ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

زهران ممداني واليسار اللبناني الجديد: المبادرة السياسيّة في مواجهة الكآبة الثقافيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الهوياتية هي المأزق، وليست الحل. هناك من يعتقد أنّ التمسك بالبنى والقبائل والأدوات المعتادة في المشرق هو خلاصنا في مواجهة قوى الإبادة والعسكرة، وهناك من يعتقد أنّ قوى الإبادة والعسكرة هو خلاصنا في مواجهة ما يسمّى “تخلف الشرق”. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شكّل فوز المرشح لعمدة نيويورك زهران ممداني في الانتخابات الأولية للحزب الديموقراطي، على خصمه  في الحزب أندرو كومو بـ 56 في المئة من الأصوات، صدمة كبيرة لكثير من المراقبين، خصوصاً أن هذا الحدث جاء بعد أزمة دخل فيها الحزب الديموقراطي بأجنحته المختلفة، عقب الهزيمة المدوّية التي مُني بها في “الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مع هزيمة مرشّحته “كمالا هاريس” أمام دونالد ترامب.

زهران ممداني اليوم ليس حالة أميركية فحسب، بل وجه عالمي يردّ على بعض الأسئلة الطاغية عند اليسار العالمي “الجديد”. هو ردّ مفاجئ على تراجعٍ يساريٍّ واضحٍ، أميركياً وعالمياً.

هناك عدد من القضايا التي تشكّل الوعي اليساري اللبناني المعاصر: العدالة الاجتماعية، العلمانية، التقاطعية، القضية الفلسطينية، والعلاقة مع العالم العربي. لكن، بعيداً عن تمرين “تقييم الخطاب”، على أهميته، تبقى ضرورة الإجابة عن سؤال “الممارسة” و”القوة” و”التكتيك”: أي دور تنظيمي ومجتمعي ويومي يلعبه اليسار؟ وما هي الأطر النظرية والذهنية التي تدفع بيسارٍ يسعى إلى دخول “صراع التاريخ”؟ وأخيراً، كيف يعالج اليسار مسألة الهوية في عالم الإبادات والمجازر؟

في السياق اللبناني، “اليسار” والقوى “الديمقراطية” العابرة للطوائف، التي مثّلت الحالة الميدانية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولعب قسم منها دوراً لافتاً لإيصال نواف سلام كرئيس حكومة، تعيش انتكاسة تنظيمية وثقافية كبيرة أمام خطاب الكراهية، والاستقطاب الطائفي القوي، وصعود الخطاب الإسلاموي (على رغم تراجع دور الإسلاميين التنظيمي وسط الحرب مع إسرائيل)، وهجرة الفئات الشابة، وطغيان شعور العجز. يشهد هذا التيار السياسي الهش تحولات خطيرة تضرب انتشاره وتأثيره على شرائح واسعة في المجتمع.

وسط التحديات الكبيرة، هل يستطيع يسار “عالم الجنوب” أن يستخلص بعض الدروس من يسار “عالم الشمال”، وتحديداً من “التجربة الممدانية”، على رُغم التباين الحقيقي من حيث الظروف والفرص والبنى المؤسساتية والموارد؟ 

الحالة “الممدانية”: اشتراكية “نيويوركية” والهوية “المتواضعة” والمرونة السياسية

جاءت حملة ممداني مرتكزة بشكل أساسي على عناوين ومطالب اجتماعية وحقوقية وطبقية، لا على أسس هوياتية. فهو لم يقدم نفسه كمرشح هندي أو مسلم أو شيعي بالدرحة الأولى، ولم يخض معركته على هذا الأساس، بل كمرشح يحمل مشروعاً اجتماعياً وحقوقياً كاملاً لمدينة نيويورك ضمن إطار صلاحيته هو كعمدة.

لكن الجدير بالذكر أيضاً، أن الشعارات والبرامج الانتخابية التي طرحها ممداني والمرتكزة على حقوق السكن والعمل والعدالة الضريبية بشكل أساسي، قد تكون كافية كبرنامج انتخابي للترشّح لمنصب عمدة نيويورك. أما على مستوى البلاد، فالبرنامج يحتاج الى أكثر من ذلك: مخاطبة شرائح اجتماعية وطبقية أوسع وأكثر تعقيداً واختلافاً من المجتمع النيويوركي؛ يحتاج الى نوع من قصة سياسية ملهمة خارج كلاسيكيات الاشتراكية الديمقراطية عن الدولة وحجمها ودورها في عملية إنتاج الثروة وتوزيعها، لتخطّي المطبات التي وقعت بها سابقاً، وهو ما لم يتغير بعد في خطاب جناح بيرني ساندرز اليساري من الحزب الديموقراطي بشكل جذري.

على مستوى الطرح والمرونة السياسيّين، أبدى ممداني من الحرب المندلعة في غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، موقفاً متوازناً: أدان ارتكابات حماس، رفض الإبادة وأعاد التأكيد على التمسك بالقرارات الأممية والقانون الدولي لحل المسألة الفلسطينية. وعلى الرغم من كل الضخ الإعلامي من خصومه في الحزب وخارجه، واتهامه بمعاداة السامية، استطاع ممداني بالفعل أن يحصد نسبة كبيرة من النيويوركيين اليهود حسب استطلاع رأي نشرته هآرتس في 8 آب/ أغسطس 2025.

هذا درس لليسار الهوياتي الذي يرفع شعارات صدامية ويتكتّل مع أطراف معادية للسامية ورجعية لمجرد معاداته الصهيونية وإسرائيل. إذ أدّى الخطاب الإسلاموي والهوياتي إلى تحويل القضية الفلسطينية إلى نقطة صراع ومزايدة بين اليمين واليسار في أميركا وأوروبا، وإلى إقصاء داعمين محتملين كثيرين لحقوق الشعب الفلسطيني، وحصر المسألة في الدوائر “المعتادة”. 

لكن، في الوقت ذاته، لا يجب أن تمحو انتخابات نيويورك من الذاكرة نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فاز فيها دونالد ترامب، ليس فقط بغالبية أصوات المجمع الانتخابي، بل بغالبية التصويت الشعبي وبنسبة كبيرة من الأصوات الشابة. فتجذّر خيارات الشباب في الحزب الديمقراطي نحو اليسار لا يعني بالضرورة تغيراً عاماً على مستوى البلاد بأسرها. ولا ينفي انزياحاً آخر في مناطق وولايات أخرى نحو اليمين وأقصى اليمين لدى فئات واسعة من الشباب أيضاً. 

ممداني، الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي، ترشّح لمنصب عمدة مدينة نيويورك، المدينة المتروبولية الأولى في العالم، والتي تضم ربما أكبر نسبة من الطبقة الوسطى مقارنةً بباقي المدن. وهي ولاية لا موطئ قدم حقيقي للحزب الجمهوري فيها منذ عقود، أي أن المنافسة التي دارت كانت إلى حد ما “منافسة عائلية” داخل الحزب الديموقراطي نفسه. هنا ينبغي أخذ العبر حيث يلزم، من دون الوقوع في شطط التفكير بالتمني عن عودة لليسار أو عن انحسار لموجة الانزياح يميناً على الصعيد الكوكبي. لذلك، ينبغي الاستفادة من التجربة عبر فهم حدودها وسياقاتها الخاصة، ومن ثم تمييز ما يحتاج فيها إلى تجذير وتمتين وتطوير وإلى الترك في مجتمعات أخرى وسياقات مختلفة، لا عبر الاستنساخ. 

الدرس الأول: الانتخابات كحقيقة مجتمعيّة وتنظيميّة طاغية

في كل حقبة زمنية، نشهد نقاشاً كبيراً في الأوساط اليسارية واليمينية المتطرفة حول دور الانتخابات. الرأي الطاغي في هذه الأوساط تمحور حول نهج “تشكيكي” نظراً الى عدد من الشروط البنيوية التي تترافق مع الانتخابات: (1) القانون الانتخابي وأزمة التمثيل، (2) دور المال السياسي، (3) طغيان النمط الخطابي السطحي والتبسيطي على البرنامج الانتخابي نتيجة التنازلات بسبب التحالفات الانتخابية الهجينة وهدف الوصول إلى “عامة الناس”. 

الأصولي يتمسّك بالأصل، لكن تدريجياً، ومع الوقت، يبحث الأصولي الطَموح عن أدوات بناء القوة، وينظر إلى الانتخابات كساحة تناقضات يجب الاستثمار فيها. في الواقع، التسلّطي الشمولي قد يشارك في عملية انتخابية من دون أي إيمان مبدئي بضرورة الديمقراطية كخلاصة نهائية. لكنّ كثراً من اليساريين الديمقراطيين والثوريين الجدد وقعوا في أزمة جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي: فهم لا يؤمنون بـ”الإصلاح” كنظرية تغيير، ولا يشبهون اليميني السلطوي أو الشعبوي الطموح، بل لديهم نقد حاد لمفاهيم القوة والعنف بالأصل، بخاصةً مع الأخذ بالاعتبار التجربة العنيفة للأنظمة الشيوعية التوتاليتارية. 

الخلاصة؟ في التسعينات، شهدنا نزاعاً انتخابياً حاداً في أوروبا وأميركا الشمالية بين تيارات الوسط واليمين، ومن ثمّ الوسط واليمين الشعبوي. فيما تراجعت معظم الأحزاب “الاشتراكية الديمقراطية” وغرق قسم واسع من اليسار، خصوصاً “اليسار الجديد” كوكبياً – وحتى في لبنان، في النقد الذاتي، التنظيمي والفكري، وغاب عن العملية الديمقراطية أو ساهم في حملات انتخابية لسياسيين “ديمقراطيين” و”ليبراليين” حملوا “وجهة تقدمية”؛ على سبيل المثال: باراك اوباما. لذلك، ولسنين طويلة، تأخّر اليسار، بشقّيه الديمقراطي والجذري، في بناء أطر شعبية ومحلية متينة، على رُغم صعوده المؤقت بالتوازي مع صعود اليمين المتطرف.

اليوم، زهران ممداني ليس مرشحاً ليبرالياً ذا وجهة تقدمية فقط. هو “يساري” مؤمن بأهمية الانتخابات في الوقت نفسه، أتقن العملية الانتخابية وعرف واعترف بقواعدها بقوّة من دون التباس. وأوصل رفاقه إلى قناعة تنظيمية وجماعية واضحة: الانتخابات ليست فقط أداة في السياسة، بل هي الترجمة الشعبية الطاغية للسياسة. وقد تكون الباب الوحيد (وتحديداً في سياق تفكك النقابات والاتحادات) للتواصل مع فئات محلية واسعة. 

الدرس الثاني: القوة كحاجة أيديولوجية وتفاؤل الإرادة وسط الكوارث

مجدداً، لسقوط الاتحاد السوفياتي تداعيات ليست محصورة فقط بالشق الجيوسياسي الأكبر في ما يتعلق بنتائج الحرب الباردة. هذا الحدث التاريخي والمفصلي الكبير أنتج أولاً واقعاً ثقافياً عارماً عند اليسار العالمي، وتحديداً في تقييم اليسار لدور الدول، مفهوم القوة، أزمات الأحزاب الشيوعية التقليدية، الديمقراطية في عملية أخذ القرار، والبحث في التجارب التنظيمية الأفقية. 

في لبنان، شهدت مرحلة ما بعد عام 1990 نهاية الحرب الأهلية ومشاركة مجموعة واسعة من الأحزاب والحركات الشيوعية والاشتراكية في حوار حول مستقبل اليسار. اعتقد اليسار قبل الحرب وخلالها أنه يخوض حرباً لتغيير جذري للنظام اللبناني في مواجهة الطائفية والإمبريالية، واستخدم قوة منظمة التحرير الفلسطينية بهدف تعزيز أوراقه الداخلية ضمن لبنان.

لكن بعد الحرب، انتصرت الوصاية السورية وحلفاؤها الأساسيون على كل اللاعبين السياسيين، وأُقصي اليسار اللبناني، بمختلف تنظيماته وتوجهاته، من التركيبة السياسية. حينها، دخلت هذه الحركات “عصر النقد الذاتي”. وأعلن كثر من الكتّاب في هذه الدوائر أنهم “يكتبون من الهامش”، ورفضوا الانخراط في الحركات السياسية القائمة. لكنهم لم يترددوا في الوقت ذاته في انتقاد تلك الحركات بسبب طبيعتها التنظيمية وتوجهها السياسي الخشبي والسلطوي. 

في حالة اليساريين اللبنانيين بعد الحرب، كما في حالة الكثير من اليساريين المصدومين بالسقوط السريع للاتحاد السوفياتي في العالم، جاء رفضهم تحمّل مسؤولية الوصول إلى السلطة في سياق هزيمتهم في الحرب، أي في سياق فقدانهم مصدر الدعم والقوة.

