لم يتوقّع هاني الجلاوي المنحدر من ريف حلب الشمالي، أن نزوله إلى نهر العاصي في منطقة حارم شمال غرب إدلب، في أيّار/ مايو الماضي، كاد يتسبّب في غرقه بعد أن علق بين نباتات زهرة النيل.
يشرح الجلاوي ما حدث قائلاً: “كنت في زيارة أصدقاء لي في منطقة حارم، وعند وصولي إلى نهر العاصي نزلت للسباحة، فصادفتني نباتات بألوان جميلة تطفو على وجه الماء، سرعان علقت وسطها ووجدتها قد تشابكت حولي”.
ويصف لحظات دنوّه من الغرق، مستذكراً الرائحة الكريهة للنباتات وتشابكها قائلاً: “ظننت أنني سأموت… ولم أعد أستطع تخليص نفسي، لولا مساعدة أصدقائي وسحبهم لي”.

على امتداد مجرى نهر العاصي في سوريا تنتشر بقع متفاوتة الحجم من زهرة النيل، يصل أعظم انتشار لها في محافظة حماة، لا سيّما في سدود محردة والعشارنة مروراً ببلدات سهل الغاب، وصولاً إلى الحدود السورية التركية.
زهرة النيل التي اكتسبت اسمها من نهر النيل في مصر، حين احتلّت أجزاء من نهر العاصي هدّدت جريان الماء فيه، وجعلت السباحة أمراً خطراً، ناهيك بالأضرار البيئية التي تتسبّب فيها، أبرزها تهديد المسطّحات المائية إثر تبخيرها، إضافة إلى استنزافها جهد المؤسّسات بشكل سنوي كونها تعاود النموّ في المواقع نفسها.
عامل إضافي للجفاف
بعد سقوط نظام الأسد، عاد طلال الحلو إلى أرضه في سهل الغاب، وعمل على زراعتها هذا العام بـالخضروات المبكرة، التي تُزرع في بيوت بلاستيكية كالخيار والكوسى والبطيخ الأحمر، وما دفعه نحو هذه الزراعات هو توفّر مياه الريّ في قناة مياه قريبة من أرضه، بيد أن مشروعه انهار مع انتشار زهرة النيل.
يقول الحلو لـ”درج” وهو جالس وسط حقل الخيار، ويداه تلامسان الأوراق الصفراء: “منذ نحو 25 يوماً، كانت هذه الأوراق خضراء وتزهو بثمارها وكلنا أمل بقطافها وشراء بعض الحاجيات لمنزلنا المدمر جزئياً، لكن لم أكن أعلم أن مخزون المياه الكبير في القناة سيختفي بسبب وجود زهرة النيل”.
كانت المياه غزيرة في القناة ومع نموّ النبتة بدأت تتناقص بشكل كبير، يضيف الحلو: “كل يوم كنت أنا وأبنائي نوجّه مضخة المياه باتجاه عمق القناة، ولم تستمرّ هذه العمليّة أكثر من شهر، لأن القناة أصبحت جافّة من المياه، أما زهرة النيل فانتشرت على طول القناة واستطالت جذورها”.
25 دونماً زرعها الحلو بمختلف أنواع الخضار، ودفع تكاليف باهظة تصل إلى 4600 دولار على الزراعة وأنظمة الريّ والبلاستيك اللازم لتغطية الخضار المبكرة، واليوم، لا موسم في أرضه إلا القليل ممّا نجا، والذي لا يحتاج إلى كميّات كبيرة من المياه.
تتسبّب النبتة الواحدة من زهرة النيل في تبخّر بين 4-6 ليترات من الماء، إذ تمتصّ جذورها الماء وتفكّكه ليتبخّر في الجوّ عبر الأوراق، بحسب المهندس رعد عدنان رعدون معاون المدير العامّ لهيئة إدارة وتطوير الغاب، ممّا يؤدّي إلى استنزاف المياه ومنع حركتها الانسيابية، وقتل الحياة المائية.
يمتنع الكثير من المزارعين عن زراعة المحاصيل التي تحتاج إلى مياه الريّ في الصيف حيث تنمو زهرة النيل، ومنهم المزارع وائل العلي من منطقة محردة، الذي يقول لـ”درج”: “تعلّمنا من التجارب خلال السنوات الماضية، أن المسطّح المائي الذي تنمو فيه زهرة النيل مهدّد بنفاذ المياه إذا لم يُرفد بتدفّق مائي، لأن الزهرة تتسبّب في تجفيف مياه الريّ، وبالتالي تدمير المحصول بالكامل”.
خطورة زهرة النيل تكمن في قدرتها على تخزين كميّات هائلة من الملوّثات داخل أنسجتها؛ فعند موت النبتة وتحلّلها، تتحرّر السموم والمغذّيات (النيتروجين والفوسفور النحاس والرصاص) في الوسط المائي أو التربة المحيطة، مسببةً ما يُعرف بـالتلوّث الثانوي.
وتؤدّي هذه الدورة العكسية إلى تدهور جودة المياه بدلاً من تحسينها، ما لم يتمّ اقتلاع النبات وإزالته من المجرى المائي بانتظام، بحسب دراسة منشورة في مجلّة “النباتات” الدولية في سويسرا هذا العام .
“منزل” الحشرات الغريبة!
أجرينا زيارة ميدانية لـ5 مواقع مائية تنتشر فيها بشكل كبير زهرة النيل، بدءاً من سدّ محردة شمال حماة مروراً بسد العشارنة، كما تتبّعنا مجرى نهر العاصي في منطقة سهل الغاب، وصولاً إلى الشريط الحدودي لسوريا مع تركيا غرباً، حيث ينتهي مجرى نهر العاصي من جهة سوريا.
أبرز ما لحظناه أن زهرة النيل تنشط في القنوات الفرعية لنهر العاصي، وفي السدود والمسطّحات المائية الراكدة التي لا يكون فيها مجرى مائي مستمرّ ومتدفّق، على عكس الانتشار في نهر العاصي ذي المخزون المائي الكبير، ما يفسّر استقرار جذور النبتة في المياه الراكدة التي تتسبّب في بقاء بذورها في التربة ومخلّفاتها الميتة، التي تعود وتتوالد في المواقع مجدّداً.
خطر الزهرة يهدّد حتى صحّة من يسكنون حول مجرى النهر. فأهالي قرية قبر فضّة القريبة من نهر العاصي العائدون من النزوح منذ أكثر من عام، يعانون من انتشار الحشرات بكثرة في خيمهم التي نصبوها على أرضيات منازلهم المدمّرة، ومع حلول فصل الصيف تتضاعف كميّة الحشرات بكثرة، ومنها ما لم يعرفها السكّان من قبل، ومصدرها الانتشار الكبير لزهرة النيل.
يقول الناشط إياد عبد الجواد من قرية قبر فضّة: “بعد عودتنا من نزوح دام لسنوات طويلة في المخيّمات، فوجئنا بغزوّ حقيقي من الحشرات لخيامنا، وأكثر ما يزعج في تلك الحشرات رائحتها الكريهة وانتشارها بكثرة داخل الخيام، ومع فصل الصيف تنشط منذ ساعات الصباح الأولى، فتخرج من بين أزهار النيل القريبة منّا ويصحبها رائحة كريهة، كذلك تصدر زهرة النيل رائحة كريهة مع تحلّلها، إلى جانب انتشار الأفاعي بكثرة التي مسكنها الأساسي وسط تجمّعات زهرة النيل”.
وبحسب وزارة الزراعة السورية ، فإن حشرات ذباب الخيل والذباب الماصّ للدماء، تتّخذ من الأماكن الرطبة والمستنقعات التي تصنعها زهرة النيل بيئة لوضع بيضها ونموّ يرقاتها. تتغذّى الإناث البالغة على دماء الإنسان والحيوان، وتسبّب لدغاتها المؤلمة حساسية جلدية، كما قد تنقل بعض الأمراض البكتيرية والطفيلية.
خانقة للأسماك
يُعتبر نهر العاصي من الأنهار الحاوية للثروة السمكية، لا سيّما في منطقة سهل الغاب حيث يعمل الصيّادون باستمرار على نصب شباكهم، إضافة إلى الصيد بالصنارة وحتى الصعق بالكهرباء، ومع صيد الأسماك ينتشر صيد الضفادع التي تجد في نهر العاصي ومناخ سهل الغاب جوّاً مثالياً للتكاثر والاستيطان.
لكنّ الصيّادين على اختلاف أنواعهم يبتعدون عن الأماكن التي تنمو فيها زهرة النيل، بحسب الصيّاد مرعي الحسن، الذي يشير إلى أن كل الصيّادين في المنطقة يعلمون خلوّ النهر بشكل مطلق من الحياة المائية، ما عدا الأفاعي وبعض الزواحف الضارّة والخطرة.
يقول الحسن لـ”درج”: منذ سنوات طويلة وزهرة النيل تتمدّد في نهر العاصي والقنوات القريبة منه، وبالتالي الأثر الكبير يقع على رزقنا في صيد الأسماك حيث تنفق الأسماك مع نمو زهرة النيل، وحتى الصيد يصبح مستحيلاً مع تجذّر الزهرة ونموّها. منذ أكثر من 20 سنة كنّا نتنقل بحرّية بالصيد أين نريد، لكن في السنوات الأخيرة بات الصيد محصوراً بأماكن محدّدة والزهرة تلاحقنا باستمرار”.
وتقول الدراسة السويسرية السابقة “إن خطر زهرة النيل لا يقتصر على سطح الماء، بل يمتدّ ليتلف طبيعة التربة ورواسب القاع. فالنبتة تصنع طبقات كثيفة عائمة تمنع وصول ضوء الشمس وتستهلك الأكسجين المذاب، ممّا يحوّل المياه إلى بيئة خانقة تقضي على الأسماك واللافقاريات والنباتات الأصيلة”.
وتضيف الدراسة: “تجمّع المواد النباتية الميتة في القاع يغيّر كيمياء الرواسب تماماً، ممّا يرفع مستويات الفوسفور والأمونيا الحرّة، ويجعلها مصدراً مستمرّاً للتلوّث حتى بعد إزالة النبات من السطح. وعلى المستويين الإقليمي والعالمي، يُعتبر التلوّث بالمغذّيات القادمة من المناطق الزراعية السبب الرئيسي لانتشار هذه النبتة، الأمر الذي يفرز مخاطر بيئية واقتصادية جسيمة، مثل تدمير المنشآت المائية وفقدان التنوّع الحيوي”.
ويصل امتداد تأثير زهرة النيل على الجسور والسدود حيث تؤدّي إلى ضغط كبير على المنشآت المائية، وبسبب إفرازاتها المختلفة تتآكل قواعد الجسور والسدود بحسب المهندس رعد عدنان رعدون.
إذ تعمل زهرة النيل على إزاحة النباتات المائية المستوطنة الأصيلة عن طريق التنافس معها، والتغلّب عليها، وإحداث زيادة كبيرة في كميّات الموادّ المتحلّلة الناتجة عن موت أجزاء من النبات وسقوطها إلى قعر الماء، لينتج عن ذلك لاحقاً، تغيّر واختلال في النظام البيئي.
ما العمل؟
قرعت أرقام نموّ نبات زهرة النيل ناقوس الخطر حول سلامة البيئة المائية في سوريا، بحسب ورقة بحثية للدكتور عماد الحوراني، حذّرت من قدرة زهرة النيل على التكاثر الفائق في الفترة الممتدّة من نيسان/ أبريل حتى تشرين الثاني/ نوفمبر. وتتحوّل أشهر السنة الحارّة (حزيران/ يونيو، تمّوز/ يوليو، آب/ أغسطس، وأيلول/ سبتمبر) إلى بيئة مثالية لإنتاجية عملاقة، تجعل هذا النبات يضاعف حجمه في غضون 5 إلى 18 يوماً فقط.
وجاء في الورقة: “رغم الافتقار إلى تحليلات تجريبية وإحصائية دقيقة ترصد بدقّة متناهية سرعة هذا الزحف، يؤكّد الواقع الميداني تشكيله مستعمرات ومسطّحات كثيفة تخنق الأنواع النباتية الأخرى المغمورة والطافية، وتكمن الخطورة الكبرى في أن النبتة الواحدة يمكنها غزو مساحة تبلغ 2500 متر مربّع في موسم واحد، وهو ما يشكّل تهديداً مباشراً وغير مسبوق للتوازن البيئي المائي”.
الحكومة السورية أعلنت كما أشارت صحيفة “الثورة” السورية عن برنامج لمكافحة زهرة النيل، تتضافر فيه الجهود لمكافحتها بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، وكل من الهيئة العامّة لإدارة وتطوير الغاب ومديرية الموارد المائية، إلى جانب وزارة الزراعة والطاقة، وفرق من الدفاع المدني.
من جهته المهندس رعد عدنان رعدون معاون المدير العامّ لهيئة إدارة وتطوير الغاب قال لـ”درج” :” حاليا مع توفر الإمكانيات المحدودة بالتعاون مع منظمات الفاو و الـ wfp تم تعزيل مجرى العاصي من سد شيزر حتى التريمسة بطول 22 كم، ويتم العمل مع منظمة اكساد لاكمال المشروع حتى سد العشارنة وتعتبر هذه البؤرة الاساسية لانتشار زهرة النيل في المصارف a و b وهي مصارف كبيرة موجودة في المنطقة يتم توجيه الفائض المائي من السدود باتجاه ادلب ومن ثم تصب في البحر المتوسط وتساهم تلك المصارف بشكل رئيسي بسقاية مزروعات الفلاحين”.
يضيف رعدون:” الإزالة تتم بثلاثة طرق، ميكانيكية باستخدام الآليات والبواكر والحصادات، وأيضا الأساليب اليدوية في المصارف الصغيرة وتستخدم المضادات الحيوية كسوسة زهرة النيل للحد من انتشارها، لكن في حال وجدت بصلة واحدة من زهرة النيل ممكن تنتج أزهار في الأعوام المقبلة وطرق المكافحة تحتاج تظافر جهود كبرى خلال 4 سنوات لاستئصالها بشكل نهائي من المنطقة”
إقرأوا أيضاً:










