وفاة لوبان تحولت إلى محطة تذكيرية بالجدل والإشكالية التي تثيرها هذه الشخصية. ففي تغريدته التي نعى فيها لوبان اعتبر جان مسيحة السياسي الفرنسي المصري الأصل وأحد الشخصيات اليمينية المتطرفة البارزة، أن جان ماري لوبان أخطأ مرتين: أولاً أنه كان سابقاً لزمانه (في تلميح إلى استشرافه خطر المهاجرين) وثانياً معاداته السامية التي أضاعت على “المعسكر الوطني” 30 عاماً. تغريدة مسيحة تذكر بتصريح سابق للوران فابيوس (رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق) الذي قال: “جان ماري لوبان يطرح أحياناً الأسئلة المناسبة ولو أنه يقدم إجابات سيئة”.
إرثه يتعدى طروحاته السياسية التي باتت في صلب السجال السياسي الفرنسي، لوبان ترك وراءه أسرة ستحمل اسمه لسنوات مقبلة. هي ليست العائلة الفرنسية الوحيدة التي أنجبت ساسة على مدار ثلاثة أجيال، لكن لم يسبق أن ارتبط لقب عائلي بالشأن العام، كما هو الحال مع “اللوبانيين”، حتى بات اللقب أقرب ما يكون إلى علامة تجارية.
عائلته الصغيرة ليست وحدها التي ورثت اسم الشهرة هذا، لقب لوبان بات مرادفاً لحزب “الجبهة الوطنية” ووريثه حزب “التجمع الوطني”، واستطراداً ارتبط باليمين المتطرف الفرنسي برمته (على اعتبار أن التجمع الوطني يُعد أبرز أحزاب اليمين المتطرف في فرنسا) برغم كل المساعي لفك الارتباط بين حزب “التجمع الوطني” ولقب لوبان العائلي، لكن هذا الطيف ما يزال يلاحق كل المحازبين، حالهم حال ابنته مارين وحفيدته ماريون، المنغمستين في العمل السياسي.
السبب هو “الإرث المخزي” لجان ماري لوبان الذي يحد من المكاسب السياسية: ليس لأنه صاحب مشروع يرتكز على معاداة الهجرة واعتبارها تهديداً لهوية فرنسا، بل لتصريحاته العنصرية التي لم يسلم منها أحد.
على سبيل المثال، اشترى جان ماري لوبان منزلاً ريفياً كي يتمكن أولاده من رؤية الأبقار التي تبقى “أفضل من رؤيتهم العرب القاطنين في أحيائهم“، على حد تعبيره. لوبان اعتبر أن الغجر نشالون بطبيعتهم، ولم يخجل من المجاهرة بقناعته بنظرية “عدم المساواة بين الأجناس البشرية” التي “برهنتها الوقائع التاريخية”. وأمام عدسات الصحافيين تلفظ بعبارة المثلية لشتم مناوئيه، حتى المصابون بالسيدا لم يسلموا من تنمره.
أما تصريحه الأكثر إثارة للجدل الذي يُعد وفقاً للمعايير الفرنسيين، أكبر كبائره هي معاداته السامية واستخفافه بما شهدته معسكرات الاعتقال النازية من فظاعات، بعدما اعتبر غرف الغاز مجرد تفصيل في مسار الحرب العالمية الثانية.
هذه التصريحات، التي كلفت صاحبها أحكاماً قضائية عدة، ما يزال صداها يتردد حتى يومنا هذا، وليست بوارد الانحسار بوفاته: كل سياسي فرنسي ينتمي إلى اليمين المتطرف، سيظل عرضة للمساءلة الإعلامية حيال ما أدلى به جان ماري لوبان قبل عقود، في دليل على فشل كل محاولات ابنته مارين، كما عائلته السياسية، في التبرؤ من هذا الإرث.
إن كان من قيمة مضافة تُحتسب في رصيد جان ماري لوبان، فهي تحوّل مسيرته السياسة إلى مرجع سلبي يتوجب عدم الاقتداء به.
علاوة على ذلك، تمتد جذور هذا الإرث الثقيل إلى حقبات تاريخية سوداء: لوبان متهم بتعذيب جزائريين إبان تطوعه في الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية،كما قصد الهند الصينية لمحاربة الفيتناميين المطالبين بإنهاء الاستعمار (ولو أنه وصلها بعدما وضعت معركة ديان بيان فو أوزارها) كما يُعد من المؤيدين لحكومة فيشي.
في واقع الأمر، جان ماري لوبان سياسي محنك، ما يعني أن المجاهرة بعنصريته وقناعاته ليست وليدة العفوية أو مجرد سوء التقدير، بل جزء من استراتيجية سياسية: بينما يستغل الساسة إطلالاتهم الإعلامية لزيادة رصيدهم السياسي، تعمد لوبان استخدام تلك المنابر كي يضع بنفسه “العصي في دواليبه”. فإذا كان هناك من فارق بين لوبان الأب وابنته مارين، فهو سعي وريثته السياسية للوصول إلى السلطة بخلاف والدها، الذي لم يرغب يوما في ذلك. منذ استلامها زعامة حزب “الجبهة الوطنية” عام 2011 (قبل تحوّله إلى حزب التجمع الوطني) انتهجت مارين لوبان ما عُرف بسياسة “نزع الشيطنة”، وقوامها التسويق لبرنامجها السياسي باعتدال متجنبة المفردات العنصرية والاستفزازية.
مفارقة أخرى شهدتها مسيرة جان ماري لوبان: عائلته التي صدّرها إلى الواجهة، لتكون امتداداً لمسيرته ولاسمه، وتحوّلت في عدة محطات إلى الخنجر الذي طعنه من الخلف.
فإصرار مارين لوبان على المضي بإستراتيجية نزع الشيطنة، جعلها تصطدم بوالدها الذي لم يتوقف عن إطلاق تصريحات عنصرية، مما دفعها إلى طرده من الحزب الذي أسسه عام 2015. ابنته كارولين سبقت شقيقتها إلى “طعنه” حين التحقت بحركة المنشقين عن حزب “الجبهة الوطنية” عام 1998.
أما حفيدته ماريون التي اعتبرها وريثته السياسية بعد طلاقه السياسي مع مارين، فقد لمست من جهتها العبء السياسي من احتفاظها بلقب لوبان، لتسقطه عن نفسها في العام 2018، وتمضي في مسيرتها السياسية تحت اسم ماريون مارشال، عوضاً عن ماريون مارشال لوبان، برغم تماهيها الكبير مع أفكار جدها.
لكن الطعنة العائلية الأولى التي تلقاها جان ماري لوبان كانت في العام 1986، على يد زوجته الأولى ووالدة بناته، بياريت، بعدما هجرته بصحبة أحد مقربيه. لم تكن مجرد خيانة زوجية، بل كذلك خيانة سياسية، هو المسيحي المحافظ الحريص إعلامياً على قيم العائلة وتماسكها. انفصال تبعه تراشق إعلامي أضر بصورة لوبان الأب: حين طالبت بياريت بنصيبها من ثروة زوجها، فقابلها بسخرية داعياً إياها للعمل كعاملة نظافة، فلم تتردد في الظهور على صفحات مجلة “بلاي بوي الإباحية” بدور “عاملة النظافة المثيرة جنسياً”.
إن كان من قيمة مضافة تُحتسب في رصيد جان ماري لوبان، فهي تحوّل مسيرته السياسة إلى مرجع سلبي يتوجب عدم الاقتداء به.
إقرأوا أيضاً:










