لم يكن نبأ وفاة الدكتور ضياء العوضي، استشاري التخدير والرعاية المركّزة وعلاج الألم بكليّة الطبّ – جامعة عين شمس في مصر، بظروف غامضة في أحد فنادق دبي، مجرّد خبر عابر لوفاة طبيب مصري، بل كان زلزالاً كشف عن صدع عميق في بنية المجتمع المصري وعلاقته بالعلم والمؤسّسة الطبّية.
رحيل العوضي كشف أن وراءه جيشاً من “الأتباع” الذين لا ينظرون إليه كطبيب سابق، بل كـ”مخلّص” أو “شيخ طريقة” انتزعهم من “مافيا الأدوية”، كما كان يردّد دائماً، ولم يكن صادماً حين أعلن المسؤول عن صفحته على “فيسبوك” خبر نعيه ووصفه بــ” فضيلة الدكتور”، وهو اللقب الذي يسبق أسماء المشايخ عادة.
هذه التوصيف لم يكن بعيداً عن وصف صاحبه لنفسه، فمن تابع المكالمة الأخيرة للعوضي مع “ذات مصر” قبل ساعات من رحيله، يجد رجلاً على حافّة ضلالات النبوّة، لكنّ المدهش أن تأتي هذه الضلالات من باب الطعام والتغذية، أو كما يقول بنفسه: “إعادة تنصيب الآلهة، وأُعيد الناس إلى الدين، وأحقّ القول على الناس، كلامي لن يُباد، لأن في ناس تتبنّاه بحقّ”.
ضياء العوضي هو طبيب مصري مثير للجدل، اشتهر على “السوشيال ميديا” بخطاب طبّي وغذائي بديل، وبما سمّاه “نظام الطيّبات”، وتابعه جمهور واسع، لكنّ آراءه أثارت انتقادات طبّية حادّة، وانتهى الأمر بشطبه مهنياً وإغلاق عيادات مرتبطة به في مصر.
وفاته المفاجئة في دبي فتحت باب التكهّنات، قبل أن تعلن الخارجية المصرية أن التقرير الطبّي الإماراتي أكّد أن الوفاة طبيعية بسبب جلطة مفاجئة في القلب، ومن دون شبهة جنائية.
لكنّ وفاته لم تطوِ سيرته الإشكالية، فمثلاً لا نعلم ما حجم الصدمة النفسية التي تعرّض لها العوضي وهو يعمل استشاري في قسم الحالات الحرجة، وهو يجلس مع مرضى أموات، مريض يتحدّث ويضحك على سريره والعوضي يعلم أن المريض سيموت بعد ساعات أو أيّام، مواجهة يومية مع الموت على وجوه مئات المرضى بالطبع لم تكن بالأمر الهيّن، كذلك ترك العوضي دون متابعة أو رقابة صحّية حتى بدأت تظهر ضلالاته.
رحيل العوضي كشف الفوضى الكبيرة بين أتباعه، تلك الكتلة البشرية المهولة من “المحبطين” الذين آمنوا به، وطرح سؤالاً ضرورياً عن كيفية تحوّل مريض يبحث عن علاج إلى “مجذوب” في حضرة طبيب يرفض الدواء؟ ولماذا فقد المصريون ثقتهم بـ”البالطو الأبيض” ليؤمنوا بنظريات التغذية الراديكالية؟
“الطيّبات”: تغذية بنكهة صوفية
لم يكن العوضي؛ الذي تمّ فصله سابقاً من نقابة الأطبّاء المصرية، يتعامل مع مرضاه كحالات إكلينيكية، بل كان يبني معهم علاقة “مريد بشيخه” من خلال المسموح والمحظور من الطعام.
اعتمدت أفكاره على مبدأ بسيط وخطير في آن واحد: “جسمك قادر على إشفاء نفسه، والدواء هو العدو”، مصوّراً شركات الأدوية كقوى شريرة تتحكّم في مصائر البشر وتستنزف مدخّراتهم، وهي فكرة لاقت صدى هائلاً لدى مواطن يطحن الغلاء عظامه، ويجد نفسه عاجزاً عن توفير ثمن علبة دواء مستورد، أو حتى محلّي شحيح في الأسواق.
ابتكر العوضي نظام “الطيّبات” الذي يعادي الدواجن والبقوليات وقائمة طويلة غير صديقة من الخضراوات والفواكه، وتسامح مع السكّر، وأكبر محاذيره الأدوية بأنواعها، بطريقة جديدة يمكن تسميتها بـ “يوتوبيا الصحّة البديلة”، لكنّ الخطر لم يكن فقط في النصائح الغذائية بحدّ ذاتها، بل في “الأدلجة” التي صاحبتها أيضاً؛ من ربط التداوي بآيات من القرآن وما ورد في السُنّة، حتى أصبح الأتباع يرفضون الأدوية الحيوية لأمراض مزمنة مثل الضغط والسكّري والسرطان، معتبرين أنها سموم تروّج لها التجارة العالمية.
فحين تختار أن تأكل تمراً فإن التمر يمضي إلى المعدة مع الأيديولوجيا الملتصقة به، الأيديولوجيا الدينية وأيديولوجيا العوضي، وحين ترفضه أو ترفض الإكثار منه فأنت من “القرية الظالم أهلها” بحسب وصف العوضي ذاته، ظاهرة غريبة من نوعها، بدأت من اسمها “الطيّبات”، المستلهم من القرآن: “وكلوا من طيّبات ما رزقناكم”.
المدهش كيف تحوّلت كلمة من القرآن يردّدها المسلمون منذ قرون إلى ما يشبه الدعوة الجديدة، وماذا تكشف وراءها من هوس شخصي ومنظومة طبّية عليلة؟
جيش المحبطين: من هم أتباع العوضي؟
عند تتبّع التعليقات والنقاشات في مجموعات أتباع العوضي، نجد تنوعاً طبقياً مذهلاً؛ من الطبقة المتوسطة المتعلّمة التي أرهقها التضارب في التشخيص، إلى البسطاء الذين لم يعد الطبّ الحكومي يمنحهم سوى الإهمال. هؤلاء ليسوا “جهلة” بالضرورة، بل هم إمّا محبطون وإمّا منهكون اقتصادياً.
نمو هذا العدد المهول من الأتباع لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة شكّ جماعي في المنظومة الصحّية الرسمية. لقد وجدوا في العوضي “الأب” الذي يستمع إليهم، الطبيب الذي يمنحهم وقتاً طويلاً للشرح (عبر فيديوهاته)، بينما يمنحهم الطبيب في العيادة التقليدية خمس دقائق مقتضبة، يكتب فيها روشتّة بمئات الجنيهات، هذه الروشتّة في بعض الحالات تأخذ المريض المصري في رحلة تيه بين الأطبّاء، فأحياناً يذهب المريض إلى خمسة أطبّاء في مصر فيحصل على خمسة تشخيصات مختلفة.
هذه السيولة في التشخيص أفقدت المريض المصري الشعور بالأمان العلمي، وجعلته يميل إلى من يقدّم له رواية واحدة بسيطة، حتى لو كانت خارجة عن المألوف.
ورحلة التيه للحصول على تشخيص، تلحقها رحلة أخرى من شحّ الدواء وارتفاع التكلفة في ظلّ أزمة العملة ونقص الإمدادات الدوائية، حيث أصبح الحصول على الدواء رحلة شاقّة ومكلفة.
عندما يقول العوضي للمريض “لا تأخذ دواء”، فهو لا يقدّم له نصيحة طبّية فحسب، بل يقدّم له حلاً اقتصادياً لمشكلة عجز الدولة عن توفير الدواء، عوضاً عن
الأخطاء الطبّية القاتلة والناتجة أحياناً عن الإهمال وغياب المحاسبة وعدم وجود آلية واضحة لمحاسبة المقصرين، ممّا يجعل العلاج المنزلي بالتغذية يبدو أكثر أماناً من وجهة نظر البعض، وهذا ما حوّل العوضي إلى رمز للمقاومة ضدّ النظام الطبّي القاسي.