خسر “اليسار” في لبنان الحرب الأهلية بما يمثّله من تنظيمات وقواعد وأهداف، ولو ترافق ذلك مع خسارة “اليمين المسيحي” الذي طالما ندد به وواجهه. أما من انتصر، فكانوا قلة من أمراء الحرب الذين حصلوا لاحقًا على حماية النظام السوري وتوافقوا معه. 

وسط الهزيمة، أصبح رفض السلطة وتبنّي “النقد الذاتي” كمشروع سياسي بحد ذاته، بمثابة نتيجة “منطقية”. ومن الجدير بالذكر أن انتقادات كثيرة طُرحت خلال تلك الفترة شكّلت مساهمات مهمة ضد العنف السياسي والاستبداد وفكرة “النضال الدائم” كاستراتيجية تحررية. وساهم ذلك في دفع شرائح واسعة من اليسار بعيدًا عن الاصطفاف السوفياتي السابق وعن منطق الحرب الباردة ذاته. وفي لبنان، أدى هذا التوجه إلى تموضع هذه “الفئة” من اليساريين في موقع معارض للوصاية السورية وحلفائها.

لكن المشكلة الأساسية في هذا المسار، أنه لم يُستثمر أو يُوظف في السياسة بشكلٍ كافٍ. بل على العكس، همّشه أصحابه أنفسهم بالكامل، بسبب عجزهم عن تحمّل المسؤولية ورفضهم الاعتراف بأهمية التنظيم والسلطة في بناء واقع بديل. فتحوّل المناضلون اليساريون العنيفون بالأمس إلى باحثين ديمقراطيين “سلبيين” اليوم. أما المناضلون المبادرون الذين بقوا، فكانوا من تيارات رجعية، وتحديدًا تيارات الإسلام السياسي وأحزاب الطوائف.

الاعتكاف عن العمل السياسي في العالم العربي الجدّي لم يكن حدثاً ظرفياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. تحوّلت هذه الحالة من الجمود السياسي كنهج “ما بعد العواصف”. واليوم، نشهد هذا نوع من الاعتكاف بعد عملية 7 أكتوبر، ليس فقط في فلسطين، بل أيضاً في لبنان وسوريا وكلّ أنحاء المنطقة، حيث تحوّل اليساريون إلى مراقبين وشعراء لمرحلةٍ لا يملكون المبادرة فيها.

الدرس الثالث: سياسة الهوية هي أزمة لا تزال قائمة

ربما يكون الدرس الأساسي هنا أن ما يُسمى “اليسار الهوياتي الجديد”، الصاعد مع أوباما، أثبت فشله في موطنه الأصلي عن حل مشاكل اجتماعية كثيرة لشرائح واسعة من السكان يدّعي تمثيل مصالحها. 

مهّد نهج سياسة الهوية الطريق لصعود اليمين الشعبوي. واليوم، اقتنع عدد كبير من اليساريين بأن الابتعاد عن شعارات هذا النهج صار شرطاً للفوز. 

لكن الهوياتية لا تزال أداة هيمنة سياسية في الولايات المتحدة ولبنان والعالم، يميناً ويساراً. والإبادة في غزة، التي ترافقت مع “الحماس العسكري” كوكبياً، حسمت الموقف وأعادت إنتاج “الصراع الحضاروي” بين “الغرب” و”الشرق”، بين “الحضارة” و”التخلف”، بين “البربرية” و”الإنسانية”، بين “الرجل الأبيض” و”الشعوب الأصلية”، بين “الشيعة” و”الموارنة”، بين “الموت” و”الحياة”.

الهوياتية هي المأزق، وليست الحل. هناك من يعتقد أنّ التمسك بالبنى والقبائل والأدوات المعتادة في المشرق هو خلاصنا في مواجهة قوى الإبادة والعسكرة، وهناك من يعتقد أنّ قوى الإبادة والعسكرة هو خلاصنا في مواجهة ما يسمّى “تخلف الشرق”. 

في الواقع، البحث عن “الممكن المبتكر”، بعيداً عن شهوات السياسة المعتادة والمملة، أصبح حاجة ومصلحة وجودية للملايين من البشر الذين خسروا الكثير أمام مصالح الهيمنة المالية والعسكرية. حملة “ممداني” فقط عبّرت عن هذه الحاجة العالمية، التي تستوجب استبدال سؤال الهوية والضحية بسؤال الحلم والمستقبل.

26.08.2025
زمن القراءة: 8 minutes

الهوياتية هي المأزق، وليست الحل. هناك من يعتقد أنّ التمسك بالبنى والقبائل والأدوات المعتادة في المشرق هو خلاصنا في مواجهة قوى الإبادة والعسكرة، وهناك من يعتقد أنّ قوى الإبادة والعسكرة هو خلاصنا في مواجهة ما يسمّى “تخلف الشرق”. 

شكّل فوز المرشح لعمدة نيويورك زهران ممداني في الانتخابات الأولية للحزب الديموقراطي، على خصمه  في الحزب أندرو كومو بـ 56 في المئة من الأصوات، صدمة كبيرة لكثير من المراقبين، خصوصاً أن هذا الحدث جاء بعد أزمة دخل فيها الحزب الديموقراطي بأجنحته المختلفة، عقب الهزيمة المدوّية التي مُني بها في “الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مع هزيمة مرشّحته “كمالا هاريس” أمام دونالد ترامب.

زهران ممداني اليوم ليس حالة أميركية فحسب، بل وجه عالمي يردّ على بعض الأسئلة الطاغية عند اليسار العالمي “الجديد”. هو ردّ مفاجئ على تراجعٍ يساريٍّ واضحٍ، أميركياً وعالمياً.

هناك عدد من القضايا التي تشكّل الوعي اليساري اللبناني المعاصر: العدالة الاجتماعية، العلمانية، التقاطعية، القضية الفلسطينية، والعلاقة مع العالم العربي. لكن، بعيداً عن تمرين “تقييم الخطاب”، على أهميته، تبقى ضرورة الإجابة عن سؤال “الممارسة” و”القوة” و”التكتيك”: أي دور تنظيمي ومجتمعي ويومي يلعبه اليسار؟ وما هي الأطر النظرية والذهنية التي تدفع بيسارٍ يسعى إلى دخول “صراع التاريخ”؟ وأخيراً، كيف يعالج اليسار مسألة الهوية في عالم الإبادات والمجازر؟

في السياق اللبناني، “اليسار” والقوى “الديمقراطية” العابرة للطوائف، التي مثّلت الحالة الميدانية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولعب قسم منها دوراً لافتاً لإيصال نواف سلام كرئيس حكومة، تعيش انتكاسة تنظيمية وثقافية كبيرة أمام خطاب الكراهية، والاستقطاب الطائفي القوي، وصعود الخطاب الإسلاموي (على رغم تراجع دور الإسلاميين التنظيمي وسط الحرب مع إسرائيل)، وهجرة الفئات الشابة، وطغيان شعور العجز. يشهد هذا التيار السياسي الهش تحولات خطيرة تضرب انتشاره وتأثيره على شرائح واسعة في المجتمع.

وسط التحديات الكبيرة، هل يستطيع يسار “عالم الجنوب” أن يستخلص بعض الدروس من يسار “عالم الشمال”، وتحديداً من “التجربة الممدانية”، على رُغم التباين الحقيقي من حيث الظروف والفرص والبنى المؤسساتية والموارد؟ 

الحالة “الممدانية”: اشتراكية “نيويوركية” والهوية “المتواضعة” والمرونة السياسية

جاءت حملة ممداني مرتكزة بشكل أساسي على عناوين ومطالب اجتماعية وحقوقية وطبقية، لا على أسس هوياتية. فهو لم يقدم نفسه كمرشح هندي أو مسلم أو شيعي بالدرحة الأولى، ولم يخض معركته على هذا الأساس، بل كمرشح يحمل مشروعاً اجتماعياً وحقوقياً كاملاً لمدينة نيويورك ضمن إطار صلاحيته هو كعمدة.

لكن الجدير بالذكر أيضاً، أن الشعارات والبرامج الانتخابية التي طرحها ممداني والمرتكزة على حقوق السكن والعمل والعدالة الضريبية بشكل أساسي، قد تكون كافية كبرنامج انتخابي للترشّح لمنصب عمدة نيويورك. أما على مستوى البلاد، فالبرنامج يحتاج الى أكثر من ذلك: مخاطبة شرائح اجتماعية وطبقية أوسع وأكثر تعقيداً واختلافاً من المجتمع النيويوركي؛ يحتاج الى نوع من قصة سياسية ملهمة خارج كلاسيكيات الاشتراكية الديمقراطية عن الدولة وحجمها ودورها في عملية إنتاج الثروة وتوزيعها، لتخطّي المطبات التي وقعت بها سابقاً، وهو ما لم يتغير بعد في خطاب جناح بيرني ساندرز اليساري من الحزب الديموقراطي بشكل جذري.

على مستوى الطرح والمرونة السياسيّين، أبدى ممداني من الحرب المندلعة في غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، موقفاً متوازناً: أدان ارتكابات حماس، رفض الإبادة وأعاد التأكيد على التمسك بالقرارات الأممية والقانون الدولي لحل المسألة الفلسطينية. وعلى الرغم من كل الضخ الإعلامي من خصومه في الحزب وخارجه، واتهامه بمعاداة السامية، استطاع ممداني بالفعل أن يحصد نسبة كبيرة من النيويوركيين اليهود حسب استطلاع رأي نشرته هآرتس في 8 آب/ أغسطس 2025.

هذا درس لليسار الهوياتي الذي يرفع شعارات صدامية ويتكتّل مع أطراف معادية للسامية ورجعية لمجرد معاداته الصهيونية وإسرائيل. إذ أدّى الخطاب الإسلاموي والهوياتي إلى تحويل القضية الفلسطينية إلى نقطة صراع ومزايدة بين اليمين واليسار في أميركا وأوروبا، وإلى إقصاء داعمين محتملين كثيرين لحقوق الشعب الفلسطيني، وحصر المسألة في الدوائر “المعتادة”. 

لكن، في الوقت ذاته، لا يجب أن تمحو انتخابات نيويورك من الذاكرة نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فاز فيها دونالد ترامب، ليس فقط بغالبية أصوات المجمع الانتخابي، بل بغالبية التصويت الشعبي وبنسبة كبيرة من الأصوات الشابة. فتجذّر خيارات الشباب في الحزب الديمقراطي نحو اليسار لا يعني بالضرورة تغيراً عاماً على مستوى البلاد بأسرها. ولا ينفي انزياحاً آخر في مناطق وولايات أخرى نحو اليمين وأقصى اليمين لدى فئات واسعة من الشباب أيضاً. 

ممداني، الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي، ترشّح لمنصب عمدة مدينة نيويورك، المدينة المتروبولية الأولى في العالم، والتي تضم ربما أكبر نسبة من الطبقة الوسطى مقارنةً بباقي المدن. وهي ولاية لا موطئ قدم حقيقي للحزب الجمهوري فيها منذ عقود، أي أن المنافسة التي دارت كانت إلى حد ما “منافسة عائلية” داخل الحزب الديموقراطي نفسه. هنا ينبغي أخذ العبر حيث يلزم، من دون الوقوع في شطط التفكير بالتمني عن عودة لليسار أو عن انحسار لموجة الانزياح يميناً على الصعيد الكوكبي. لذلك، ينبغي الاستفادة من التجربة عبر فهم حدودها وسياقاتها الخاصة، ومن ثم تمييز ما يحتاج فيها إلى تجذير وتمتين وتطوير وإلى الترك في مجتمعات أخرى وسياقات مختلفة، لا عبر الاستنساخ. 

الدرس الأول: الانتخابات كحقيقة مجتمعيّة وتنظيميّة طاغية

في كل حقبة زمنية، نشهد نقاشاً كبيراً في الأوساط اليسارية واليمينية المتطرفة حول دور الانتخابات. الرأي الطاغي في هذه الأوساط تمحور حول نهج “تشكيكي” نظراً الى عدد من الشروط البنيوية التي تترافق مع الانتخابات: (1) القانون الانتخابي وأزمة التمثيل، (2) دور المال السياسي، (3) طغيان النمط الخطابي السطحي والتبسيطي على البرنامج الانتخابي نتيجة التنازلات بسبب التحالفات الانتخابية الهجينة وهدف الوصول إلى “عامة الناس”. 

الأصولي يتمسّك بالأصل، لكن تدريجياً، ومع الوقت، يبحث الأصولي الطَموح عن أدوات بناء القوة، وينظر إلى الانتخابات كساحة تناقضات يجب الاستثمار فيها. في الواقع، التسلّطي الشمولي قد يشارك في عملية انتخابية من دون أي إيمان مبدئي بضرورة الديمقراطية كخلاصة نهائية. لكنّ كثراً من اليساريين الديمقراطيين والثوريين الجدد وقعوا في أزمة جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي: فهم لا يؤمنون بـ”الإصلاح” كنظرية تغيير، ولا يشبهون اليميني السلطوي أو الشعبوي الطموح، بل لديهم نقد حاد لمفاهيم القوة والعنف بالأصل، بخاصةً مع الأخذ بالاعتبار التجربة العنيفة للأنظمة الشيوعية التوتاليتارية. 

الخلاصة؟ في التسعينات، شهدنا نزاعاً انتخابياً حاداً في أوروبا وأميركا الشمالية بين تيارات الوسط واليمين، ومن ثمّ الوسط واليمين الشعبوي. فيما تراجعت معظم الأحزاب “الاشتراكية الديمقراطية” وغرق قسم واسع من اليسار، خصوصاً “اليسار الجديد” كوكبياً – وحتى في لبنان، في النقد الذاتي، التنظيمي والفكري، وغاب عن العملية الديمقراطية أو ساهم في حملات انتخابية لسياسيين “ديمقراطيين” و”ليبراليين” حملوا “وجهة تقدمية”؛ على سبيل المثال: باراك اوباما. لذلك، ولسنين طويلة، تأخّر اليسار، بشقّيه الديمقراطي والجذري، في بناء أطر شعبية ومحلية متينة، على رُغم صعوده المؤقت بالتوازي مع صعود اليمين المتطرف.

اليوم، زهران ممداني ليس مرشحاً ليبرالياً ذا وجهة تقدمية فقط. هو “يساري” مؤمن بأهمية الانتخابات في الوقت نفسه، أتقن العملية الانتخابية وعرف واعترف بقواعدها بقوّة من دون التباس. وأوصل رفاقه إلى قناعة تنظيمية وجماعية واضحة: الانتخابات ليست فقط أداة في السياسة، بل هي الترجمة الشعبية الطاغية للسياسة. وقد تكون الباب الوحيد (وتحديداً في سياق تفكك النقابات والاتحادات) للتواصل مع فئات محلية واسعة. 

الدرس الثاني: القوة كحاجة أيديولوجية وتفاؤل الإرادة وسط الكوارث

مجدداً، لسقوط الاتحاد السوفياتي تداعيات ليست محصورة فقط بالشق الجيوسياسي الأكبر في ما يتعلق بنتائج الحرب الباردة. هذا الحدث التاريخي والمفصلي الكبير أنتج أولاً واقعاً ثقافياً عارماً عند اليسار العالمي، وتحديداً في تقييم اليسار لدور الدول، مفهوم القوة، أزمات الأحزاب الشيوعية التقليدية، الديمقراطية في عملية أخذ القرار، والبحث في التجارب التنظيمية الأفقية. 

في لبنان، شهدت مرحلة ما بعد عام 1990 نهاية الحرب الأهلية ومشاركة مجموعة واسعة من الأحزاب والحركات الشيوعية والاشتراكية في حوار حول مستقبل اليسار. اعتقد اليسار قبل الحرب وخلالها أنه يخوض حرباً لتغيير جذري للنظام اللبناني في مواجهة الطائفية والإمبريالية، واستخدم قوة منظمة التحرير الفلسطينية بهدف تعزيز أوراقه الداخلية ضمن لبنان.

لكن بعد الحرب، انتصرت الوصاية السورية وحلفاؤها الأساسيون على كل اللاعبين السياسيين، وأُقصي اليسار اللبناني، بمختلف تنظيماته وتوجهاته، من التركيبة السياسية. حينها، دخلت هذه الحركات “عصر النقد الذاتي”. وأعلن كثر من الكتّاب في هذه الدوائر أنهم “يكتبون من الهامش”، ورفضوا الانخراط في الحركات السياسية القائمة. لكنهم لم يترددوا في الوقت ذاته في انتقاد تلك الحركات بسبب طبيعتها التنظيمية وتوجهها السياسي الخشبي والسلطوي. 

في حالة اليساريين اللبنانيين بعد الحرب، كما في حالة الكثير من اليساريين المصدومين بالسقوط السريع للاتحاد السوفياتي في العالم، جاء رفضهم تحمّل مسؤولية الوصول إلى السلطة في سياق هزيمتهم في الحرب، أي في سياق فقدانهم مصدر الدعم والقوة.

خسر “اليسار” في لبنان الحرب الأهلية بما يمثّله من تنظيمات وقواعد وأهداف، ولو ترافق ذلك مع خسارة “اليمين المسيحي” الذي طالما ندد به وواجهه. أما من انتصر، فكانوا قلة من أمراء الحرب الذين حصلوا لاحقًا على حماية النظام السوري وتوافقوا معه. 

وسط الهزيمة، أصبح رفض السلطة وتبنّي “النقد الذاتي” كمشروع سياسي بحد ذاته، بمثابة نتيجة “منطقية”. ومن الجدير بالذكر أن انتقادات كثيرة طُرحت خلال تلك الفترة شكّلت مساهمات مهمة ضد العنف السياسي والاستبداد وفكرة “النضال الدائم” كاستراتيجية تحررية. وساهم ذلك في دفع شرائح واسعة من اليسار بعيدًا عن الاصطفاف السوفياتي السابق وعن منطق الحرب الباردة ذاته. وفي لبنان، أدى هذا التوجه إلى تموضع هذه “الفئة” من اليساريين في موقع معارض للوصاية السورية وحلفائها.

لكن المشكلة الأساسية في هذا المسار، أنه لم يُستثمر أو يُوظف في السياسة بشكلٍ كافٍ. بل على العكس، همّشه أصحابه أنفسهم بالكامل، بسبب عجزهم عن تحمّل المسؤولية ورفضهم الاعتراف بأهمية التنظيم والسلطة في بناء واقع بديل. فتحوّل المناضلون اليساريون العنيفون بالأمس إلى باحثين ديمقراطيين “سلبيين” اليوم. أما المناضلون المبادرون الذين بقوا، فكانوا من تيارات رجعية، وتحديدًا تيارات الإسلام السياسي وأحزاب الطوائف.

الاعتكاف عن العمل السياسي في العالم العربي الجدّي لم يكن حدثاً ظرفياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. تحوّلت هذه الحالة من الجمود السياسي كنهج “ما بعد العواصف”. واليوم، نشهد هذا نوع من الاعتكاف بعد عملية 7 أكتوبر، ليس فقط في فلسطين، بل أيضاً في لبنان وسوريا وكلّ أنحاء المنطقة، حيث تحوّل اليساريون إلى مراقبين وشعراء لمرحلةٍ لا يملكون المبادرة فيها.

الدرس الثالث: سياسة الهوية هي أزمة لا تزال قائمة

ربما يكون الدرس الأساسي هنا أن ما يُسمى “اليسار الهوياتي الجديد”، الصاعد مع أوباما، أثبت فشله في موطنه الأصلي عن حل مشاكل اجتماعية كثيرة لشرائح واسعة من السكان يدّعي تمثيل مصالحها. 

مهّد نهج سياسة الهوية الطريق لصعود اليمين الشعبوي. واليوم، اقتنع عدد كبير من اليساريين بأن الابتعاد عن شعارات هذا النهج صار شرطاً للفوز. 

لكن الهوياتية لا تزال أداة هيمنة سياسية في الولايات المتحدة ولبنان والعالم، يميناً ويساراً. والإبادة في غزة، التي ترافقت مع “الحماس العسكري” كوكبياً، حسمت الموقف وأعادت إنتاج “الصراع الحضاروي” بين “الغرب” و”الشرق”، بين “الحضارة” و”التخلف”، بين “البربرية” و”الإنسانية”، بين “الرجل الأبيض” و”الشعوب الأصلية”، بين “الشيعة” و”الموارنة”، بين “الموت” و”الحياة”.

الهوياتية هي المأزق، وليست الحل. هناك من يعتقد أنّ التمسك بالبنى والقبائل والأدوات المعتادة في المشرق هو خلاصنا في مواجهة قوى الإبادة والعسكرة، وهناك من يعتقد أنّ قوى الإبادة والعسكرة هو خلاصنا في مواجهة ما يسمّى “تخلف الشرق”. 

في الواقع، البحث عن “الممكن المبتكر”، بعيداً عن شهوات السياسة المعتادة والمملة، أصبح حاجة ومصلحة وجودية للملايين من البشر الذين خسروا الكثير أمام مصالح الهيمنة المالية والعسكرية. حملة “ممداني” فقط عبّرت عن هذه الحاجة العالمية، التي تستوجب استبدال سؤال الهوية والضحية بسؤال الحلم والمستقبل.