ثمة مصدران للشرعية في إيران: السيادة الشعبية عبر الانتخابات (“ولاية الشعب/الأمة”) كون إيران “جمهورية”، و”ولاية الفقيه” الذي هو فوق الجميع، من حيث إن نظام الحكم إسلامي. يتبع لولاية الفقيه كل من: مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، في حين تختص ولاية الشعب بمؤسسات نافذة هي مجلس خبراء القيادة، ورئاسة الجمهورية، ومجلس الشورى الإسلامي، وهي المؤسسات المنتخبة مباشرة من الشعب.
كان الإمام الخميني يستطيع الموازنة بين المصدرين، وكان الدستور الأول للجمهورية الإسلامية يسمح بذلك، وكذلك وجود الأقطاب الرئيسيين المحيطين بالإمام زمن الكفاح والسجون، ناهيك بالشعبية الكاسحة والكاريزمية للإمام. لكن الآن الهوة تزداد اتساعًا بين الشرعيتين الشعبية والدينية (خصوصًا منذ حركة 2009 الإصلاحية).
شهدت إيران منذ فترة ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد الأولى عام 2005 ثم انتخابات 2009 التي زُوِّرت نتائجها وقُمع المعارضون في الحركة الخضراء، تحولًا عميقًا تمثل في قيام نظام شبه عسكري يقوده الحرس الثوري (الباسداران) ورديفه (البسيج)، وتحت إشراف روحي ومعنوي من المرشد الأعلى ومكتبه.
لقد تمت عسكرة السلطة عبر الحرس الثوري، ومن ثم فإن ما يحدث منذ وأد الحركة الإصلاحية الخضراء عام 2009 هو رفض المؤسسة العسكرية –أي الحرس الثوري وليس الجيش- تسليم السلطة للمدنيين، خصوصًا وأنه “تربع” على مصادر إنتاج الثروة والقوة في المجتمع الإيراني. وكانت عسكرة الحقل السياسي خير ضمانة لولائه للنظام السياسي ولضمان ديمومته في المستقبل. يكفي أن نرى النسبة الكبيرة من أعضاء البرلمان الإيراني الذين لهم خلفيات عسكرية في الحرس الثوري؛ كما أن الكثيرين منهم يشغلون مناصب رئيسية ولجانًا مؤثرة، ما يعزز نفوذ المؤسسة العسكرية في صنع السياسات. كما أن القطاعات الاقتصادية والمنشآت والتجارة وحقول النفط والغاز كلها تقع تقريبًا تحت سيطرة الحرس الثوري.
بعد الحركة الاحتجاجية الكبرى في عام 2009، عمل السيد الخامنئي على نقل الصراع من الشارع إلى حلقة النظام الضيقة، ثم عمل بعدها على تحجيم الرئيس أحمدي نجاد وإضعافه، إلى حد نبذه وتجريمه لاحقًا، ليس لمصلحة الإصلاحيين بالطبع ولكن لمصلحة توازن دقيق يمسك هو بعصاه ويستخدمه وفق الحاجة. من هنا تفاقمت الخلافات التي نشأت داخل الجناح الأصولي من التيار المحافظ، لا سيما بين مجموعة الرئيس أحمدي نجاد، ومجموعة الأصوليين المعارضين له والمنتقدين لسياسته، والتي ضمت رموزا أصولية بارزة مثل علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى، ومحسن رضائي أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام وقائد الحرس الثورى الأسبق، ومحمد باقر قاليباف رئيس بلدية طهران، أدت إلى إسقاط المرشحين الأصوليين في الانتخابات الرئاسية، عندما تعمد خامنئى تقوية الأصوليين البراغماتيين (لاريجاني – رضائي – قاليباف) على حساب الأصوليين الراديكاليين بزعامة الرئيس أحمدي نجاد، في محاولة لخلق توازن بين التيارين يمكن من خلاله إدارة الحكم عبر التنافس، بشرط ألا يتحول إلى صراع على نحو التجربة السابقة للإصلاحيين مع المحافظين. ذلك أنه لا غنى للنظام عن وجود الاتجاه الإصلاحي المحافظ في الرئاسة (خاتمي، رفسنجاني، روحاني، رئيسي، بزشكيان). وهكذا نفهم تمامًا كيف يحافظ النظام على التوازن بين قرارات السلطة السياسية (في رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية) المتسمة بشكل عام بالمرونة، في مقابل تشدد الحرس الثوري وممثليه في البرلمان وخارجه.
هذه المرونة سببها أيضًا ارتباط الأيديولوجية بالمصلحة في إيران، وهو ارتباط يسمح للسطة بتقديم تنازلات سواء للمعارضين في الداخل والثائرين على الفساد، أو لدول المنطقة سعيًا الى كسب دعمها أو حيادها.
الصراع الداخلي حول الدولة
أحدث الاتفاق الشامل لعام 2026 بين واشنطن وطهران هزة عنيفة في هيكلية القوى داخل النظام الإيراني، إذ لم يعد الصراع بين التيارات مجرد ترف فكري أو مناورات انتخابية، بل تحول إلى صراع حول “هوية الدولة” ما بعد المرشد وما بعد حقبة الصدام العسكري.
بنية النظام الإيراني بعد اتفاق 2026: من صراع الهوية إلى براغماتية البقاء
لطالما كان الحديث عن وجود تيارين يتنازعان السلطة في إيران: التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، لازمة تحليلية عند مناقشة الخبراء الغربيين والشرقيين السياسات الإيرانية. لكن لا يمكن اختزال الواقع الإيراني بمجرد هذا الانقسام (الصحيح طبعًا إنما غير الوحيد). فتركيبة النظام الإيراني تتّسم بالتعقيد الشديد وبوجود توازنات دقيقة بين هيئات الحكم ومؤسساته. والشيء الأكيد هو أن قادة إيران يختلفون حول أمور كثيرة إلا أنهم يتحدون حول أفضل السبل لخدمة مصالح بلادهم. فعلى سبيل المثال، خلال الأزمة الأخيرة من الاحتجاجات أواخر عام 2025، تقاطعت فئات المعتدلين، من المحافظين والإصلاحيين على السواء، مع التيار المحافظ الأصولي، في اعتبار أن سقوط النظام خط أحمر. هذا ما صرح به، على سبيل المثال، الرئيس السابق محمد خاتمي: “إذا زال هذا النظام بكل نواقصه وعيوبه، فإن مصير إيران سيكون أشد مرارة مما هو عليه اليوم. فالنزعات الانفصالية، والتدخل الخارجي، والاختراقات، ستؤدي إلى تدمير إيران”.
الإجماع على “الخطوط الحمراء” الوجودية
أثبتت الأيام التي تلت تلاشي الحراك الانتفاضي في الشارع، أن النظام يملك تحريك كتلته الصلبة في الحرس والبسيج والفئات المنضوية في المؤسسات العسكرية والأمنية، الذين يرفضون أي نوع من التسوية مع الغرب، وهم قادوا مرارًا الحملات لإسقاط الاتفاق النووي وخوّنوا كل من تفاوض مع الأميركيين.
على الرغم من هشاشة القاعدة الاجتماعية، إلا أن النظام لا يزال يمسك بمفاصل حياة جزء كبير من السكان اليومية، عبر شبكات ريعية واقتصادية معقدة. وهنا تكمن المفارقة بعد الاتفاق: الحرس الثوري، الذي كان تاريخيًا يرفض التسوية ويخوّن المفاوضين، أصبح اليوم هو “الضامن التنفيذي” للاتفاق. فالحرس، بموارده الاقتصادية الضخمة، أدرك أن الحصار المطبق والحرب المباشرة سيهددان إمبراطوريته المالية ووظائفه العسكرية، ما دفعه للانحياز الى التيار البراغماتي لتأمين الموارد عبر رفع العقوبات داخل البلاد”
ومع توقيع الاتفاق الأخير، انتقل هذا الإجماع من “تحصين الجبهة الداخلية” إلى “شرعنة التنازلات”؛ إذ استطاع النظام الدفاع عن قبول الاتفاق، ليس كاستسلام، بل كـ “تجرع لسم الضرورة” لحماية مؤسسات الدولة من التفكك الكامل بعد الضربات العسكرية التي طاولت مراكز القيادة.
فرز المسارات: اتجاه التغيير مقابل اتجاه الثبات
أبرزت مرحلة “ما بعد الاتفاق” اتجاهين متصارعين داخل الحلقة الضيقة للنظام:
اتجاه “الدولة الواقعية” (المعتدلون والبراغماتيون): يقود هذا الاتجاه مزيج من الإصلاحيين والجناح التقليدي في التيار المحافظ (بقيادة قاليباف وعراقجي وبدعم من بزشكيان). يرى هؤلاء أن الاتفاق مع أميركا هو فرصة ذهبية لتحويل إيران من “ثورة مستمرة” إلى “دولة إقليمية وازنة”. يدعون إلى تغليب المصالح الاقتصادية على الشعارات الأيديولوجية، ويرون في النموذج التركي (العلاقة النفعية مع الغرب) مخرجًا لإعادة بناء القوة الوطنية. هؤلاء هم من دفعوا بعدم الثقة المطلقة في الروس والصينيين، معتبرين أن “التوجه شرقًا” فشل في حماية إيران وقت الشدة.
اتجاه “الحصن العقائدي” (الأصوليون المتشددون): على الرغم من توقيع الاتفاق، لا يزال هذا الجناح يحذر من “الاختراق الثقافي” والقيم الغربية. يرى هؤلاء أن الشعب لا دور له في اختيار مسار الدولة الاستراتيجي، وأن الاتفاق مجرد هدنة تكتيكية. لا يزالون يراهنون على أن التحالف مع موسكو وبكين هو الضمانة الوحيدة لمواجهة الهيمنة الأميركية على المدى الطويل، ويخشون من أن الانفتاح الاقتصادي سيؤدي حتمًا إلى تآكل هوية النظام الإسلامية.
الخلاصة
انتقال الصراع من “الشارع” إلى “داخل الغرف المغلقة” حول بنود الاتفاق وتطبيقه، يعكس واقع إيران الجديد في عام 2026. لم تعد المشكلة في “هل نتفاوض؟” بل في “كيف ندير مكاسب التفاوض؟”. لقد انتصر تيار المصلحة على تيار الأيديولوجيا في اللحظة الحرجة، لكن مستقبل إيران يبقى معلقًا بين رغبة الإصلاحيين في الانفتاح الكامل، وحذر المتشددين الذين يرون في كل دولار يدخل البلاد “حصان طروادة” أميركيًا.
سيناريوهات الخلافة
تآكل النخب وهندسة الفراغ المفاجئ
لم يكن البحث عن خليفة محتمل للمرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي نتيجة تطورات عام 2026 وحدها، بل جاء في سياق تراجع متواصل في عدد الشخصيات التي كانت تُطرح داخل النخبة الإيرانية بوصفها مرشحين محتملين لأدوار قيادية عليا. فقد توفي الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني عام 2017، في وفاة أثارت تساؤلات لدى بعض أفراد عائلته الذين دعوا إلى مزيد من التحقيق في ملابساتها. كما توفي آية الله محمود هاشمي الشهرودي عام 2018 بعدما كان يُنظر إليه في بعض الأوساط السياسية والدينية بوصفه أحد الأسماء المطروحة لخلافة المرشد الأعلى. ثم جاء مقتل قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني في ضربة أميركية قرب مطار بغداد في كانون الثاني/ يناير 2020، وهو ما حرم النظام الإيراني من إحدى أبرز شخصياته العسكرية والإقليمية وأكثرها نفوذًا. وتعمقت حالة الفراغ داخل النخبة الحاكمة مع وفاة الرئيس الإيراني الثامن إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان في حادث تحطم المروحية الرئاسية في أيار/ مايو 2024، علماً أن رئيسي كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة الخامنئي.
هذا التآكل المنظم في طبقة القادة الكبار الموالين تاريخيًا للمرشد، مهد الطريق لسيناريو “الفراغ الزلزالي الكارثي”، الذي تحقق عمليًا إثر الاستهداف المباشر لمركز القيادة ومقتل الخامنئي في ضربات 28 شباط/ فبراير 2026.
عسكرة النظام وشكل القيادة الجماعية الراهنة
أدى الصعود غير المسبوق لـ “عسكرة النظام”، إلى جعل الحرس الثوري الإيراني اللاعب الأقوى والمهيمن الفعلي على صياغة القرار السياسي والدفاعي، محولًا الجمهورية الإسلامية إلى نظام سياسي وأمني يحكم بقبضة العسكر خلف واجهة مدنية براغماتية (يمثلها بزشكيان وعراقجي).
إلا أن “الحرس الثوري” ليس كتلة صخرية صماء؛ فانخراطه الطويل في شبكات النفط والاقتصاد والأعمال خلق تعددية في الولاءات والمصالح تظهر بوضوح خلف كواليس التفاوض الراهنة؛ إذ يضغط جناح الصقور لمواصلة ضرب ممرات الطاقة الدولية وتخصيب اليورانيوم كأوراق ضغط، بينما يدفع الجناح التكنوقراطي-البراغماتي نحو إنجاح تسوية إسلام آباد لرفع الحصار وتفادي الانهيار الاقتصادي.
هذه العسكرة تصطدم بنيويًا بمزاج المجتمع الإيراني، الذي أثبت في المحطات الانتخابية الأخيرة كافة نفوره من “العسكر؛ وتاريخيًا لم يفز أي من خلفيات الحرس بالرئاسة سوى أحمدي نجاد عام 2005، والذي أدى التزوير الفاضح لإعادة انتخابه عام 2009 إلى تفجير الحركة الخضراء.
تنصيب مجتبى خامنئي والغموض الراهن
أمام خطر التفكك والانهيار تحت وطأة القصف الصاروخي الأميركي- الإسرائيلي، وفي خضم حرب الـ12 يومًا، سارع مجلس الخبراء في خطوة استثنائية مشحونة بالتحدي والاضطرار، إلى انتخاب السيد مجتبى خامنئي (مواليد 1969) مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية. جاء هذا التعيين، بتدخل واضح ودعم قوي من الحرس الثوري، متجاوزًا المحاذير التقليدية التي لطالما قيدت هذا السيناريو، وفي مقدمها النفور الشعبي والنخبوي من فكرة “الخلافة العائلية/الموروثة” في بلد أسقط نظامًا ملكيًا، فضلًا عن الطعن الديني في مؤهلاته الفقهية لعدم بلوغه رتبة المرجعية العليا (آية الله العظمى)، وعدم شغله أي منصب عام صريح، وتفضيله إدارة خيوط السلطة سريًا من مكتب والده.
وفيما برز بشكل واضح اصطفاف مؤسسات الدولة والحرس الثوري خلف القيادة الجديدة، فإن هذا التنصيب سرعان ما أحاط به غموض استراتيجي كثيف ترفض طهران تبديده حتى اليوم. فقد أشارت تسريبات وتقارير إعلامية غير مؤكدة إلى احتمال تعرض مجتبى خامنئي أو محيطه الأمني لاستهداف خلال موجة الضربات التي استهدفت المخابئ الحصينة ومقرات القيادة في شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2026. وتتعمد طهران إبقاء حالة الغموض هذه قائمة، مستخدمة إياها كأداة لإدارة جبهة الحرب النفسية وحماية رأس الهرم من ملاحقة الطائرات والمسيّرات، بينما تواصل الماكينة الإعلامية بث رسائل مقتضبة وغير قطعية تزيد المشهد تعقيدًا وضبابية، ما ترك منصب الولي الفقيه اليوم رمزيًا ومحاطًا بأسئلة وجودية حول مصيره الفعلي.
إقرأوا أيضاً:
هذا الغموض الشديد حول المرشد الجديد، وظروف الحرب المعقدة والحصار الدبلوماسي والبحري المطبق، فرضت عمليًا الانتقال إلى “القيادة الجماعية الواقعية المشتركة”، عبر مجلس قيادة غير معلن أشرف على مرحلة الصدام والتفاوض، ويتولى اليوم هندسة مرحلة ما بعد الاتفاق التاريخي الشامل مع الولايات المتحدة وتطبيق بنوده الصعبة مع الحفاظ على التوازن الداخلي. وهو يتكون من:
محمد باقر قاليباف (رئيس مجلس الشورى والقائد السابق في الحرس الثوري والعرّاب السياسي للتسوية).
مسعود بزشكيان (رئيس الجمهورية) ووزير خارجيته عباس عراقجي (الوجه الدبلوماسي والتنفيذي للاتفاق).
أحمد وحيدي (القائد العام للحرس الثوري منذ آذار/ مارس 2026، وهو يمثل ‘صمام الأمان العقائدي والعسكري’، والذي قاد التوازنات الصعبة وربط القبول بالاتفاق بضمانات عدم تقويض القدرات الدفاعية الأساسية).
اللواء علي عبد اللهي علي آبادي قائد مقرّ خاتم الأنبياء المركزي، وهو أعلى هيئة لقيادة العمليات في القوات المسلحة الإيرانية، ودائرة التنسيق العليا بين مختلف تشكيلاتها، بخاصة بين الجيش النظامي والحرس الثوري.
وتتداخل مع هذه القيادة الخماسية مجموعة من العناصر الفاعلة من خلال مؤسستين مميزتين:
مكتب المرشد الأعلى (دفتر مقام معظم رهبری)، المعروف أيضًا باسم بيت القيادة (بیت رهبری)، هو المقر الرسمي للقائد المرشد، وقد تحول منذ عام 1989 (بداية عهد علي خامنئي) من مجرد سكرتارية دينية تقليدية إلى إمبراطورية بيروقراطية وأمنية تتحكم بمفاصل الدولة كافة الاقتصادية والعسكرية. تعرض مقر “بيت القيادة” في طهران لتدمير كامل جراء القصف الجوي في 28 شباط/ فبراير 2026. ومع ذلك، فإن هيكل المكتب الإداري وشبكته البيروقراطية لا يزالان يعملان ويمارسان نفوذهما كأداة تحكم وسيطرة. يرأس المكتب اليوم محمد محمدي كلبايکاني، ويساعده: وحيد حقانيان (نائب رئيس المكتب) وعلي أصغر حجازي(رئيس الشؤون الأمنية في المكتب) . وقد عين مجتبى خامنئي أخيرًا محسن رضائي (القائد السابق للحرس الثوري) مستشارًا عسكريًا للمرشد. واحتفظ علي أكبر ولايتي بموقعه كمستشار للشؤون الدولية. عمليًا المكتب هو صلة وصل المرشد الأعلى مع المؤسسات والمراكز الكبرى وإدارة الأوامر لمختلف المنظمات العسكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية الأخرى. يعمل تحت هذا المكتب عدد من المستشارين السياسيين والعسكريين والدينيين. لهؤلاء المستشارين دور مؤثر في القرارات المتخذة في جميع أنحاء البلاد. تقديرات عام 2026 أن عدد العاملين في المكتب 4000، وأن حوالى 40000 يرتبطون به من خلال الحكومة والبرلمان والمؤسسات المختلفة. وبحسب علي مطهري، النائب السابق في البرلمان عن طهران، فإن تأثير المكتب في إدارة شؤون البلاد كبير إلى حد أن البرلمان ليس سوى فرع من فروعه.
المجلس الأعلى لقادة ومسؤولي الحرس الثوري (شوراي عالي فرماندهان ومسئولان سباه) وهو أعلى هيئة قيادية، يختص بوضع خطط الحرس الثوري العسكرية والأمنية والسياسية الشاملة، واتخاذ القرارات المصيرية، والتنسيق بين مختلف أفرع الحرس الثوري (القوات البرية، القوات البحرية، القوات الجوفضائية المسؤولة عن برنامج الصواريخ والمسيرات، فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية والتحالفات الإقليمية، قوات التعبئة أو الباسيج). وهذا المجلس يرفع توصياته وخططه مباشرة إلى المرشد الأعلى (مجتبى خامنئي حاليًا) عبر المكتب العسكري التابع له لغرض المصادقة النهائية، ما يبرز حلقة الوصل البيروقراطية التي ذكرتها في ما سبق.
شروط القائد ومأزق الفقه الدستوري (بين دفتي 1979 و1989)
كرّس صعود مجتبى خامنئي إلى سدة القيادة العليا/ولاية الفقيه، بالتوازي مع ممارسة ‘القيادة الجماعية’ مهامها الميدانية، واقعاً سياسياً تجاوز فعلياً الأطر التقليدية لدستور 1979 وتعديلات 1989. هذا التحول وضع النظام أمام استحقاق دستوري وفقهي غير مسبوق؛ إذ لم يعد الجدل يدور حول ‘شروط الولي الفقيه’ ومعايير الاجتهاد والأعلمية —التي تم تجاوزها تاريخياً مع السيد علي خامنئي— بل انتقل المأزق إلى شرعية توزيع الصلاحيات المطلقة للمرشد على ‘مجلس قيادة’ غير منصوص عليه دستورياً، ما خلق فجوة بين ‘النص الهيكلي’ للدولة وبين ‘الضرورة الواقعية’ التي تفرضها مرحلة ما بعد الصدام العسكري واتفاق 2026. ولفهم هذا الإشكال لا بد من العودة إلى الدستور وتعديلاته وتطبيقاته.
بعد وفاة الإمام الخميني (3 حزيران /يونيو 1989)، أجريت تغييرات في الدستور، خصوصًا في المواد 5، 107، 109، وأضيقت مواد أخرى. لعل أهم التغييرات تتعلق بحذف شرط المرجعية للزعيم الذي يتولی منصب ولاية الفقيه، وتوسيع صلاحيات الولي الفقيه إلى ولاية مطلقة، وتغيير اسم مجلس الشوری الوطني إلی مجلس الشوری الإسلامي، ودمج رئاسة الوزراء مع رئاسة الدولة تحت مسمى رئيس الجمهورية الإسلامية.
في الدستور الأول الذي أقر زمن الإمام الخميني (في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1979) ورد في المادة الخامسة ما يلي: “في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه، تعتبر ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير ممن أقرت له أكثرية الأمة وقبلته قائدًا لها، وفي حالة عدم إحراز أي فقيه لهذه الأكثرية فإن القائد أو مجلس القيادة المكون من الفقهاء الحائزين على الشروط المذكورة أعلاه يتولون هذه المسؤولية، وذلك وفقًا للمادة 107”.
في الدستور المعدل زمن الإمام الخامنئي (في 28 يوليو 1989) ترد المادة الخامسة هكذا: “في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه، تعتبر ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير، وفقًا للمادة 107”.
المادة 107 في دستور 1979: “إذا نال أحد الفقهاء الجامعين للشرائط المذكورة في المادة الخامسة من هذا الدستور، على إقرار واعتراف الشعب -بأكثريته الساحقة- لمرجعيته وقيادته- كما تحقق ذلك بالنسبة للمرجع الإسلامي الكبير وقائد الثورة آية الله العظمى الإمام الخميني- تكون ولاية الأمر بيده ويتولى جميع الصلاحيات الناشئة عنها. وعند عدم تحقق ذلك فإن الخبراء المنتخبين من قبل الشعب يبحثون ويتشاورون حول كافة الأشخاص الذين لهم صلاحية المرجعية والقيادة، فإذا وجدوا مرجعًا واحدًا يملك امتيازًا خاصًا للقيادة فإنهم يعرّفونه للشعب باعتباره قائدًا، وإلا فإنهم يعيّنون ثلاثة أو خمسة مراجع من جامعي شرائط القيادة ويعرفونهم إلى الشعب باعتبارهم أعذاء لمجلس القيادة”.
المادة 109 في دستور 1979: شروط وصفات القائد وأعضاء مجلس القيادة: 1- الصلاحية العلمية والتقوى اللازمتان للإفتاء والمرجعية. 2- الكفاءة السياسية والاجتماعية والشجاعة والقدرة والإدارة الكافية للقيادة.
المادة 107 في دستور 1989: “بعد وفاة المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني (قدّس سره الشريف) الذي اعترفت الأكثرية الساحقة للناس بمرجعيته وقيادته، توكل مهمة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من قبل الشعب. وهؤلاء الخبراء يدرسون ويتشاورون بشأن كل الفقهاء الجامعين للشرائط المذكورة في المادتين الخامسة والتاسعة بعد المائة، ومتى ما شخصوا فردًا منهم – باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية أو المسائل السياسية والاجتماعية، أو حيازته تأييد الرأى العام، أو تمتعه بشكل بارز بإحدى الصفات المذكورة في المادة التاسعة بعد المائة – انتخبوه للقيادة، وإلا فإنهم ينتخبون أحدهم ويعلنونه قائدًا، ويتمتع القائد المنتخب بولاية الأمر ويتحمل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك. ويتساوى القائد مع كل أفراد البلاد أمام القانون”.
المادة 109 في دستور 1989: “الشروط اللازم توفرها في القائد وصفاته هي: 1- الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه. 2- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية .3- الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية للقيادة. وعند تعدد من تتوفر فيهم الشروط المذكورة يفضل من كان منهم حائزا على رؤية فقهية وسياسية أقوى من غيره”.
يكشف إسقاط هذه المواد الدستورية على الواقع الحالي المعضلة الراهنة:
شرعية مجتبى خامنئي: أثار ترشيح مجتبى خامنئي نقاشًا بين الباحثين ورجال الدين بشأن مدى انطباق الشروط الفقهية المنصوص عليها في المادة 109 عليه، ولا سيما ما يتعلق بالكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء، بموجب المادة 109 من دستور 1989. كما أن غيابه عن الفضاء العام وتعيينه في الغرف المغلقة يتناقضان مع روح المادة 107 التي تتطلب حيازة تأييد الرأي العام والظهور العلني.
مأزق مجلس القيادة الجماعي: عى الرغم من أن دستور 1989 ألغى صراحة صيغة “مجلس القيادة الجماعي” وحصر السلطة في فرد واحد (الولي الفقيه المطلق)، إلا أن واقع الغموض العسكري والحرب في نيسان/ أبريل 2026 فرضا حكمًا جماعيًا واقعيًا يتجاوز النص الدستوري القائم؛ إذ يرى محللون أن تعدد مراكز القرار داخل الجمهورية الإسلامية، وبخاصة بين الرئاسة والحرس الثوري والسلطة القضائية ومكتب المرشد، قد يدفع عمليًا نحو نمط من القيادة الجماعية غير الرسمية. هذا التناقض بين النص الإقصائي والواقع الجماعي الإجباري يعمق أزمة شرعية النظام الفقهية.
النظام اختار “البقاء السياسي” (عبر القيادة الجماعية والاتفاق مع أميركا) على حساب “الجمود الدستوري”، ما جعل الدستور في حالة “تعطيل وظيفي” لصالح قرارات مجلس القيادة المشترك.
استشراف مستقبل النظام والدولة في مرحلة السلم البارد
على وقع توقيع الاتفاق الشامل مع الولايات المتحدة، ودخول البلاد الحقبة الرسمية الأولى لـ “ما بعد علي خامنئي” (مع تحديد موعد تشييع جنازته)، يتأرجح مستقبل النظام الإيراني تحت قيادة مجتبى خامنئي والقيادة الجماعية الراهنة بين ثلاثة مسارات مصيرية محددة:
أ. سيناريو “غورباتشوف الإيراني” (الانفتاح الممنهج والتفكك البطيء)
يفترض هذا المسار أن يؤدي رفع العقوبات وتدفق الأموال بموجب الاتفاق الشامل، إلى صعود حتمي للتيار التكنوقراطي البراغماتي (بزشكيان، وعراقجي، وقاليباف) على حساب الجناح الأيديولوجي المتشدد.
هذا المسار يشبه تاريخيًا نمط “البريسـترويكا والغلاسنوست” التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي، والتي بدأت كخطة لإنقاذ الدولة عبر تسوية مع الغرب. في هذا المسار، يجد مجتبى خامنئي والقيادة الجماعية أنفسهم مضطرين لتوسيع هامش الحريات الداخلية وإصلاح البنية الاقتصادية المتآكلة تلبيةً لشروط الاندماج الدولي، وضمان تدفق الاستثمارات، ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الشرعية الأيديولوجية للنظام، وتنامي قوة التيارات المدنية والإصلاحية، وينتهي تاريخيًا بتفكك بنية النظام الموازية وإلغاء سلطة الفقيه والحرس من الداخل بدون الحاجة الى صدام عسكري جديد، ما قد يقود على المدى البعيد إلى دولة مدنية عادية.
ب. سيناريو “المأسسة الدستورية للقيادة الجماعية” (الجمهورية المقيدة)
يفترض هذا السيناريو نجاح الجناح البراغماتي (بزشكيان، وعراقجي، وقاليباف) في استغلال أجواء التهدئة الدولية بعد الاتفاق لفرض واقع دستوري جديد ينهي “المأزق الفقهي” الراهن ويحول “الترتيب المؤقت الحالي” إلى صيغة حكم جديدة. بموجب هذا المسار، يُجبر مجلس الخبراء على إجراء تعديلات دستورية جذرية تُقونن دور “مجلس القيادة المشترك” كجهة تنفيذية عليا تدير شؤون البلاد بالتقاسم مع المرشد الجديد مجتبى خامنئي مع تقييد صلاحياته المطلقة وجعل قرارات السلم والحرب والسياسة الخارجية خاضعة للتوافق الإلزامي بين قادة المؤسسة العسكرية (الحرس الثوري) وتكنوقراط الحكومة والبرلمان. وبهذا يتحول منصب الولي الفقيه في هذا السيناريو إلى موقع رمزي وروحي يُضفي الشرعية على قرارات الدولة، بينما تنتقل الصلاحيات المطلقة فعليًا إلى تحالف تكنوقراطي-عسكري يدير “الدولة العادية” بعيدًا عن الشعارات الثورية العابرة للحدود. يضمن هذا السيناريو بقاء الدولة واستقرارها الجيوسياسي بعد الاتفاق، لكنه يحمل في طياته خطر تحول الصراع الداخلي من صراع عقائدي إلى صراع نفوذ ومصالح اقتصادية مستمر بين أقطاب هذه القيادة الجماعية.
ج. سيناريو “الديكتاتورية العسكرية البراغماتية”
يسميه البعض “البونابرتية” أو ديكتاتورية الحرس الرأسمالية. يقوم هذا المسار على تحول إيران إلى نظام عسكري بحت تحت غطاء ديني رمزي؛ إذ يُثبَّت “مجتبى خامنئي” كمرشد أعلى في موقع روحي محجوب، بينما يتولى الحرس الثوري (بقيادة أحمد وحيدي ومحسن رضائي ومقر خاتم الأنبياء) إدارة البلاد الفعلية والمطلقة من خلف الستار. في هذا السيناريو، يستخدم الحرس رمزية المرشد لمنع أي تمرد داخلي، ويتخلى تماماً عن طابعه الثوري وعقيدة “الدفاع المتقدم” —بعد خسارة حلفائه وجسره البري في دمشق وبيروت والتزامه ببنود اتفاق 2026—. ويتحول النظام عملياً إلى ديكتاتورية عسكرية مقنعة بنزعة قومية، تُكرس جهودها لإدارة وحماية كارتيلاتها الاقتصادية المستفيدة من رفع العقوبات، وتحويل مياه الخليج ومضيق هرمز إلى منطقة تجارة مستقرة، مع الاعتماد على القمع الممنهج في الداخل لضمان استقرار البيئة الاستثمارية الجديدة.
الخلاصة
لقد حسم عام 2026 الجدل التاريخي حول خلافة علي الخامنئي بطريقة دراماتيكية صاغتها خطوط النار والتسويات الكبرى؛ فعلى الرغم من تنصيب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى، إلا أن غياب “الرجل الأول المطلق” وعصف الضربات العسكرية عجّلا في عسكرة القرار ونشوء “قيادة جماعية واقعية مشتركة” يقودها الحرس الثوري والتيار المحافظ البراغماتي.
لم يسقط النظام بفعل الصدمة العسكرية، بل أظهر تماسكًا مؤسسيًا مرنًا مكّنه من تجرع كأس التسوية وتوقيع اتفاق الضرورة مع إدارة ترامب. ومع ذلك، تدخل الجمهورية الإسلامية حقبة “السلم البارد” وهي في أضعف حالاتها الجيوسياسية بعد تفكيك شبكتها الإقليمية وتقييد طموحها النووي. لقد بات مستقبل النظام مرهونًا بمدى قدرة هذه القيادة الهجينة على تسويق التنازلات الموقعة داخليًا، وهندسة بقاء الدولة تحت مظلة مرشد محجوب بالضرورات الأمنية، ومجلس قيادة يحاول قيادة البلاد من خلف مقود “الواقعية السياسية” المفروضة بالنار وبنود الاتفاق الدبلوماسي الشامل.












