كم أحبّك يا أحمد، والحبّ فيك أسبابه كثيرة ودروبه متنوّعة. وكم لا أحبّ أغانيك الموصوفة “بالثورية”… لا أحبّها حتى النفور! وأعظم هذا النفور يعود إلى تلك الأغنية “أناديكم”… وبين ذلك الحبّ وهذا النفور مسافة زمنية طويلة وتحوّلات عميقة قطعها كلّ منّا وبفارق عمريّ بيننا لا يتجاوز العشر سنوات. صحيح أن مساحة لقائي بك عبر الزمن كانت قليلة ومتباعدة، لكنّها، ودون شكّ، أتت عندي كثيفة وموسومة بوشم يكاد لا يُمحى.
المرّة الأخيرة التي رأيتك فيها كانت في الحفلة الموسيقية التي قدّمتها الأوركسترا الوطنية تكريماً لك. وبالرغم من مرضك الشديد كنت واقفاً تغنّي وخلفك الموسيقيون، وخلفهم يقف كورس من أطفال “دار الأيتام الإسلامية”، الذين طالما ألّفت لهم أغاني طفولية عن بيروت وحرش العيد ومعنى الفرح. أطفال بعمر الورود كانوا يقفون معك تغنّي “سُعدا معكم سُعدا بكم رح ترجع بيروت…”، وعندما حان دور أغنية “أناديكم”، لاح لي صبيّ يقف مع الكورس يغنّي بانسجام وحماسة منقطعة النظير، وتقديري أنّه قد تجاوز عقده الأوّل بسنتين أو ثلاثة على الأكثر. غناء الصبيّ المتحمّس ذكّرني بحالي وأنا صغير، وأرجعني بلمح البصر إلى تلك السنين البعيدة عندما كنت أغنّي تلك الأغنية.
هكذا قرّرت أن أكتب لك رسالة غير واثق إن كنت ستقرأها أم لا!
لكنّي وبعد كتابة السطور الأولى منها، توقّفت مسائلاً نفسي عن صوابية تلك الرسالة من الناحية الأخلاقية، لا سيّما وأنك تمرّ في مرحلة صحّية حرجة!
بعد موتك، وفي جوٍّ التوتّر والقلق على المصير الناجم عن حروبنا المتناسلة، عدت إلى استكمال الرسالة من جديد. أخاطبك فيها بصيغة المتكلّم الحاضر، مع علمي أنّك لن تكون معنا لتقرأ هذه السطور. أخاطبك وأنت الغائب – الحاضر، أو للدقّة أكثر، أخاطب ذاك الأحمد الجميل القابع داخلي والموجود في ذاكرتي وذاكرة أحبّة وأصدقاء كثر.
لقائي الأوّل بك يا أحمد، حصل افتراضياً من خلال أغنية “أناديكم”!
لقاء شابه مفارقات عديدة تشبه إلى حدّ كبير مفارقات لقائك الافتراضي بكاتب كلمات تلك الأغنية. وقتذاك كانت الحرب الأهلية اللبنانية تدور مشتعلة، وقد أحرقت أربعة أعوام من أعمار اللبنانيين وأرزاقهم وجعلتها هباء، وما زال أمامها متّسع من الوقت لتحرق الكثير بعد.
إلا أنّ للقصة بدايات قبل تلك الحرب المشؤومة. خيوطها الأولى انطلقت عندما نشر الشاعر توفيق زيّاد، كتابه المشهور “أشدّ على أياديكم” سنة 1966، أي قبل عام واحد من هزيمة العرب في حربهم مع إسرائيل. والشاعر زيّاد هو مواطن إسرائيلي من أصل فلسطيني، كان قد اكتسب الجنسية بعد النكبة الفلسطينية الأولى مع من اصطُلح على تسميتهم بعرب الـ 48…
عندما نشر الشاعر زيّاد في عام 1966 ديوانه الشعري الأوّل، كان في السابعة والثلاثين من عمره، في حين كنت يا أحمد قد أتممت عقدك الأوّل. إلا أنّ لقاءك المفترض بذلك الشاعر، وتلحين أغنية حماسية من كلماته حصل سنة 1975، وهو التاريخ الرسمي لانطلاق الحرب الأهلية اللبنانية. الأرجح أنك كنت في عمر المراهقة وقد غيّرت الحرب مساراتها بشكل حاسم، فصيّرتك على صورة الثوري الحالم بالتغيير. أمّا أنا في تلك السنة المشؤومة عينها، فكنت قد أتممت عقدي الأوّل. وفي سنوات لاحقة من مراهقتي استمعت إلى أغانيك الثورية وسحرتني أغنية “أناديكم” على وجه الخصوص. سحر تلك الأغنية لم يكن يشبه سحر فانوس علاء الدين، بل كان أقرب إلى تعويذة تمسّ المرء فتُحيله إلى عالم غامض محموم، سرمدي لا يتغيّر.
قد يجوز لي الافتراض أننا نحن الثلاثة (صاحب كلمات تلك الأغنية، وأنت ملحّنها ومغنّيها، وأنا المتلقّي الذي استمع إليها في البدء، وبعدها صار عازفاً يؤدّيها في فرقتك) انتمينا إلى ثلاثة أجيال متباعدة في الزمن، وتشاركنا أحلاماً، وأفكاراً، ورؤى، وفرحاً، ودموعاً، وهزائم، وإحباطات وحروباً لم تنتهِ حتى الآن.
أغنية “أناديكم” كانت سبباً كافياً لأحبّك غيابياً. من المرجّح أن يكون لحن المقدّمة الموسيقية لها قد جذبني في بداية الأمر، وقد أُسندت إلى آلة الفلوت، وهي الأحبّ إلى قلبي. وعندما علمت من صديق لي، أنك يساري الهوى والانتماء، ازداد حبّي لك، وتعلّقي بأغنياتك، فحفظتها عن ظهر قلب من دون أن أفهم معنى كلامها.
لم تكن كلمات أغانيك “الثورية” مستقرّة في ذهني على معنى محدّد وواضح. كانت تبدو لي كالطلاسم أو الرقيّة التي علّقتها جدّتي داخل كنزتي الصوفية لتحميني من صيْبة العين. وقتذاك سألت أخي الأكبر ماذا يعني “بوْس الأرض تحت النعال؟”، وكيف “يُحمل الدم على الأكف؟”، ومن هم هؤلاء الذين يناديهم أحمد قعبور؟ فأجابني: “هذا شعر ثوري فيه رموز وإشارات بلاغية، تحمل في طيّاتها تحفيزاً على الثورة، وهذا الشعر ينادي الثوّار والفدائيين الذين استشهدوا في سبيل القضيّة، ويشدّ على أياديهم، وبوْس الأرض تحت أقدامهم هو ترميز لإعلائهم والاقتداء بالشهادة مثلهم في سبيل قضيّة التحرّر والثورة وفلسطين السليبة”.
كان عمري وقتها ثلاثة عشر ربيعاً وقد هزّت أعماقي تلك الأغنية يا أحمد، فآمنت أنّ قدري هو الموت شهيداً في سبيل القضيّة، من دون أن أعي بدقّة ماهيّة هذه القضيّة. وهكذا تخيّلت نفسي أُزفّ شهيداً مضرّجاً بالدماء، محمولاً على أكفّ الرفاق في نعش ملفوف بالعلم الأحمر. حتى إني اخترت لنفسي صورة “الاستشهاد”، وفيها أحمل رشّاشي متأهّباً متجهّم الوجه، طويل الشعر واللحية، ألبس فيها البدلة العسكرية والقبّعة التي اشتهر بهما غيفارا. بهذه الصورة التراجيدية كنت أنوي أن أقتحم فردوس الشهادة لأكون مع الشهداء الأبطال الخالدين الذين سيذكرهم تاريخنا المجيد.
هذا التخيّل الطفولي ظلّ يلاحقني لسنوات خلت من مراهقتي، كلما استمعت إلى صوتك يصدح “أناديكم”!
لا أعرف ما إذا كان الشاعر توفيق زيّاد يدري أنّ كلمات شعره “أشدّ على أياديكم”، ستُلهب قلوب القرّاء من المراهقين والمراهقات، وتجعل مخيّلاتهم تنضح بفكرة الموت استشهاداً. في حين أن الشاعر نفسه كان ضنيناً بالبقاء على قيد الحياة، وأكثر ما يكرهه هو فكرة الموت حتى ولو كانت في سبيل قضيّة استرجاع أرضه المحتلّة. الشاعر والمناضل زيّاد، يا أحمد كان يحبّ الحياة إلى أقصى الحدود، وإلا لما اختار تحمّل البقاء في أرضه وقبوله بأن يصير مواطناً لدولة احتلّت أرضه وطردت شعبه. لقد كان خياره مع من بقوا من فلسطينيين هو الخيار الأصحّ، إنما الأصعب لما اختزنه من تناقضات حادّة لا يربطها إلا خيط واحد فقط، وهو خيط التمسّك بالحياة، والإصرار على البقاء في الأرض والدفاع عنها سلمياً مهما كان الثمن.
وانطلاقاً من خيط الحياة هذا وبعيداً عن فكرة الموت استشهاداً، كتب توفيق زيّاد شِعره الذي أخذ نسقاً ثورياً رومنطيقياً. وبهذا السياق أيضاً صار زعيماً نقابياً في مدينته الناصرة، فتصدّر التظاهرات السلمية في وجه الاحتلال مطالباً بالحقوق العمّالية للعرب واليهود على السواء، كما طالب بمساواة المرأة وحقوقها في المجتمع، ما مكّنه بعد سنوات من أن يصبح شخصيّة ثقافية واجتماعية بارزة، فيتمّ انتخابه رئيساً لبلدية الناصرة، وبعدها نائباً في الكنيست الإسرائيلي عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي “ركح”.
في عام 1929 وقبل أن نولد أنا وأنت يا أحمد، وُلد الشاعر والمناضل السياسي توفيق زيّاد في الناصرة على أرض فلسطين التاريخية وفيها مات، وقد عاش طفولته أثناء حكم الانتداب البريطاني، وتفتّح وعيه السياسي في السنوات الأولى من مراهقته. ورث عن والده الجرأة والشجاعة وأخذ عن والدته الدماثة وحبّ الشعر، وفي أجواء مشحونة بأفكار التحرّر والمساواة والنضال ضدّ سلطة الانتداب، شرع زيّاد الشابّ المراهق بكتابة الشعر للتعبير عن الغضب الكامن في ذاته، كان جريئاً شجاعاً في تصدّره للتظاهرات المطالبة باستعادة الأرض، كما كان خطيباً مُلهماً لأبناء جيله لا يهاب التعبير عن قيم الحقّ والعدالة في مواجهة الاحتلال، وفي سنوات مقبلة تعرّف إلى الأفكار اليسارية وتبنّى الأيديولوجية الماركسية لما فيها من دعوة إلى الأممية والسلام والمساواة بين الشعوب، ومحاربة العنصرية والفاشية، فانتسب المراهق اليافع إلى صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي “ماكي”، الذي أسّسه مهاجرون يهود أتوا من الاتّحاد السوفياتي، مع مجموعة من المثقّفين الفلسطينيين أمثال إميل حبيبي وتوفيق طوبي.
عندما حدثت النكبة العظيمة للشعب الفلسطيني سنة 1948، لم نكن قد وُلدنا بعد يا أحمد، في حين كان توفيق زيّاد الشاعر في الثامنة عشر من عمره، وقد حفر هذا الحدث عميقاً في وعيه ووجدانه، وشكّل محوراً لحياته وحياة كل الفلسطينيين الذين قرّروا الصمود والبقاء في أرضهم رافضين النزوح إلى بلدان الجوار.
المُستعمر الجديد أطلق عليهم تسمية عرب الـ 48، وخيّرهم بين أمرين أحلاهما مُرّ: إمّا أن يكونوا مواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية، ما يضمن سلامتهم في بيوتهم وأرضهم، وإما مصادرة كل ما يملكون وإجبارهم على الرحيل.
اختارت عائلة توفيق زيّاد التي كانت تسكن مدينة الناصرة لمئات السنين، البقاء والتمسّك بالأرض مهما كان الثمن، والثمن أتى باهظاً من كل جانب: تنكيل واضطهاد من جانب الاحتلال، واتّهامات بالخيانة والعمالة من فلسطينيي الشتات.

شهد العام 1966 حدثين مهمّين في حياة توفيق زيّاد: الأوّل زواجه؛ هو المنتمي إلى عائلة مسلمة، من السيّدة نائلة صبّاغ وهي من عائلة فلسطينية مسيحية، انتمى والداها إلى “عصبة التحرّر الوطني” ذات التوجّه اليساري. وحده الحبّ هو ما جمع بين توفيق ونائلة، ولا شيء آخر!
أما الحدث الثاني، فكان صدور كتابه الشعري الأوّل “أشدّ على أياديكم”، حينذاك كنت أنا طفلاً أتعلّم الوقوف والمشي، في حين كنت يا أحمد ذاك الصبيّ اليافع الذي كان يحلم بأن يكون لديه غيتار ليصير موسيقياً كوالده.
حلَّ العام 1967 مجلّلاً بسواد هزيمة العرب في حربهم ضدّ إسرائيل، فشكلّ هذا الحدث منعطفاً في الوعي السياسي لزيّاد الذي اعتبره هزيمة وليس نكسة. لقد خسر زيّاد وحزبه الرهان على دول الطوق العربية وأنظمتها العسكرية، واستخلص درسي الهزيمة الثانية: الأوّل يتعلّق بزيف الشعارات حول الوحدة القومية وتحرير فلسطين، والدرس الثاني يتعلّق بعدم جدوى النضال المسلّح لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته على أرضه التاريخية.
وبدلاً من اليأس، تعامل زيّاد مع الهزيمة بروح ملأى بالإصرار على استمرار البقاء في الأرض والصمود عبر النضال السلمي ضدّ الاحتلال، مطالباً بحقوق الشعب الفلسطيني، رافضاً سياسة التهجير القسري ومصادرة الأراضي. وظلّ إيمانه راسخاً بإمكانية تحقيق قرار الأمم المتّحدة رقم 181 الصادر في عام 1946 والقاضي بتقسيم فلسطين إلى ثلاث وحدات: دولة يهودية، دولة عربية، ومنطقة دولية للقدس وبيت لحم. استند زيّاد في هذا الإيمان إلى كونه مع حزبه “ركح” جزءاً من حركة تحرّر عربية وعالمية يقودها “الجبّار” الاتّحاد السوفييتي ومحور المعسكر الاشتراكي.
أتقدّم في الزمن إلى سنة 1975، في حدثين مهمّين: الأوّل كان داخل دولة إسرائيل عندما انتُخب توفيق زيّاد عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي رئيساً لبلدية مدينة الناصرة، كان قد أصبح في منتصف عمره، أباً لأربعة أولاد وقائداً حزبياً بارزاً، وقد كفّ عن كتابة الشعر ذي النبرة الرومنطيقية الثورية، وهجره إلى الأبد. أمّا الحدث الثاني فكان في لبنان، حيث اشتعلت نيران الحرب الأهلية اللبنانية معلنة بدء تفكّك الدولة فيه، وانقسام عاصمتها إلى شرقية وغربية.
لولا تلك الحرب المشؤومة كان من المحتمل يا أحمد ألّا تلتقي بشعر توفيق زيّاد، ولا أن ألتقي أنا أيضاً بك و بندائِك الشهير! ولكن هل كان فعلاً بالإمكان تفادي هذه الحرب؟ لا أعرف! هل هو القدر؟ لا أعتقد أنه يجب ترك القدر يتحكّم بالأوطان ومصائر الشعوب، ومع ذلك فربما هو نوع من القدر “السيزيفي”، تحكّم وما زال يتحكّم بمسار هذا اللبنان الجميل.
بيد أنّ نِصاب الاحتراب اللبناني كان قد بدأت شروطه بالتشكّل منذ اتّفاق القاهرة سنة 1969، الذي بموجبه شُرّع العمل المسلّح الفلسطيني ضدّ إسرائيل انطلاقاً من جنوب لبنان، ومذّاك ضُربت السيادة اللبنانية بعرض الحائط، وأمسى لبنان ساحة صراع، لا مساحة لبناء دولة. نصاب الحرب اكتمل على إيقاع أزمة اجتماعية – اقتصادية تكوّنت من رحم بنية نظام الحكم الطائفي اللبناني، وتداخلت مع مفاعيل الصراع العربي- الإسرائيلي، في محصّلتها كان أن انقسم أهل البلد على أساس طائفي وشرعوا بالاقتتال.
بالعودة إلى الحديث عن القدر يا أحمد، فقد يكون ثمّة نوع من القدر يلازمنا نحن الأفراد منذ النشأة الأولى، بحيث يصبح من الصعوبة بمكان الانفكاك عنه. هو قدر قد يحدّد أهواءنا الفكرية ومزاجنا، ومن الممكن أن يتحكّم بمسارات حياتنا… مثلاً، والدك البيروتي عازف الكمنجة الذي أورثك حبّين؛ حُبّ بيروت وحبّ الموسيقى. حبّان فتحا لك الباب على حبّ أمور كثيرة مثل حبّ المسرح وحبّ التغيير الثوري وفلسطين.
ليس المهم كيف وصل إليك كتاب الشاعر توفيق زيّاد، ولكن الأهم هو ماذا فعل بك، بأحمد المراهق، عشيّة الحرب الأهلية اللبنانية. لا أشكّ في أنّ قصائد “أشدّ على أياديكم” نزلت عليك كصاعقة قويّة، غيّرت مسار حياتك كلها، فامتشقت الغيتار وكتبت لحناً حماسياً على كلمات “أناديكم”…
وبذلك حوّلت سحر الشعر وغموضه إلى تميمة مغنّاة مجّدت الموت في سبيل الثورة. أفكار ذلك الزمن التي دعت إلى الثورة على الظلم والاستغلال، ونادت بعروبة لبنان وتطوّره الديمقراطي، تفاعلت معها يا أحمد فصيّرتك يسارياً ثورياً مناصراً لـ”منظّمة العمل الشيوعي”.
حين وصلتني أغنية “أناديكم”، كنت أنت قد تخطّيت مراهقتك وصرت ذلك المغنّي الملتزم والفنّان الصاعد في ميدان الأغنية “السياسية الملتزمة”.
في حين كنت أنا المراهق الذي تفتّح وعيه في كنف عائلة يسارية – علمانية، وفي وطن يتحارب أهله ويذبحون بعضهم بعضاً تبعاً للهويّة الطائفية. عائلتي أورثتني، أنا أيضاً، حبّين: الأوّل حبّ الشيوعية وكل ما يمتّ إليها بصِلة، والثاني حبّ الموسيقى والقراءة.
كنتُ في العاشرة من عمري عندما اندلعت شرارة الحرب في لبنان، كان جدّي لأبي حسين مروّة قد أضحى أحد مفكري “الحزب الشيوعي اللبناني”، بعد أن أزال عن رأسه عمامة المشيخة النجفية وحرّر وعيه من كل أفكارها الغيبية. كان للجدّ مكانة ثقافية مرموقة في أوساط المثقّفين اللبنانيين والعرب، جميع أبنائه وبناته مالوا إلى أفكار العلمانية والشيوعية على وجه الخصوص، فبدا أنّ قدري يرتسم من لدن أفكار تلك العائلة وأهوائها.
هكذا أصبحت شيوعياً، ولم أكن بعد قد تخطّيت الخامسة عشر من عمري، مواظباً على حضور حلقات التثقيف الحزبي ودورات السلاح والاستنفارات في المراكز الحزبية، فتحوّلت قراءاتي مع بداية الحرب من قصص أغاثا كريستي وإحسان عبد القدوس التي كنت مثابراً على قراءتها، إلى روايات السوري حنّا مينا وأدبيات الفلسفة الماركسية… وقتذاك أمتعتني روايات مينا وقصص الأدب السوفياتي، في حين كانت كتب الفلسفة أمراً يفوق إدراكي.
كانت أغنيتك يا أحمد “أناديكم” مع أغانٍ أخرى، قد شكّلت ملامح ذلك المراهق وسلوكه… أنا، الذي نبتت لحيته وخشن صوته وأصبح يعود من المركز الحزبي فجراً إلى بيت والديه. والدي، واسمه أحمد أيضاً، كان يعاتبني على إهمالي واجباتي المدرسية ويذكّرني بأنّ المستقبل ليس في مراكز الحزب، في حين كانت والدتي تصرخ في وجهي بغضب ممزوج بخوف: “لقد غسلوا دماغك يا ابني، ولن أدعهم يأخذونك إلى الموت”، وبسرعة تتّصل تلفونياً بجدّي أبو نزار لتعاتبه. لا أعرف ماذا كان يقول لها، إلا أني كنت أسمع بكاءها، فأُصاب بالحيرة والارتباك.
لقائي الثاني بك يا أحمد كان لقاء حقيقياً، وقد حدث عندما كنت وربيع أخي، نشارك ضمن الفرقة الموسيقية التابعة لـ”اتّحاد الشباب الديمقراطي” في مهرجان الأغنية السياسية. في ذلك المخيّم الثقافي المُقام على تلال إحدى قرى الشوف في جبل لبنان، التقيتك وجاهياً، فكان وجهك الودود المبتسم وصوتك الدافئ بجرسه الغامض، سببين إضافيين لإرساء المودّة والحبّ لك في نفسي.
لم تعاملني كمبتدئ صغير في الموسيقى، بل حفّزتني على إتقان دراسة الموسيقى بشكل جدّي. ربما كان اللقاء بك والحديث العابر بيننا حينذاك هو ما نجّاني من الموت، لكنّ المؤكّد أن صورتي الاستشهادية المتخيّلة قد امّحت من عقلي إلى الأبد مذّاك اللقاء، وحلّت محلّها صورة العازف الموسيقي الذي يناضل من أجل “الثورة” وإنضاج ظروف التغيير في المجتمع من خلال الفنّ والثقافة.

كان قطاع الثقافة في “الحزب الشيوعي اللبناني” يرعى ويدعم جميع الفرق الفنّية التي تدور في فلك منظّماته الحزبية ويُنظّم الحفلات الغنائية، والمخيّمات التثقيفية حول دور الأغنية السياسية الملتزمة في تثوير الوعي وإنضاج التغيير الثوري. انخرطت في القطاع الثقافي للحزب، وبدأت أدرس الموسيقى بشكل جدّي، مع الحفاظ على لحيتي الطويلة التي كانت تعبيراً ثورياً لا بدّ منه. كما أني عدت إلى قراءة كتب الفلسفة ذات الأغلفة الحمراء، أردّد جملها الشهيرة على مسامع الناس، لأتمثّل بالوصف اللينيني لحالنا نحن “الطليعة المثقّفة المالكة الحصرية للحقيقة العلمية التي بها سينشر الوعي بين الجماهير”!
كان الزمن يمضي بنا قُدماً يا أحمد، والحرب تكشف لنا أكثر عن بشاعتها وقسوتها وعبثيّتها، مع كل دمار وموت ونزوح. بكينا وحزنّا عند موت رفيق لنا في معركة أو صديق اصطاده قنّاص مصادفةً. حيطان المدينة امتلأت بصورهم، لم يكن مستغرباً على الإطلاق أن يجمع حائط واحد في الصباح صور “الشهداء” من تنظيمات مختلفة اقتتلت في المساء.
كنّا وقتها، وليس وحدنا، نسمّي موت الرفاق “استشهاداً”، تارة في سبيل فلسطين وطوراً في سبيل عروبة لبنان وتطوّره الديمقراطي…
إقرأوا أيضاً:
كنّا نكتب الأشعار والألحان ومن ثم نغنّيها تمجيداً للشهداء، وبعدها نُدبّج المقالات الطويلة عن بطولاتهم، وعن ذلك الدم المسال منهم الذي سيُزهر في الأرض أقحواناً ويصبغ أشجار السنديان بالأحمر. في الحرب صرنا نردّد أغنياتك يا أحمد وأغنيات غيرك من مشاهير الأغنية السياسية الملتزمة، كأنها مزامير وآيات من كتب إلهية مُنزّلة تنطق بالحقيقة، وتُبشّر بعالم حرّ وسعيد تسوده العدالة الاجتماعية والسلم الدائم بين الشعوب.
في أواخر السبعينيات لم أكن أنا قد عرفت بعد ماهيّة الهزيمة، في حين كنت أنت قد عايشت حدوثها واعياً، ومع ذلك لا أدري إن كان تأثيرها قويّاً على خياراتك وقناعاتك. حفنة قليلة من مفكّري اليسار اللبناني كانت ترى عدم صوابية الدخول في الحرب ضدّ “اليمين” اللبناني المستأثر بالسلطة، ولكنّ دخول الجيش السوري 1976 إلى لبنان وما نتج عنه من تداعيات ضخمة، أدّى إلى أوّل هزيمة لمشروع اليسار في لبنان.
ثلاثة أحداث توالت في سنة 1979 حدّدت ملامح الصراعات والحروب في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها: أوّلاً: معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل. ثانياً: قيام جمهورية إسلامية شيعية في إيران. ثالثاً: هزيمة الجيش السوڤياتي في أفغانستان. كل تلك الأحداث وإرهاصاتها الجسام مهّدت لحدث احتلال إسرائيل لبيروت وطرد المسلّحين الفلسطينيين من لبنان.
ومع هذا الحدث عرفت للمرّة الأولى معنى الهزيمة، ولا أشكّ في أنك يا أحمد قد شعرت بها أيضاً، إلا أنّ طرح الأسئلة الصعبة التي من شأنها تفسير النتائج غير المرجوّة بعد الإقرار بالهزيمة لم يحصل معنا ومع كلّ التيّار اليساري اللبناني، والسبب قد يعود إلى طوباوية الأيديولوجيا الشيوعية، ودوغمائية المقولات التي تطرحها النظرية الماركسية “العلمية” التي كانت تضغط على الوعي الفردي والجماعي وتمنعه من التحرّر.
ومن أبرز هذه المقولات كانت الحتمية التاريخية لانتصار الاشتراكية على الرأسمالية، وبعدها يتمّ الانتقال إلى النظام الشيوعي في العالم.
على ضفاف هذه المقولات نبتت كلمات وشعارات ومفاهيم وأشعار وأغانٍ ثورية وعلاقات عائلية وصداقات، تشابكت فصنعت سياجاً عالياً كان من الصعب علينا تخطّيه.
شكّل نشوء “جبهة المقاومة اللبنانية/ جمّول” ضدّ الاحتلال الإسرائيلي لمدينة بيروت ولبنان في عام 1982 وتوسّع عمليّاتها العسكرية في عام 1983 رافعة قويّة لليسار اللبناني. ذلك العام اتّصلت بي يا أحمد وطلبت مني المشاركة عازفاً على الفلوت في فرقتك، كان هذا من شأنه أن طرد من روحي شعور الهزيمة السقيم، فعُدت متفائلاً باستعادة مسيرتي النضالية.
انعقدت لقاءات التمارين معك في الفرقة، فكانت لي حدثاً ممتعاً وجميلاً لم أكن أتصوّر حدوثه. كنت أعزف معك كل تلك الأغاني الثورية التي حفظتها، إنما ظلّت “أناديكم” الأغنية الأحبّ إلى قلبي، وهذه المرّة لم يكن لكلام الأغنية من تأثير في نفسي كما في السابق، بل انحصر التأثير بتلك المقدّمة الموسيقية التي تسبق الأغنية، إذ كانت تُشبه الارتجال الموسيقي، ممّا منحني تخيّلاً جديداً عمّا أريد أن أكونه في المستقبل.
في الفرقة وأثناء التمارين تعرّفت أنا إلى حبّك الأوّل، إيمان الفتاة التي كانت قد صارت زوجتك وأمّ أولادك، في حين تعرّفت أنت إلى فتاة حبّي الأوّل التي لم أتزوّجها لأنه كان حبّاً أفلاطونياً مفرطاً في رومنطيقيته.
كان كل شيء في هذه الفترة ممزوجاً بتلك النفحة الرومنطيقية، الحبّ والشعر، والموسيقى، والأيديولوجيا، حتى الحرب والهزيمة كنّا قادرين على تغليفها بستار واقٍ من الرومنطيقية لإبعاد قسوتها عن نفوسنا، أو بالأحرى لإبعاد العقل عن التفكير والسؤال. هكذا انطلقنا بين العامين 1983 و1985 نغنّي مع فرقتك يا أحمد على المسارح المُقامة على عجل في قرى الجبل والشحّار الغربي، التي تحرّرت عبر مجازر ارتُكبت من قِبل الدروز بحقّ المسيحيين، بعد أن كان المسيحيون قبل ذلك بقليل قد ارتكبوا مجازر بحقّ الدروز، في حين كنّا نحن نغنّي لبزوغ فجر جديد لم يأتِ ولن يأتي!
صحيح يا أحمد أن غناءنا وقتها كان صادقاً، إلا أنّه ومن دون أدنى شكّ كان منقطعاً تماماً عن الواقع ومجرياته. ففي الوقت الذي صار الشعر الثوري الرومنطيقي وكل الأغاني التي تحدّرت منه، السند الثقافي- الفنّي لسردية اليسار والأحزاب الشيوعية في العالم العربي، إلا أنه تحوّل مع الوقت إلى ما يُشبه الأسطورة المؤسّسة لثقافة قادها اليسار اللبناني كبديل عن الأسطورة الثقافية للسلطة المؤسِّسة في لبنان.
منعتنا شدّة إيماننا المطلق بتلك الأسطورة من توجيه النقد والأسئلة بعد كل هزيمة. كنّا قد تجمّدنا في الزمن يا أحمد، في حين أنّ الحرب التي تشظّت إلى حروب أصبحت تعيش أطواراً متقدّمة من العبثية والتعقيد، وقد تجاوزت الحروب سرديات اليسار مُنتجة قوى جديدة بدأت تبطش يساراً ويميناً، وأوّل من اغتالت كانوا آباء الثورة والتحرّر في لبنان، أي قادة ومفكّرين من اليسار. سُمّيت هذه القوى في بادئ الأمر بالقوى الظلامية والرجعية الدينية، لكن وبعد وقت قصير عُرفوا بطلائع “الحرس الثوري” الذين أتوا من إيران الإسلامية لتأسيس حزب اسمه “حزب الله”.
وبعد أن استتب الوضع لهم سطوا على شيء، سرقوا “جمّول” المقاومة الوطنية الجامعة وجعلوها مقاومة إسلامية شيعية، خطفوا “الحزب الشيوعي” بكامله وجعلوه مصاباً بمتلازمة ستوكهولم، سرقوا كل أمل بقيام لبنان بلد حرّ مستقلّ بعد أن ربطوا قراره بالوليّ الفقيه الإيراني، سلبوا الحرّية من الناس حتى إنهم سرقوا كل الأغاني الثورية وجعلوها تنطق بقضيّتهم.
شتاء العام 1987 وبعد اغتيالهم جدّي حسين مروّة، التقينا يا أحمد فبادرت إلى تعزيتي. أذكر جيّداً سؤالي لك حينها: من هم الثوّار الذين سوف تناديهم بعد الآن في أغنيتك يا أحمد؟ كانت إجابتك لي مختصرة وحزينة في آن: هذه الأغنية “أناديكم” ورطة حقيقية!!!
لقد كانت حياتنا يا أحمد وكل ما وصلنا إليه في أواخر الثمانينيات ورطة كبيرة، لا بل سلسلة من الهزائم تضاف إلى سجلّ هزائم الشاعر توفيق زيّاد. أمّا هزيمتنا فكان درسها الأوّل لي، هو الإقرار بعقم الشعر الثوري الرومنطيقي وألحانه الثورية، أو ما اصطُلح على تسميته من قِبل اليسار اللبناني الأغنية السياسية الملتزمة.
تلك الهزيمة جعلتني أعلن قطيعة تامّة بيني وبين تلك الأغنيات “الثورية”، ومعها انقطعت لقاءاتي معك يا أحمد من دون أن ينقطع حبل المودّة والحبّ لك.
خريف العام 1987 سافرت إلى الاتّحاد السوڤياتي لمتابعة دراستي الموسيقية. هناك، في تلك البلاد التي حلمنا بها وبشّرنا صادقين بعدالتها الاجتماعية، كانت بانتظاري أيضاً هزيمة أخرى. ففي العام 1991 تفكّك الاتّحاد السوفياتي واختفى إلى الأبد مع منظومته الاشتراكية، كان هذا الحدث هزيمة مدوّية لكل اليسار والأحزاب الشيوعية في العالم.
بعد سنة من وصولي إلى تلك البلاد، اكتشفت مع الكثيرين أنّ كل شيء في بلاد “الجنّة السوڤياتية” لم يكن مطابقاً لما قرأناه وعرفناه قبل الوصول إليها وما اختبرناه وتأكّدنا منه بعد ذلك، وخلاصته أن الاشتراكية السوفياتية كانت وهماً خالصاً.
درسي الأوّل لتلك الهزيمة كان إعلاني القطيعة التامّة مع فكرة انتمائي لأي حزب عقائدي. من الجائز يا أحمد أن تكون قد فعلت الشيء ذاته. أمّا توفيق زيّاد الذي كان مُحبطاً أيضاً، فاستمر مؤمناً بصحّة نظرية الفكر الشيوعي، معتقداً أنّ الاتّحاد الروسي الجديد ما زال جبّاراً وسيقوم مقام سلفه السوڤياتي بدعم القضيّة الفلسطينية. فاختلفت آراؤه مع رفيق دربه إميل حبيبي أحد مؤسّسي حزبه “ركح”، الذي بدوره خرج من الحزب وصار ميالاً إلى الفكر الليبرالي .
في عام 1993 استعاد توفيق زيّاد الأمل بتحقيق الدولة الفلسطينية على أثر توقيع اتّفاقية أوسلو بين “منظّمة التحرير” وإسرائيل. عارضت الحركات الإسلامية الأصولية في داخل الضفّة وخارجها تلك الاتّفاقية، فدخل توفيق زيّاد بكل رصيده السياسي والشعبي في اشتباك سياسي معها.
كان فرَح توفيق زيّاد كبيراً بعودة ياسر عرفات في عام 1994 إلى أرضه في فلسطين بموجب اتّفاقية أوسلو. ذهب إليه بسيّارته من الناصرة إلى رام الله، فكان لقاء تاريخياً بين زعيمين، أحدهما بقي في أرضه مناضلاً ليستعيدها، والآخر نزح إلى خارجها ليُشكّل منظّمة مسلحة ليحرّرها، ولكنّهما معاً حلما بتلك اللحظة ستّة وأربعين عاماً منذ النكبة الأولى.
كان هذا اللقاء هو الأخير لتوفيق زيّاد، ففي طريق عودته إلى الناصرة تعرّض لحادث سير ومات. التحقيق الجنائي اعتبر الحادث غير مدبّر، إلا أنّ أصابع الشكّ ظلّت تشير إلى ضلوع الإسلاميين المتطرّفين في تدبيره. أمّا عمليّة اغتيال اسحق رابين بعد نحو سنة، فكانت دون أدنى شكّ من توقيع اليمين اليهودي المتطرّف وتنفيذه.
بموت توفيق زيّاد انتهى حلمه بإقامة الدولة الفلسطينية على جزء من أرض فلسطين التاريخية، ولم يبقَ منه إلا بضعة أشعار منسيّة، وصور من بينها الصورة التي جمعته مع ياسر عرفات، التي كُتب عليها “خلّو بالكو ع حالكن”! وبقي أيضاً كتاب وحيد عنوانه “المُتفائل: سيرة اجتماعية لتوفيق زيّاد”ـ منشورات جامعة ستانفورد في سنة 2020، من تأليف تامر سوريك وهو باحث إسرائيلي من أصل يهودي.
أمام هذا الانهيار تقدّمت كل الأصوليات الدينية في بلادنا لتملأ الفراغ الناجم عنه. الحركات والأحزاب الإسلامية الأصولية بفرعيها السُنّي والشيعي، استولت على كل القضايا التي حمل لواءها اليسار، ومعها كل أساطيره المؤسّسة في الفنّ والثقافة. أصلاً لم تكن هذه الأصوليات قادرة على إنتاج أي نوع من أنواع الثقافة الفنّ، فهي بالمبدأ تملك موقفاً معادياً منه، لكن باستيلائها على ما أنتجه اليسار في الأغنية “الثورية” قصدت استخدام الجانب التعبوي في فكرة “الموت استشهاداً من أجل قضيّة عادلة”، إنما منزوعة من رموزها الشعرية الرومنطيقية، والاستعاضة عنها برموز دينية محصورة بفوز الشهيد برتبة مقدّسة تخوّله دخول الجنّة من أوسع أبوابها.
وقد نجحوا بالفعل في تدوير كل تلك الأغاني “الثورية” من مستوى الأسطورة اليسارية إلى مستوى الخرافة الدينية، وفي تمجيد الموت من أجل الفوز بالجنّة، وليس من أجل عدالة القضيّة نفسها. فعدالة قضيّة ما مهما كانت ولأي شعب انتمت، لا تأخذ شرعيتها عندهم إلا من السماء، والله هو احتكار لهم وهم حركته الوحيدة أو حزبه الأوحد. إنها خرافة الشهيد السعيد من أجل الولوج إلى الجنّة وليس من أجل الحياة. هذا هو يا أحمد ما أصبح عليه مصير أغنية “أناديكم” وكل الأغاني الموصوفة بـ”الثورية” التي لا أحبّ: أهازيج الانتصارات الخرافية المتّصلة حُكماً بالوعود الصادقة والموت السعيد.
في عام 1994 أنهيت دراستي الموسيقية وعدت إلى لبنان، حيث كانت الحرب قد توقّفت، كنت ألتقي بك يا أحمد مصادفة في شوارع بيروت أو في مقاهي شارع الحمرا، لم نكن نتحدّث عن الماضي، ليقيني بأننا قد تركناه وراءنا بحلوه ومُرّه. كنت تتابع أخباري الموسيقية بواسطة أخي ربيع، وبدوري أنا أيضاً كنت أتابع أغنياتك الجديدة عن بيروت وحرش العيد وأغاني الأطفال. أحببت اتّجاهك الفنّي الجديد في تلفزيون المستقبل، إذ بقي صوتك على ما كان يجذبني إليه، واستمرّت ألحانك مزدانة بسحر البساطة وقوّة ارتباطها بالموروث الشعبي الذي أسّسه مغنّي بيروت الأوّل عمر الزعنّي.
وفي عودة سريعة إلى لقائي الأخير بك، واقفاً مغنّياً مع الأوركسترا الوطنية، وقد بدا عليك الإعياء من شدّة المرض. عندما لمحت ذاك الصبي الواقف مع كورس “دار الأيتام الإسلامية” يغنّي بحماسة منقطعة النظير “أناديكم… وقفت بوجه ظلّامي يتيماً عارياً حافي…”، خطر ببالي سؤالان محيّران: هل وقع الصبيّ في سحر تلك الأغنية كما وقعت أنا وغيري؟ وهل سينجو مثلي من حروب لا شكّ في أنها مقبلة؟
إقرأوا أيضاً:














