ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

رمنسة الركام: كيف يطبع حزب الله الكارثة في الوعي الجمعي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تكمن إحدى أخطر نتائج هذه الدينامية في ما يمكن تسميته بـ”تعليق النقد”. فحين يعاد تقديم الدمار والموت ضمن قالب رومانسي أو بطولي، تصبح مساءلتهما أمرًا إشكاليًا، ليس فقط سياسيًا، بل أخلاقيًا أيضًا. إذ ينظر إلى أي محاولة لطرح أسئلة حول المسؤولية أو الجدوى كأنها تقليل من قيمة “التضحيات”، أو حتى كخيانة ضمنية للجماعة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تتكرّر في الآونة الأخيرة صورٌ لأفراد يقفون فوق ركام منازل مدمّرة، يرفعون شعارات النصر والولاء والفداء لشخصيات سياسية مثل أمين عام حزب الله نعيم قاسم، في مشهد يبدو، للوهلة الأولى، تعبيرًا عن صلابة أو تحدٍّ في وجه الدمار الذي سببته الحرب الإسرائيلية على لبنان.

غير أن التمعّن في هذا النمط البصري يكشف أنه لم يعد مجرد ردّ فعل فردي أو عفوي، بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية-ثقافية متكرّرة، ترتبط بشكل وثيق بالبنية الخطابية والسياسية التي يعمل ضمنها حزب الله. هذه الصور، بتكرارها وتكثيفها، لا تكتفي بعكس الواقع، بل تعيد إنتاجه، وتساهم في صياغة معناه ضمن إطار محدّد يحدّ من إمكانات قراءته نقديًا.

ليست هذه الصور بنت اللحظة، ولا هي مجرد استجابة آنية لصدمة الحرب الأخيرة، بل تنتمي إلى تقليد خطابي راكمه حزب الله عبر حروبه المتعاقبة. فمنذ حرب تموز/ يوليو 2006، التي استمرت 34 يومًا، ثُبِّتت معادلة رمزية شديدة الفاعلية: يمكن للخراب الواسع أن يُعاد تسميته نصرًا، ويمكن للهزيمة المادية أن تُترجم إلى تفوق معنوي.

 آنذاك، أعلن حسن نصر الله “النصر الإلهي”، لا بوصفه توصيفًا عسكريًا صرفًا، بل بوصفه إطارًا تفسيريًا كاملًا يعيد ترتيب معنى الخسارة نفسها: البيوت المهدمة، القرى المحروقة، والضحايا، لم تُقدَّم باعتبارها كلفة تستوجب المراجعة، بل كأدلة على صلابة “المقاومة” وقدرتها على الاستمرار. هذه الصيغة لم تنتهِ في 2006، بل تحوّلت إلى نموذج متكرر لإنتاج المعنى بعد كل جولة تدمير.

في 2024، وبعد حرب دمّرت مساحات واسعة من لبنان وأودت بحياة المئات، عاد نعيم قاسم إلى المعجم نفسه تقريبًا، واصفًا وقف النار بأنه “نصر إلهي” بل “أعظم” من ذاك الذي أُعلن بعد حرب 2006. وفي الحرب الأخيرة عام 2026، تكرّر النمط مرة أخرى: فُتحت الجبهة من جديد، ودخل لبنان أكثر في حرب إقليمية دفع ثمنها من أرواح أبنائه وحيواتهم، ناهيك بدمار هائل، فيما عاد الخطاب نفسه ليدفع بالكلفة البشرية والعمرانية إلى الخلف، ويقدّم مجرّد البقاء أو الاستمرار بوصفه إنجازًا بذاته.

 هنا تحديدًا يختلط النصر بالنجاة، والنجاة بإنكار حجم الكارثة، بحيث لا يعود السؤال: ماذا خسر المجتمع؟ بل كيف يمكن إعادة تسويق ما خسره بوصفه علامة تفوّق رمزي.

في السياقات التي تشهد صراعات ممتدّة، تميل الجماعات إلى البحث عن آليات لإعادة بناء المعنى في مواجهة الصدمة. إلا أن ما نشهده هنا يتجاوز مجرّد التكيّف النفسي مع الكارثة، ليصل إلى مستوى إعادة صياغة الواقع ذاته. فالدمار، بوصفه حدثًا ماديًا يحمل كلفة بشرية واجتماعية هائلة، يُعاد تقديمه ضمن سردية تفرغه من دلالته المباشرة، وتُعيد تحميله بمعانٍ بديلة: يصبح دليلًا على الصمود، أو علامة على الاستمرارية، أو حتى مقدّمة ضرورية لنصر مؤجَّل. 

هذه العملية ليست بريئة أو تلقائية، بل هي جزء من دينامية أوسع يمكن فهمها في إطار ما يُعرف بـ”العنف الرمزي”، حيث تفرض أنماط معيّنة من الفهم والتأويل على الأفراد، ليس عبر الإكراه المباشر، بل من خلال قبولهم الطوعي بسرديات تقدّم لهم بوصفها طبيعية أو بديهية.

في هذا الإطار، تتحوّل الصورة، صورة الفرد المنتصب فوق الركام، إلى أداة مركزية في إنتاج المعنى. فهي لا تنقل الحدث كما هو، بل تعيد تأطيره ضمن ما يمكن تسميته بـ”التمثيل المسيّس للواقع”. وهنا يمكن استحضار “التأطير”، حيث تقدّم الوقائع ضمن أطر تفسيرية تحدّد مسبقًا كيفية فهمها. فبدل أن يقرأ الركام كدليل على خسارة أو فشل، يقدّم كمنصّة لإعادة إعلان الولاء، وكدليل على استمرار الالتزام بالقضية. ومع تكرار هذا النمط، لا تعود هذه القراءة مجرّد احتمال، بل تتحوّل إلى ما يشبه “الحسّ المشترك”، الذي يحدّد ما هو مقبول وما هو مرفوض في الفضاء العام.

غير أن هذا التحوّل لا يقتصر على مستوى الخطاب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالأفراد الذين يظهرون في هذه الصور لا يؤدّون دورًا سلبيًا، بل يشاركون فعليًا في إعادة إنتاج هذه السردية. هنا، يصبح الفعل، الوقوف فوق الركام والهتاف، جزءًا من عملية أوسع لإعادة تثبيت الهوية الجماعية، حيث يعاد تعريف الانتماء من خلال القدرة على تحمّل الخسارة، بل وتمجيدها. هذه الدينامية التي أسماها ليون فستنغر بـ “التنافر المعرفي”، إذ يسعى الأفراد إلى تقليص الفجوة بين التجربة المادية القاسية (الدمار والخسارة) والسردية التي يؤمنون بها (النصر والصمود)، عبر إعادة تفسير الواقع بطريقة تجعل هذه الفجوة أقل حدّة.

في حالة حزب الله، تكتسب هذه العملية بعدًا إضافيًا، نظرًا الى الطبيعة الأيديولوجية والتنظيمية للحزب، التي تقوم على سردية “المقاومة” بوصفها إطارًا جامعًا يعلو على الاعتبارات الأخرى. ضمن هذا الإطار، لا ينظر إلى الخسائر بوصفها نتيجة قابلة للمراجعة، بل كجزء من مسار تاريخي طويل، تقاس فيه القيمة بمدى الاستمرار لا بمدى الكلفة. وبالتالي، فإن إعادة إنتاج صور الدمار ضمن قالب تمجيدي لا تكتفي بتبرير ما حدث، بل تساهم في تهيئة الأرضية لتكراره، عبر تثبيت المعايير التي تجعل منه مقبولًا، بل ومرغوبًا في بعض الأحيان.

تكمن إحدى أخطر نتائج هذه الدينامية في ما يمكن تسميته بـ”تعليق النقد”. فحين يعاد تقديم الدمار والموت ضمن قالب رومانسي أو بطولي، تصبح مساءلتهما أمرًا إشكاليًا، ليس فقط سياسيًا، بل أخلاقيًا أيضًا. إذ ينظر إلى أي محاولة لطرح أسئلة حول المسؤولية أو الجدوى كأنها تقليل من قيمة “التضحيات”، أو حتى كخيانة ضمنية للجماعة. وبهذا، لا يعود القمع بحاجة إلى أدوات مباشرة، بل يتحقّق عبر آليات رمزية تُقيد ما يمكن التفكير فيه أو قوله.

على مستوى أوسع، تؤدي هذه العملية إلى إغلاق تدريجي للفضاء العام، حيث تتقلّص إمكانات النقاش الحر، ويعاد إنتاج ما يمكن وصفه بـ”الإجماع المصطنع”. هذا الإجماع لا يعكس بالضرورة قناعة حقيقية لدى جميع الأفراد، بل ينتج من تكرار خطاب واحد وتهميش البدائل، بحيث يبدو وكأنه التعبير الوحيد الممكن. ومع مرور الوقت، يترسّخ هذا النمط إلى درجة يصبح فيها من الصعب تخيّل واقع أو خطاب مختلف.

في المحصّلة، لا يمكن فهم هذه الصور بمعزل عن السياق الذي ينتجها ويعيد إنتاجها. فهي ليست مجرد توثيق للحظة، بل جزء من منظومة رمزية تعمل على تحويل الدمار إلى معنى، والمعنى إلى أداة للضبط الاجتماعي والسياسي. ومع استمرار هذه العملية، ندخل في حلقة مفرغة، حيث يستخدم الدمار لتبرير نفسه: يعاد تأطيره، يمجّد، ثم يستدعى مجددًا ضمن الشروط ذاتها التي أدّت إليه.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت هذه الصور تعبّر عن الواقع، بل يصبح السؤال الأهم: إلى أي مدى تساهم في إعادة تشكيله؟ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الدمار المادي، بل في القدرة على جعله مقبولًا، بل ومحمودًا، ضمن وعي جمعي يعاد إنتاجه باستمرار. وهنا، تحديدًا، تتحوّل رمنسة الدمار من مجرد ظاهرة ثقافية إلى آلية سياسية واجتماعية متكاملة، تُعيد إنتاج الأزمة بدل أن تفتح المجال لتجاوزها.

21.04.2026
زمن القراءة: 5 minutes

تكمن إحدى أخطر نتائج هذه الدينامية في ما يمكن تسميته بـ”تعليق النقد”. فحين يعاد تقديم الدمار والموت ضمن قالب رومانسي أو بطولي، تصبح مساءلتهما أمرًا إشكاليًا، ليس فقط سياسيًا، بل أخلاقيًا أيضًا. إذ ينظر إلى أي محاولة لطرح أسئلة حول المسؤولية أو الجدوى كأنها تقليل من قيمة “التضحيات”، أو حتى كخيانة ضمنية للجماعة.

تتكرّر في الآونة الأخيرة صورٌ لأفراد يقفون فوق ركام منازل مدمّرة، يرفعون شعارات النصر والولاء والفداء لشخصيات سياسية مثل أمين عام حزب الله نعيم قاسم، في مشهد يبدو، للوهلة الأولى، تعبيرًا عن صلابة أو تحدٍّ في وجه الدمار الذي سببته الحرب الإسرائيلية على لبنان.

غير أن التمعّن في هذا النمط البصري يكشف أنه لم يعد مجرد ردّ فعل فردي أو عفوي، بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية-ثقافية متكرّرة، ترتبط بشكل وثيق بالبنية الخطابية والسياسية التي يعمل ضمنها حزب الله. هذه الصور، بتكرارها وتكثيفها، لا تكتفي بعكس الواقع، بل تعيد إنتاجه، وتساهم في صياغة معناه ضمن إطار محدّد يحدّ من إمكانات قراءته نقديًا.

ليست هذه الصور بنت اللحظة، ولا هي مجرد استجابة آنية لصدمة الحرب الأخيرة، بل تنتمي إلى تقليد خطابي راكمه حزب الله عبر حروبه المتعاقبة. فمنذ حرب تموز/ يوليو 2006، التي استمرت 34 يومًا، ثُبِّتت معادلة رمزية شديدة الفاعلية: يمكن للخراب الواسع أن يُعاد تسميته نصرًا، ويمكن للهزيمة المادية أن تُترجم إلى تفوق معنوي.

 آنذاك، أعلن حسن نصر الله “النصر الإلهي”، لا بوصفه توصيفًا عسكريًا صرفًا، بل بوصفه إطارًا تفسيريًا كاملًا يعيد ترتيب معنى الخسارة نفسها: البيوت المهدمة، القرى المحروقة، والضحايا، لم تُقدَّم باعتبارها كلفة تستوجب المراجعة، بل كأدلة على صلابة “المقاومة” وقدرتها على الاستمرار. هذه الصيغة لم تنتهِ في 2006، بل تحوّلت إلى نموذج متكرر لإنتاج المعنى بعد كل جولة تدمير.

في 2024، وبعد حرب دمّرت مساحات واسعة من لبنان وأودت بحياة المئات، عاد نعيم قاسم إلى المعجم نفسه تقريبًا، واصفًا وقف النار بأنه “نصر إلهي” بل “أعظم” من ذاك الذي أُعلن بعد حرب 2006. وفي الحرب الأخيرة عام 2026، تكرّر النمط مرة أخرى: فُتحت الجبهة من جديد، ودخل لبنان أكثر في حرب إقليمية دفع ثمنها من أرواح أبنائه وحيواتهم، ناهيك بدمار هائل، فيما عاد الخطاب نفسه ليدفع بالكلفة البشرية والعمرانية إلى الخلف، ويقدّم مجرّد البقاء أو الاستمرار بوصفه إنجازًا بذاته.

 هنا تحديدًا يختلط النصر بالنجاة، والنجاة بإنكار حجم الكارثة، بحيث لا يعود السؤال: ماذا خسر المجتمع؟ بل كيف يمكن إعادة تسويق ما خسره بوصفه علامة تفوّق رمزي.

في السياقات التي تشهد صراعات ممتدّة، تميل الجماعات إلى البحث عن آليات لإعادة بناء المعنى في مواجهة الصدمة. إلا أن ما نشهده هنا يتجاوز مجرّد التكيّف النفسي مع الكارثة، ليصل إلى مستوى إعادة صياغة الواقع ذاته. فالدمار، بوصفه حدثًا ماديًا يحمل كلفة بشرية واجتماعية هائلة، يُعاد تقديمه ضمن سردية تفرغه من دلالته المباشرة، وتُعيد تحميله بمعانٍ بديلة: يصبح دليلًا على الصمود، أو علامة على الاستمرارية، أو حتى مقدّمة ضرورية لنصر مؤجَّل. 

هذه العملية ليست بريئة أو تلقائية، بل هي جزء من دينامية أوسع يمكن فهمها في إطار ما يُعرف بـ”العنف الرمزي”، حيث تفرض أنماط معيّنة من الفهم والتأويل على الأفراد، ليس عبر الإكراه المباشر، بل من خلال قبولهم الطوعي بسرديات تقدّم لهم بوصفها طبيعية أو بديهية.

في هذا الإطار، تتحوّل الصورة، صورة الفرد المنتصب فوق الركام، إلى أداة مركزية في إنتاج المعنى. فهي لا تنقل الحدث كما هو، بل تعيد تأطيره ضمن ما يمكن تسميته بـ”التمثيل المسيّس للواقع”. وهنا يمكن استحضار “التأطير”، حيث تقدّم الوقائع ضمن أطر تفسيرية تحدّد مسبقًا كيفية فهمها. فبدل أن يقرأ الركام كدليل على خسارة أو فشل، يقدّم كمنصّة لإعادة إعلان الولاء، وكدليل على استمرار الالتزام بالقضية. ومع تكرار هذا النمط، لا تعود هذه القراءة مجرّد احتمال، بل تتحوّل إلى ما يشبه “الحسّ المشترك”، الذي يحدّد ما هو مقبول وما هو مرفوض في الفضاء العام.

غير أن هذا التحوّل لا يقتصر على مستوى الخطاب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالأفراد الذين يظهرون في هذه الصور لا يؤدّون دورًا سلبيًا، بل يشاركون فعليًا في إعادة إنتاج هذه السردية. هنا، يصبح الفعل، الوقوف فوق الركام والهتاف، جزءًا من عملية أوسع لإعادة تثبيت الهوية الجماعية، حيث يعاد تعريف الانتماء من خلال القدرة على تحمّل الخسارة، بل وتمجيدها. هذه الدينامية التي أسماها ليون فستنغر بـ “التنافر المعرفي”، إذ يسعى الأفراد إلى تقليص الفجوة بين التجربة المادية القاسية (الدمار والخسارة) والسردية التي يؤمنون بها (النصر والصمود)، عبر إعادة تفسير الواقع بطريقة تجعل هذه الفجوة أقل حدّة.

في حالة حزب الله، تكتسب هذه العملية بعدًا إضافيًا، نظرًا الى الطبيعة الأيديولوجية والتنظيمية للحزب، التي تقوم على سردية “المقاومة” بوصفها إطارًا جامعًا يعلو على الاعتبارات الأخرى. ضمن هذا الإطار، لا ينظر إلى الخسائر بوصفها نتيجة قابلة للمراجعة، بل كجزء من مسار تاريخي طويل، تقاس فيه القيمة بمدى الاستمرار لا بمدى الكلفة. وبالتالي، فإن إعادة إنتاج صور الدمار ضمن قالب تمجيدي لا تكتفي بتبرير ما حدث، بل تساهم في تهيئة الأرضية لتكراره، عبر تثبيت المعايير التي تجعل منه مقبولًا، بل ومرغوبًا في بعض الأحيان.

تكمن إحدى أخطر نتائج هذه الدينامية في ما يمكن تسميته بـ”تعليق النقد”. فحين يعاد تقديم الدمار والموت ضمن قالب رومانسي أو بطولي، تصبح مساءلتهما أمرًا إشكاليًا، ليس فقط سياسيًا، بل أخلاقيًا أيضًا. إذ ينظر إلى أي محاولة لطرح أسئلة حول المسؤولية أو الجدوى كأنها تقليل من قيمة “التضحيات”، أو حتى كخيانة ضمنية للجماعة. وبهذا، لا يعود القمع بحاجة إلى أدوات مباشرة، بل يتحقّق عبر آليات رمزية تُقيد ما يمكن التفكير فيه أو قوله.

على مستوى أوسع، تؤدي هذه العملية إلى إغلاق تدريجي للفضاء العام، حيث تتقلّص إمكانات النقاش الحر، ويعاد إنتاج ما يمكن وصفه بـ”الإجماع المصطنع”. هذا الإجماع لا يعكس بالضرورة قناعة حقيقية لدى جميع الأفراد، بل ينتج من تكرار خطاب واحد وتهميش البدائل، بحيث يبدو وكأنه التعبير الوحيد الممكن. ومع مرور الوقت، يترسّخ هذا النمط إلى درجة يصبح فيها من الصعب تخيّل واقع أو خطاب مختلف.

في المحصّلة، لا يمكن فهم هذه الصور بمعزل عن السياق الذي ينتجها ويعيد إنتاجها. فهي ليست مجرد توثيق للحظة، بل جزء من منظومة رمزية تعمل على تحويل الدمار إلى معنى، والمعنى إلى أداة للضبط الاجتماعي والسياسي. ومع استمرار هذه العملية، ندخل في حلقة مفرغة، حيث يستخدم الدمار لتبرير نفسه: يعاد تأطيره، يمجّد، ثم يستدعى مجددًا ضمن الشروط ذاتها التي أدّت إليه.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت هذه الصور تعبّر عن الواقع، بل يصبح السؤال الأهم: إلى أي مدى تساهم في إعادة تشكيله؟ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الدمار المادي، بل في القدرة على جعله مقبولًا، بل ومحمودًا، ضمن وعي جمعي يعاد إنتاجه باستمرار. وهنا، تحديدًا، تتحوّل رمنسة الدمار من مجرد ظاهرة ثقافية إلى آلية سياسية واجتماعية متكاملة، تُعيد إنتاج الأزمة بدل أن تفتح المجال لتجاوزها.