لم تكن اليونانية بيثيا، عرّافة معبد دلفي والوسيطة الروحية بين الإله أبولو وبين زوّاره، التي تقدّم النبوءات حول مستقبل الزوّار والقيادات ومصيرهم بشكل أحاجٍ وألغاز، مجرّد اسم عابر في التاريخ البشري والمعرفي والفلسفي، بقدر ما كانت رمزاً من رموز الحكمة. فهي العرّافة التي تعلم ما لا يعلمه الناس، تعرف المجهول، تسبر أغوار المستقبل، تكشف المصائر، فلا تتسطّح في ما هو معروف سلفاً، وتكتفي بما تيسّر من المعرفة مثل البشر العاديين، بل كان ميدانها ذلك الذي يعجز البشر عن الخوض فيه.
لهذا بالذات مثّلت تلك العرّافة مجموعة قيم استثنائية في تاريخ الفكر وتاريخ الفلسفة والحكمة، التي ستترك هي وأمثالها موقعهم للعلم بعد ألفي سنة تقريباً، ليصبح هو العرّافة التي اختزلت واختصرت تاريخ التكهّن والتبصّر، إذ أعلن عن تسيّده بوصفه السلطة المعرفية والتنبّؤية الوحيدة التي لا تنافسها أيّ سلطة أخرى.
على نحو مساوق، وبعد ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، تعلّق كثير من اللبنانيين بزياد الرحباني، ابن عاصي الرحباني وفيروز، ليس لنسبه بالتحديد، بل لأنه تمرّد على هذا النسب، تمرّد اجتماعياً وتمرّد سياسياً وفكرياً وايديولوجياً وفنّياً، وحتى إنه تمرّد مناطقياً منتقلاً من بيروت الشرقية التي هيمن عليها “الكتائب” ومجموع الأحزاب “اليمينية” في حينه، إلى بيروت الغربية التي هيمنت عليها الحركة الوطنية ومجموع الأحزاب “اليسارية” في حينه كذلك.
لكنّ كل ذلك لم يمثّل التعلّق الاستثنائي والإجماع شبه الوحيد الذي التفّ اللبنانيون حوله وتجلّى يوم رحيله في السنة الماضية. فالحزن عليه كان شاملاً، من مختلف الأيديولوجيات لمختلف الأجيال، وصولاً إلى كافّة المناطق والانتماءات السياسية. لكن يبقى هذا الجانب المجهول الذي لطالما تمّ التعامل مع زياد انطلاقاً منه، بصمت حيناً أو مجاهرة أحياناً، ذلك الإمكان على صوغ النبوءة عبر الفنّ والمسرح، والتعبير الساخر عنها، والتعامل الساخر مع تداعياتها. فالناس يحبّون من يعلم المجهول، يصدّقونه لأنه يكشف لهم ما يخافونه ويجهلونه، ولو كان الكشف بعيداً عن ميدان التحقّق العيني، لا بل بعيداً عن أيّ إمكانية تقرّر صوابيته من عدمها.
هذا ما يعنيه مفهوم العبقرية الذي يُلصق باسم زياد الرحباني. العبقرية ليست في ما يعرف ونعرف، بل في ما يستشرفه ولا نستطيع أن ندركه في لحظته، بل نحتاج إلى سنوات كي نقف وجهاً لوجه أمامه. هل ننسى سياقات مسرحياته التي صوّرت الواقع في حينه واستشرفت المستقبل، خصوصاً الأخيرة عندما تنبّأ بصدام الجيش اللبناني و”حزب الله” مثلاً؟
هل ننسى التنبّؤ الذي وضعه حينما استشرف عودة اللبنانيين إلى حالة الهمجية والصدامية، عندما صوّرهم من دون أيّ مقوّمات “حضارية” يتراشقون أكياس النفايات؟ هل ننسى التنبّؤ بالغارات التركية والإسرائيلية، التي أخذها الجمهور يومها على محمل الهزال؟ هذه المشاهد وكثير غيرها لا يمكن ضبطها وسردها في مقالة واحدة. فالعبقرية والجنون والنبوءة تكاد تكون مرادفات.
المجنون هو من يقول كلاماً غير مفهوم، ليس لأنه من كوكب أو من ثقافة أخرى ويتكلّم لغة مختلفة، بل لأنه ابن الواقع نفسه الذي يتكلّم لغة لا نفهمها لزمان لم يأتِ بعد، يشير إلى أمور لا نعاينها، يربطها بطرق لم نعتد في زماننا على ربطها، يتكلّم بمرادفات تكون إجمالاً للمستقبل لا الماضي.
لذلك كله، لا ضير في تسمية الأشياء بأسمائها. فتسويغها يعكس المقلب الآخر للعجز الذي يقف كل لبناني أمامه اليوم، بعد أن ضاقت به السبل وتأزّمت المرحلة إلى عهد غير مسبوق وتخطّت كل ما مرّ به سابقاً. فالتمسّك بالنبوءة نابع من رغبة دفينة في أن نقف في حضرة المستقبل وجهاً لوجه، ونعاين كل تمايزاته علّنا نجد بعض الأمان فيه.
العبقرية أو الجنون، أو تلك التسميات والنعوت، الصفات التي أخذت الكثير من المعاني، كانت تشير دائماً إلى إدراك ذلك المجهول ورسم خارطة طريقه، الشيء الكامن في معطيات يحاول البشر إدراكها علّها تكشف لهم عن إيجابية ما أو بهدف تفادي مصير ما. شيء يُدفن ويُولد في الوقت نفسه، يدفن القديم ويولّد الجديد الذي لم يتكوّن ولم يتشكّل بعد. يولّد من البعثرة، فيصبح وكأنه في حضرة القول المبدع، سواء أكان على لسان عرّافة دلفي أو كان على لسان زياد الرحباني، أو أيّ آخر ما بينهما. من هنا يصبح القول في المجهول مطلوباً بالضرورة، لا لشيء إلا رغبة في الخلاص من قتامة المشهد اللبناني، وتصبح كل إمكانيات احتجاب النبوءة عرقلة للصدق ومسّاً بالمصير، انطلاقاً من رغبة أن ينبع صدق الكلام من محبّة من يتفوّه به، أو خوفاً من مجهول أكثر سوداوية لا نعرفه.
هناك هذا الجانب من زياد الرحباني الذي لم يلتفت إليه الكثيرون في مقالات الرثاء، على الرغم من أن جانب التنبّؤات المنطقية التي وضعها، تختلف عن تلك التي انتشرت وباتت محطّة يومية على الشاشات اللبنانية والعربية مع ميشال حايك، ومع ليلى عبد اللطيف، ومع أشباههما من مجموعة العرّافين والعرّافات الذين واللواتي يبتلعون الشاشات تماما كما كانت “السفينكس” (أبو الهول) تقتل من لا يعلم الإجابة عن أسئلتها.
اليوم، ونحن في حضرة الغياب، يصبح الغياب نفسه تبصّراً، يصبح ميدان التكهّن الذي تهيمن عليه روح المجهول والاستكشاف. وكأن زياد دخل منذ سنة عالماً كان هو نفسه يراه قبل ذلك، عالماً كل ما أراده زياد هو استكشافه، بقصد أو من دون قصد، عالماً لكثرة تحديق زياد فيه تماهى معه، دخل فيه ليستكشفه، فابتلعه.
إقرأوا أيضاً:









