ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

رحيل “أفقر رئيس في العالم”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما ميّز موخيكا عن باقي “الثوريين” في العالم، ليس ماضيه النضالي فحسب، بل إيمانه الحقيقي بالقيم الإنسانية الذي انعكس على أسلوب حياته، وتمسّكه بمبادئه ووفاؤه لها، ليس فقط بالأقوال بل بالأفعال أيضاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

رحل الرئيس الأورغواني خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو عن عالمنا، قبل سبعة أيّام فقط من عيد ميلاده التسعين، شُخِّصت إصابته بورم سرطاني في المريء العامّ الماضي، وأعلن مطلع هذا العامّ أن السرطان انتشر في كامل أنحاء جسده، وأنه لن يتلقّى العلاج بعد الآن.

لم يكن موخيكا مجرّد رئيس دولة، أو زعيم سياسي، أو يساري تقليدي، بل كان مرجعاً أخلاقياً في مهنة ليست الأخلاق من أولوياتها، وشخصية ملهمة ومسيرة حياة ملأى بالدروس ليساريي العالم ويمينييه، وكان مناهضاً صلباً للظلم والاستبداد وللاستهلاك بالدرجة نفسها، قال: “أنا عدوّ الاستهلاك… لقد نسينا نحن البشر الأشياء الأساسية في حياتنا، وبتنا نمضي أوقاتنا في طلب أشياء لا علاقة لها بالسعادة”.

وُلِد موخيكا في عام 1935 لعائلة متواضعة في العاصمة الأورغوانية مونتيفيديو، وربما نشأته في بلد صغير وفقير يتوسط بلدين عملاقين، الأرجنتين والبرازيل، زرعت في نفسه بذور الإحساس بالظلم وعدم المساواة، وجعلته ينخرط في العمل الثوري بداية شبابه، فعارض استغلال المزارعين ومربّي الماشية الصغار وعمّال صناعة الأغذية في بلاده.

وفي ستينات القرن الماضي، بدأ اسمه يبرز كثائر يقود جيشاً من الفقراء لانتزاع حقوقهم الإنسانية، وكمقاتل شرس ضدّ الظلم والاستبداد، وأحد القادة الأكثر إلهاماً في حركة “توباماروس” الثورية الأورغوانية، التي استوحت خطّها نضالها من تجربة تشي جيفارا، فانضمّ إلى “الحزب الوطني”، ثم أسّس حزباً آخر هو “الاتّحاد الشعبي”، محافظاً على مكانه ومكانته في “توباماروس”.

أُلقي القبض عليه في عام 1972، وسُجن كرهينة خلال فترة الدكتاتورية العسكرية (1973-1985)، ونجا خلال حياته المديدة من ستّ محاولات اغتيال، وأمضى 14 عاماً في السجن الانفرادي، تعرّض خلالها لشتّى أنواع التعذيب الجسدي والمعنوي، ولكنّه “لم يبع روحه”، كما يقول عنه شعبه.

بعد إطلاق سراحه وسقوط النظام، بدأ يميل تدريجياً إلى الاشتغال في السياسة، ويبتعد عن العمل الميداني الثوري، فانضمّ إلى “الجبهة اليسارية الشاملة”، ثم أسّس “حركة المشاركة الشعبية” إلى جانب رفاق مقاتلين، وأصبح عضواً في مجلسي النواب والشيوخ في عامي 1994 و1999، وفي عام 2005 أصبح وزيراً للزراعة، وفاز بالرئاسة في عام 2009 بحصوله على 52 في المئة من الأصوات، ثم غادرها في العام 2015 بشعبية غير مسبوقة.

وانطلاقاً من إيمانه بالصراع الطبقي، حقّقت حكومته الكثير من الإنجازات الاقتصادية المهمّة، مثل الانخفاض التدريجي في معدّلات الفقر من 40 في المئة إلى 12 في المئة، وانخفاض معدّلات الفقر المُدقع بمقدار عشرة أضعاف، وتحقيق نموّ اقتصادي بنسبة 75 في المئة، وزيادة الإنفاق العامّ بنسبة 50 في المئة، وهي أرقام تداولتها الصحف المحلّية والعالمية.

رحل “بيبي” موخيكا؛ كما كان أصدقاؤه ينادونه، عن هذا العالم، سائراً على خطى شخصيات ملهمة من جيله في موجة اليسار في أميركا اللاتينية، بعدما كرّس حياته للدفاع عن سيادة بلاده ووحدة أميركا اللاتينية

ظلّ موخيكا حتى آخر يوم من حياته معلماً روحياً في الثورة والسياسة، ورمزاً للصدق والبساطة والنضال، ليس في بلاده فقط، بل في العالم كلّه، وأكثر الشخصيات تواضعاً وشعبية في عالم السياسة، وعندما وصله أن هناك وسائل الإعلام تصفه بأنه “أفقر رئيس في العالم”، ابتسم وقال: “الشخص الفقير هو الشخص الذي يبحث دائماً عن المزيد، أما أنا فلست فقيراً، أنا أعيش حياة بسيطة، لأنني لا أريد الكثير”.

ما ميّز موخيكا عن باقي “الثوريين” في العالم، ليس ماضيه النضالي فحسب، بل إيمانه الحقيقي بالقيم الإنسانية الذي انعكس على أسلوب حياته، وتمسّكه بمبادئه ووفاؤه لها، ليس فقط بالأقوال بل بالأفعال أيضاً. فحين أصبح رئيساً للأورغواي، رفض السكن في القصر الرئاسي، مفضلاً العيش في منزل ريفي بسيط على مشارف مونتيفيديو مع رفيقة دربه لوسيا توبولينسكي،، وكان يذهب إلى العمل في القصر الرئاسي كلّ صباح بسيارة فولكس فاغن بيتل موديل 1987، تكاد لا تسع جثّته الضخمة، من دون سائق ولا مرافقين، بعدما ألغى المواكب الرئاسية، وكان يتبرّع كلّ شهر بأكثر من 90 في المئة من راتبه الرئاسي، الذي يبلغ 12 ألف دولار للأعمال الخيرية، واستضاف مرّة أكثر من مئة يتيم سوري ممن أجبرتهم الحرب في بلادهم على اللجوء إلى بلاده، وقام مرّة أخرى بإيواء خمسة سجناء أُطلق سراحهم من سجن غوانتانامو، و”ظل يُؤوي التائهين ويُطعم الجائعين من لحمه وصحنه” حتى آخر يوم من حياته، كما تقول عنه الصحافة المحلّية. وخلال فترة رئاسته، تحوّل موخيكا إلى شخصية عالمية شهيرة جدّاً، بعدما شرّع زواج المثليين، وألغى تجريم الإجهاض.

تزوّج موخيكا بالسياسية اليسارية البارزة والرفيقة في حركة “توباماروس” لوسيا توبولينسكي في عام 2005، وليس لديهما أطفال، وافقت لوسيا زوجها في مواقفه الثورية والسياسية كلها، وسارت معه في طريق التقشّف والابتعاد عن المظاهر ومناهضة فكرة الاستهلاك، وكانت نائبة في البرلمان، وعضوة في مجلس الشيوخ، وانتخبت مرّة كأول نائبة لرئيس الأوروغواي.

وفي عام 2022، وبعد 22 عاماً من النشاط البرلماني، قدّم موخيكا استقالته برسالة كتبها بخطّ يده، ولم يحضر جلسة الوداع. وعلى رغم أنه لم يشغل بعدها أي منصب رسمي، ظلّ شخصية شرفية في الأحزاب التي اشتغل فيها، أو التي نسج معها تحالفات.

رحل “بيبي” موخيكا؛ كما كان أصدقاؤه ينادونه، عن هذا العالم، سائراً على خطى شخصيات ملهمة من جيله في موجة اليسار في أميركا اللاتينية، بعدما كرّس حياته للدفاع عن سيادة بلاده ووحدة أميركا اللاتينية، وانتزاع حقوق المحرومين من دون تأسيس “حركة” سياسية تسرق باسمهم وتتحالف مع قتلتهم، أحبّته شعوب العالم، وطالما حلمت شعوب الشرق الأوسط برئيس من قماشته، لا يسكن القصور، ولا يسرق المال العامّ، ولا يحصر السلطة بعائلته، ولا يقرّر لأنه حرّر، وحتى الأيام الأخيرة من حياته، ظلّ صوتاً ناقداً ومعارضاً للعاملين في السياسة بنيّة الكسب والتربّح، وقلباً متعاطفاً مع فقراء العالم ومشرّديه، وجسراً وطيداً لبناء عالم يمكن أن تتحقّق فيه المساواة والعدالة.

20.05.2025
زمن القراءة: 4 minutes

ما ميّز موخيكا عن باقي “الثوريين” في العالم، ليس ماضيه النضالي فحسب، بل إيمانه الحقيقي بالقيم الإنسانية الذي انعكس على أسلوب حياته، وتمسّكه بمبادئه ووفاؤه لها، ليس فقط بالأقوال بل بالأفعال أيضاً.

رحل الرئيس الأورغواني خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو عن عالمنا، قبل سبعة أيّام فقط من عيد ميلاده التسعين، شُخِّصت إصابته بورم سرطاني في المريء العامّ الماضي، وأعلن مطلع هذا العامّ أن السرطان انتشر في كامل أنحاء جسده، وأنه لن يتلقّى العلاج بعد الآن.

لم يكن موخيكا مجرّد رئيس دولة، أو زعيم سياسي، أو يساري تقليدي، بل كان مرجعاً أخلاقياً في مهنة ليست الأخلاق من أولوياتها، وشخصية ملهمة ومسيرة حياة ملأى بالدروس ليساريي العالم ويمينييه، وكان مناهضاً صلباً للظلم والاستبداد وللاستهلاك بالدرجة نفسها، قال: “أنا عدوّ الاستهلاك… لقد نسينا نحن البشر الأشياء الأساسية في حياتنا، وبتنا نمضي أوقاتنا في طلب أشياء لا علاقة لها بالسعادة”.

وُلِد موخيكا في عام 1935 لعائلة متواضعة في العاصمة الأورغوانية مونتيفيديو، وربما نشأته في بلد صغير وفقير يتوسط بلدين عملاقين، الأرجنتين والبرازيل، زرعت في نفسه بذور الإحساس بالظلم وعدم المساواة، وجعلته ينخرط في العمل الثوري بداية شبابه، فعارض استغلال المزارعين ومربّي الماشية الصغار وعمّال صناعة الأغذية في بلاده.

وفي ستينات القرن الماضي، بدأ اسمه يبرز كثائر يقود جيشاً من الفقراء لانتزاع حقوقهم الإنسانية، وكمقاتل شرس ضدّ الظلم والاستبداد، وأحد القادة الأكثر إلهاماً في حركة “توباماروس” الثورية الأورغوانية، التي استوحت خطّها نضالها من تجربة تشي جيفارا، فانضمّ إلى “الحزب الوطني”، ثم أسّس حزباً آخر هو “الاتّحاد الشعبي”، محافظاً على مكانه ومكانته في “توباماروس”.

أُلقي القبض عليه في عام 1972، وسُجن كرهينة خلال فترة الدكتاتورية العسكرية (1973-1985)، ونجا خلال حياته المديدة من ستّ محاولات اغتيال، وأمضى 14 عاماً في السجن الانفرادي، تعرّض خلالها لشتّى أنواع التعذيب الجسدي والمعنوي، ولكنّه “لم يبع روحه”، كما يقول عنه شعبه.

بعد إطلاق سراحه وسقوط النظام، بدأ يميل تدريجياً إلى الاشتغال في السياسة، ويبتعد عن العمل الميداني الثوري، فانضمّ إلى “الجبهة اليسارية الشاملة”، ثم أسّس “حركة المشاركة الشعبية” إلى جانب رفاق مقاتلين، وأصبح عضواً في مجلسي النواب والشيوخ في عامي 1994 و1999، وفي عام 2005 أصبح وزيراً للزراعة، وفاز بالرئاسة في عام 2009 بحصوله على 52 في المئة من الأصوات، ثم غادرها في العام 2015 بشعبية غير مسبوقة.

وانطلاقاً من إيمانه بالصراع الطبقي، حقّقت حكومته الكثير من الإنجازات الاقتصادية المهمّة، مثل الانخفاض التدريجي في معدّلات الفقر من 40 في المئة إلى 12 في المئة، وانخفاض معدّلات الفقر المُدقع بمقدار عشرة أضعاف، وتحقيق نموّ اقتصادي بنسبة 75 في المئة، وزيادة الإنفاق العامّ بنسبة 50 في المئة، وهي أرقام تداولتها الصحف المحلّية والعالمية.

رحل “بيبي” موخيكا؛ كما كان أصدقاؤه ينادونه، عن هذا العالم، سائراً على خطى شخصيات ملهمة من جيله في موجة اليسار في أميركا اللاتينية، بعدما كرّس حياته للدفاع عن سيادة بلاده ووحدة أميركا اللاتينية

ظلّ موخيكا حتى آخر يوم من حياته معلماً روحياً في الثورة والسياسة، ورمزاً للصدق والبساطة والنضال، ليس في بلاده فقط، بل في العالم كلّه، وأكثر الشخصيات تواضعاً وشعبية في عالم السياسة، وعندما وصله أن هناك وسائل الإعلام تصفه بأنه “أفقر رئيس في العالم”، ابتسم وقال: “الشخص الفقير هو الشخص الذي يبحث دائماً عن المزيد، أما أنا فلست فقيراً، أنا أعيش حياة بسيطة، لأنني لا أريد الكثير”.

ما ميّز موخيكا عن باقي “الثوريين” في العالم، ليس ماضيه النضالي فحسب، بل إيمانه الحقيقي بالقيم الإنسانية الذي انعكس على أسلوب حياته، وتمسّكه بمبادئه ووفاؤه لها، ليس فقط بالأقوال بل بالأفعال أيضاً. فحين أصبح رئيساً للأورغواي، رفض السكن في القصر الرئاسي، مفضلاً العيش في منزل ريفي بسيط على مشارف مونتيفيديو مع رفيقة دربه لوسيا توبولينسكي،، وكان يذهب إلى العمل في القصر الرئاسي كلّ صباح بسيارة فولكس فاغن بيتل موديل 1987، تكاد لا تسع جثّته الضخمة، من دون سائق ولا مرافقين، بعدما ألغى المواكب الرئاسية، وكان يتبرّع كلّ شهر بأكثر من 90 في المئة من راتبه الرئاسي، الذي يبلغ 12 ألف دولار للأعمال الخيرية، واستضاف مرّة أكثر من مئة يتيم سوري ممن أجبرتهم الحرب في بلادهم على اللجوء إلى بلاده، وقام مرّة أخرى بإيواء خمسة سجناء أُطلق سراحهم من سجن غوانتانامو، و”ظل يُؤوي التائهين ويُطعم الجائعين من لحمه وصحنه” حتى آخر يوم من حياته، كما تقول عنه الصحافة المحلّية. وخلال فترة رئاسته، تحوّل موخيكا إلى شخصية عالمية شهيرة جدّاً، بعدما شرّع زواج المثليين، وألغى تجريم الإجهاض.

تزوّج موخيكا بالسياسية اليسارية البارزة والرفيقة في حركة “توباماروس” لوسيا توبولينسكي في عام 2005، وليس لديهما أطفال، وافقت لوسيا زوجها في مواقفه الثورية والسياسية كلها، وسارت معه في طريق التقشّف والابتعاد عن المظاهر ومناهضة فكرة الاستهلاك، وكانت نائبة في البرلمان، وعضوة في مجلس الشيوخ، وانتخبت مرّة كأول نائبة لرئيس الأوروغواي.

وفي عام 2022، وبعد 22 عاماً من النشاط البرلماني، قدّم موخيكا استقالته برسالة كتبها بخطّ يده، ولم يحضر جلسة الوداع. وعلى رغم أنه لم يشغل بعدها أي منصب رسمي، ظلّ شخصية شرفية في الأحزاب التي اشتغل فيها، أو التي نسج معها تحالفات.

رحل “بيبي” موخيكا؛ كما كان أصدقاؤه ينادونه، عن هذا العالم، سائراً على خطى شخصيات ملهمة من جيله في موجة اليسار في أميركا اللاتينية، بعدما كرّس حياته للدفاع عن سيادة بلاده ووحدة أميركا اللاتينية، وانتزاع حقوق المحرومين من دون تأسيس “حركة” سياسية تسرق باسمهم وتتحالف مع قتلتهم، أحبّته شعوب العالم، وطالما حلمت شعوب الشرق الأوسط برئيس من قماشته، لا يسكن القصور، ولا يسرق المال العامّ، ولا يحصر السلطة بعائلته، ولا يقرّر لأنه حرّر، وحتى الأيام الأخيرة من حياته، ظلّ صوتاً ناقداً ومعارضاً للعاملين في السياسة بنيّة الكسب والتربّح، وقلباً متعاطفاً مع فقراء العالم ومشرّديه، وجسراً وطيداً لبناء عالم يمكن أن تتحقّق فيه المساواة والعدالة.