أحد الأتباع يقول: “ذهبت إلى طبيب قلب فكتب لي دواء للضغط، وذهبت إلى آخر فنفى حاجتي إليه، والثالث طلب عمليّة قسطرة فورية… ضياء العوضي قال لي: “صم وتناول طعاماً صحّياً، فاستقرّ ضغطي. من أصدّق؟”.
هذا التساؤل يلخّص المأساة. إن ضعف الرقابة على البروتوكولات العلاجية في مصر جعل الطبّ يبدو وجهات نظر، ممّا مهّد الطريق للعوضي لتقديم وجهة نظرته الخاصّة كحقيقة مطلقة دون إثبات علمي. لقد استغلّ العوضي ثغرة اللا معيارية في الطبّ المصري ليبني مجده الخاصّ، على حساب الأطبّاء الحقيقيين والدواء الفعّال.
هذا الانقسام خلق حالة من الاستقطاب الحادّ، فإمّا أن تكون مع الطبّ والدواء وإمّأ أن تكون مع الطبيعة والعوضي، هذا الفكر الإقصائى هو سمة أساسية لـ”الطريقة”؛ حيث يدافع الأتباع عن شيخهم بشراسة ضدّ أي نقد علمي، معتبرين الهجوم عليه جزءاً من المؤامرة الكونية لشركات الأدوية.
هنا، تحوّل العوضي إلى “روبن هود” صحّي. هو لا يسرق الأغنياء ليعطي الفقراء، بل يسرق “الشرعية” من شركات الأدوية ليعطي الفقراء “مجّانية الشفاء”. طريقته (الصيام، الامتناع عن السكّر، التغذية الطبيعية) هي بروتوكولات صفرية التكلفة، هذا هو “طبّ البروليتاريا” الذي لا يحتاج إلى روشتّة يصرفها مريض بثلث راتبه. المحبطون من المنظومة لم يتّبعوه حبّاً بالصيام، بل هرباً من “مذلّة السؤال” على أبواب الصيدليات والمستشفيات التي تطلب مبالغ تأمينية قبل دخول غرف الطوارئ.
إقرأوا أيضاً:
ما يثير الدهشة هو كونه طبيباً سابقا خرّيج المنظومة نفسها. العوضي لم يكن أمّياً، بل كان يحمل لقباً علمياً استخدمه كـ “حصان طروادة” لاختراق عقول المتعلّمين. وأتباعه هم نتاج عصر السيولة؛ حيث تساوت قيمة المعلومة التي يقدّمها الخبير مع الرأي الذي يقدّمه المؤثّر. ولأن المنظومة الصحّية الرسمية تفتقر إلى المتحدّث اللبق أو الواجهة المقنعة، فقد استولى العوضي على المساحة غير المحدودة مع المرضى عبر فيديوهاته، والأتباع لم يقتنعوا فقط بالمنطق العلمي، بل بالكاريزما الوعظية أيضاً. لقد تحوّل من طبيب إلى زعيم روحي، يوزّع نصائح النجاة من المرض على من يؤمنون به.
فوضى التشخيص والعلاج: حين يصبح المريض كرة بين المضارب
لا يمكن فهم لماذا يتبع آلاف المصريين طبيباً يطلب منهم ترك الأدوية دون النظر إلى “الملفّ الأسود” للإهمال الطبّي في مصر. الأرقام الصمّاء في تقارير وزارة الصحّة لا تحكي القصص الحقيقية، لكنّ الوقائع الموثّقة التي هزّت الرأي العامّ هي التي صنعت “وعي الهروب” لدى المواطن. لقد تحوّلت الثقة بـ”البالطو الأبيض” إلى رعب جماعي، نتيجة كوارث طبّية ساذجة كان ضحاياها من المشاهير والبسطاء على حدّ سواء.
تبدأ مأساة الوعي الجمعي المصري من تلك اللحظة التي لم يعد فيها حتى المشاهير والصفوة بمنأى عن مقصلة الإهمال. ففي كانون الثاني/ يناير 2022، اهتزّت الثقة بالبروتوكولات الرسمية حين صُدم الجميع برحيل الإعلامي وائل الإبراشي، بعد صراع مرير مع تداعيات فيروس كورونا، ليتكشّف خلف الوفاة اتّهام من أسرته لطبيب مشهور باستخدام “بروتوكول تجريبي” غير معتمد داخل منزله، ممّا أدّى إلى تليّف رئوي لا رجعة فيه. لم تكن هذه مجرّد وفاة طبيعية، بل كانت صدمة بنزاهة الممارسة الطبّية المنزلية، والارتجال العلمي، وهي الصدمة ذاتها التي كادت تودي بحياة الفنّانة ياسمين عبد العزيز، حين تحوّلت عمليّة استئصال أكياس مبايض بسيطة إلى كابوس من التسمّم الدموي والغيبوبة، نتيجة ثقب في القولون أحدثه المشرط الجراحي.
ولم تكن الأخطاء مقتصرة على غرف الجراحة، بل امتدّت لتطال إجراءات روتينية لا تستغرق دقائق. ففي أيّار/ مايو 2022، لفظت الشابّة مارينا صلاح أنفاسها الأخيرة داخل مركز عيون خاصّ ذائع الصيت في القاهرة، والسبب لم يكن مرضاً مستعصياً، بل كان إهمالاً “بدائياً” تمثّل في عدم إجراء اختبار حساسية قبل حقنها بصبغة الأشعة، ومع غياب تجهيزات الإنعاش داخل المركز، تحوّلت أشعة العين إلى تذكرة ذهاب بلا عودة.
هذا النمط من الإهمال السهل انتقل إلى أرصفة الصيدليات التي تحوّلت إلى عيادات موازية، حيث شهد شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، فاجعة وفاة الطفلتين سجدة وإيمان في الإسكندرية، بعد حقنهما بمضادّ حيوي دون اختبار حساسية، ممّا كشف عن عمق الفوضى في صرف الأدوية العشوائي وتآكل الرقابة على الصيدليات.
وفيما كان الناس يبحثون عن أمان في البنية التحتية، جاءت مأساة “أوكسجين الحسينية” في كانون الثاني/ يناير 2021، لتوثّق عبر فيديو الممرّضة المذعورة لحظة انقطاع شريان الحياة عن مرضى الرعاية المركّزة، حيث فارقوا الحياة اختناقاً نتيجة نقص الأوكسجين، وهي الصورة التي حُفرت في الوجدان كدليل دامغ على تهالك المنظومة، وعجزها عن توفير أبسط مقوّمات البقاء.
هذه الصورة القاتمة تعزّزت بوقائع مفجعة في صعيد مصر، كالطفلة ماريا في المنيا التي ماتت نتيجة فشل ذريع في إجراءات الإنعاش، ممّا حوّل المستشفى في نظر البسطاء من ملاذ للشفاء إلى ساحة للموت المجّاني، وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، فارق الرضيع مالك الحياة بعد 24 يوماً من ولادته، وبعد إعطائه مضادّاً حيوياً دون إجراء فحص “زراعة دم”.
بعض هذه المآسي لم تكن حالات معزولة، بل تزامنت مع وقائع غريبة ومروّعة، منها الأخطاء الطبّية في التخدير التي لم تكن بعيدة عن ساحة الاتّهام، ففي 2022، دخلت فتاة في غيبوبة دامت شهوراً نتيجة خطأ في التخدير أثناء عمليّة تجميل بسيطة، بينما توفي شابّ في الشرقية في 2023، داخل عيادة أسنان خاصّة نتيجة جرعة تخدير زائدة، وغياب كامل لتجهيزات الطوارئ والإنعاش التي يجب توفّرها في أي منشأة طبّية.
