ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

رسائل من طريق مطار بيروت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يُخطئ “حزب الله” في قوله إن اتخاذ الحكومة قرارها يعكس “استباحة السيادة الوطنية”، حسبما جاء في بيان أصدره عقب اعتصام السبت، ولكنه يقدّم الأحداث مغيّباً عن قصد، عناصر كثيرة بغية بناء سردية خاصة تساهم في إعادة تحلّق جمهوره حوله، وإن كانت محرّفة أو أقلّه مجتزأة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“الرسالة وصلت”، نقلت قناة “المنار” عن منظمي اعتصام السبت الذي قطع المشاركون فيه طريق المطار، بدعوة من “حزب الله”، وذلك بعد أقل من ساعتين ساد خلالهما توتر، وشهدتا إطلاق الجيش اللبناني قنابل مسيّلة للدموع، لتفريق الحشد الذي لم يتجاوز بضع مئات.

سبقت هذه المناسبة جولتان في اليومين السابقين، شهدتا قطع مجموعة من المتظاهرين طريق المطار، واعتداءهم على قوى الأمن وآلية لقوات “اليونيفيل” وعرقلة الحركة من المطار وإليه، لكن “حزب الله” تنصّل من أي علاقة له بهم، فيما دعت حركة “أمل” إلى ضربهم بيد من حديد.

وأتى ذلك على خلفية منع الحكومة اللبنانية طائرة إيرانية من الهبوط في مطار بيروت، بعد تبلّغها بأن إسرائيل ستقصف المطار في حال حطّت تلك الطائرة، التي كان من المفترض أن تُقلّ نحو 350 راكباً، بدعوى أنها تحمل أيضاً أموالاً مُرسلة إلى “حزب الله”.

والرسالة التي وصلت هي بالتأكيد أكثر من دعوة الأمين العام ل”حزب الله” نعيم قاسم، في كلمة ألقاها الأحد، الحكومة إلى إعادة النظر في قرارها. فالحزب أراد إيصال مجموعة رسائل، منها أولاً أنه يرفض عكس هزيمته على يد إسرائيل على حضوره في الداخل اللبناني، وثانياً أنه قادر على تعطيل عمل مفاصل أساسية في الدولة، على طريقة “عليّ وعلى أعدائي” في حال تجاهل مصالحه، وثالثاً أنه جاهز للتحرك الصدامي: “نصبر ونصبر ونصبر ولكن للصبر حدود”، قال نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي للمعتصمين.

سردية مجتزأة

لا يُخطئ “حزب الله” في قوله إن اتخاذ الحكومة قرارها يعكس “استباحة السيادة الوطنية”، حسبما جاء في بيان أصدره عقب اعتصام السبت، ولكنه يقدّم الأحداث مغيّباً عن قصد، عناصر كثيرة بغية بناء سردية خاصة تساهم في إعادة تحلّق جمهوره حوله، وإن كانت محرّفة أو أقلّه مجتزأة.

تغيّب سردية هذا الحزب أن ما نعيشه حالياً، هو نتيجة لمغامرة “معركة إسناد غزة” التي افتتحها بدون استشارة أي طرف لبناني آخر، والتي تحوّلت إلى حرب مفتوحة عليه، أدّت إلى هزيمته عسكرياً، وإلى حلول كارثة قتل وتدمير على الطائفة الشيعية برمّتها، مما أنتج معادلات جديدة تعكس ما أصابه في الميدان، طالته وطالت الشيعة ومجمل اللبنانيين والحكومة.

وتغيّب أن لبنان، ورغم أن حكومته استجابت في قرارها عملياً لطلب إسرائيلي نقلته إليها الولايات المتحدة، ملتزم بكل الحالات باتفاقيات دولية لمنع دخول الأموال إليه بطريقة غير منظمة، تحت طائلة تضرر كل اللبنانيين من أي انتهاك للمعايير الدولية ذات الصلة، وملتزم باستيفاء مطاره معايير أمنية معيّنة لإدامة اتصال مطار بيروت بمطارات العالم.

وتبث بشكل غير مباشر فكرة ارتباط تقييد حركة الطائرات الإيرانية، بمنع تمويل إعادة الإعمار، لإخلاء مسؤولية إيران عن إعادة إعمار ما تهدّم، وللتشويش على حقيقة أن قادة “حزب الله” رموا علناً الجزء الأكبر من هذه المسؤولية على الدولة.

عدا ذلك، تمهّد هذه السردية الأرضية لشقاق بين الجيش اللبناني وبين الشيعة، بتصويره كمعتدٍ على “مواطنين (شيعة) سلميين” وكمنفّذ لأعمال “مشبوهة”، وهو ما يمكن أن ينفخ فيه “حزب الله” في المستقبل، لمنع الجيش من استكمال تنفيذ القرار 1701.

من السهل على “حزب الله” التنصّل من المسؤولية عما نواجهه اليوم، شعباً ومؤسسات رسمية، وإلقاء المسؤولية على الحكومة، ودعوتها إلى عدم الاستجابة لـ”الإملاءات الخارجية”، من دون أدنى اهتمام بعواقب ذلك على عموم اللبنانيين.

رسائل موازية

ما قام به “حزب الله” على طريق المطار السبت، ربطاً بما قامت به “ملائكته” يومي الخميس والجمعة، أوصل رسائل أخرى كثيرة ربما لم تكن مقصودة، ولكن أثرها قد يكون أكبر مما أراد إيصاله.

أبلغ هذا الحزب اللبنانيين للمرة المئة، أنه لا يأبه للشراكة مع ممثلي الطوائف الأخرى، والشراكة تقتضي اتخاذ الحكومة اللبنانية القرارات كونها تمثّل الجميع، ما قد يدفع باقي الطوائف إلى التشكيك في جدوى الحفاظ على نظام تشاركي في لبنان، والبحث عن خيارات بديلة.

وكوننا في نهاية المطاف مجتمعاً طائفياً، وأدوات فهمنا لما يجري حولنا لا تخلو من الطائفية، فإن قطْع طريق المطار يقرأه غير الشيعة على أن “الشيعة” قطعوا دربهم الآمن إلى بيوتهم، لأن المطار يقع في منطقة ذات غلبة سكانية شيعية، ولذلك سمعنا فوراً دعوات إلى تطوير وتسيير مطار دولي ثانٍ أو أكثر في لبنان، بعيداً عن ابتزاز “الشيعة”. فهل في ذلك مصلحة شيعية استراتيجية؟

أما الاعتداء على آلية “اليونيفيل”، فيأتي على إيقاع تسويق إسرائيل لفكرة أن هذه القوات غير قادرة على التعامل مع “التهديدات” التي تطالها و”الواجبات” المنوطة بها. والآن، وفي ظل إصرار إسرائيل على البقاء في خمس نقاط استراتيجية على الأقل فوق تلال جنوب لبنان، ورفضها طرح تسليم هذه النقاط لقوات دولية تعمل تحت راية “اليونيفيل”، لأنها تشكك في قدراتها، مَن يا ترى سيستفيد من رسالة أن هؤلاء الجنود لا يستطيعون حماية أنفسهم من زمرة مشاغبين؟

يحلو لـ”حزب الله” العيش في عالم موازٍ أعلن فيه انتصاره في الحرب الأخيرة، وفي هكذا عالم لا يمكن لأي سردية تُصطنع إلا أن تكون سوريالية. لا يصارح جمهوره بأنه خاض مغامرة غير محسوبة أفضت إلى هزيمة لبنان، وهزيمة مشروع الشيعية السياسية الموالية لإيران، وبأنه صادق على هزيمته في اتفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل.

أما في واقع الأمر، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة لبنان بلداً طبيعياً بين الدول، وإما تسخير حاضرنا ومستقبلنا للتحضير لمغامرة جديدة، نعرف مسبقاً أن نتائجها لن تكون أفضل من كل المغامرات، التي خيضت باسمنا وباسم شعوب منطقتنا منذ فجر دولنا الحديثة.

"درج" و "سراج" | 13.02.2026

وثائق تكشف كيف رسم علي مملوك خطة لتضليل التحقيق الدولي باغتيال الحريري

وُجِهت أصابع الاتهام باغتيال رفيق الحريري إلى النظام السوري وحلفائه، وتكشف وثائق من المخابرات السورية أطلع على نسخ رقمية منها "درج" و"الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - سراج" و"زمان الوصل"، عن الخطة الإعلامية التي وضعت لمواجهة الاتهامات، التي أشرف عليها علي مملوك الذي وصف وسائل الإعلام السورية حينها بأنها "في حالة غيبوبة حيال الحدث" الذي يتمثل…
17.02.2025
زمن القراءة: 4 minutes

لا يُخطئ “حزب الله” في قوله إن اتخاذ الحكومة قرارها يعكس “استباحة السيادة الوطنية”، حسبما جاء في بيان أصدره عقب اعتصام السبت، ولكنه يقدّم الأحداث مغيّباً عن قصد، عناصر كثيرة بغية بناء سردية خاصة تساهم في إعادة تحلّق جمهوره حوله، وإن كانت محرّفة أو أقلّه مجتزأة.

“الرسالة وصلت”، نقلت قناة “المنار” عن منظمي اعتصام السبت الذي قطع المشاركون فيه طريق المطار، بدعوة من “حزب الله”، وذلك بعد أقل من ساعتين ساد خلالهما توتر، وشهدتا إطلاق الجيش اللبناني قنابل مسيّلة للدموع، لتفريق الحشد الذي لم يتجاوز بضع مئات.

سبقت هذه المناسبة جولتان في اليومين السابقين، شهدتا قطع مجموعة من المتظاهرين طريق المطار، واعتداءهم على قوى الأمن وآلية لقوات “اليونيفيل” وعرقلة الحركة من المطار وإليه، لكن “حزب الله” تنصّل من أي علاقة له بهم، فيما دعت حركة “أمل” إلى ضربهم بيد من حديد.

وأتى ذلك على خلفية منع الحكومة اللبنانية طائرة إيرانية من الهبوط في مطار بيروت، بعد تبلّغها بأن إسرائيل ستقصف المطار في حال حطّت تلك الطائرة، التي كان من المفترض أن تُقلّ نحو 350 راكباً، بدعوى أنها تحمل أيضاً أموالاً مُرسلة إلى “حزب الله”.

والرسالة التي وصلت هي بالتأكيد أكثر من دعوة الأمين العام ل”حزب الله” نعيم قاسم، في كلمة ألقاها الأحد، الحكومة إلى إعادة النظر في قرارها. فالحزب أراد إيصال مجموعة رسائل، منها أولاً أنه يرفض عكس هزيمته على يد إسرائيل على حضوره في الداخل اللبناني، وثانياً أنه قادر على تعطيل عمل مفاصل أساسية في الدولة، على طريقة “عليّ وعلى أعدائي” في حال تجاهل مصالحه، وثالثاً أنه جاهز للتحرك الصدامي: “نصبر ونصبر ونصبر ولكن للصبر حدود”، قال نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي للمعتصمين.

سردية مجتزأة

لا يُخطئ “حزب الله” في قوله إن اتخاذ الحكومة قرارها يعكس “استباحة السيادة الوطنية”، حسبما جاء في بيان أصدره عقب اعتصام السبت، ولكنه يقدّم الأحداث مغيّباً عن قصد، عناصر كثيرة بغية بناء سردية خاصة تساهم في إعادة تحلّق جمهوره حوله، وإن كانت محرّفة أو أقلّه مجتزأة.

تغيّب سردية هذا الحزب أن ما نعيشه حالياً، هو نتيجة لمغامرة “معركة إسناد غزة” التي افتتحها بدون استشارة أي طرف لبناني آخر، والتي تحوّلت إلى حرب مفتوحة عليه، أدّت إلى هزيمته عسكرياً، وإلى حلول كارثة قتل وتدمير على الطائفة الشيعية برمّتها، مما أنتج معادلات جديدة تعكس ما أصابه في الميدان، طالته وطالت الشيعة ومجمل اللبنانيين والحكومة.

وتغيّب أن لبنان، ورغم أن حكومته استجابت في قرارها عملياً لطلب إسرائيلي نقلته إليها الولايات المتحدة، ملتزم بكل الحالات باتفاقيات دولية لمنع دخول الأموال إليه بطريقة غير منظمة، تحت طائلة تضرر كل اللبنانيين من أي انتهاك للمعايير الدولية ذات الصلة، وملتزم باستيفاء مطاره معايير أمنية معيّنة لإدامة اتصال مطار بيروت بمطارات العالم.

وتبث بشكل غير مباشر فكرة ارتباط تقييد حركة الطائرات الإيرانية، بمنع تمويل إعادة الإعمار، لإخلاء مسؤولية إيران عن إعادة إعمار ما تهدّم، وللتشويش على حقيقة أن قادة “حزب الله” رموا علناً الجزء الأكبر من هذه المسؤولية على الدولة.

عدا ذلك، تمهّد هذه السردية الأرضية لشقاق بين الجيش اللبناني وبين الشيعة، بتصويره كمعتدٍ على “مواطنين (شيعة) سلميين” وكمنفّذ لأعمال “مشبوهة”، وهو ما يمكن أن ينفخ فيه “حزب الله” في المستقبل، لمنع الجيش من استكمال تنفيذ القرار 1701.

من السهل على “حزب الله” التنصّل من المسؤولية عما نواجهه اليوم، شعباً ومؤسسات رسمية، وإلقاء المسؤولية على الحكومة، ودعوتها إلى عدم الاستجابة لـ”الإملاءات الخارجية”، من دون أدنى اهتمام بعواقب ذلك على عموم اللبنانيين.

رسائل موازية

ما قام به “حزب الله” على طريق المطار السبت، ربطاً بما قامت به “ملائكته” يومي الخميس والجمعة، أوصل رسائل أخرى كثيرة ربما لم تكن مقصودة، ولكن أثرها قد يكون أكبر مما أراد إيصاله.

أبلغ هذا الحزب اللبنانيين للمرة المئة، أنه لا يأبه للشراكة مع ممثلي الطوائف الأخرى، والشراكة تقتضي اتخاذ الحكومة اللبنانية القرارات كونها تمثّل الجميع، ما قد يدفع باقي الطوائف إلى التشكيك في جدوى الحفاظ على نظام تشاركي في لبنان، والبحث عن خيارات بديلة.

وكوننا في نهاية المطاف مجتمعاً طائفياً، وأدوات فهمنا لما يجري حولنا لا تخلو من الطائفية، فإن قطْع طريق المطار يقرأه غير الشيعة على أن “الشيعة” قطعوا دربهم الآمن إلى بيوتهم، لأن المطار يقع في منطقة ذات غلبة سكانية شيعية، ولذلك سمعنا فوراً دعوات إلى تطوير وتسيير مطار دولي ثانٍ أو أكثر في لبنان، بعيداً عن ابتزاز “الشيعة”. فهل في ذلك مصلحة شيعية استراتيجية؟

أما الاعتداء على آلية “اليونيفيل”، فيأتي على إيقاع تسويق إسرائيل لفكرة أن هذه القوات غير قادرة على التعامل مع “التهديدات” التي تطالها و”الواجبات” المنوطة بها. والآن، وفي ظل إصرار إسرائيل على البقاء في خمس نقاط استراتيجية على الأقل فوق تلال جنوب لبنان، ورفضها طرح تسليم هذه النقاط لقوات دولية تعمل تحت راية “اليونيفيل”، لأنها تشكك في قدراتها، مَن يا ترى سيستفيد من رسالة أن هؤلاء الجنود لا يستطيعون حماية أنفسهم من زمرة مشاغبين؟

يحلو لـ”حزب الله” العيش في عالم موازٍ أعلن فيه انتصاره في الحرب الأخيرة، وفي هكذا عالم لا يمكن لأي سردية تُصطنع إلا أن تكون سوريالية. لا يصارح جمهوره بأنه خاض مغامرة غير محسوبة أفضت إلى هزيمة لبنان، وهزيمة مشروع الشيعية السياسية الموالية لإيران، وبأنه صادق على هزيمته في اتفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل.

أما في واقع الأمر، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة لبنان بلداً طبيعياً بين الدول، وإما تسخير حاضرنا ومستقبلنا للتحضير لمغامرة جديدة، نعرف مسبقاً أن نتائجها لن تكون أفضل من كل المغامرات، التي خيضت باسمنا وباسم شعوب منطقتنا منذ فجر دولنا الحديثة.

17.02.2025
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية