ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

زياد الرحباني… حين يصبح الفنان جزءاً من ذاكرتنا 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل غاب زياد بموته؟ هل خفت صدى كلماته؟ بالتأكيد لا. هو فقط انسحب أو ربما تعب وشعر بالملل أو سكت ليجعلنا نشتاق أكثر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

حين وصلني خبر وفاة زياد الرحباني صباح نهار السبت 26 تموز/ يوليو الجاري، اجتاحني حزنٌ غامِر، شعرت كأن جزءًا من ذاكرتي قد تلاشى مع تلاشي أنامله الموسيقية وكلماته الحادة، الساخرة غالباً، وروحه التي غادرت من دون إنذار.

لم يكن زياد مجرد فنانٍ عابر في حياة الكثيرين من اللبنانيين، وأنا منهم، بل كان صدىً حيًّا لنبض لبنان، لخيبات شعبه المتتالية، لمآسيه المتكررة منذ سنين طويلة، لا في الأغاني فقط، بل في التفاصيل الصغيرة التي تعيش في أعماقنا. الرحيل غير المتوقع الذي لم أتقبله، حمل معه إحساسًا بالفراغ والخيبة، وكأن العمالقة يرحلون بصمت ليحركوا داخلنا غضباً عميقاً نتغاضى عنه في ظل ظروف حياتنا الصاخبة دائماً.

 لكنّ ذكرى زياد الرحباني، بصوته المتمرّد وكلماته التي تخترق العقول والقلوب، ستبقى خالدةً، جزءًا لا يُمحى من ذاكرتنا الشخصية والجمعية على حدّ سواء.

ليسوا كثيرين الفنانون الذين تحوّلوا إلى جزء من الذاكرة الفردية كما الذاكرة الجمعية. لكن زياد الرحباني لم يكن مجرد فنان عبقري فقط، بل ذاكرة تمشي بيننا، محفورة في تفاصيل نشأتنا، في شريط الأغاني الذي حفظناه من دون أن نقصد، في صوت فيروز الذي يرافق صباحاتنا غير الهانئة في كثير من الأحيان، في سخريته التي تعبر عن مرارة عميقة نشعر بها كل يوم، في الحوارات المسرحية التي تشبهنا إلى حدّ مُخجل، في صوته الأجش الذي يصدح بأفيهات تلخّص مسار حياتنا المتعرج، المتقلب وفق الأحداث والظروف.

 مع رحيله المفاجئ، لن يعود زياد الرحباني ليقول ما يشبه “بالنسبة لبكرا شو؟”،  لكنه علّمنا أن نسأل هذا السؤال كل يوم، حتى لو لم نجد له جواباً.

كبرنا ونحن نضحك من سخرية “نزل السرور”، ونتهجى مآسي الحرب اللبنانية في “فيلم أميركي طويل”، ونُدهش من وضوحه الوقح في “بالنسبة لبكرا شو؟”. كبرنا وهو يعلّمنا أن الكوميديا يمكن أن تكون طعنة في قلب السلطة، وأن الموسيقى ليست دومًا للغرام، بل للغضب أيضًا، وأن الفنان لا يجب أن يكون محايداً بل صوتاً صارخاً تسمع صداه الأجيال.

 زياد الرحباني الذي لم أقابله يوماً، والذي لم أره سوى مرة واحدة كطيف خفيف يجول في شوارع الأشرفية، من دون مرافقين ومن دون ضجيج كالذي يرافق فناني هذا العصر، أشعر أنه مرّ من صالون بيتي في زمن ما، جلس على الكنبة، وسخر من كل ما يحدث خارج النافذة.

كان يشبهنا، ويشبه ما كنّا نطمح أن نكونه: أحراراً، ساخرين، غير منتمين بالكامل، ولكن منغمسين بصدق في التفاصيل اللبنانية حتى الثمالة.  من قال إن الحنين يجب أن يكون جميلاً دائمًا؟ نحن نشتاق إلى زياد الرحباني حتى في مرارته، لأن مرارته تشبهنا. نعود إلى أغانيه لا لنرتاح، بل لنتذكّر كم كنا غاضبين، وكم كانت تلك الغضبة أنيقة بصوته.

هل غاب زياد بموته؟ هل خفت صدى كلماته؟ بالتأكيد لا. هو فقط انسحب أو ربما تعب وشعر بالملل أو سكت ليجعلنا نشتاق أكثر.  لكنه سيبقى خالداً، تستحضره ذاكرتنا في كل مرة نستمع فيها الى “شو ها الأيام اللي وصلنالا”، “بما إنو”، “عودك رنان”، “إي في أمل”، “كان غير شكل الزيتونة”… وفي كل مقطع من مسرحياته التي ترعرعت كلماتها في بيوتنا، ورافقت أجيالاً وأجيالاً.

غاب زياد الرحباني من دون صخب ووداع، لم يخبرنا “بالنسبة لبكرا شو”، ولم يقل لنا شيئاً “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”. ترك وراءه شعباً مخذولاً، طحنته الأزمات، وبلداً منهاراً، يعيث فيه الفاسدون، ويُترك مبدعوه وعمالقته لقدرهم، فلا يكرِّمهم إلا بعد مماتهم.

 زياد الرحباني ليس أيقونة، فالأيقونات لا تتغير. وزياد تغيّر، وتقلّب، وصدم، وخاب أملنا فيه أحيانًا، وأحببناه أكثر لأنه لم يكن ملاكًا. كانا فوضوياً، عاطفياً، مزاجياً، شفافاً حتى الإحراج.

 مع رحيله المفاجئ، لن يعود زياد الرحباني ليقول ما يشبه “بالنسبة لبكرا شو؟”،  لكنه علّمنا أن نسأل هذا السؤال كل يوم، حتى لو لم نجد له جواباً.

28.07.2025
زمن القراءة: 3 minutes

هل غاب زياد بموته؟ هل خفت صدى كلماته؟ بالتأكيد لا. هو فقط انسحب أو ربما تعب وشعر بالملل أو سكت ليجعلنا نشتاق أكثر.

حين وصلني خبر وفاة زياد الرحباني صباح نهار السبت 26 تموز/ يوليو الجاري، اجتاحني حزنٌ غامِر، شعرت كأن جزءًا من ذاكرتي قد تلاشى مع تلاشي أنامله الموسيقية وكلماته الحادة، الساخرة غالباً، وروحه التي غادرت من دون إنذار.

لم يكن زياد مجرد فنانٍ عابر في حياة الكثيرين من اللبنانيين، وأنا منهم، بل كان صدىً حيًّا لنبض لبنان، لخيبات شعبه المتتالية، لمآسيه المتكررة منذ سنين طويلة، لا في الأغاني فقط، بل في التفاصيل الصغيرة التي تعيش في أعماقنا. الرحيل غير المتوقع الذي لم أتقبله، حمل معه إحساسًا بالفراغ والخيبة، وكأن العمالقة يرحلون بصمت ليحركوا داخلنا غضباً عميقاً نتغاضى عنه في ظل ظروف حياتنا الصاخبة دائماً.

 لكنّ ذكرى زياد الرحباني، بصوته المتمرّد وكلماته التي تخترق العقول والقلوب، ستبقى خالدةً، جزءًا لا يُمحى من ذاكرتنا الشخصية والجمعية على حدّ سواء.

ليسوا كثيرين الفنانون الذين تحوّلوا إلى جزء من الذاكرة الفردية كما الذاكرة الجمعية. لكن زياد الرحباني لم يكن مجرد فنان عبقري فقط، بل ذاكرة تمشي بيننا، محفورة في تفاصيل نشأتنا، في شريط الأغاني الذي حفظناه من دون أن نقصد، في صوت فيروز الذي يرافق صباحاتنا غير الهانئة في كثير من الأحيان، في سخريته التي تعبر عن مرارة عميقة نشعر بها كل يوم، في الحوارات المسرحية التي تشبهنا إلى حدّ مُخجل، في صوته الأجش الذي يصدح بأفيهات تلخّص مسار حياتنا المتعرج، المتقلب وفق الأحداث والظروف.

 مع رحيله المفاجئ، لن يعود زياد الرحباني ليقول ما يشبه “بالنسبة لبكرا شو؟”،  لكنه علّمنا أن نسأل هذا السؤال كل يوم، حتى لو لم نجد له جواباً.

كبرنا ونحن نضحك من سخرية “نزل السرور”، ونتهجى مآسي الحرب اللبنانية في “فيلم أميركي طويل”، ونُدهش من وضوحه الوقح في “بالنسبة لبكرا شو؟”. كبرنا وهو يعلّمنا أن الكوميديا يمكن أن تكون طعنة في قلب السلطة، وأن الموسيقى ليست دومًا للغرام، بل للغضب أيضًا، وأن الفنان لا يجب أن يكون محايداً بل صوتاً صارخاً تسمع صداه الأجيال.

 زياد الرحباني الذي لم أقابله يوماً، والذي لم أره سوى مرة واحدة كطيف خفيف يجول في شوارع الأشرفية، من دون مرافقين ومن دون ضجيج كالذي يرافق فناني هذا العصر، أشعر أنه مرّ من صالون بيتي في زمن ما، جلس على الكنبة، وسخر من كل ما يحدث خارج النافذة.

كان يشبهنا، ويشبه ما كنّا نطمح أن نكونه: أحراراً، ساخرين، غير منتمين بالكامل، ولكن منغمسين بصدق في التفاصيل اللبنانية حتى الثمالة.  من قال إن الحنين يجب أن يكون جميلاً دائمًا؟ نحن نشتاق إلى زياد الرحباني حتى في مرارته، لأن مرارته تشبهنا. نعود إلى أغانيه لا لنرتاح، بل لنتذكّر كم كنا غاضبين، وكم كانت تلك الغضبة أنيقة بصوته.

هل غاب زياد بموته؟ هل خفت صدى كلماته؟ بالتأكيد لا. هو فقط انسحب أو ربما تعب وشعر بالملل أو سكت ليجعلنا نشتاق أكثر.  لكنه سيبقى خالداً، تستحضره ذاكرتنا في كل مرة نستمع فيها الى “شو ها الأيام اللي وصلنالا”، “بما إنو”، “عودك رنان”، “إي في أمل”، “كان غير شكل الزيتونة”… وفي كل مقطع من مسرحياته التي ترعرعت كلماتها في بيوتنا، ورافقت أجيالاً وأجيالاً.

غاب زياد الرحباني من دون صخب ووداع، لم يخبرنا “بالنسبة لبكرا شو”، ولم يقل لنا شيئاً “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”. ترك وراءه شعباً مخذولاً، طحنته الأزمات، وبلداً منهاراً، يعيث فيه الفاسدون، ويُترك مبدعوه وعمالقته لقدرهم، فلا يكرِّمهم إلا بعد مماتهم.

 زياد الرحباني ليس أيقونة، فالأيقونات لا تتغير. وزياد تغيّر، وتقلّب، وصدم، وخاب أملنا فيه أحيانًا، وأحببناه أكثر لأنه لم يكن ملاكًا. كانا فوضوياً، عاطفياً، مزاجياً، شفافاً حتى الإحراج.

 مع رحيله المفاجئ، لن يعود زياد الرحباني ليقول ما يشبه “بالنسبة لبكرا شو؟”،  لكنه علّمنا أن نسأل هذا السؤال كل يوم، حتى لو لم نجد له جواباً.