كان ذلك في طهران، يوم أحضر شقيقي حسن “كاسيت”، ودعانا شقيقتي ريّا وأنا، لنسمع مسرحيّة “نزل السرور” لزياد الرحباني. أغلقنا علينا باب الغرفة، وانبطحنا مقابل المسجّلة مذهولين، مأخوذين بعالم نجوبه للمرّة الأولى في حياتنا. كنّا نحن الثلاثة الأكبر سنّاً، نستثني الصغيرين (زيد ومصطفى) من مؤامراتنا، لذلك، اقتحم أبي الغرفة بعد دقائق، وسألنا من هذا الذي أخذ عقولكم؟ فأجبناه “ابن فيروز”، فانسحب فوراً من دون اعتراض.
لم نكن نملك آنذاك أية وسيلة للتواصل مع جذورنا، لا تلفونات ولا فضائيات ولا إذاعات ولا مكتبات عربية، كنّا نملك صوت “ابن فيروز” فقط، الذي كان يخرج علينا من المسجّلة، كلما استبدّ بنا الحنين، إلى أن علك الشريط وتقطّع، وعدنا من جديد إلى حياتنا الإيرانية العادية.
كان ذلك في شارع الحمرا، عند الزاوية المؤدّية إلى مستشفى الجامعة الأميركية نزولاً، كنت أنتع طفلي على خصري، مسرعة لألحق موعد طبيب الأطفال، ورأيته، بل مرّ بلصقي تماماً. كان يرتدي قميص كارو أسود ورمادي وألوان أخرى، وتتدلّى على كتفه حقيبة جلدية سوداء عريضة، ظهر أمامي فجأة، وقف لحظات ليشعل سيجارة، ثم استأنف مشيه، وأنا في هذا الوقت نسيت موعد الطبيب، وتعب مشواري من النبطية، وحرّ بيروت، وتجمّدت في مكاني أتأمّله، وأحدّث نفسي: كم يشبهها، أمّه!
تمضي الأيّام ويكبر طفلي الذي مسّه قبس من نار ذلك اليوم في الحمرا، وينتمي إلى الحزب الشيوعي، ويملأ حياتنا بصور زياد الرحباني ومسرحيّاته وأغنياته حدّ التخمة، ويقرّر أبي أن يستنجد بصديقه الشيوعي كريم مروّة، لإقناع حفيده بالتخفيف من حدّته الثورية، فيقول لنا جملته المشهورة: “إذا بلغ ابنك الثامنة عشرة ولم يصبح شيوعياً، فاعرضه على طبيب، وإذا تجاوز الأربعين وظلّ شيوعياً، فاعرضه على طبيب”…
كان ذلك بعد سنوات، حين انتقلت إلى بيروت، والتحقت بمركز عملي الجديد في شارع الحمرا، كنت جالسة على بُعد طاولتين منه في “المقهى اليساري”، لم أرفع عينيّ عنه، ولم أتقدّم لأسلّم عليه كما فعل غيري، اكتفيت بمراقبته من بعيد، لأتأمّل فيه أمّه.
وصرت أراه يومياً تقريباً، أتعمّد أن أراه، ألمحه يمشي على الرصيف المقابل، فأنتقل إليه لأمشي خلفه، يدخل إلى مقهى فأدخل خلفه، طوّرت علاقة شبه اجتماعية معه، طرفاها أنا وحدي.
ومرّة دخلت مع شلّة الأصدقاء أحد المقاهي، ووجدته جالساً مع رفاقه، وكان يرتدي قميص الكارو نفسه وإلى جانبه الحقيبة الجلدية السوداء العريضة نفسها، ويدندن بصوت خافت من دون موسيقى “بلا ولا شي”، يومها لشدّة تأثّري بالأغنية وبصوته وبجوّ المقهى، فصلته عن أمّه، صدّقت أنه زياد وليس ابن فيروز فقط.
مع الأيّام، صرت مثله مقيمة في الحمرا، كنّا نجتمع في مقاهيها لنطفئ حماستنا وانفعالاتنا بكثير من ربّ الرمان والنكهات الحادّة، نرشرش العبارات الثورية في الأجواء، نصنع الأحلام، نستسهل قطع الوعود ونسج الآمال، نشعر أننا قادرون على تغيير العالم ونحن ملتصقين بمقاعدنا.
