في خطوة مفاجئة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من الرياض، قراره رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. وفي اليوم التالي، التقى بأحمد الشرع، ممثل الحكومة السورية الجديدة، وبولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في قصر الحكم، في صورة ستُسجّل في ذاكرة التاريخ. هذا الحدث مثّل استئناف العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا بعد انقطاع دام 25 عاماً، وفتح صفحة جديدة بين البلدين.
قال ترامب إنه سيرفع العقوبات “لنجعل سوريا عظيمة من جديد”. جاء هذا الإعلان بعد 14 عاماً من الدمار الذي خلفته الحرب، والتي فاقمتها العقوبات الغربية المفروضة على نظام بشار الأسد وحلفائه الاقتصاديين، لكنها في المحصلة أثّرت بشكل مباشر على الطبقات الفقيرة والعاملة في البلاد.
وكما اعتاد العالم من ترامب، كانت الخطوة مفاجئة، سريعة، وصادمة حتى لأعضاء إدارته. وعلى رغم غياب خطة واضحة لإعادة الإعمار أو جدول زمني للتنفيذ، انتشرت الاحتفالات في شوارع سوريا، وعادت هتافات الثورة تُدوّى مجدداً: “واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد”.
منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر، ركزت الحكومة الجديدة في “هيئة تحرير الشام” على المطالبة برفع العقوبات كركيزة أساسية لإعادة إعمار البلاد. ومع أن الانتقال السياسي لا يزال بطيئاً، فإن الاقتصاد يواصل الانهيار تحت وطأة العقوبات، ما يجعل رفعها خطوة بالغة الأهمية لاستعادة الاستقرار.
لماذا يُعدّ رفع العقوبات مهماً إلى هذا الحد؟
منذ سقوط نظام الأسد، لم تتمكن سوريا من التعافي. يعيش سكان دمشق على بضع ساعات من الكهرباء يومياً، وتزداد الأوضاع سوءاً في مناطق أخرى. ارتفع سعر الخبز ثمانية أضعاف منذ كانون الأول/ ديسمبر، ما دفع بالكثيرين إلى حافة الجوع، فيما يصطفّ الناس لساعات أمام الصرافات الآلية لسحب القليل من المال المتبقي.
على رغم تحسّن قيمة العملة المحلية فور إعلان ترامب، لا تزال أسعار الوقود والسلع الأساسية شديدة التقلّب، ومع قلة السيولة النقدية وغياب وسائل الدفع الرقمي، يعجز كثر من السوريين عن شراء حاجاتهم. يعيش نحو 69 في المئة من السكان — أي ما يعادل 14 مليون شخص — تحت خط الفقر. خفت التفاؤل الذي رافق سقوط النظام سريعاً بسبب نقص الوظائف والدمار الهائل، ما ألقى بظلاله على صورة الحكومة الجديدة.
وعلى رغم أن هذه الصعوبات ترجع إلى عقود من الديكتاتورية والحرب الأهلية وعدم الاستقرار بعد سقوط النظام، تبقى العقوبات الغربية، لا سيما الأميركية والأوروبية، سبباً جوهرياً في تعميق الأزمة الاقتصادية.
عقوبات مدمّرة
في عام 2011، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزمة من العقوبات على نظام الأسد ردّاً على القمع العنيف للاحتجاجات الشعبية. وعلى رغم أن هذه الإجراءات نجحت إلى حد ما في عزله دولياً وإضعاف قدرته العسكرية، فإنها ألحقت أضراراً فادحة بالاقتصاد السوري.
تقول فاطمة السيد، مهندسة زراعية في الثانية والثلاثين من عمرها، لموقع “درج”: “الكثير من الشركات التابعة لعائلة الأسد أو المقربين منها استفادت من العقوبات”. وتضيف: “أطلقت هذه الشركات دورة اقتصادية مغلقة تخدم مصالحها فقط”. نشأت طبقة أوليغارشية مرتبطة بالنظام، سيطرت على ما تبقى من القطاع الخاص، وفتحت المجال لتلقي الدعم العسكري من روسيا وإيران. وبهذا، عززت العقوبات من قبضة النظام سياسياً، فيما أضعفت عموم الشعب.
دفعت هذه العزلة الدولية السوريين إلى الهامش، حتى باتوا يُعامَلون كمنبوذين. تقول فاطمة: “العقوبات تمسّ كل القطاعات، نحن لسنا بلداً مستقلاً”. وقد أجبرت هذه السياسات شرائح واسعة من المجتمع على اللجوء إلى العمل غير النظامي، وأحياناً إلى الاعتماد على شبكات الزبائنية. خلال العقد الماضي، تقلّص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 53 في المئة، وانهارت الأنشطة الاقتصادية بنسبة 84 في المئة، ما أدى إلى تراجع حاد في مستوى المعيشة، إذ يعيش أكثر من 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، ونصف القوة العاملة بلا وظائف.
يقول زيد صمد، سائق تاكسي في الخامسة والأربعين: “العقوبات دمّرت صناعتنا. لا قدرة لدينا على إنتاج الحاجات الأساسية”. ويضيف: “لا يمكننا الاستيراد، وفقد كثيرون وظائفهم”.
وكانت العقوبات حالت دون تسديد قطر مبلغ 29 مليون دولار شهرياً لسوريا، مخصصاً لدفع رواتب القطاع العام على مدى ثلاثة أشهر، وهو دعم كان من المفترض أن يخفّف من التوترات الاجتماعية المتزايدة.
إقرأوا أيضاً:
الاستثمار ممنوع
منعت العقوبات الأميركية — التي تحظر تقريباً جميع التعاملات التجارية والمالية — دخول الاستثمارات وعطّلت نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما أضعف قدرة البلاد على النهوض. استهدفت العقوبات الأوروبية قطاعات حيوية مثل النفط، والاستثمار، والمصارف، والاتصالات، بذريعة إرث “تحرير الشام” المسلح. وتواصل البنوك رفض التعامل مع سوريا، في حين يتعذّر على التجار استيراد السلع قانونياً، ما زاد من تهريب المواد الأساسية ورفع الأسعار.
كما أن العقوبات، إلى جانب عدم الاستقرار السياسي، تمنع عودة الكفاءات السورية من الشتات، والتي يمكن أن تساهم في إعادة الإعمار. تشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة بناء سوريا تتراوح بين 250 مليار وتريليون دولار، بينما لا يزال أكثر من 140 ألف مبنى، و3 آلاف مدرسة ومستشفى، مدمّرة.
تصويت بالثقة
تغيّر نبرة ترامب تجاه الشأن السوري كان لافتاً. فقد كان يعتبر أحمد الشرع “إرهابياً”، لكنه وصفه اليوم بـ”الرجل الصلب ذي الماضي الصعب”. ويُعدّ هذا الاعتراف انتصاراً للقيادة السورية الجديدة، التي ظهرت أخيراً إلى جانب إيمانويل ماكرون على برج إيفل، في مشهد يعكس تحوّلاً في صورة الشراكة الدولية.
بعد أكثر من خمسة أشهر على سقوط بشار الأسد، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإعادة تقييم العقوبات وتسهيل وصول المساعدات، وإن كانت هذه الخطوات لا تزال خجولة ولم تحقق نتائج ملموسة. فالإجراءات الحالية لا تزال تعيق قدرة الدولة على تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، ما يُنذر بتفاقم الأوضاع.
الهدف الغربي ما زال واضحاً: ضمان خضوع النظام الجديد للمعايير السياسية الغربية، وتأمين مصالح الشركات الكبرى، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، خصوصاً في مواجهة إيران وروسيا.
مصالح قبل كل شيء
على رغم أن ترامب قدّم مجموعة مطالب للقيادة السورية، إلا أنها لم تكن مشروطة، بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت. من أبرز هذه المطالب: انضمام سوريا إلى “اتفاقيات أبراهام” وتطبيع العلاقات مع إسرائيل — خطوة ترفضها دمشق تاريخياً، بالنظر إلى استمرار احتلال الجولان، وتكرار الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية منذ سقوط الأسد.
لكن الشرع أشار حديثاً إلى وجود محادثات غير معلنة لحل النزاع. كما أن الاتفاق مع الحوثيين بعد استهداف مطار تل أبيب، والتوجه نحو إعادة التفاوض على البرنامج النووي الإيراني، كلها رسائل لنتانياهو بأن أولويات واشنطن باتت في مكان آخر — ما يعقّد العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
كذلك طلب ترامب من الشّرع مواجهة خطر عودة “داعش” وإدارة مراكز احتجاز مقاتلي التنظيم في الشمال الشرقي، إلى جانب ترحيل من وصفهم بـ”الإرهابيين الفلسطينيين”. كانت واشنطن تعتمد سابقاً على “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية في هذه المهمة، لكن هذا الدعم تراجع مع إدارة ترامب، ما يهدد استقرار المنطقة.
أبدت سوريا، من جهتها، رغبة في توقيع اتفاقيات مع شركات أميركية في قطاعي النفط والغاز، مقابل رفع العقوبات والسماح بالمشاركة الدولية في إعادة الإعمار. ويأتي ذلك في سياق توقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة مع السعودية والإمارات بقيمة 600 مليار و1.4 تريليون دولار على التوالي.
سوريا اليوم على حافة انهيار اقتصادي يهدد أي أفق لبناء مستقبل خالٍ من العنف والتوتر. وعلى رغم أن التقارب مع الولايات المتحدة قد يفتح نافذة إنقاذ، إلا أنه لن يكون بلا ثمن. إذ تبقى الهيمنة الاقتصادية الخارجية سيدة الموقف، في مشهد تتكرّر فيه سياسات الغرب تجاه الدول الضعيفة. وبالنسبة الى ترامب، تبقى المصالح فوق كل اعتبار.
إقرأوا أيضاً:











