أعلنت الداخلية العراقية أن قوة مشتركة من وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية وقطعات من الشرطة الاتحادية، “نفّذت عملية أمنية استهدفت أماكن متفرقة في العاصمة بغداد عائدة إلى المدعو (إسماعيل المكنى أبو درع) وأبنائه وأفراد حمايته”.
مداهمات، أوامر قبض، وأسلحة مضبوطة، مشهد يبدو اعتيادياً في بيانات وزارة الداخلية، لكنه هنا مختلف. فالقضية لا تتعلق بمطلوب عادي، بل برجلٍ ارتبط اسمه بالخوف والنفوذ، وبسؤال عراقي مزمن: متى يصبح القانون أقوى من السلاح، وأعلى من أي غطاء سياسي أو ديني؟
لحظة متأخّرة من الدولة
في 28 نيسان/ إبريل 2026، لم يكن بيان وزارة الداخلية مجرد خبر أمني عابر، بل بدا كأنه محاولة متأخرة لفتح ملف ظل مغلقاً لعقود. العملية التي استهدفت مواقع تعود الى إسماعيل اللامي، المعروف بـ”أبو درع”، كشفت عن حجم القوة التي كان يتحرك بها: أسلحة متنوعة، أموال، عجلات، وشبكة حماية. وعلى رغم عدم إلقاء القبض عليه، فإن المشهد أعاد تسليط الضوء على أن تحرك الدولة جاء في سياق إعادة ضبط موازين القوى، أكثر من كونه تحولاً مفاجئاً في نهج المواجهة.
رجل خرج من قلب الفوضى
لم يكن “أبو درع” ظاهرة طارئة، بل نتاج لحظة عراقية مفصلية بعد 2003، حين انهارت الحدود بين الدولة واللادولة. في تلك المرحلة، صعدت شخصيات مسلحة استثمرت في الانقسام الطائفي، وقدمت نفسها كحامية لجماعاتها. هكذا تشكلت صورة “زرقاوي الشيعة”، ليس فقط بسبب حجم العنف المنسوب إليه، بل لأنه جسد نموذجاً لمقاتل يعمل خارج القانون، لكنه يتحرك داخل بيئة تمنحه الشرعية والحماية.
ملف الدم في سنوات الفوضى
يُنسب إلى إسماعيل اللامي تورطه في سلسلة من الحوادث التي ارتبطت بمرحلة العنف الطائفي في العراق بعد 2003، إذ تتحدث روايات وشهادات متداولة عن عمليات اختطاف طاولت عشرات المدنيين من أبناء المكوّن السني، عُثر على بعض جثثهم لاحقاً في مكب نفايات بمنطقة السدة قرب مدينة الصدر. كما تُشير معطيات أخرى إلى استخدام سيارات إسعاف حكومية في عمليات نقل مجموعات من الشبان، انتهت حياتهم في ظروف غامضة، وسط اتهامات بتوظيف تلك المركبات في عمليات اقتحام داخل مناطق مثل الأعظمية، رافقها خطاب تعبوي في سياق التوتر الأمني آنذاك.
العابر بين الجبهات والظلال
يرتبط اسم “أبو درع” أيضاً بملفات أكثر تعقيداً، من بينها حادثة اختطاف النائب السني تيسير المشهداني عام 2006، الذي أُفرج عنه بعد نحو شهرين من الاحتجاز، إضافة إلى اتهامات تتعلق بتهجير قسري طاول مئات العائلات في بغداد ومناطق أخرى. كما يُذكر اسمه في سياق اختطاف خمسة مواطنين بريطانيين من وزارة المالية العراقية عام 2007، في واحدة من أكثر القضايا الأمنية تعقيداً في تلك المرحلة.
وفي الفترة ذاتها، صدرت بيانات متناقضة بشأن مقتله شمال بغداد، قبل أن يُذكر لاحقاً في تقارير إعلامية ومعلومات استخبارية تشير إلى مغادرته العراق إلى إيران عام 2007، ثم عودته إلى الواجهة السياسية والأمنية تدريجياً بعد 2010، وصولاً إلى ظهوره في مشاهد عامة خلال احتجاجات 2014 و2020 ضمن سياقات إعادة التموضع داخل المشهد العراقي المتغير.
العنف كوسيلة حكم
التقارير المرتبطة باسم “أبو درع” لا تتناول وقائع متفرقة بقدر ما ترسم ملامح نمط متكامل في إدارة العنف. فعمليات الخطف الجماعي، وإلقاء الجثث في مناطق نائية، واستغلال إمكانات الدولة، تعكس آليات منظمة تتجاوز الفعل الفردي. تقوم هذه الممارسات على توظيف الترهيب كأداة للسيطرة وفرض النفوذ. خلال سنوات الاحتقان الطائفي، لم يكن العنف موجهاً فقط لإقصاء الخصوم، بل استُخدم لترسيخ واقع قائم على الخوف، يمنح الفاعل المسلح موقعاً متقدماً خارج إطار القانون.
الحماية السياسية كدرع خفيّ
لم يكن بقاء “أبو درع” بعيداً عن الملاحقة طوال هذه السنوات مصادفة، إذ كان يُعرف بادعائه الانتماء إلى التيار الصدري، ما وفر له غطاءً غير مباشر جعل الاقتراب منه مسألة معقدة سياسياً. في العراق، لا يُقاس النفوذ بعدد القوانين بل بعدد الأنصار، ولا تُحسم المعارك داخل المحاكم فقط بل في موازين القوى. لذلك، ظل الرجل محمياً ضمن شبكة من الولاءات التي جعلت أي تحرك ضده يحمل أبعاداً أكبر من مجرد إجراء قانوني.
مع ذلك، أعلن التيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر، لاحقاً وعبر سرايا السلام الجناح العسكري له، البراءة من 11 شخصاً، من بينهم 4 أبناء للقيادي السابق في التيار إسماعيل حافظ اللامي الملقب بـ”أبو درع”، إضافة إلى أحد أحفاده، في خطوة عكست إعادة ضبط العلاقة التنظيمية وإعادة رسم حدود الانتماء.
اقتحام الدولة… نقطة التحول
التحول الحقيقي لم يبدأ مع ملفات القتل القديمة، بل مع حادثة اقتحام دائرة حكومية نفذها أفراد تابعون لـ”أبو درع”، حين دخل السلاح إلى مؤسسة رسمية لفرض إرادة معينة. عند هذه اللحظة، تجاوز الأمر حدود الجرائم الفردية إلى تحدٍّ مباشر لهيبة الدولة، ولم يعد النفوذ محصوراً في الشارع، بل تمدد إلى داخل مؤسساتها. كشفت الحادثة هشاشة البنية الإدارية، وأظهرت أن الخطر لم يعد خارجها، بل بات يتغلغل في قلبها، حيث تُفرض القرارات بالقوة لا بالقانون. عند هذه النقطة تحديداً، لم يعد ممكناً تجاهل الملف أو تأجيله.
سلاح يعلو على القانون
قضية “أبو درع” تكشف معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة في العراق، فحين يمتلك فرد أو مجموعة سلاحاً ونفوذاً يفوق سلطة المؤسسات، يتحول القانون إلى خيار انتقائي. السلاح هنا لا يُستخدم فقط في المواجهة، بل في فرض الإرادة داخل الدوائر الحكومية، وفي التأثير على القرارات، هذا الواقع يخلق دولة موازية، تعمل داخل الدولة الرسمية وتحدّ من قدرتها على فرض سيادتها.
إقرأوا أيضاً:
لم يقتصر نفوذ “أبو درع”، على البعد الأمني، بل تمدد إلى مفاصل اقتصادية داخل بغداد، حيث ارتبط اسمه بالسيطرة على كراجات عامة وعقارات في عدد من المناطق الحيوية، ما حوّل النفوذ إلى أداة لفرض الهيمنة على حركة العمل اليومية، والتحكم بمصادر دخل ترتبط مباشرة بحياة الناس. لم يكن ذلك نشاطاً اقتصادياً طبيعياً، بل امتداداً لقوة السلاح داخل السوق، حيث تُدار المصالح خارج الأطر الرسمية. هذا التوسع لم يكن ممكناً لولا الغطاء السياسي الذي وفّر الحماية، وحوّل النفوذ إلى سلطة فعلية على الأرض، تتجاوز الدولة وتضع أرزاق المواطنين تحت رحمة القوة لا القانون.
إصدار مذكرات قبض بحق “أبو درع”، في هذا التوقيت، يطرح إشكالية العدالة المؤجلة. لسنوات، ظلت الاتهامات الموجهة إليه من دون متابعة حقيقية، على رغم خطورتها. هذا التأخير يعكس إشكالية بنيوية في عمل القضاء، الذي يجد نفسه أحياناً محاصراً بالضغوط السياسية والأمنية. حين تتأخر العدالة، تفقد جزءاً من معناها، ويشعر الضحايا أن حقوقهم لم تكن أولوية.
تحوّل “أبو درع”، مع مرور الوقت، إلى شخصية تتجاوز الواقع، تُروى حولها القصص وتختلط فيها الحقيقة بالخيال. الحديث عن مقتله أكثر من مرة، وظهوره لاحقاً، وربطه بشخصيات سينمائية، كلها عناصر صنعت هالة خاصة حوله، هذه الهالة ليست مجرد تفاصيل، بل تعكس ضعف الرواية الرسمية، وغياب الشفافية، ما يفتح المجال لانتشار الأساطير في فراغ المعلومات.
اختبار الدولة الحقيقي
قصة “أبو درع” لا تقف عند شخص واحد، بل تكشف نمطاً يتكرر بأسماء مختلفة وولاءات متعددة. في أكثر من منطقة، يظهر نموذج مشابه، شخصية مسلحة تستند إلى غطاء سياسي أو ديني، تفرض حضورها بالقوة، وتبني نفوذاً يتجاوز مؤسسات الدولة. يتغير الزعيم، ويتبدل الموقع، لكن الآلية واحدة، سلاح يسبق القانون، ونفوذ يُترجم إلى سلطة يومية على الناس، من العمل إلى الحركة وحتى أبسط تفاصيل الحياة. هذه الظاهرة تعني أن المشكلة أعمق من كونها فردية، وأن إنهاءها لا يتحقق بملاحقة اسم بعينه، بل بكسر الحلقة التي تنتج “أبو درع”، جديداً في كل مرة.