وصرنا نسمّي هذا “تنميط الحمرا الجميل”، الذي كان عبارة عن زياد يجلس على كرسي قبالتنا، أو يمرّ من قربنا، ودائماً بقمصانه الكارو وحقيبته الجلدية السوداء العريضة التي تتدلّى من كتفه، وعن السلوك الحماسي الذي لا يهدأ، وأسلوب الحياة البسيط، ونوعيّة الاهتمامات والقضايا التي نحملها في قلوبنا، والفهم الخاصّ للسياسة. نمط فريد جعل من الحمرا دولة فيها شعب له هوّية خاصّة، لم تكن نشازاً في بلد له هوّيات كثيرة، بل لوحة إنسانية فيها فائض من الانسجام والحميمية.
رغم هوّيتنا الموحّدة، وتأثير زياد السحري علينا، كان لي رأي غير شعبي به، تسبّب لي بالكثير من الشتائم و”البهدلة” من الأصدقاء، وصل أحياناً إلى حدّ النفي!
فأنا لم أستوعب شيئاً من مسرحيّاته! لم أفهم يوماً ماذا يريد! كان يحكي لغة صعب عليّ إداركها، صحيح أنه لم يملك أحد خفّة دمه وبداهته في اختراع النكات واللعب على الكلام، لكنّني عجزت عن فهم مسرحه، ربما بسبب رمزيته وكثافته، ربما كان شاقّاً على محدودي الذكاء من أمثالي، استيعاب العبارات والتوريات و”الأفيهات” والإشارات المشفّرة التي يجود بها في مسرحياته وبرامجه الإذاعية.
لا شكّ في أنه كان هناك دائماً شكل من الثورية الحادّة في أعماله المسرحية، من الحزن المتواري، الذي يختبئ خلف قناع السخرية، السخرية المُرّة، السوداء، ويظهر على هيئة شطحات خارجة عن المألوف، قد يسمّيها البعض عبقرية، وأحياناً تهريجاً، وأنا منهم، لكنّه يدلّ دون مبالغة، على قلق نفسي عميق وانكسار إنساني موجع.
كذلك لم أحبّه مع فيروز كثيراً، أو بالأحرى في بعض الأغاني مثل “كيفك إنت”، نعم، هذه بالذات… لم أستمزج أن ينقل فيروز من بين النجوم إلى مقعد شوفير الكميون، وجدت أن هذا الثوب العبثي الثائر على التقليد يليق به هو، وليس بها أو بشخصيّة صوتها.
تحمّلت الكثير من التوبيخ والزعيق من أصدقائي بسبب رأيي هذا، ولم أتراجع!
مع جوزف صقر تجلّت عبقريّته كما لم يحصل مع أحد غيره، حتى مع فيروز العظيمة، الانسجام بينهما كان مكتمل النصاب، شخصيّتان تقودهما الموسيقى مثل السحر، تناغم كلّي لم يتحقّق لدى أي ثنائي آخر. كانا يغنّيان، يتهاديان، يذوبان، يلتحم أحدهما بالآخر ليخلقا لنا لطائف مثل: “الحالة تعبانة يا ليلى”، و”عايشة وحدا بلاك”، و”مربى الدلال” وغيرها… ربما رحيل جوزف صقر كان بمثابة موت الفكرة المبدعة، التي تاه بعدها زياد بين الأصوات، ولم يلقَ ضالته.
ثم تاه مرّة أخرى، حين أعلن تأييد الطاغية، رغم أنه يعرف “خوف الطغاة من الأغنيات”.
شخصيّته الطيّبة النقيّة وروحه المرهفة الحسّاسة الخالية من التصنّع وخساراته المعنوية والمادية الكثيرة، ملهمة أكثر من فنّه، فكرة رفضه العلاج بشجاعة تحلّى بها في الحياة وفي الموت، تُضاف إلى هذا الإلهام.
كان شقيّاً بالمعنيين: الشقاء والشقاوة، فهو مثل أكثرنا فاشل في الحبّ وفي الزواج، وفي الاستثمار في موهبته، وهو مثل كثيرين منّا الابن الضال الذي رمى “ملعقة الذهب” لينتمي إلى “الغلابة”.
زاره شيطان التمرّد باكراً فاتّبعه، وعاش صعلوكاً، على طريقة الشعراء الصعاليك مثل “تأبّط شرّاً”، وتائهاً مثل “الملك الضليل”، يقوده نفس انتقامي هاملتي، وربما في طريقه إلى قتل الأب قتل الابن أيضاً.
في الموسيقى كان ابن الشارع، ثار على مركزية الفنّ وسحبه إلى الهامش، ساخراً من كلّ “التلميعات” التي زخرت بها الأغنية اللبنانية، غنّى للفقراء والبسطاء والمقهورين والفاشلين، جعل للكافر أغنية، وللجنديّ المستاء من واقعه أغنية، وللمرأة التي تأخرت عن الالتحاق بقطار الزواج أغنية.
مثلاً في “عيشة صعبة وما بتلذلّو”، إيقاع سريع يقطع الأنفاس، يشبه مطرقة الشقاء التي لا تكفّ عن تهشيم أرواحنا، جمل غنائية مقتضبة، مكرورة، لكنّها في الوقت ذاته تخلق جوّاً من الاعتراض، من العناد، لا تشكو بقدر ما تثور، لا تطلب الاعتراف بقدر ما تفرضه.
كذلك في “حبيت ما حبيت”، خرج عن المألوف العاطفي، ليصنع من العذاب النفسي لوحة جمالية، ليجعلنا نعترف أن الجمال لا يكمن في النهايات السعيدة فقط، بل في الرضا أيضاً، في الندوب التي تتحوّل إلى علامات على النجاة من التجربة، في الثقوب النفسية التي ينتهزها الضوء ليتسلّل منها إلى دواخلنا.
بفضله صدّقت أن عبقريّة الفنّ ليست بتجميل الواقع، بل في إبراز تشوّهاته، بكشف جروحه، وأن قيمة الفنّ ليست في مثاليّته، بل في قدرته على الهدم، ومحاولة استيلاد الجديد على أنقاضه.
في السياسة، أجمل ما في زياد وعيه للشيوعية كفكرة ملتصقة بالناس، بهموم الفقراء، بالتواضع، بالتماهي مع القضايا الإنسانية، وثاني أجمل ما فيه، فضحه النرجسيّة الجماعاتية اللبنانية، وتحطيمه إحساسها المتعالي بالذات والهوّية، وعجزها عن الاعتراف بتعدّدية “النحن”.
ورغم هذا لم يكن زياد الشيوعي ولا المؤمن ولا اليساري ولا اليميني ولا الفقير ولا الغني… بل تجسيد في منتصف المسافة لكلّ ما سبق.
مثله أناس نبلاء، يتبنّون حتى الموت قضايا يصعب على غيرهم أن يبقوا أوفياء لها طويلاً، لكنّهم وهم يسعون إلى الحقيقة، يسلكون دون أن يدروا، دروباً شقّتها السلطة أو الزعيم الكاريزماتي أو المحلّل الاستراتيجي، وبدلاً من التراجع يعكّرون صفو الحياد، فيضيفون عفواً من غير قصد، إلى مراكز القوّة بعداً أيديولوجياً، ويملأون خزائنها بالمزيد من الشعبويات. السرديات النضالية جزء من الواقع وجزء من الخيال أيضاً، وفي هذه المعادلة حتى اليسار ضلّ طريقه، فالثورية لم تنحصر يوماً بالقوّة، هي مخاطبة للأصل أيضاً، والأصل هو الإنسان، الإنسان فقط.
لذلك، رغم أن زياد وقف ضدّ عنف اليمين المسيحي وانعزاله، وقع في فخّ اليمين الشيعي وخشبيته، عادانا نحن “اليسار الشيعي” الذين نشبهه في الاعتراض وفي الالتصاق بالقضايا الإنسانية لا السياسية، نحن الذين لم نرَ اختلافاً بين بشير ونصرالله بين صدّام والخميني، وحافظنا على الخطّ الرفيع الفاصل بين طرفين جعلهما التناقض شبيهين.
على أية حال، انتهت هذه “المسرحيّات” قبل رحيل زياد، أما بقاؤها بقالبها السياسي الحالي فمثل عدمه. والقضيّة التي سحبت زياد إلى شباك الجاذبيّة السياسية، أصبحت قطعة أرض يساوم عليها الإيراني عبرنا في هذا البلد الصغير المنذور لحروب الآخرين، ويعلن ترامب أنه ينوي شراءها ليحوّلها إلى ريفييرا، ويحاول نتانياهو أن يمحوها بمن عليها، والمؤسف أنه لن يكون معنا بعد الآن ليسخر من هذا كلّه!
إقرأوا أيضاً:












