ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

رصد رقمي لحملات التخوين المتبادل بين اللبنانيين 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يتناول هذا التحقيق الذي أعده “مجتمع التحقق العربي” كيف تحوّلت المنصات الرقمية، في لحظة الحرب والتصعيد، إلى ساحة موازية للمعركة العسكرية، لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تعيد تشكيل معناها وتوزيع المسؤوليات داخلها. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ينطلق النص من الضربات الإسرائيلية الواسعة على لبنان في 8 نيسان/ أبريل 2026، والتي أوقعت نحو 350 قتيلاً في قصف شمل بيروت والضاحية والجنوب. لم يكن النقاش العام محصوراً في حجم القصف أو آثاره، بل في السؤال الأعمق: كيف يجب فهم ما حدث؟ هل هو مجرد عدوان إسرائيلي جديد على لبنان؟ أم فصل من حرب إقليمية أوسع  في إيران؟ أم نتيجة مباشرة لدور حزب الله وسلاحه وموقعه في الصراع؟

يركّز التحقيق على وسمين برزا في تلك اللحظة هما: “مع إيران وشعبها” و”الظلام الأبدي” . للوهلة الأولى، قد يبدوان وسمين متقابلين يعكسان انقساماً سياسياً مباشراً. لكن القراءة الرقمية تكشف صورة أكثر تعقيداً. فالوسمان لا ينتميان إلى البنية نفسها، ولا يتحركان بالطريقة ذاتها. الأول ظهر كأداة تعبئة وتضامن سياسي مع إيران في سياق الحرب الأوسع، بينما تشكّل الثاني بدايةً كوعاء خبري مرتبط باسم العملية العسكرية، قبل أن يتحول سريعاً إلى مساحة لتفسير الحدث وتسييسه وإعادة توجيه اللوم داخلياً.

في حالة وسم  “مع إيران وشعبها”، تشير البيانات إلى نمط أقرب إلى التعبئة الرقمية المنضبطة، فمن أصل 567 إشارة في العينة، جاءت 469 على منصة إكس وحدها، ما يعني أن الوسم كان متركزاً بوضوح في فضاء واحد. كذلك ظهرت 345 إشارة في يوم واحد فقط، هو 7 نيسان/ أبريل، أي ما يعادل نحو 60.8 في المئة من كامل العينة، مع ذروة بلغت 112 إشارة خلال ساعة واحدة. هذا التركّز الزمني لا يكفي بمفرده لإثبات التنسيق، لكنه يصبح لافتاً حين يتقاطع مع مؤشرات أخرى مثل، تمركز النشر لدى عدد محدود نسبياً من الحسابات، ارتفاع نسبة المنشورات الخفيفة أو شبه الفارغة من المحتوى، وتكرار حزم جاهزة من الوسوم.

عملياً، لم تكن مؤشرات الدفع الرقمي تظهر فقط في كثافة استخدام الوسم، بل في شكل المنشورات نفسها. فقد بدا جزء من النشاط أقرب إلى رفع وسم منه إلى نقاش سياسي فعلي بحيث كانت منشورات قصيرة جداً، أو شبه فارغة، لا تضيف سوى الهاشتاغ أو مجموعة وسوم متتالية. هذا النمط لا يهدف بالضرورة إلى الإقناع أو بناء سردية سياسية متماسكة، بل إلى زيادة الحضور الكمي للوسم ودفعه داخل خوارزميات المنصة.

المثال الأوضح كان في تكرار الحزم النصية، فقرابة 41 في المئة من منشورات إكس في هذا الوسم وقعت داخل مجموعات نصية مكررة، وبعضها استخدم سلاسل طويلة وشبه متطابقة من الوسوم السياسية والدينية والعربية والفارسية والإنكليزية. أحد هذه العناقيد تكرر 48 مرة عبر 32 حساباً، وظهرت منه 15 منشوراً خلال أول 15 دقيقة فقط من بداية ظهوره. هذا النوع من التزامن والتكرار لا يثبت وحده وجود ما يشبه غرفة عمليات أو شبكة منسقة مكتملة، لكنه يوضح كيف يعمل الدفع شبه المنسق: ليس عبر إنتاج روايات كثيرة ومتنوعة، بل عبر تكرار الرسالة نفسها بسرعة ومن حسابات متعددة، كي تبدو أكبر وأكثر حضوراً مما هي عليه عضوياً.

مع ذلك، لا يقول هذا التحقيق إن وسم  “مع إيران وشعبها”  كان كله مصطنعاً، أو إن كل المشاركين فيه جزء من نشاط موجّه. الأدق أن مساحة التفاعل جمعت بين تعاطف سياسي حقيقي وبين طبقة تعبئة أكثر انضباطاً من أن تبدو عفوية بالكامل. وهذا ما يجعل الوسم، في هذه العينة على الأقل، أقرب إلى نموذج تتداخل فيه السردية الأيديولوجية مع مؤشرات سلوك غير أصيل أو شبه منسق، من دون أن يتحول ذلك إلى حكم نهائي على كل من شارك فيه.

أما  وسم “الظلام الأبدي” فتبدو صورته مختلفة بوضوح. العينة هنا أكبر، إذ بلغت 1339 إشارة، لكنها موزعة على منصات متعددة: مواقع إلكترونية، فيسبوك، إكس، وأخبار. هذا التوزيع يوحي بأن الوسم لم ينشأ أساساً كحملة هاشتاغية مغلقة، بل كجزء من دورة خبرية أوسع التقطت صدمة الحدث العسكري. ففي يوم 8 نيسان/ أبريل وحده ظهرت 621 إشارة، مع ذروة بلغت 170 إشارة في ساعة واحدة. وعلى إكس تحديداً، كانت علامات التمركز والتكرار أضعف بكثير من الوسم الأول: 335 منشوراً توزعت على 278 حساباً، وأعلى عشرة حسابات لم تنتج سوى 12.5 في المئة من المنشورات، بينما جاءت غالبية التغريدات من حسابات نشرت مرة واحدة فقط.

لكن كون الوسم أوسع وأقل تمركزاً لا يعني أنه بقي محايداً أو خبرياً بالكامل. هنا تكمن إحدى النتائج الأساسية للتحقيق، فوسم “الظلام الأبدي” بدأ كعنوان لحدث، لكنه سرعان ما صار وعاءً لتنافس سرديات متضاربة. بعض المنشورات أبقت التركيز على القصف والضحايا والعدوان الإسرائيلي على لبنان، بينما دفعت منشورات أخرى باتجاه ربط ما حدث بحزب الله، لا كعنصر من عناصر السياق فحسب، بل كمسؤول مباشر أو سبب أساسي لما أصاب لبنان.

هنا اشتغلت آلية مختلفة عن الحشد الهاشتاغي المباشر. لم يكن الأمر، كما في الوسم الأول، مجرد تكرار وسوم أو حزم جاهزة لرفع الظهور، بل استثمار وسم خبري ارتبط بحدث عسكري كبير لإعادة توجيه النقاش. أخذت بعض المنشورات عنوان العملية العسكرية، ثم استخدمته لتحويل السؤال من العدوان الإسرائيلي والضحايا إلى سؤال داخلي: من يتحمل المسؤولية؟ وداخل هذا المسار، ظهرت تعبيرات من قبيل “حزب الله الإرهابي” و”حزب الشيطان” و”الحزب يستجلب الظلام الأبدي”، بما يحوّل الوسم من مساحة خبرية إلى ساحة شحن ولوم سياسي وأخلاقي.

تقول المقارنة، في خلاصتها، إننا لسنا أمام وسم “حقيقي” وآخر “مفبرك”، ولا أمام حملتين منسقتين بالمعنى نفسه. ما تكشفه البيانات أدق من ذلك: في الوسم الأول، ثمة تعبئة هاشتاغية واضحة تتداخل فيها القناعة السياسية مع مؤشرات دفع وتكرار وانضباط. وفي الوسم الثاني، ثمة حدث خبري صادم تحوّل إلى مساحة مفتوحة لإعادة تأطير المسؤولية، حيث امتزج التفاعل العضوي مع خطاب حزبي أو إعلامي يعيد تدوير الاتهامات ويحوّل السؤال من العدوان الإسرائيلي إلى سؤال اللوم الداخلي.

النتيجة الأوسع أن المنصات لم تكن مرآة للحرب فحسب، بل كانت جزءاً من الحرب على معناها. عبر التكرار، والتأطير، والتخوين، وإعادة تدوير الرسائل، حصل التنافس على تحديد من هو الضحية، ومن هو المسؤول، ومن يستحق التعاطف أو الإدانة. لذلك لا تكمن أهمية التحقيق في إثبات وجود “حملة منسقة” مكتملة البنية، بل في إظهار المنطقة الرمادية بين التفاعل العضوي والتوجيه السياسي؛ تلك المنطقة التي تُصنع فيها سرديات الحرب وتُعاد هندسة الوعي العام في لحظات الخوف والصدمة.

للإطلاع على التحقيق كاملا زوروا موقع “مجتمع التحقق العربي”

27.04.2026
زمن القراءة: 5 minutes

يتناول هذا التحقيق الذي أعده “مجتمع التحقق العربي” كيف تحوّلت المنصات الرقمية، في لحظة الحرب والتصعيد، إلى ساحة موازية للمعركة العسكرية، لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تعيد تشكيل معناها وتوزيع المسؤوليات داخلها. 

ينطلق النص من الضربات الإسرائيلية الواسعة على لبنان في 8 نيسان/ أبريل 2026، والتي أوقعت نحو 350 قتيلاً في قصف شمل بيروت والضاحية والجنوب. لم يكن النقاش العام محصوراً في حجم القصف أو آثاره، بل في السؤال الأعمق: كيف يجب فهم ما حدث؟ هل هو مجرد عدوان إسرائيلي جديد على لبنان؟ أم فصل من حرب إقليمية أوسع  في إيران؟ أم نتيجة مباشرة لدور حزب الله وسلاحه وموقعه في الصراع؟

يركّز التحقيق على وسمين برزا في تلك اللحظة هما: “مع إيران وشعبها” و”الظلام الأبدي” . للوهلة الأولى، قد يبدوان وسمين متقابلين يعكسان انقساماً سياسياً مباشراً. لكن القراءة الرقمية تكشف صورة أكثر تعقيداً. فالوسمان لا ينتميان إلى البنية نفسها، ولا يتحركان بالطريقة ذاتها. الأول ظهر كأداة تعبئة وتضامن سياسي مع إيران في سياق الحرب الأوسع، بينما تشكّل الثاني بدايةً كوعاء خبري مرتبط باسم العملية العسكرية، قبل أن يتحول سريعاً إلى مساحة لتفسير الحدث وتسييسه وإعادة توجيه اللوم داخلياً.

في حالة وسم  “مع إيران وشعبها”، تشير البيانات إلى نمط أقرب إلى التعبئة الرقمية المنضبطة، فمن أصل 567 إشارة في العينة، جاءت 469 على منصة إكس وحدها، ما يعني أن الوسم كان متركزاً بوضوح في فضاء واحد. كذلك ظهرت 345 إشارة في يوم واحد فقط، هو 7 نيسان/ أبريل، أي ما يعادل نحو 60.8 في المئة من كامل العينة، مع ذروة بلغت 112 إشارة خلال ساعة واحدة. هذا التركّز الزمني لا يكفي بمفرده لإثبات التنسيق، لكنه يصبح لافتاً حين يتقاطع مع مؤشرات أخرى مثل، تمركز النشر لدى عدد محدود نسبياً من الحسابات، ارتفاع نسبة المنشورات الخفيفة أو شبه الفارغة من المحتوى، وتكرار حزم جاهزة من الوسوم.

عملياً، لم تكن مؤشرات الدفع الرقمي تظهر فقط في كثافة استخدام الوسم، بل في شكل المنشورات نفسها. فقد بدا جزء من النشاط أقرب إلى رفع وسم منه إلى نقاش سياسي فعلي بحيث كانت منشورات قصيرة جداً، أو شبه فارغة، لا تضيف سوى الهاشتاغ أو مجموعة وسوم متتالية. هذا النمط لا يهدف بالضرورة إلى الإقناع أو بناء سردية سياسية متماسكة، بل إلى زيادة الحضور الكمي للوسم ودفعه داخل خوارزميات المنصة.

المثال الأوضح كان في تكرار الحزم النصية، فقرابة 41 في المئة من منشورات إكس في هذا الوسم وقعت داخل مجموعات نصية مكررة، وبعضها استخدم سلاسل طويلة وشبه متطابقة من الوسوم السياسية والدينية والعربية والفارسية والإنكليزية. أحد هذه العناقيد تكرر 48 مرة عبر 32 حساباً، وظهرت منه 15 منشوراً خلال أول 15 دقيقة فقط من بداية ظهوره. هذا النوع من التزامن والتكرار لا يثبت وحده وجود ما يشبه غرفة عمليات أو شبكة منسقة مكتملة، لكنه يوضح كيف يعمل الدفع شبه المنسق: ليس عبر إنتاج روايات كثيرة ومتنوعة، بل عبر تكرار الرسالة نفسها بسرعة ومن حسابات متعددة، كي تبدو أكبر وأكثر حضوراً مما هي عليه عضوياً.

مع ذلك، لا يقول هذا التحقيق إن وسم  “مع إيران وشعبها”  كان كله مصطنعاً، أو إن كل المشاركين فيه جزء من نشاط موجّه. الأدق أن مساحة التفاعل جمعت بين تعاطف سياسي حقيقي وبين طبقة تعبئة أكثر انضباطاً من أن تبدو عفوية بالكامل. وهذا ما يجعل الوسم، في هذه العينة على الأقل، أقرب إلى نموذج تتداخل فيه السردية الأيديولوجية مع مؤشرات سلوك غير أصيل أو شبه منسق، من دون أن يتحول ذلك إلى حكم نهائي على كل من شارك فيه.

أما  وسم “الظلام الأبدي” فتبدو صورته مختلفة بوضوح. العينة هنا أكبر، إذ بلغت 1339 إشارة، لكنها موزعة على منصات متعددة: مواقع إلكترونية، فيسبوك، إكس، وأخبار. هذا التوزيع يوحي بأن الوسم لم ينشأ أساساً كحملة هاشتاغية مغلقة، بل كجزء من دورة خبرية أوسع التقطت صدمة الحدث العسكري. ففي يوم 8 نيسان/ أبريل وحده ظهرت 621 إشارة، مع ذروة بلغت 170 إشارة في ساعة واحدة. وعلى إكس تحديداً، كانت علامات التمركز والتكرار أضعف بكثير من الوسم الأول: 335 منشوراً توزعت على 278 حساباً، وأعلى عشرة حسابات لم تنتج سوى 12.5 في المئة من المنشورات، بينما جاءت غالبية التغريدات من حسابات نشرت مرة واحدة فقط.

لكن كون الوسم أوسع وأقل تمركزاً لا يعني أنه بقي محايداً أو خبرياً بالكامل. هنا تكمن إحدى النتائج الأساسية للتحقيق، فوسم “الظلام الأبدي” بدأ كعنوان لحدث، لكنه سرعان ما صار وعاءً لتنافس سرديات متضاربة. بعض المنشورات أبقت التركيز على القصف والضحايا والعدوان الإسرائيلي على لبنان، بينما دفعت منشورات أخرى باتجاه ربط ما حدث بحزب الله، لا كعنصر من عناصر السياق فحسب، بل كمسؤول مباشر أو سبب أساسي لما أصاب لبنان.

هنا اشتغلت آلية مختلفة عن الحشد الهاشتاغي المباشر. لم يكن الأمر، كما في الوسم الأول، مجرد تكرار وسوم أو حزم جاهزة لرفع الظهور، بل استثمار وسم خبري ارتبط بحدث عسكري كبير لإعادة توجيه النقاش. أخذت بعض المنشورات عنوان العملية العسكرية، ثم استخدمته لتحويل السؤال من العدوان الإسرائيلي والضحايا إلى سؤال داخلي: من يتحمل المسؤولية؟ وداخل هذا المسار، ظهرت تعبيرات من قبيل “حزب الله الإرهابي” و”حزب الشيطان” و”الحزب يستجلب الظلام الأبدي”، بما يحوّل الوسم من مساحة خبرية إلى ساحة شحن ولوم سياسي وأخلاقي.

تقول المقارنة، في خلاصتها، إننا لسنا أمام وسم “حقيقي” وآخر “مفبرك”، ولا أمام حملتين منسقتين بالمعنى نفسه. ما تكشفه البيانات أدق من ذلك: في الوسم الأول، ثمة تعبئة هاشتاغية واضحة تتداخل فيها القناعة السياسية مع مؤشرات دفع وتكرار وانضباط. وفي الوسم الثاني، ثمة حدث خبري صادم تحوّل إلى مساحة مفتوحة لإعادة تأطير المسؤولية، حيث امتزج التفاعل العضوي مع خطاب حزبي أو إعلامي يعيد تدوير الاتهامات ويحوّل السؤال من العدوان الإسرائيلي إلى سؤال اللوم الداخلي.

النتيجة الأوسع أن المنصات لم تكن مرآة للحرب فحسب، بل كانت جزءاً من الحرب على معناها. عبر التكرار، والتأطير، والتخوين، وإعادة تدوير الرسائل، حصل التنافس على تحديد من هو الضحية، ومن هو المسؤول، ومن يستحق التعاطف أو الإدانة. لذلك لا تكمن أهمية التحقيق في إثبات وجود “حملة منسقة” مكتملة البنية، بل في إظهار المنطقة الرمادية بين التفاعل العضوي والتوجيه السياسي؛ تلك المنطقة التي تُصنع فيها سرديات الحرب وتُعاد هندسة الوعي العام في لحظات الخوف والصدمة.

للإطلاع على التحقيق كاملا زوروا موقع “مجتمع التحقق العربي”