دفع اليأس من “السيستم” الطبّي الناس لابتكار حلول قاتلة، كحقنة “الهتلر” (كوكتيل المسكّنات والمضادّات) التي انتشرت في الأرياف في 2022، وأدّت إلى وفاة عدّة شبّان نتيجة صدمات تحسسية فورية في ظلّ غياب الرقابة، حتى في أكثر اللحظات قدسيةً كالولادة، لم تسلم الأمّهات من الإهمال، حيث فقدت “عروس المنوفية” حلم الأمومة إلى الأبد بعد استئصال رحمها نتيجة نزيف حادّ لم يتوقّف أثناء ولادة قيصرية فاشلة.
وفي استطلاع رأى عيّنة من الجمهور العام حول منظومة الرعاية الصحّية في مصر أجراه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، كشف أن “النسبة الأكبر من المواطنين يرون أن “هناك إهمالاً في المستشفيات الحكومية ومستشفيات التأمين الصحّي وضعفاً في مستوى الأطبّاء، فى حين جاءت أعلى نسبة لعدم الرضا بين الذين حصلوا على خدمتي الأشعة والتحاليل”.
تمتدّ سردية الألم في مصر لتشمل مئات الحالات التي جعلت من المستشفى مكاناً مرعباً في الوعي الشعبي، ولا يقتصر الخلل الصحّي في مصر على الإهمال الجسدي فحسب، بل يمتدّ ليكون خللاً هيكلياً واقتصادياً طاحناً.
ففي بلد يدفع فيه المواطن أكثر من ستّين في المئة من تكاليف علاجه من جيبه الخاصّ، تحوّل المرض إلى “خراب مستعجل” يهدّد بقاء الأسر. وهنا تبرز المفارقة الكبرى في طريقة العوضي. فهي “طريقة صفرية التكلفة”، هو لا يبيع دواء، بل يبيع “الامتناع”، وهو ما يداعب رغبة الفقراء في الشفاء المجّاني. المحبطون الذين تبعوه كانوا يهربون من “مذلّة السؤال” على أبواب الصيدليات التي يختفي منها الدواء الأساسي ليظهر في السوق السوداء بأسعار خرافية. لقد استثمر العوضي في عجز المريض، وصوّر له أن هذا العجز هو في الحقيقة قوّة وتمرّد على عبودية الشركات، وبذلك تحوّل الصيام من ضرورة اقتصادية إلى منهج علاجي مقدّس.
تؤكّد الدراسة المعنونة بـ ” الدواء حقّ لا يمكن الاستغناء عنه” والصادرة عن “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، أن الأزمة الجوهرية في المنظومة الصحّية المصرية تكمن في تحوّل الدواء من حقّ إنساني أصيل تلتزم الدولة بتوفيره، إلى سلعة تجارية تخضع لتقلّبات السوق ومنطق الربح والخسارة، حيث ترصد الدراسة بوضوح كيف أدّى اعتماد نظام التسعير المرجعي إلى تقويض قدرة المواطن البسيط على الحصول على العلاج، إذ تعتمد الجهات الرسمية في تسعيرها للأدوية على مقارنات بأسعار دول أخرى، دون مراعاة حقيقية لمستويات الدخل والقدرة الشرائية المتدنيّة للمصريين، وهو ما خلق فجوة هائلة بين حاجة الجسد إلى الشفاء وبين عجز الجيب عن سداد الفواتير المتصاعدة.
وتكشف الدراسة عن مفارقة مؤلمة في إدارة أزمات النواقص الدوائية، حيث تربط بين اختفاء الأدوية الأساسية، وبين سياسات الضغط التي تمارسها شركات الأدوية الكبرى، سواء المحلّية أو المتعدّدة الجنسيات، والتي تلجأ أحياناً إلى تقليص إنتاج الأصناف الرخيصة وغير المربحة لإجبار الدولة على تحريك الأسعار، ممّا يضع المريض الفقير في مواجهة مباشرة مع خيارات مستحيلة بين الحرمان من العلاج أو الانصياع لأسعار تفوق طاقته، كما تغوص النشرة في أثر اتّفاقيات الملكية الفكرية الدولية التي تمنح الشركات العالمية حقوق احتكار تمنع إنتاج البدائل المحلّية الرخيصة لسنوات طويلة، وهو ما يحرم آلاف المرضى من أدوية منقذة للحياة في مجالات السرطان والالتهاب الكبدي الوبائي، ويجعل من احتكار المعرفة الطبّية عائقاً أمام الحقّ في الحياة.
وتنتقل الدراسة في تحليلها إلى غياب الشفافية في عمليّة صنع القرار الدوائي، منتقدة السرّية التي تحيط بالمفاوضات بين الإدارة المركزية للشؤون الصيدلية وشركات الأدوية، وهي السياسة التي أدّت إلى تغييب صوت المريض ومنظّمات المجتمع المدني عن طاولات الحوار، مما رجّح كفّة المصالح الاقتصادية للمستثمرين على حساب الحماية الاجتماعية، وتختتم الدراسة طرحها السردي بالتشديد على ضرورة تبنّي سياسة وطنية شاملة تعيد إحياء دور قطاع الأعمال العامّ والشركة القابضة للأدوية لتكون رمّانة الميزان في السوق، مع تفعيل الحقّ القانوني في كسر الاحتكارات الدوائية عبر الرخص الإجبارية، لضمان ألّا يظلّ الدواء في مصر امتيازاً لمن يملك، بل أن يصبح حقّاً متاحاً لكل من يتألّم بغضّ النظر عن رصيده البنكي.
وقبل يومين أعلنت “هيئة الدواء المصرية” دراستها تحريك أسعار أكثر من 150 صنفاً دوائياً، لتضع مسماراً آخر في نعش القدرة الشرائية للمواطن المطحون، الذي لم يعد يواجه المرض وحده، بل منظومة تسعير تتربّص بما تبقّى في جيبه. هذا القرار، لا يمثّل مجرّد تعديل في قوائم الحسابات، بل هو إعلان صريح عن توسيع الفجوة بين الفقراء وبين الحقّ في البقاء، حيث تتحوّل الأدوية الحيوية من ركيزة للأمان الصحّي إلى رفاهية بعيدة المنال.
هذا العبء المادّي المتزايد هو الذي يفسّر بشكل قاطع سرعة انتشار عدوى أتباع ضياء العوضي، فالمواطن الذي يرى الدواء الرسمي يبتعد عن متناول يده، يجد في خطاب العوضي الذي يصوّر الدواء كعدو تاجر ومستنزف للأموال، مخرجاً نفسياً مريحاً يبرّر به عجزه المادّي.
لقد استغل العوضي هذه اللحظات التي يخرج فيها المسؤولون ليبشّروا بزيادات جديدة في الأسعار، ليقدّم نفسه كبديل مجّاني يحرّر الناس من “عبودية الصيدلية”، محوّلاً اضطرار المريض لترك الدواء بسبب سعره إلى فعل تمرّد صحّي.
مأساة “المجاذيب” هي في الحقيقة مأساة الدولة التي انسحبت من دورها الرعائي الصحّي، فتركت مواطنيها نهباً لكل مغامر يمتلك كاريزما الوعظ. وإذا كان العوضي قد رحل في فندق فخم، فإن ضحايا اتّباعه قد يموتون بصمت داخل بيوتهم بسبب رفضهم الدواء، هم في الحقيقة ينتحرون ببطء نكاية بواقع لم يمنحهم خياراً آخر سوى الموت، إمّا تحت مشرط جراح مهمل، وإمّا رفضاً للأدوية على طريقة “الشيخ الطبيب” .














