على جدران منزل ريفي حجري جنوب غربي باريس، تتدلى لوحات زيتية لشخصيات غامضة، أُغلقت أعينها أو حُجبت ببقع سوداء كثيفة، هذه اللوحات هي حصيلة حياة خالد الخاني الفنية، عبر كل لوحة حاول أن يفهم ما حلّ به وبعائلته في سوريا قبل أربعة عقود.
وُلد خالد عام 1975 في مدينة حماة، الواقعة على ضفاف نهر العاصي في وسط سوريا، لعائلة ثرية وذات نفوذ اجتماعي؛ فقد كان والده، حكمت الخاني، طبيب عيون وناشطاً في مجال الحقوق المدنية. لكن هذا لم يكن كافياً لحمايته من التوترات السياسية التي كانت تعصف بالمدينة بين حين وآخر، ويذكر خالد تلك الفترة قائلاً إن الأجواء «كانت تغلي».
قبل خمس سنوات من ولادة خالد، قاد حافظ الأسد، والد الديكتاتور السوري المخلوع بشار الأسد، ثالث انقلاب تشهده البلاد منذ عام 1963، ليصبح رئيساً لسوريا. وتحولت حماة إلى مركز لمقاومة نظام الأسد الديكتاتوري، ومعقل لجماعة الإخوان المسلمين، التنظيم الإسلامي العابر للحدود الذي تأسس في الأصل في مصر. وأوائل ثمانينات القرن الماضي، كان النظام والجماعة قد دخلا في دوامة من المواجهات والانتقام الدموي، وفي شباط/ فبراير 1982 أطلقت مجموعة صغيرة من الجماعة انتفاضة مسلحة دامية.
رداً على ذلك، حشدت قوات النظام قواتها على أطراف حماة وقصفت المدينة العريقة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين. وأصيب منزل خالد بالقصف. فقرر والده حكمت أن تغادر العائلة المدينة بينما يبقى هو في حماة لرعاية الأعداد المتزايدة من الجرحى.
قُتل عشرات الآلاف خلال المعارك. وبعد ثلاثة أسابيع، أرسلت قوات النظام برقية إلى الرئيس من فرع حزب البعث في حماة أعلنت فيها أنها أخمدت الانتفاضة و«أوقفت [المتمردين] عن التنفس إلى الأبد». وكانت تلك أكثر الأمثلة تطرفاً، حتى ذلك الحين، على المدى الذي كان آل الأسد مستعدين للذهاب إليه لسحق أي معارضة.
بعد أشهر عدة من الاختباء في قرية مجاورة، عاد خالد ووالدته وإخوته إلى أنقاض مدينتهم. وهناك علم خالد أن والده لم ينجُ. فقد اعتقلته قوات النظام وعذبته داخل مصنع البورسلان في المدينة. وعندما أعيد جثمانه إلى العائلة كان مشوهاً. يقول خالد: «لقد اقتلعوا عينيه». ويعتقد أن والده «كان لا يزال على قيد الحياة عندما فعلوا ذلك». وفوق رأس خالد مباشرة، على جدار كريمي اللون، تتدلى لوحة لرجل بلا عينين.

كان المسؤولون عن المجزرة في حماة ينتمون إلى وحدة في الجيش السوري تُعرف باسم “سرايا الدفاع”، وهي بمثابة الحرس الخاص للنظام، تدين بالولاء لشقيق الرئيس حافظ الأسد الأصغر، رفعت الأسد. أما خالد وسكان المدينة فقد عرفوا رفعت باسم آخر: «جزار حماة».
رسخت “انتصارات” رفعت على خصوم النظام في المدينة قبضة آل الأسد على السلطة، لكنها سرعان ما أحدثت انقساماً داخل العائلة الحاكمة نفسها. ففي عام 1984، وبعدما حاول رفعت إطاحة شقيقه الأكبر، أُجبر على مغادرة البلاد إلى المنفى. وبرفقة نحو مئتي من الموالين له، سار رفعت على خطى كثير من الحكام المستبدين، واتخذ من قلب أوروبا القديمة ملاذاً له: جنيف وباريس ولندن.
استغرقت إعادة إعمار حماة سنوات طويلة، ولم يكن بالإمكان تعويض جزء كبير مما دمرته الحرب. وبينما كان السكان يكافحون لإعادة بناء مدينتهم، انشغل رفعت الأسد ببناء إمبراطورية عقارية في أوروبا.فقد نشأ آل الأسد في أسرة فلاحية في جبال شمال غربي سوريا، غير أن السلطة جعلت رفعت الأسد وزوجاته المتعددات يعتادون حياة البذخ، ولم يختلف المنفى كثيرًا عن تلك الحياة.
وخلال ثمانينات القرن الماضي، استحوذ رفعت على عقارات في بعض أغلى المناطق الأوروبية. ففي باريس اشترى قصراً خاصاً من سبعة طوابق قرب قوس النصر. وفي ضاحية بيسانكور-Bessancourt، وهي بلدة صغيرة تقع على بعد نحو عشرين كيلومتراً شمال غربي العاصمة الفرنسية، استحوذ على «لو هارا دو سان جاك- Le Haras de Saint-Jacques »، وهو قصر وإسطبل يمتدان على مساحات شاسعة من الأراضي. أما في لندن، فقد اشترى ثاني أكبر مسكن خاص في العاصمة بعد قصر باكنغهام: قصر يضم 25 غرفة نوم في حي هايغيت المطل على هامبستيد هيث.
في تلك الفترة، كانت الأرستقراطيات الأوروبية التقليدية، سواء القديمة أو الجديدة، ترحب بشكل متزايد بالأوليغارشيين الأجانب حديثي الثراء. وبدأ المحامون والمصرفيون في الغرب المالي يستفيدون من الثروات القادمة من الخارج. وعلى الرغم من بعض عمليات الشراء الفاخرة التي كان من الصعب تجاهلها، فإن الحجم الحقيقي لما يملكه رفعت ظل مخفياً خلف شركات وهمية مجهولة الهوية مسجلة في أماكن مثل جزيرة كوراساو الكاريبية الصغيرة، وجزر فيرجن البريطانية، وبنما.
وبعدما فقد قوات سرايا الدفاع، استعان رفعت بفيلق جديد للدفاع عنه: مديرو الثروات لإدارة أمواله الضخمة والمثيرة للشبهات، ومحاسبون لحمايتها من سلطات الضرائب، ومحامون للدفاع عنه في مواجهة التدقيق، ورعاة سياسيون منحوه الوصول إلى أروقة السلطة الأوروبية. وفي عام 1986، أي بعد أربع سنوات فقط من مجزرة حماة، منحته حكومة فرانسوا ميتران وسام جوقة الشرف، أعلى وسام عسكري ومدني في فرنسا، تقديراً لـ«الخدمات التي قدمها للدولة الفرنسية». ولم يُكشف أبداً عن طبيعة تلك الخدمات.
وعلى مدى ثلاثة عقود، عاشت عائلة رفعت – الذي تزوج أربع نساء وأنجب 16 طفلاً – حياة منفى مترفة في أوروبا. أما رفعت نفسه، فبعد عودته إلى سوريا لحضور جنازة والدته عام 1992، أمضى معظم تسعينات القرن الماضي قيد الإقامة الجبرية قبل أن يعود إلى أوروبا عام 1998.
لكن رفعت لم يتمكن من الإفلات من الزلزال السياسي الذي شهدته سوريا منذ عام 2011. فمع انتشار الاحتجاجات المناهضة للنظام ولجوء الحكومة إلى قتل المتظاهرين، بدأ الصحافيون الفرنسيون يسلطون الضوء على حياة الأسد الذي يعيش ببذخ في قلب فرنسا. وانتشرت صور ممتلكاته على صفحات صحيفة «ليبراسيون»، وعادت التقارير القديمة عن مجازر حماة إلى الواجهة، كما خضع حصوله على وسام جوقة الشرف للتدقيق. وفي باريس وجنيف، بدأ فريقان من المحامين المتخصصين في التحقيقات ينظران في ملف الرجل البالغ آنذاك 76 عاماً. من هو رفعت الأسد حقاً؟ ومن أين جاءت كل تلك الأموال؟
كان أحد الأشخاص الذين يعرفون تماماً حقيقة رفعت الأسد قد اضطر، مثل ملايين السوريين، إلى الفرار من البلاد بسبب الحرب الأهلية. فقد تعرض خالد الخاني، الذي أصبح فناناً تشكيلياً، لعقود من المضايقات على يد أجهزة الأمن السورية. وفي 6 حزيران/ يونيو 2011 غادر سوريا نهائياً، متوجهاً أولاً إلى هامبورغ ثم إلى باريس. وبعد ما يقرب من ثلاثين عاماً على المجزرة، وجد خالد ورفعت نفسيهما مجدداً في المدينة نفسها. ويقول خالد: «أصبحنا جيراناً».
في وقت متأخر من إحدى أمسيات تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، تلقى فيليب غرانت، المدير التنفيذي لمنظمة «تريال إنترناشونال» القانونية التي تكافح الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية، اتصالاً هاتفياً من محامٍ سوري. قال المتصل: «هل تعرف من يحتسي الآن كأس مارتيني في فندق متروبول المطل على البحيرة؟». لقد شوهد «جزار حماة» على ضفاف بحيرة جنيف.
تسمح القوانين السويسرية بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت خارج البلاد فقط إذا كان المشتبه به موجوداً على الأراضي السويسرية عند بداية الإجراءات القضائية. يقول فيليب غرانت إنه فكر حينها بما مفاده: «لا يمكنك المجازفة بتركه يغادر سويسرا». وإذا كانت منظمة «تريال-TRIAL » تريد أن تفعل شيئاً، فعليها أن تتحرك بسرعة.
طلب غرانت من أحد أعضاء فريقه، المحقق بينيديكت دي مورلوز، الذي كان قد انضم إلى المنظمة قبل أكثر من عامين بقليل، أن يتولى النظر في القضية. وبالمصادفة، كان دي مورلوز قد زار حماة في عطلة مع والديه عندما كان مراهقاً، بعد نحو عقد من وقوع المجزرة. ويقول: «أتذكر أنني رأيت الجدران لا تزال مليئة بثقوب الرصاص». جمعت المنظمة مواد مفتوحة المصدر عن مجزرة حماة، وخلال أيام قليلة تقدمت بها إلى مكتب الادعاء العام.
كانوا حذرين، ففي أواخر عام 2013، كان لا يزال هناك أمل بإنهاء الحرب الأهلية السورية. يقول غرانت: «لم يكن واضحاً بالنسبة لنا ماذا كان يفعل تحديداً في جنيف، ولم نرد تعريض أي مفاوضات للخطر». وافق المدعي العام على فتح تحقيق جنائي، لكنه قرر، تجنباً لإفشال أي جهود سلام أو لتنبيه رفعت، إبقاء التحقيق سرياً. كما التزم باستجواب رفعت رسمياً في المرة المقبلة التي يدخل فيها الأراضي السويسرية.
وبموجب القانون السويسري، لا تستطيع منظمة مثل «تريال» رفع دعاوى بنفسها، لكنها تستطيع إعداد ملفات قانونية وتسليمها إلى سلطات التحقيق. وعلى مدى العقد التالي، تنقل دي مورلوز بين فرنسا والسويد وإنكلترا وتركيا وإسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، جامعاً شظايا الأدلة اللازمة لبناء قضية متماسكة.
كان بحاجة إلى أمرين: ضحايا مستعدون للإدلاء بشهاداتهم في أي محاكمة رسمية، و«مطلعون من الداخل» من مسؤولين سابقين في النظام أو مقاتلين معارضين لديهم معرفة مباشرة بما حدث في المجزرة. وكان لا بد من إثبات وجود أدلة قوية وكافية على ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وأن سرايا الدفاع هي التي قادت المذبحة، وأن رفعت الأسد يتحمل المسؤولية النهائية عنها، حينها، كان، وما زال رفعت ينفي الاتهامات بارتكاب جرائم حرب.
وبعد سلسلة من المحاولات الفاشلة، تمكن دي مورلوز من العثور على رجل قاتل مع المتمردين في حماة ويمكنه الشهادة بشأن دور رفعت. يقول: «كانت لدى الرجل أجهزة اتصال لا سلكية مكّنته من الاستماع إلى الاتصالات بين القوات، وقال إنه سمع صوت رفعت وهو يصدر الأوامر».
أما بالنسبة إلى الضحايا، فلم يكن هناك نقص في الأشخاص الذين عاشوا أهوال حماة. ومع لجوء المزيد من السوريين إلى أوروبا، بات هناك عدد كبير من الشهود المحتملين، لكنهم ظلوا يعيشون في خوف شديد من أجهزة الاستخبارات السورية، حتى وهم في المنفى.
وقال المصدر السوري نفسه الذي أبلغ منظمة «تريال» بوجود رفعت في الفندق المطل على بحيرة جنيف، إنه ربما يعرف شخصاً مناسباً. وفي صيف عام 2014، سافر دي مورلوز إلى شقة استوديو صغيرة في باريس للقاء ذلك الرجل والاستماع إلى قصته. وكان ذلك الرجل هو خالد الخاني.
ويتذكر دي مورلوز قائلاً: «كان الشخص المثالي. على رغم هشاشته، كان قوياً جداً». أما خالد فيقول: «لم يكن بإمكاني أن أرفض، وليس فقط من أجل والدي، بل لأنني كنت أطالب بالعدالة لأربعين ألف إنسان». وهكذا وافق على الانضمام إلى القضية كأول مدّعٍ، ومُنح اسماً حركياً لأسباب أمنية. يقول مبتسماً: «كانوا ينادونني هرقل».
ولكي يتمكن الادعاء من توجيه الاتهام إلى رفعت، كان لا بد من استجوابه رسمياً. وفي عام 2015، علمت منظمة «تريال» أن رفعت سيعود إلى جنيف، وأن اللحظة المناسبة قد حانت، فأبلغ غرانت ودي مورلوز مكتب الادعاء، لكن المدعي العام تردد. ويقول غرانت: «كان الأمر أشبه بوجود مجرم حرب مثل راتكو ملاديتش في متناول يدك، ثم تقرر أن هناك أموراً أهم»، قال مكتب المدعي العام السويسري إن «الاستجواب لم يكن مناسباً في ذلك الوقت بالنظر إلى المرحلة التي وصلت إليها الإجراءات”.
وفي صباح الاثنين التالي، تقدم غرانت ودي مورلوز بطلب إلى المحكمة لإجبار المدعي العام على استجواب رفعت، واضطر المدعي إلى السفر إلى جنيف، حيث عثر، برفقة أحد محامي منظمة «تريال»، على رفعت في غرفته بالفندق. وسواء بسبب الصدمة أو الغرور، استمع رفعت إلى أسئلة المدعين قبل وصول محاميه، ثم أنهى المقابلة فوراً. ولم يدلِ بأي اعتراف يدينه، لكن مجرد استجوابه رسمياً فتح الباب أمام إمكانية توجيه الاتهام إليه.
غير أن احتمال الاتهام لم يكن يعني بالضرورة أن الاتهام سيصدر فعلاً. ففيما كانت الأخبار تتحدث عن الهجمات الكيميائية للنظام على الغوطة عام 2013، وعن قصف حلب بالبراميل المتفجرة بين عامي 2013 و2016، بدا مكتب الادعاء السويسري وكأنه دخل في حالة من الجمود. واستمرت التأخيرات بلا نهاية، ولم يُستجوَب شهود رئيسيون، كما لم يُبدِ المدعون اهتماماً يذكر بالأدلة الجديدة التي كشفها دي مورلوز. بل إن أحد أوائل المدعين الذين تولوا الملف أُبعد عنه لاحقاً، واشتكى من غياب الإرادة السياسية والموارد اللازمة لملاحقة مرتكبي الانتهاكات.
وفي عام 2017، عقدت منظمة «تريال» مؤتمراً صحافياً نددت فيه بفشل السلطات السويسرية في التعامل بجدية مع القضية. وكان دي مورلوز وغرانت مقتنعين بأن السلطات السويسرية، لأي سبب كان، لا ترغب فعلياً في رؤية رفعت أمام المحكمة.
وفي العام التالي، وجه المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب نيلز ميلزر، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين دييغو غارسيا سايان، رسالة أدانا فيها «التأخير غير المبرر» و«غياب الإرادة السياسية للتحقيق في الجرائم الدولية».والأخطر من ذلك أنهما أشارا إلى وجود “توجيهات” قيل إنها صدرت بهدف منع إجراء تحقيق فعّال ودفع القضية نحو الإغلاق، في تجاهلٍ لحق الضحايا في الانتصاف.
من جانبه، أكد مكتب المدعي العام السويسري أنه «دافع بقوة عن فتح إجراءات قضائية»، و«يرفض بشكل قاطع الادعاء بأن التحقيقات في قضية رفعت الأسد تأخرت عمداً نتيجة ضغوط سياسية». وأضاف أن المكتب «سلطة مستقلة لا تخضع إلا للقانون والتشريعات النافذة».
في باريس، كان المحققون يتتبعون مسار الأموال. ففي أوائل العقد الثاني من الألفية، كان المحامي الفرنسي ويليام بوردون، المتخصص في قضايا حقوق الإنسان والجرائم المالية للشركات، يقود منظمة شيربا، وهي منظمة قانونية غير حكومية أسسها لمكافحة الجرائم المالية المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان. ولم تكن قصة رفعت الأسد غريبة عنه، إذ سبق أن مثّل شخصاً رفع رفعت دعوى تشهير ضده.
تقدم بوردون بشكوى إلى النيابة العامة الفرنسية مطالباً بفتح تحقيق في مصدر ثروة رفعت الأسد. وفي أواخر عام 2013، وفي الوقت نفسه تقريباً الذي قدمت فيه منظمة «تريال» شكواها في سويسرا، فتحت النيابة الفرنسية تحقيقاً، وأسندت الملف إلى قاضي التحقيق رينو فان رويمبيك، المعروف بتخصصه في قضايا الفساد ذات الحساسية السياسية.
أرسل فان رويمبيك طلبات قضائية رسمية إلى الولايات القضائية التي سجلت فيها الشركات الوهمية، لإجبارها على الكشف عن مالكينها الحقيقيين. وسرعان ما اكتشف أن ممتلكات رفعت تتجاوز بكثير ما كان معروفاً عنه.
ففي فرنسا وحدها، كانت عائلة رفعت تمتلك نحو أربعين شقة مطلة على نهر السين، ومبنى مكاتب في مدينة ليون، وأراضي على الحدود الفرنسية السويسرية، إضافة إلى قطعة أرض في العاصمة باريس. أما في لندن، فكانت هناك ممتلكات أخرى أيضاً؛ فبعد بيع قصر ويتانهيرست في هايغيت عام 2007، أنفق رفعت عشرة ملايين جنيه إسترليني لشراء منزل في حي مايفير الراقي، بينما اشترى أحد أبنائه منزلاً من سبع غرف نوم في مقاطعة ساري.
وكانت جميع هذه العقارات مسجلة رسمياً باسم شركات، ولم يحمل أي منها اسم رفعت الأسد. كما وُزِّعت ملكية تلك الشركات وأعيد نقلها باستمرار بين بعض زوجاته وأبنائه، الذين استُخدموا كواجهات قانونية لإخفاء ملكيته الفعلية للعقارات. ومع ذلك، خلص الادعاء الإسباني إلى أن رفعت احتفظ بـ«السيطرة والملكية المطلقة» على تلك الأصول.
لكن القضية أخذت منحى مختلفاً عندما بدأ المحققون التدقيق في صلاته بإقليم جبل طارق البريطاني.
ففي جبل طارق اكتشف المحققون هياكل مالية معقدة ومتشعبة للغاية. ففي إحدى الشبكات، كانت شركة المحاماة ماراش وشركاه، التي يديرها شقيقان، تتولى إدارة 29 شركة مسجلة في جبل طارق لصالح رفعت، وكانت تلك الشركات تمتلك بدورها 99 في المئة من أسهم 29 شركة أخرى، استحوذت جميعها على عقارات مختلفة في منطقة كوستا ديل سول الإسبانية.
وقد سُجن الأخوان ماراش لاحقاً في قضية منفصلة تتعلق بعملية احتيال بلغت قيمتها 28 مليون جنيه إسترليني عام 2014، ولم يستجيبا لطلبات التعليق.
وإلى جانب «ماراش وشركاه»، برز اسم شركة المحاماة إيسولاس، التي كان شريكها الرئيسي قد شغل منصب وزير مالية جبل طارق لمدة عشر سنوات، لكن لم ترد الشركة أيضاً على رسائل البريد الإلكتروني التي طلبنا فيها تعليقاً منها.
أما السيطرة النهائية على هذه الشركات، فكانت تتم عبر صندوق ائتماني مسجل في جزر البهاما، ضم أمناؤه بعضاً من أبرز المحامين في لندن، وفي مقدمهم مارك بريدجز، محامي الملكة إليزابيث الثانية الخاص.
ومن خلال محاميه، نفى بريدجز أي علم بأنشطة رفعت الأسد، مشيراً إلى أن الأدلة والمعلومات المتوافرة عند تعيينه في أوائل العقد الأول من الألفية كانت «متناقضة». وأضاف محاميه أنه لا يستطيع الكشف عن مزيد من التفاصيل بسبب السرية المهنية، موضحاً أن بريدجز لم يؤسس الصندوق الائتماني لصالح رفعت، وأنه استقال من منصبه كأمين للصندوق في شباط/ فبراير 2007، أي قبل وقت طويل من صدور أي أحكام قضائية بحق رفعت الأسد.
كما نفى بشكل قاطع أن يكون قد لعب دور “المُيسّر” لأي من أنشطة رفعت المالية السرية. ولم يشر أي دليل إلى ارتكاب بريدجز أي مخالفة قانونية أو تنظيمية، علماً بأنه مُنح لقب فارس عام 2019 تقديراً لخدماته للملكة.
وعندما فتحت الشرطة الإسبانية تحقيقها الخاص في ممتلكات رفعت داخل إسبانيا، تكشفت أخيراً الأبعاد الحقيقية لإمبراطوريته العقارية. فقد تبين أن عائلة رفعت كانت تمتلك سراً 507 عقارات موزعة في أنحاء منطقة كوستا ديل سول، وتبلغ قيمتها السوقية الإجمالية نحو 695 مليون يورو، أي أكثر من سبعة أضعاف قيمة ممتلكاته في فرنسا.
وفي تموز/ يوليو 2016، تحركت السلطات الفرنسية وجمدت محفظته العقارية في فرنسا، التي كانت تقدر بنحو 90 مليون يورو، مانعة بيعها أو التصرف بها.
وفي العام التالي، اتخذت السلطات الإسبانية الإجراء نفسه، ثم لحقتها السلطات البريطانية. (غير أن بريطانيا تحركت متأخرة جداً لمنع بيع منزل في ساري بقيمة 3.7 مليون جنيه إسترليني، كما أنها، بخلاف إسبانيا، لم تفتح تحقيقاً جنائياً مستقلاً في مصدر ثروة رفعت).
لكن تجميد الأصول لم يكن سوى خطوة مؤقتة، إذ كان القاضي فان رويمبيك يريد أن يرى رفعت الأسد جالساً على مقعد المتهمين أمام المحكمة، وعندما بدأت المحاكمة أخيراً بعد ثلاث سنوات، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، كان رفعت غائباً تماماً.
لم تُعقد المحاكمة في أحد قصور العدالة التاريخية في باريس، بل في مبنى زجاجي حديث يخلو من الروح في ضاحية كليشي، ومن جانب الدفاع، امتلأت المقاعد بالمحامين وأفراد عائلة رفعت. أما على جانب منظمة «شيربا»، فلم يكن هناك سوى المحامية شانيز منسوس، التي كانت تعمل على القضية داخل المنظمة، والمحامي فنسان برينغار، المستشار القانوني لها، ويتذكر برينغار أن الأجواء داخل قاعة المحكمة كانت «جليدية».
وخلال المحاكمة، قدم الادعاء تسجيلات تنصت أظهرت أن رفعت كان صاحب السيطرة الفعلية على إمبراطوريته العقارية، كما عرض أدلة على وجود محاولات منهجية لإخفاء ملكيته الحقيقية للعقارات، ودحض ادعاءاته بأن أفراداً من العائلة المالكة السعودية هم الذين موّلوا مشترياته.
ثم كشف الادعاء مصدر الأموال الحقيقي: 200 مليون دولار اختُلست من ميزانيات الدولة السورية، إضافة إلى قرض ليبي بقيمة 100 مليون دولار حصل عليه رفعت في العام نفسه الذي قرر فيه حافظ الأسد نفي شقيقه خارج البلاد.
في 17 حزيران/ يونيو 2020، أدانت المحكمة الفرنسية رفعت الأسد بتهم غسل الأموال العامة المختلسة، والاحتيال الضريبي، وارتكاب مخالفات تتعلق بقوانين العمل. وحكمت عليه بالسجن أربع سنوات، مع مصادرة ممتلكاته في فرنسا وبريطانيا. وكانت منظمة «شيربا» تأمل بأن تُعاد الأموال المصادرة إلى سوريا. فقد دأبت المنظمة لسنوات على المطالبة بإعادة الأموال المنهوبة إلى البلدان التي سُرقت منها، ونجحت في عام 2021 في الدفع نحو إقرار قانون ينص على ذلك، ليُعلن أن أصول رفعت الأسد ستؤول في النهاية إلى الشعب السوري.
لكن ما إن صدر الحكم حتى أعلن محامو رفعت نيتهم استئنافه. وبموجب القانون الفرنسي، لا يبدأ تنفيذ عقوبة السجن إلا بعد استنفاد جميع درجات التقاضي.
وفي عام 2021، عرض فريق دفاع رفعت القضية أمام محكمة الاستئناف، لكنه خسر مجدداً. وكان من المقرر أن تُحال القضية إلى محكمة النقض الفرنسية، غير أن شانيز منسوس في باريس، وفيليب غرانت في جنيف، كانا يزدادان قلقاً. فقد سمع كل منهما شائعات تفيد بأن رفعت يحاول العودة إلى كنف العائلة الحاكمة والانتقال مجدداً إلى سوريا، حيث سيكون بمنأى عن تنفيذ الحكم.
وفي مؤشر إلى ولائه لبشار الأسد، ظهر رفعت وهو يدلي بصوته لمصلحة ابن أخيه في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت ذلك العام. وتقول منسوس إن ذلك كان «إشارة واضحة»، لكن محاولاتها لتحذير الوزارات الفرنسية لم تلقَ أي استجابة.
في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، فرّ رفعت الأسد إلى سوريا عبر بيلاروسيا. وبعد عام، أكدت محكمة النقض الفرنسية إدانته نهائياً، لكن الوقت كان قد فات.
تقول منسوس: «كل ما كان عليه فعله هو الذهاب إلى السفارة وإظهار الولاء لابن أخيه كي ينجو من العواقب القضائية لجرائمه. لقد بدا الأمر سهلاً للغاية، إلى حد الإهانة بالنسبة الى السوريين الذين فقدوا كل شيء. كان ذلك بمثابة إهانة جديدة للضحايا السوريين».
أما في جنيف، فلم يستطع فيليب غرانت استيعاب خبر هروب رفعت. فأن تتباطأ النيابة العامة السويسرية مراراً في إجراءاتها أمر، لكن أن تنجح فرنسا في محاكمته وإدانته ثم تسمح له بالمغادرة، فذلك كان أمراً لا يمكن تفسيره.
وخلال السنوات الأولى من العقد الثالث للألفية، بدأت سلسلة محدودة من القضايا ضد مسؤولين في النظام السوري تصل إلى المحاكم الأوروبية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح للدول ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية بصرف النظر عن مكان ارتكابها.
وفي أول محاكمة تتعلق بالتعذيب الذي مارسته الدولة السورية، والتي انطلقت في ألمانيا عام 2020، أُدين مسؤولون كبار في النظام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وكان غرانت يراقب المشهد وهو يشعر بأن الجرائم المؤسسة للنظام في حماة بقيت بلا محاسبة، بينما حظيت جرائمه الأحدث بالأولوية.
ومع ذلك، رفضت منظمة «تريال»، كما رفض خالد الخاني، التخلي عن القضية السويسرية.
فقد واجها محاولات محامي رفعت الدفع بأنه أصبح متقدماً في السن وضعيفاً صحياً بحيث لا يمكن محاكمته، وضغطا لإصدار قرار رسمي بإحالة القضية إلى المحكمة.
وفي 11 آذار/ مارس 2024، نجحا في ذلك.
ولم يكن أحد يتوقع فعلياً رؤية رفعت في قاعة المحكمة، لكن الهدف كان توجيه رسالة واضحة مفادها أن الإفلات من العقاب على جرائم الحرب ليس خياراً.
ثم جاء الحدث الذي قلب المشهد كله.
ففي 8 كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام، سقط نظام الأسد.
وبينما فرّ بشار الأسد وعائلته إلى موسكو، بقي مكان وجود رفعت مجهولاً. وأفادت وسائل إعلام فرنسية بأنه غادر، عبر لبنان، إلى دبي.
وطالب محامي خالد الخاني بالكشف عن مكان وجوده، مؤكداً أنه إذا كان يتمتع بصحة تسمح له بالفرار، فهو يتمتع أيضاً بصحة تسمح بمحاكمته.
لكن محامي رفعت رفضوا الإفصاح عن مكانه، مدعين، بصورة وصفها كثيرون بالعبثية، أن خالد قد يسعى الى الانتقام منه.
ثم، في 20 كانون الثاني/ يناير 2026، جاء الخبر الذي كان المدعون يخشونه أكثر من أي شيء آخر: توفي رفعت الأسد عن عمر ناهز الـ88 عاماً.
وخلال جميع المقابلات تقريباً التي أجراها كاتب هذا التحقيق، تكرر موضوع واحد باستمرار، ففيليب غرانت، وشانيز منسوس، وقبل الجميع خالد الخاني، كانوا يرون أن الفشل في سجن رفعت الأسد لا يمكن فهمه من دون عنصر أساسي، هو تواطؤ أجهزة الاستخبارات الأوروبية في حمايته من العدالة.
وكان الصحافيان الاستقصائيان كريستيان شينو وجورج مالبرونو قد نشرا في كتاب صدر عام 2014 أدلة أكثر وضوحاً على وجود علاقات بين رفعت وعدد من مديري المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي (DGSE)، أي جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي، بدأت عام 1983 واستمرت حتى منتصف العقد الأول من الألفية.
وبحسب ما أورده الكاتبان، لعب رفعت دور قناة اتصال خلفية مع الاستخبارات الفرنسية، إذ زودها بمعلومات عن متشددين سوريين في أوروبا، وساعدها في فتح قنوات مع دمشق، لكن مصدرين أكدا لكاتب التحقيق أن العلاقة بين رفعت والاستخبارات الفرنسية استمرت إلى ما بعد ذلك بكثير.
ويقول جان كريستوف بوليه، رئيس بلدية بيسانكور السابق، حيث يقع قصر رفعت وإسطبله، إنه تلقى زيارات متكررة من أجهزة الاستخبارات بين عام 2001 وبداية العقد الثاني من الألفية، بعدما تحدث علناً عن وجود عشرات من أفراد حاشية رفعت الذين تُركوا في المنطقة بعد تخلي راعيهم عنهم، أما خالد الخاني نفسه، فيقول إنه استُدعي أيضاً.
فعندما تقدم بطلب للحصول على الجنسية الفرنسية عام 2019، استُدعي، بحسب روايته، إلى مقر جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية، حيث سُئل عما إذا كان ينوي رفع دعوى تتعلق بجرائم حرب ضد رفعت الأسد في فرنسا.
وأكد مسؤول كبير سابق في جهاز الاستخبارات الخارجية وجود علاقة بين الجهاز ورفعت، لكنه نفى أن يكون في ذلك ما يدعو إلى الريبة.
وقال إن «95 في المئة من قادة دول العالم الثالث، وبعض قادة الدول المتقدمة أيضاً، كوّنوا ثرواتهم عبر الفساد والسرقة والتهريب وغسل الأموال»، ولذلك فإن التعامل مع شخصية مثل رفعت يدخل، من وجهة نظر الجهاز، في إطار العمل الاستخباراتي المعتاد، وأضاف أنه إذا كان الحفاظ على العلاقة مع «جزار حماة» يمكن أن يمنع إراقة الدماء، فإن ذلك يبرر استمرارها.
وأشار المسؤول إلى أن رفعت كان، بسبب استمرار إجراءات الاستئناف، حراً قانونياً في مغادرة فرنسا عام 2021. ولم يستجب جهاز الاستخبارات الخارجية لطلب التعليق، لكن تعليق مسؤولية إفلات رفعت من العقاب على شماعة أجهزة الاستخبارات وحدها يحجب حقيقة أخرى.
لم تكن الأجهزة السرية وحدها من وفرت له الحماية، بل لعب أيضاً محامون ومصرفيون ومديرو صناديق ائتمانية ووسطاء ماليون دوراً أساسياً في بناء الشبكة المعقدة من الشركات الوهمية التي استخدمها لغسل مئات الملايين من اليوروهات.
وقد أضفى هؤلاء، ولو عن غير قصد، مسحة من الشرعية على ثروة «جزار حماة»، بل إن بعضهم ساعده في مقاضاة الصحافيين الذين حاولوا كشف حقيقة تلك الثروة.
ولذلك، فإذا كانت تصرفات الحكومات الفرنسية والسويسرية والبريطانية والإسبانية تستحق التدقيق، فإن دور هؤلاء المهنيين الذين مكّنوه من إخفاء أمواله يستحق التدقيق أيضاً.
لا تعني وفاة رفعت الأسد نهاية القضية، ففي فرنسا، ما زالت عشرات الملايين من اليوروهات الناتجة من بيع أصوله مخصصة لإعادة إعمار سوريا، وإن لم يُعاد أي منها حتى الآن.
وفي بريطانيا، لا يزال منزله في حي مايفير يعيش حالة من الفراغ القانوني؛ فهو مجمد قضائياً لكنه لم يُصادر، وغير مأهول لكنه لم يُبع.
أما في إسبانيا، فما زالت قضية غسل الأموال، التي تتجاوز قيمتها الـ700 مليون يورو وتشمل رفعت وعدداً من زوجاته وأبنائه، مستمرة، من دون أي مؤشرات إلى اقتراب حسمها.
ويبقى ما يقارب المليار يورو من الأصول معلقاً بين المحاكم، وهي أموال تحتاج إليها سوريا، التي أنهكتها قرابة الـ14 عاماً من الحرب الأهلية، حاجةً ماسة.
نُشرت هذه المقالة بالإنكليزية في the Bureau of investigative journalism على الرابط هنا.
إقرأوا أيضاً:










