة، ولا كلمة نستخدمها كلما أردنا إنهاء النقاش.
وإذا كانت الدولة هي المعيار، فلا يمكن أن تكون المعارضة نفسها مرتبطة بهوية طائفية. لماذا لا نكون معارضين فقط؟ معارضين للسلطة عندما تخطئ، سواء تمثلت بحزب الله أو بالقوى السياسية الأخرى.
فحزب الله جزء من السلطة اللبنانية، ولا يمكن فصله عنها كلما أردنا تحميله كل المسؤولية، ثم التعامل معه كأنه خارج النظام السياسي عندما نناقش مسؤولية السلطة. وتغيير رئيس الحكومة أو بعض الوزراء لا يعني أن السلطة نفسها تغيرت؛ في بلادنا، السلطة أقدم من الأشخاص الذين يتولونها.
لماذا يجب أن نختار بين الحرب والاتفاق؟
المسألة لا تتعلق فقط بكيف بدأت الحرب بل ما يترتب عليها بعد انتهائها. فالمطلوب وقف الحرب، لكن وقف الحرب لا يعني قبول كل ما يُطلب من لبنان. حزب الله أدخل لبنان في الحرب، ولبنان دفع ثمناً عسكرياً وسياسياً كبيراً، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار. لكن ما إن نصل إلى ما بعد الحرب حتى يبدأ كل طرف باستخدام ما حدث لإثبات روايته.
يقول أنصار حرب الإسناد إن ما وصلنا إليه لاحقاً يثبت أنه لم يكن هناك خيار آخر، فيصبح الاتفاق نفسه دليلاً على صحة قرار الحرب. وفي المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أن الكلفة التي أنتجتها الحرب تثبت أنه لم يكن هناك خيار سوى القبول به. وهكذا تصبح الحرب مبرراً للاتفاق، ويصبح الاتفاق مبرراً للحرب.
لكن لماذا يُفترض أصلاً أن نكون داخل هذه الثنائية؟، لماذا يجب أن يكون رفض حرب الإسناد قبولاً باتفاق الإطار؟ ولماذا يصبح رفض الاتفاق تبريراً للحرب؟ يمكن ببساطة أن نكون ضد حرب الإسناد، وفي الوقت نفسه ضد اتفاق الإطار. يمكن أن نرى أن قرار الحرب كان خاطئاً، وأن نرى أيضاً أن الاتفاق الذي وصلنا إليه لا يحقق بالضرورة ما نريده للبنان.
المشكلة أن النقاش يُقدَّم أحياناً وكأن الخيارات محصورة بين روايتين: إما أن تقبل بالحرب ونتائجها، أو أن تقبل بالاتفاق ونتائجه. لكنْ، هناك لبنانيون لا يرون أنفسهم في أي من هذين الخيارين. يمكن رفض حرب الإسناد لأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، من دون أن يعني ذلك القبول بأي اتفاق يُطرح لإنهائها، كما يمكن رفض اتفاق الإطار من دون العودة إلى تبرير الحرب أو اعتبارها الخيار الوحيد المتاح. ليس مطلوباً أن نختار بين خطأين كي نثبت أننا ضد أحدهما.
والمفارقة أن كل طرف يحتاج، بطريقة أو بأخرى، إلى رواية الطرف الآخر كي يثبت صحة روايته: الحرب تُستخدم لتبرير الاتفاق، والاتفاق يُستخدم لتبرير الحرب. وبين الروايتين هناك لبنانيون يريدون وقف الحرب، لكنهم لا يرون أن وقفها يلزمهم بقبول كل ما يأتي بعدها، كما لا يرون أن رفض الاتفاق يعيد الاعتبار الى الحرب.
وعندما تنتهي المعركة العسكرية، يبقى السؤال السياسي: من يتفاوض؟ وعلى ماذا؟ وبأي شروط؟
لذلك لا يكفي أن تقول الدولة إنها تريد وقف الحرب؛ عليها أن تعرف ماذا تريد من وقفها، وأن تدخل التفاوض وهي تعرف ماذا تريد وماذا ترفض وما الذي يمكن أن تقبل به. هذه ليست تفاصيل تفاوضية، بل هي التي تحدد مساحة التفاوض نفسها. ومن دونها تصبح المفاوضات أقرب إلى إدارة للوقائع التي يفرضها الآخرون منها إلى محاولة للتوصل إلى ما يحمي مصالح لبنان.
قد يوقف الاتفاق الحرب، وهذا أمر ضروري، لكنه إذا جاء من دون موقف لبناني واضح فقد يوقف القتال من دون أن يحل الأسئلة التي أوصلتنا إلى هذه النقطة. لذلك يمكن أن يكون المرء ضد حزب الله وضد استمرار الحرب، وفي الوقت نفسه يرفض أن تتعامل الدولة مع التفاوض كأنه مجرد قبول بما هو متاح. ويمكن أن يريد نزع سلاح حزب الله من دون أن يريد إذلال البيئة التي تحميه.
لا أرى في ذلك تناقضاً. التناقض يبدأ عندما يصبح كل سؤال عن الدولة سؤالاً عن حزب الله، وكل نقد للسلطة مهادنة له، وكل محاولة لفهمه دفاعاً عنه. عندها لا نناقش الفكرة؛ نبحث أولاً عن هوية صاحبها، ثم نقرر كيف نقرأ كلامه.
وهنا أعود إلى البداية.
لماذا “شيعة السفارة”؟ ولماذا الـ”نيو ممانعة”؟
إذا كانت الأسئلة الأساسية لم تتغير، فما الذي تغيّر؟
ربما لأننا اعتدنا أن نعرّف مواقفنا من خلال خصومنا، وكلما حاول أحد أن يخرج من هذه الثنائية نبحث له سريعاً عن خانة أخرى. في لبنان، صرنا نعرف موقف الشخص قبل أن نسمع حجته. يكفي أن تنتقد حزب الله حتى تُوضع في خانة، وأن تنتقد السلطة التي تواجهه حتى تُنقل إلى الخانة المقابلة.
لكن ماذا لو كنا لا نريد أن نكون في أيٍّ منهما؟ ماذا لو كان ممكناً أن نرفض سلاح حزب الله، ونرفض حرب الإسناد، ونرفض في الوقت نفسه أن يتحول وقف الحرب إلى قبول بكل ما يُفرض على لبنان؟ أن نطالب بالدولة، ونحاسب السلطة، ونرفض أن يصبح فهم بيئة حزب الله تبريراً له؟
ربما المشكلة أن هذه المساحة لا تريح أحداً، لأنها تسحب من الطرفين الطريقة الأسهل في تعريف نفسيهما: وجود خصم جاهز يمكن تحميله كل شيء.
وهنا يعود السؤال الذي بدأت منه: لماذا “شيعة السفارة”؟ ولماذا الـ”نيو ممانعة”؟
ربما لأننا اعتدنا أن نعرّف مواقفنا من خلال خصومنا، وكلما حاول أحد أن يخرج من هذه الثنائية نبحث له سريعاً عن خانة أخرى.
أنا لا أريد خانة ثالثة. أريد أن يكون من حقنا، ببساطة، أن نختلف مع الطرفين عندما نختلف معهما.
إقرأوا أيضاً:











