يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

زمن الذكاء الاصطناعي: البنية الاجتماعية وتوزيع الثروة وسؤال الفلسفة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يمكن الاكتفاء بتوصيف شركات الذكاء الاصطناعي على أنها “رأسمالية احتكارية” فحسب، وكأنها امتدادٌ مباشر للرأسمالية الاحتكارية التقليدية، وبالتالي اعتبار الرأسمالية الرقمية استمراراً تلقائياً ومباشراً للرأسمالية الصناعية والمالية وفق مسار تطوري خطي متسلسل، لا فروقات وتناقضات جديدة تتولّد فيه وتزعزع الوحدة العضوية المتخيّلة داخل الطبقة الاجتماعية، ولا صراعات تنتج منها عمليات هائلة ومعقدة من الدمج والاستحواذ والسحق والتصفية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تزداد التحولات الاجتماعية في عصر ثورة الذكاء الاصطناعي تعقيداً، ويتعسّر فهمها أكثر فأكثر. فوتيرة التسارع في التغييرات التي تطاول البنى الاجتماعية تتجاوز القدرة البشرية على الاستيعاب الكامل والتلقائي، خصوصاً وأنها تغييرات جذرية وشمولية ودائمة في آنٍ. هذه التحولات لا تقتصر على جانب واحد، فهي تشمل الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والتعليم والفن والثقافة، وتُحدِث ثورة موازية في النظم الاجتماعية التقليدية، وتضع القوانين أمام تحديات كبيرة لمواكبة التطور وتنظيم قطاعٍ أصبح يؤدي دوراً تحويلياً.

الذكاء الاصطناعي والبنية الاجتماعية

في ورقة بحثية نُشِرت في مجلة Capital & Class، يجادل إليوت جوديل أوغالدي، الباحث في الاقتصاد السياسي، في طبيعة الثورة المعاصرة التي يمثلها الذكاء الاصطناعي، بما هو آلية لامتصاص فائض القيمة داخل الرأسمالية نفسها، وليس تعبيراً عن ثورةٍ “ما بعد رأسمالية” متمثلة بولادة إقطاعٍ تكنولوجي أو رقمي (تكنوفودالية) فوق أنقاض الإنتاج الرأسمالي. إقطاعٌ يتجسّد في شركات مثل “أمازون” و”غوغل” و”ميتا” و”أبل” و”إنفيديا” و”مايكروسوفت” و”تسلا”… إلخ. هذا ما كان قد طرحه وزير المالية اليوناني الأسبق يانيس فاروفاكيس في كتابه “الإقطاع التكنولوجي: ما الذي قتل الرأسمالية؟”، مبشراً بنهاية زمن الأرباح الناتجة من المنافسة الرأسمالية والدورة الإنتاجية التقليدية في السوق، وبداية زمن الإقطاعية الرقمية، الذي يقوم على تحويل البشر إلى صنّاع محتوى “مجاني”، يغذّون ويعيدون إنتاج “رأس المال السحابي” Cloud Capital  (المنصات الرقمية والخوارزميات) بلا أجر، تماماً مثل عمل الفلاحين لصالح السيد الإقطاعي قديماً.

يحاجج أوغالدي أن الرأسمالية لا تُعرَّف فقط بالأسواق التنافسية، بل بإنتاج السلع والعمل مقابل أجر التراكم ومنطقه، وأن المنصات الرقمية لا تلغي هذا المنطق بل تعيد تنظيمه وتُكثّفه، وأن الريع الرقمي ليس بديلاً عن مراكمة فائض القيمة في نقطة الإنتاج بل هو بالأحرى توزيع مشتقّ (ثانوي) له. والأهم أنه يتطرّق إلى مسألة أن البيانات لا تُنتج قيمة في حد ذاتها، وأن قيمتها تعتمد على العمل الحي الذي ينطوي على جمعها ومعالجتها، وعلى بنى تحتية مكثفة رأسمالياً تتطلب حجماً هائلاً من التمويل والإنفاق الاستثماري الطويل الأجل، وبالتأكيد الكثير من الجهد البشري الحقيقي المبذول في الإنشاء والتطوير والصيانة.

وعلى الرغم من التصويب الدقيق للكثير من المفاهيم في ورقة أوغالدي، والتي تتضمن كذلك نقاشاً موسعاً حول البنية الاجتماعية، إلا أنها تغفل أثر ثورة الذكاء الاصطناعي في تحويل البنية الاجتماعية بكاملها، بما في ذلك الطبقة الرأسمالية نفسها، وتكتفي بالاختزال الوظيفي لهذه الطبقة، التي تبدو، في الذهن اليساري التقليدي (الهيغلي بنسبة كبيرة)، كتلةً متماسكة ذات جوهرٍ واحد تؤدي وظيفة واحدة. فعلى رغم تكثّف آليات الهيمنة في إطار الرأسمالية الاحتكارية، فإن هذه الآليات ليست مجرد أداة للطبقة المسيطرة لكي تعيد تنظيم نفسها وتعزيز هيمنتها فحسب كما يتصوّر أوغالدي، بل هي ليست طبقةً متجانسة في الأصل، وتشوبها صراعات داخلية قديمة جديدة متداخلة على مستويات عدة (إنتاجية، ريعية، مالية مضاربية، تكنولوجية… إلخ)، والجديدة منها تتفاقم بوتيرة متسارعة بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي.

وللصراع الداخلي داخل الطبقة الاجتماعية نفسها أثرٌ تحويلي كمي ونوعي عليها بدوره، تماماً كالأثر المترتب على الصراع بين الطبقات الاجتماعية في المجتمع، والذي يُترجَم تغييراً كمياً أو نوعياً في القوانين والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية… إلخ، أو تغييراً شاملاً في العقد الاجتماعي. بالتالي، ومع اختلاف شروط التراكم الرأسمالي بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي، فلا يمكن أن يقتصر التحوّل على “إعادة تموضع” للطبقة ذاتها داخل البنية الاجتماعية ذاتها، بل يتعدّاه إلى تحولٍ يطاول البنية الاجتماعية برمتها، بمختلف طبقاتها، بدءاً من التحوّل الداخلي داخل طبقاتها.

ولا يمكن الاكتفاء بتوصيف شركات الذكاء الاصطناعي على أنها “رأسمالية احتكارية” فحسب، وكأنها امتدادٌ مباشر للرأسمالية الاحتكارية التقليدية، وبالتالي اعتبار الرأسمالية الرقمية استمراراً تلقائياً ومباشراً للرأسمالية الصناعية والمالية وفق مسار تطوري خطي متسلسل، لا فروقات وتناقضات جديدة تتولّد فيه وتزعزع الوحدة العضوية المتخيّلة داخل الطبقة الاجتماعية، ولا صراعات تنتج منها عمليات هائلة ومعقدة من الدمج والاستحواذ والسحق والتصفية. ليس هناك من طبقة اجتماعية تتخذ شكلاً أبدياً، حتى الطبقة الرأسمالية في ظل نظامها الرأسمالي نفسه، تشهد تحولات هيكلية، مدفوعةً بالتحول في شكل القيمة ذاتها.

معضلةٌ أخرى يواجهها هذا الطرح تتمثل في اختزال الطبقة العاملة نفسها إلى مجرد ضحية عاجزة ومتلقّية سلبية، لا تؤثِّر ولا تتأثَّر في ثورة الذكاء الاصطناعي بدورها، أو أي من التحولات أو التطورات في شكل علاقات الإنتاج، ولا دور تاريخي لها سوى في استبعادها من سوق العمل وضرب قوتها الشرائية، ولا نجد أثراً لدور الذكاء الاصطناعي في وعيها بحقوقها أو في تعزيز قدرتها على التنظيم، إضافة إلى اختزالها أيضاً إلى طبقة متجانسة عضوياً لها الموقع والثبات نفسيهما في بنية الاستغلال.

هذا الإلغاء لفاعلية الطبقات الاجتماعية التاريخية وقدرتها على استخدام الأدوات والتكنولوجيا التي تطوّرها الرأسمالية من جهة، واختزال التحولات في البنية الاجتماعية بثنائيات طبقية ثابتة أو بتحولات خطية تسلسلية، هو بالذات الحد الفاصل بين الفلسفة الماركسية التي تلحظ ديناميات الصراع الاجتماعي وتجعله موجهاً ومحرّكاً للتاريخ البشري، وبين الفلسفة الهيغلية المتلبّسة لبوس الفلسفة الماركسية التي ترى في التاريخ البشري مساراً محتوماً نحو غاية محددة مسبقاً.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إغفال دور الطبقات الوسطى، إلى جانب الطبقتين الرأسمالية والعاملة، والتي لها دورٌ أساسي سواء في تحفيز ثورة التكنولوجيا، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، وبخاصة فئات المهندسين والمبرمجين، لا يقل فداحةً. وكما لتلك الطبقات دورٌ في التطوير التكنولوجي، لها أيضاً حصةٌ كبيرة من الضرر الناتج من فقدان الوظائف بسبب أتمتة المهام الذهنية والإبداعية التي كانت حكراً عليها، وتحوّل مهاراتها التخصصية إلى خوارزميات تمتلكها الشركات الرأسمالية الكبرى وتديرها.

لا يمكن تناول ثورة الذكاء الاصطناعي بمعزلٍ عن العلاقة الحيوية المتبادلة بينه وبين البنية الاجتماعية، فالاثنين يُنتجان بعضهما بعضاً، والاثنين يعيدان إنتاج بعضهما بعضاً كذلك، وللاثنين هامشٌ مستقلٌ من إعادة الإنتاج الذاتي المستقل، تولد عبره الفجوة المعرفية وتأخذ في الاتساع. وعلى رغم الدور التحويلي للذكاء الاصطناعي، وعدم إمكانية حصره في خانة “الأداة”، إلا أنه، بشكلٍ أو بآخر، لا بد أن يعكس ولو جزئياً البنيان الطبقي للنظام السياسي والاجتماعي السائد الذي أُنتِج فيه. بهذا المعنى، فهو ليس أداةً محايدة أو مستقلة عن علاقات الإنتاج السائدة، على رغم أنه في الوقت عينه ليس مجرد أداة “أحادية الاتجاه” بيد الطبقات المسيطرة، وبالتالي فإنه لا يعكس هذه البنية الطبقية بشكل تلقائي وكامل.

الذكاء الاصطناعي وتوزيع الثروة

في الانتقال من التجريد النظري إلى الملموس الاقتصادي، وبعدما تبيّن لنا أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة محايدة، بل يتجسّد بقوة في إعادة هيكلة البنية الاجتماعية ببناها التحتية (القاعدة المادية الاقتصادية) والفوقية (المؤسسات والمنظومات الفكرية والسياسية)، ونتيجة للتركيز غير المسبوق للثروة الذي يترافق مع ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تتركز بمستويات قياسية بيد نخبةٍ ضيقة من أصحاب شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (انظر الجدول أدناه)، يأتي اقتراح السيناتور بيرني ساندرز في الولايات المتحدة بإنشاء صندوق سيادي للذكاء الاصطناعي، كأداة لإعادة توزيع هذه الثروة الرقمية عبر تمكين المجتمع الأميركي من امتلاك حصص عامة في شركات التكنولوجيا الكبرى كبديل للنمط الرأسمالي الاحتكاري المتشكِّل.

من بين الأرباح الصافية لأقوى 25 شركة عالمية ربحية لعام 2026، ذهب نحو 71% منها لصالح قطاع التكنولوجيا وحده (المصدر: داتا ريلز).

ولا يُعد اقتراح بيرني ساندرز بإنشاء صندوق سيادي ضرباً من الخيال النظري، بل يتقاطع جزئياً مع تحركاتٍ ملموسة تبنتها دول عدة لحماية مصالحها الاقتصادية، إذ وظّفت دول الخليج (كالسعودية والإمارات) صناديقَ سيادية لضخ عشرات المليارات من الدولارات للاستثمار في البنية التحتية القومية للذكاء الاصطناعي، في حين ذهبت دول كالمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية لإنشاء صناديق سيادية مخصصة للذكاء الاصطناعي للاستثمار المباشر في الشركات الناشئة.

غير أن ما يميّز طرح ساندرز هو تركيزه على إعادة توزيع الثروة عبر نقل جزء من ملكية قطاع التكنولوجيا إلى الجمهور الأميركي، عبر فرض نقل 50% من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” لصالح الصندوق. ويستند في اقتراحه إلى حقيقة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تم تدريب نماذجها على “المشاع الفكري البشري”، وأن المحتوى الذي صنعه ملايين البشر استغلّته تلك الشركات من دون إذن أو تعويض، وأن الموارد العامة وثمرة المعرفة البشرية يجب أن تعود بالنفع على المجتمع بأسره.

لكن المعضلة، أو قل الإشكالية، التي تنبثق بدورها من اقتراح ساندرز، تكمن في الفجوة بين كونية “المشاع الفكري البشري”، بما هو فضاءٌ يشارك في إنتاجه وإعادة إنتاجه تفاعل مئات الملايين من البشر حول العالم، وخصوصية المَخرج أو الحق بالتعويض الذي يقترحه، وهو نقل ملكية جزء من الأسهم للجمهور الأميركي حصراً. عملية إعادة توزيع الثروة تنطلق في الأصل من مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية، فكيف تكون عادلة إذا أعادت إنتاج الاختلال الطبقي بأشكال جديدة، يُستلَب فيها “المشاع الكوني” لصالح تعزيز شبكة أمانٍ اجتماعي داخل دولة واحدة؟

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تؤخَذ الموجات الواسعة من التسريح الوظيفي في الكثير من القطاعات حول العالم كله في الحسبان، فليس سوق العمل الأميركي وحده الذي يشهد اضطراباً واسعاً، بل سوق العمل العالمي بأسره، وليست شبكات الأمان الاجتماعي الأميركية وحدها التي تواجه التدهور، بل شبكات الأمان الاجتماعي في جميع أنحاء العالم. كما يجب الأخذ في الاعتبار حجم الاختلال المتزايد مستقبلاً، والذي سيتجلى بشكل أوضح بعد ما لا يقل عن 10 سنوات، بين الدول الغنية التي استطاعت إنشاء البنى التحتية المتصلة بالذكاء الاصطناعي، وبين تلك النامية أو الفقيرة التي ظلت مستهلكة فقط، ومن شأن تفاقم هذا التناقض أن يوسّع فجوة التفاوت الطبقي بين تلك الدول، وهي فجوةٌ شاسعة في الأصل.

صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي؟

لا يكتفي الذكاء الاصطناعي، بشروطه التوظيفية في المسار الاحتكاري الراهن، بإعادة تشكيل جذري للعلاقة بين رأس المال والعمل، ولا بإعادة توزيع القيمة عبر طرق تمعن في تركيز الثروة بيد عمالقة التكنولوجيا في ظل التقسيم الطبقي الاجتماعي الذي يتخذ أشكالاً أكثر ضراوة، بخاصة مع تقلّص الوظائف وارتفاع معدلات البطالة العالمية بين الشباب على وجه التحديد، وهو ما أشار إليه تقرير صادرٌ عن منظمة العمل الدولية في آب/ أغسطس 2026، إذ أظهر أن 6.1 في المئة من الوظائف التي يشغلها شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، تقع ضمن مهن شديدة التأثر بالتغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي… بل يمتد تأثيره إلى إعادة إنتاج الطبقة الرأسمالية التقليدية بشكلٍ متطرف لم يسبق له مثيلٌ عبر تاريخ الرأسمالية، وينزع عن البرجوازية طابعها التاريخي بما هي الطبقة التي قادت الثورة الصناعية من جهة، وثورة الحريات السياسية والفردية من جهة أخرى، ويضع في يد مسخٍ طبقي خوارزمي يتولَّد منها سلاحاً فعالاً لتقويض الديمقراطية الليبرالية التي بنتها البرجوازية الثورية على أنقاض الإقطاع. 

ولتعديل وجهة هذا المسار التاريخي، يجب تغيير شروط التوظيف، بحيث يعاد ربما توزيع ملكية المنصات الرقمية، كما اقترح بيرني ساندرز، لكن على نطاقٍ عالمي. وهنا تبرز الإشكالية، فإعادة توزيع الملكية على نطاقات محلية أمرٌ قابل للتطبيق عملياً، على رغم صعوبته، ولكنه يولّد بدوره أزمات جديدة. أما إعادة توزيع الملكية على نطاق عالمي، في ظل غياب آليات التنفيذ، وعدم وجود منظمات دولية معنية بذلك أو تملك الصلاحيات المناسبة، وعدم تناسب القوانين المحلية، فإنه يطرح معضلات جديدة تتطلّب مواجهتها عبر مقترحات حلول جديدة، وربما يكون ذلك أولاً عبر إنشاء صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي لدعم الدول النامية وضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بعدالة بين مختلف الشعوب، وهو ما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن نيّته بتقديم توصيات بشأنه خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في 17 تموز/ يوليو 2026 في شنغهاي.

في الحاجة إلى الفلسفة

الفلسفة، على رغم امتلاكها الأدوات التحليلية اللازمة لتفكيك ظاهرة الذكاء الاصطناعي، تجد نفسها شبه عاجزة عن مواكبة الوتيرة المتسارعة من التطور التكنولوجي بشكلٍ لحظي، سواء لتفسير الوضع الحالي للوعي البشري الذي يتأثر بعمق سلباً أو إيجاباً، أو الإرادة البشرية الحرة وحالة الاغتراب الجديدة التي تتولَّد وتتخذ أشكالاً متعددة وتتشعّب مستوياتها، أو الإبداع البشري الذي يتهدَّد في مكان ويجد فضاءً جديداً للتجريب في مكان آخر، أو لتناول الإشكاليات الأخلاقية والطبقية والاجتماعية المرتبطة بهذه الثورة الرقمية. والفجوة بين الفلسفة وهذه الثورة تتّسع مع مرور الزمن وليس العكس، وهذه بحد ذاتها إشكالية فلسفية لها بحثٌ آخر.

فإذاً، ليس الذكاء الاصطناعي مجرد “أداة”، كالآلة الميكانيكية، أو الكومبيوتر، أو الهاتف الذكي، مثلاً. وهذا هو المأزق الذي يواجهه الفهم التقليدي لظاهرةٍ تاريخية تستند في نشأتها إلى مجموع التطورات التاريخية في أدوات الإنتاج باعتبارها شرطاً تاريخياً لظهورها من جهة، والإرادة البشرية الموجِّهة والمغذية والمؤسِّسَة والمحدِّدة للمهام التي صُمِّمت وطُوِّرت أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنجازها من جهة أخرى.

والمأزق المعرفي يبدأ بالتحديد في توهّم حالة من التماثل بين الذكاء الاصطناعي وما سبقه من تطورات تكنولوجية، والاستسهال في القفز فوق النقلة النوعية التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي منطق الاستمرارية الخطية لما سبقه من تطورات، في حين أنه يشكِّل قوة تحويلية هائلة ليس فقط على مستوى البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بل إنه يتجاوز حتى نفسه في عملية التحويل الذاتي من دون الحاجة إلى التدخل البشري المباشر باستمرار. وفي سقوط منطق الحياد الآلي عن الذكاء الاصطناعي تعجز مقولة “مجرد أداة” عن الصمود.

فالأداة محايدة على رغم دورها في تحويل الطبيعة والإنسان، أما الذكاء الاصطناعي فليس محايداً بل هو فاعل اجتماعي بطرق متعدّدة، يشمل دوره إنتاج المعرفة وصناعة القرار ويُحاكي الوعي البشري، بل ويتجاوزه. وهنا بالذات ينفضح الفرق أيضاً بين التحليل الماركسي التقليدي المنطلق من محاولات أيديولوجية بائسة للمواءمة بين النظري الكلاسيكي والواقع المتغيّر بسرعة فائقة، وبين التحليل الماركسي المنطلق من الاعتراف أولاً بالعجز عن الإحاطة الكلية بالواقع الجديد والمتجدِّد، بدءاً من القبول بأن الذكاء الاصطناعي يشكل  لحظةً تأسيسية لقطيعة أنطولوجية في مفهوم “القوى المنتجة” ذاتها، وصولاً إلى تلمّس التصدّع في التصوّر السائد للعلاقة التاريخية بين ما هو بشري وما هو آلي.

إلا أن العجز عن الإحاطة الكلية ليس مبرراً للاستسلام النظري، بل هو بالذات محفزٌ لإعادة بناء الأدوات النظرية، حتى لو كان ذلك من تحت الصفر وليس من الصفر وحده. والعجز البشري عن الفهم الكلي هو روح الفلسفة، والفلسفة هي روح العلم، والعلم هو روح الذكاء الاصطناعي. ولا حياة للفلسفة في عالمٍ لا يندفع فيه الوعي والإرادة البشرية في رحلة الاستكشاف النظري بتحفيزٍ من الدهشة والاعتراف بالجهل ونبذ اليقين المطلق، ولعلّ فخ اليقين بمجرد التعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ”أداة” تمتلك الحقيقة هو الجدار الأول الذي يجب على الإنسان هدمه ليعلن الحرب على حالة الاغتراب (أو الاستلاب Alienation) كعلاقةٍ موضوعية يتنازل فيها عن وعيه النقدي لصالح منظومةٍ رقمية تحاكي وعيه وتستلبه في آنٍ واحد.

07.09.2026
زمن القراءة: 10 minutes

لا يمكن الاكتفاء بتوصيف شركات الذكاء الاصطناعي على أنها “رأسمالية احتكارية” فحسب، وكأنها امتدادٌ مباشر للرأسمالية الاحتكارية التقليدية، وبالتالي اعتبار الرأسمالية الرقمية استمراراً تلقائياً ومباشراً للرأسمالية الصناعية والمالية وفق مسار تطوري خطي متسلسل، لا فروقات وتناقضات جديدة تتولّد فيه وتزعزع الوحدة العضوية المتخيّلة داخل الطبقة الاجتماعية، ولا صراعات تنتج منها عمليات هائلة ومعقدة من الدمج والاستحواذ والسحق والتصفية.

تزداد التحولات الاجتماعية في عصر ثورة الذكاء الاصطناعي تعقيداً، ويتعسّر فهمها أكثر فأكثر. فوتيرة التسارع في التغييرات التي تطاول البنى الاجتماعية تتجاوز القدرة البشرية على الاستيعاب الكامل والتلقائي، خصوصاً وأنها تغييرات جذرية وشمولية ودائمة في آنٍ. هذه التحولات لا تقتصر على جانب واحد، فهي تشمل الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والتعليم والفن والثقافة، وتُحدِث ثورة موازية في النظم الاجتماعية التقليدية، وتضع القوانين أمام تحديات كبيرة لمواكبة التطور وتنظيم قطاعٍ أصبح يؤدي دوراً تحويلياً.

الذكاء الاصطناعي والبنية الاجتماعية

في ورقة بحثية نُشِرت في مجلة Capital & Class، يجادل إليوت جوديل أوغالدي، الباحث في الاقتصاد السياسي، في طبيعة الثورة المعاصرة التي يمثلها الذكاء الاصطناعي، بما هو آلية لامتصاص فائض القيمة داخل الرأسمالية نفسها، وليس تعبيراً عن ثورةٍ “ما بعد رأسمالية” متمثلة بولادة إقطاعٍ تكنولوجي أو رقمي (تكنوفودالية) فوق أنقاض الإنتاج الرأسمالي. إقطاعٌ يتجسّد في شركات مثل “أمازون” و”غوغل” و”ميتا” و”أبل” و”إنفيديا” و”مايكروسوفت” و”تسلا”… إلخ. هذا ما كان قد طرحه وزير المالية اليوناني الأسبق يانيس فاروفاكيس في كتابه “الإقطاع التكنولوجي: ما الذي قتل الرأسمالية؟”، مبشراً بنهاية زمن الأرباح الناتجة من المنافسة الرأسمالية والدورة الإنتاجية التقليدية في السوق، وبداية زمن الإقطاعية الرقمية، الذي يقوم على تحويل البشر إلى صنّاع محتوى “مجاني”، يغذّون ويعيدون إنتاج “رأس المال السحابي” Cloud Capital  (المنصات الرقمية والخوارزميات) بلا أجر، تماماً مثل عمل الفلاحين لصالح السيد الإقطاعي قديماً.

يحاجج أوغالدي أن الرأسمالية لا تُعرَّف فقط بالأسواق التنافسية، بل بإنتاج السلع والعمل مقابل أجر التراكم ومنطقه، وأن المنصات الرقمية لا تلغي هذا المنطق بل تعيد تنظيمه وتُكثّفه، وأن الريع الرقمي ليس بديلاً عن مراكمة فائض القيمة في نقطة الإنتاج بل هو بالأحرى توزيع مشتقّ (ثانوي) له. والأهم أنه يتطرّق إلى مسألة أن البيانات لا تُنتج قيمة في حد ذاتها، وأن قيمتها تعتمد على العمل الحي الذي ينطوي على جمعها ومعالجتها، وعلى بنى تحتية مكثفة رأسمالياً تتطلب حجماً هائلاً من التمويل والإنفاق الاستثماري الطويل الأجل، وبالتأكيد الكثير من الجهد البشري الحقيقي المبذول في الإنشاء والتطوير والصيانة.

وعلى الرغم من التصويب الدقيق للكثير من المفاهيم في ورقة أوغالدي، والتي تتضمن كذلك نقاشاً موسعاً حول البنية الاجتماعية، إلا أنها تغفل أثر ثورة الذكاء الاصطناعي في تحويل البنية الاجتماعية بكاملها، بما في ذلك الطبقة الرأسمالية نفسها، وتكتفي بالاختزال الوظيفي لهذه الطبقة، التي تبدو، في الذهن اليساري التقليدي (الهيغلي بنسبة كبيرة)، كتلةً متماسكة ذات جوهرٍ واحد تؤدي وظيفة واحدة. فعلى رغم تكثّف آليات الهيمنة في إطار الرأسمالية الاحتكارية، فإن هذه الآليات ليست مجرد أداة للطبقة المسيطرة لكي تعيد تنظيم نفسها وتعزيز هيمنتها فحسب كما يتصوّر أوغالدي، بل هي ليست طبقةً متجانسة في الأصل، وتشوبها صراعات داخلية قديمة جديدة متداخلة على مستويات عدة (إنتاجية، ريعية، مالية مضاربية، تكنولوجية… إلخ)، والجديدة منها تتفاقم بوتيرة متسارعة بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي.

وللصراع الداخلي داخل الطبقة الاجتماعية نفسها أثرٌ تحويلي كمي ونوعي عليها بدوره، تماماً كالأثر المترتب على الصراع بين الطبقات الاجتماعية في المجتمع، والذي يُترجَم تغييراً كمياً أو نوعياً في القوانين والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية… إلخ، أو تغييراً شاملاً في العقد الاجتماعي. بالتالي، ومع اختلاف شروط التراكم الرأسمالي بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي، فلا يمكن أن يقتصر التحوّل على “إعادة تموضع” للطبقة ذاتها داخل البنية الاجتماعية ذاتها، بل يتعدّاه إلى تحولٍ يطاول البنية الاجتماعية برمتها، بمختلف طبقاتها، بدءاً من التحوّل الداخلي داخل طبقاتها.

ولا يمكن الاكتفاء بتوصيف شركات الذكاء الاصطناعي على أنها “رأسمالية احتكارية” فحسب، وكأنها امتدادٌ مباشر للرأسمالية الاحتكارية التقليدية، وبالتالي اعتبار الرأسمالية الرقمية استمراراً تلقائياً ومباشراً للرأسمالية الصناعية والمالية وفق مسار تطوري خطي متسلسل، لا فروقات وتناقضات جديدة تتولّد فيه وتزعزع الوحدة العضوية المتخيّلة داخل الطبقة الاجتماعية، ولا صراعات تنتج منها عمليات هائلة ومعقدة من الدمج والاستحواذ والسحق والتصفية. ليس هناك من طبقة اجتماعية تتخذ شكلاً أبدياً، حتى الطبقة الرأسمالية في ظل نظامها الرأسمالي نفسه، تشهد تحولات هيكلية، مدفوعةً بالتحول في شكل القيمة ذاتها.

معضلةٌ أخرى يواجهها هذا الطرح تتمثل في اختزال الطبقة العاملة نفسها إلى مجرد ضحية عاجزة ومتلقّية سلبية، لا تؤثِّر ولا تتأثَّر في ثورة الذكاء الاصطناعي بدورها، أو أي من التحولات أو التطورات في شكل علاقات الإنتاج، ولا دور تاريخي لها سوى في استبعادها من سوق العمل وضرب قوتها الشرائية، ولا نجد أثراً لدور الذكاء الاصطناعي في وعيها بحقوقها أو في تعزيز قدرتها على التنظيم، إضافة إلى اختزالها أيضاً إلى طبقة متجانسة عضوياً لها الموقع والثبات نفسيهما في بنية الاستغلال.

هذا الإلغاء لفاعلية الطبقات الاجتماعية التاريخية وقدرتها على استخدام الأدوات والتكنولوجيا التي تطوّرها الرأسمالية من جهة، واختزال التحولات في البنية الاجتماعية بثنائيات طبقية ثابتة أو بتحولات خطية تسلسلية، هو بالذات الحد الفاصل بين الفلسفة الماركسية التي تلحظ ديناميات الصراع الاجتماعي وتجعله موجهاً ومحرّكاً للتاريخ البشري، وبين الفلسفة الهيغلية المتلبّسة لبوس الفلسفة الماركسية التي ترى في التاريخ البشري مساراً محتوماً نحو غاية محددة مسبقاً.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إغفال دور الطبقات الوسطى، إلى جانب الطبقتين الرأسمالية والعاملة، والتي لها دورٌ أساسي سواء في تحفيز ثورة التكنولوجيا، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، وبخاصة فئات المهندسين والمبرمجين، لا يقل فداحةً. وكما لتلك الطبقات دورٌ في التطوير التكنولوجي، لها أيضاً حصةٌ كبيرة من الضرر الناتج من فقدان الوظائف بسبب أتمتة المهام الذهنية والإبداعية التي كانت حكراً عليها، وتحوّل مهاراتها التخصصية إلى خوارزميات تمتلكها الشركات الرأسمالية الكبرى وتديرها.

لا يمكن تناول ثورة الذكاء الاصطناعي بمعزلٍ عن العلاقة الحيوية المتبادلة بينه وبين البنية الاجتماعية، فالاثنين يُنتجان بعضهما بعضاً، والاثنين يعيدان إنتاج بعضهما بعضاً كذلك، وللاثنين هامشٌ مستقلٌ من إعادة الإنتاج الذاتي المستقل، تولد عبره الفجوة المعرفية وتأخذ في الاتساع. وعلى رغم الدور التحويلي للذكاء الاصطناعي، وعدم إمكانية حصره في خانة “الأداة”، إلا أنه، بشكلٍ أو بآخر، لا بد أن يعكس ولو جزئياً البنيان الطبقي للنظام السياسي والاجتماعي السائد الذي أُنتِج فيه. بهذا المعنى، فهو ليس أداةً محايدة أو مستقلة عن علاقات الإنتاج السائدة، على رغم أنه في الوقت عينه ليس مجرد أداة “أحادية الاتجاه” بيد الطبقات المسيطرة، وبالتالي فإنه لا يعكس هذه البنية الطبقية بشكل تلقائي وكامل.

الذكاء الاصطناعي وتوزيع الثروة

في الانتقال من التجريد النظري إلى الملموس الاقتصادي، وبعدما تبيّن لنا أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة محايدة، بل يتجسّد بقوة في إعادة هيكلة البنية الاجتماعية ببناها التحتية (القاعدة المادية الاقتصادية) والفوقية (المؤسسات والمنظومات الفكرية والسياسية)، ونتيجة للتركيز غير المسبوق للثروة الذي يترافق مع ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تتركز بمستويات قياسية بيد نخبةٍ ضيقة من أصحاب شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (انظر الجدول أدناه)، يأتي اقتراح السيناتور بيرني ساندرز في الولايات المتحدة بإنشاء صندوق سيادي للذكاء الاصطناعي، كأداة لإعادة توزيع هذه الثروة الرقمية عبر تمكين المجتمع الأميركي من امتلاك حصص عامة في شركات التكنولوجيا الكبرى كبديل للنمط الرأسمالي الاحتكاري المتشكِّل.

من بين الأرباح الصافية لأقوى 25 شركة عالمية ربحية لعام 2026، ذهب نحو 71% منها لصالح قطاع التكنولوجيا وحده (المصدر: داتا ريلز).

ولا يُعد اقتراح بيرني ساندرز بإنشاء صندوق سيادي ضرباً من الخيال النظري، بل يتقاطع جزئياً مع تحركاتٍ ملموسة تبنتها دول عدة لحماية مصالحها الاقتصادية، إذ وظّفت دول الخليج (كالسعودية والإمارات) صناديقَ سيادية لضخ عشرات المليارات من الدولارات للاستثمار في البنية التحتية القومية للذكاء الاصطناعي، في حين ذهبت دول كالمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية لإنشاء صناديق سيادية مخصصة للذكاء الاصطناعي للاستثمار المباشر في الشركات الناشئة.

غير أن ما يميّز طرح ساندرز هو تركيزه على إعادة توزيع الثروة عبر نقل جزء من ملكية قطاع التكنولوجيا إلى الجمهور الأميركي، عبر فرض نقل 50% من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” لصالح الصندوق. ويستند في اقتراحه إلى حقيقة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تم تدريب نماذجها على “المشاع الفكري البشري”، وأن المحتوى الذي صنعه ملايين البشر استغلّته تلك الشركات من دون إذن أو تعويض، وأن الموارد العامة وثمرة المعرفة البشرية يجب أن تعود بالنفع على المجتمع بأسره.

لكن المعضلة، أو قل الإشكالية، التي تنبثق بدورها من اقتراح ساندرز، تكمن في الفجوة بين كونية “المشاع الفكري البشري”، بما هو فضاءٌ يشارك في إنتاجه وإعادة إنتاجه تفاعل مئات الملايين من البشر حول العالم، وخصوصية المَخرج أو الحق بالتعويض الذي يقترحه، وهو نقل ملكية جزء من الأسهم للجمهور الأميركي حصراً. عملية إعادة توزيع الثروة تنطلق في الأصل من مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية، فكيف تكون عادلة إذا أعادت إنتاج الاختلال الطبقي بأشكال جديدة، يُستلَب فيها “المشاع الكوني” لصالح تعزيز شبكة أمانٍ اجتماعي داخل دولة واحدة؟

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تؤخَذ الموجات الواسعة من التسريح الوظيفي في الكثير من القطاعات حول العالم كله في الحسبان، فليس سوق العمل الأميركي وحده الذي يشهد اضطراباً واسعاً، بل سوق العمل العالمي بأسره، وليست شبكات الأمان الاجتماعي الأميركية وحدها التي تواجه التدهور، بل شبكات الأمان الاجتماعي في جميع أنحاء العالم. كما يجب الأخذ في الاعتبار حجم الاختلال المتزايد مستقبلاً، والذي سيتجلى بشكل أوضح بعد ما لا يقل عن 10 سنوات، بين الدول الغنية التي استطاعت إنشاء البنى التحتية المتصلة بالذكاء الاصطناعي، وبين تلك النامية أو الفقيرة التي ظلت مستهلكة فقط، ومن شأن تفاقم هذا التناقض أن يوسّع فجوة التفاوت الطبقي بين تلك الدول، وهي فجوةٌ شاسعة في الأصل.

صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي؟

لا يكتفي الذكاء الاصطناعي، بشروطه التوظيفية في المسار الاحتكاري الراهن، بإعادة تشكيل جذري للعلاقة بين رأس المال والعمل، ولا بإعادة توزيع القيمة عبر طرق تمعن في تركيز الثروة بيد عمالقة التكنولوجيا في ظل التقسيم الطبقي الاجتماعي الذي يتخذ أشكالاً أكثر ضراوة، بخاصة مع تقلّص الوظائف وارتفاع معدلات البطالة العالمية بين الشباب على وجه التحديد، وهو ما أشار إليه تقرير صادرٌ عن منظمة العمل الدولية في آب/ أغسطس 2026، إذ أظهر أن 6.1 في المئة من الوظائف التي يشغلها شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، تقع ضمن مهن شديدة التأثر بالتغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي… بل يمتد تأثيره إلى إعادة إنتاج الطبقة الرأسمالية التقليدية بشكلٍ متطرف لم يسبق له مثيلٌ عبر تاريخ الرأسمالية، وينزع عن البرجوازية طابعها التاريخي بما هي الطبقة التي قادت الثورة الصناعية من جهة، وثورة الحريات السياسية والفردية من جهة أخرى، ويضع في يد مسخٍ طبقي خوارزمي يتولَّد منها سلاحاً فعالاً لتقويض الديمقراطية الليبرالية التي بنتها البرجوازية الثورية على أنقاض الإقطاع. 

ولتعديل وجهة هذا المسار التاريخي، يجب تغيير شروط التوظيف، بحيث يعاد ربما توزيع ملكية المنصات الرقمية، كما اقترح بيرني ساندرز، لكن على نطاقٍ عالمي. وهنا تبرز الإشكالية، فإعادة توزيع الملكية على نطاقات محلية أمرٌ قابل للتطبيق عملياً، على رغم صعوبته، ولكنه يولّد بدوره أزمات جديدة. أما إعادة توزيع الملكية على نطاق عالمي، في ظل غياب آليات التنفيذ، وعدم وجود منظمات دولية معنية بذلك أو تملك الصلاحيات المناسبة، وعدم تناسب القوانين المحلية، فإنه يطرح معضلات جديدة تتطلّب مواجهتها عبر مقترحات حلول جديدة، وربما يكون ذلك أولاً عبر إنشاء صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي لدعم الدول النامية وضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بعدالة بين مختلف الشعوب، وهو ما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن نيّته بتقديم توصيات بشأنه خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في 17 تموز/ يوليو 2026 في شنغهاي.

في الحاجة إلى الفلسفة

الفلسفة، على رغم امتلاكها الأدوات التحليلية اللازمة لتفكيك ظاهرة الذكاء الاصطناعي، تجد نفسها شبه عاجزة عن مواكبة الوتيرة المتسارعة من التطور التكنولوجي بشكلٍ لحظي، سواء لتفسير الوضع الحالي للوعي البشري الذي يتأثر بعمق سلباً أو إيجاباً، أو الإرادة البشرية الحرة وحالة الاغتراب الجديدة التي تتولَّد وتتخذ أشكالاً متعددة وتتشعّب مستوياتها، أو الإبداع البشري الذي يتهدَّد في مكان ويجد فضاءً جديداً للتجريب في مكان آخر، أو لتناول الإشكاليات الأخلاقية والطبقية والاجتماعية المرتبطة بهذه الثورة الرقمية. والفجوة بين الفلسفة وهذه الثورة تتّسع مع مرور الزمن وليس العكس، وهذه بحد ذاتها إشكالية فلسفية لها بحثٌ آخر.

فإذاً، ليس الذكاء الاصطناعي مجرد “أداة”، كالآلة الميكانيكية، أو الكومبيوتر، أو الهاتف الذكي، مثلاً. وهذا هو المأزق الذي يواجهه الفهم التقليدي لظاهرةٍ تاريخية تستند في نشأتها إلى مجموع التطورات التاريخية في أدوات الإنتاج باعتبارها شرطاً تاريخياً لظهورها من جهة، والإرادة البشرية الموجِّهة والمغذية والمؤسِّسَة والمحدِّدة للمهام التي صُمِّمت وطُوِّرت أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنجازها من جهة أخرى.

والمأزق المعرفي يبدأ بالتحديد في توهّم حالة من التماثل بين الذكاء الاصطناعي وما سبقه من تطورات تكنولوجية، والاستسهال في القفز فوق النقلة النوعية التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي منطق الاستمرارية الخطية لما سبقه من تطورات، في حين أنه يشكِّل قوة تحويلية هائلة ليس فقط على مستوى البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بل إنه يتجاوز حتى نفسه في عملية التحويل الذاتي من دون الحاجة إلى التدخل البشري المباشر باستمرار. وفي سقوط منطق الحياد الآلي عن الذكاء الاصطناعي تعجز مقولة “مجرد أداة” عن الصمود.

فالأداة محايدة على رغم دورها في تحويل الطبيعة والإنسان، أما الذكاء الاصطناعي فليس محايداً بل هو فاعل اجتماعي بطرق متعدّدة، يشمل دوره إنتاج المعرفة وصناعة القرار ويُحاكي الوعي البشري، بل ويتجاوزه. وهنا بالذات ينفضح الفرق أيضاً بين التحليل الماركسي التقليدي المنطلق من محاولات أيديولوجية بائسة للمواءمة بين النظري الكلاسيكي والواقع المتغيّر بسرعة فائقة، وبين التحليل الماركسي المنطلق من الاعتراف أولاً بالعجز عن الإحاطة الكلية بالواقع الجديد والمتجدِّد، بدءاً من القبول بأن الذكاء الاصطناعي يشكل  لحظةً تأسيسية لقطيعة أنطولوجية في مفهوم “القوى المنتجة” ذاتها، وصولاً إلى تلمّس التصدّع في التصوّر السائد للعلاقة التاريخية بين ما هو بشري وما هو آلي.

إلا أن العجز عن الإحاطة الكلية ليس مبرراً للاستسلام النظري، بل هو بالذات محفزٌ لإعادة بناء الأدوات النظرية، حتى لو كان ذلك من تحت الصفر وليس من الصفر وحده. والعجز البشري عن الفهم الكلي هو روح الفلسفة، والفلسفة هي روح العلم، والعلم هو روح الذكاء الاصطناعي. ولا حياة للفلسفة في عالمٍ لا يندفع فيه الوعي والإرادة البشرية في رحلة الاستكشاف النظري بتحفيزٍ من الدهشة والاعتراف بالجهل ونبذ اليقين المطلق، ولعلّ فخ اليقين بمجرد التعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ”أداة” تمتلك الحقيقة هو الجدار الأول الذي يجب على الإنسان هدمه ليعلن الحرب على حالة الاغتراب (أو الاستلاب Alienation) كعلاقةٍ موضوعية يتنازل فيها عن وعيه النقدي لصالح منظومةٍ رقمية تحاكي وعيه وتستلبه في آنٍ واحد.

07.09.2026
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية