ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سؤال ل”حزب الله”: كيف حدث كل هذا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على “حزب الله” أن يجيب “بيئته” وبلده عن الخطة التي وعد بأنه أعد العدة لها، ولليوم الذي اليوم الذي كان آتياً لا شك، بإسناد ومشاغلة، ومن دونهما. أين الخلل الذي أدى إلى هذه المأساة؟ هل فشل في قراءة قدرات عدوه، أو بالغ في الاعتقاد بقدراته نفسه؟ هل تبدأ بيئته الحاضنة بإعداد نفسها للجولة المقبلة من الآن، أم أنها دفعت ما يكفي من أثمان

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا أعرف ما الذي دهاني حتى ذهبت أتفرج على توقعات ميشال حايك للعام ٢٠٢٤، الذي صار فائتاً أخيراً. أظن أنني كنت أحاول الرجوع في الزمن لأبحث عن السؤال المذهل: هل توقع أحد كل هذا؟

لم أتحمل حايك. لغته المشفرّة التي يمكن إسقاط غموضها كيفما اتفق على أي حدث. السجع الزائد والكلام المقفى والرؤيوية. كل هذا كان مملاً أكثر مما كنت أعتقد. دقيقتان ربما لم يعلق في ذاكرتي منهما إلارتابة النغمة الموسيقية المكررة لعباراته. 

الأكيد أن ميشال حايك لم يتوقع مسبقاً شيئاً مما حدث. هل توقع أحد أن يحدث كل هذا؟ الحرب اللبنانية “الكبرى” المؤجلة التي يعد لها الحزب ما استطاع من قوة منذ ١٨ سنة، تاريخ آخر مواجهة بينه وبين إسرائيل، جرت كما رأينا وسمعنا. عقدان من الخطابات والشعارات الرنانة والصراعات الداخلية والإقليمية و”مئات آلاف المقاتلين” ومئة ألف صاروخ وبنك أهداف سيشل إسرائيل من أعلاها إلى أسفلها. عقدان من التحليلات والتهديد والسخرية من الآخرين، كل الآخرين. 

عقدان من الوعد بأن “حزب الله” ناضج ولاعب سياسي دولي ذكي تكتيكياً واستراتيجياً وخبير بعدوه وبالتهويل على عدوه، ثم حين يقع العدوان، يظهر الحزب فصيلاً هاوياً مذهولاً بينما إسرائيل تفتك حرفياً بالبشر والحجر. 

فصيل ضعيف بلا حول ولا قوة عاجز عن حماية نفسه، قبل حماية بيئته وبلده. تعيث إسرائيل فيه اغتيالاً تلو الاغتيال من أعلى الهرم إلى أسفله، فلا يبقى من قادته أحد، بعدما تكون قد نجحت في خديعتها الكبرى، التي تصلح للخيال العلمي أكثر مما تصلح للحقيقة، تقتل إسرائيل وتجرح آلاف الشبان في دقيقة واحدة وبعبوات دفع الحزب ثمنها للكيان، الذي نشكر السماء فعلاً أنه أوهن من بيت العنكبوت، لأنه لو كان أقوى قليلاً من العنكبوت وبيته، لكان حالنا أسوأ من كل هذا السوء.

عقدان بعد حرب تموز، وأربعة عقود على وجود “حزب الله” انتهت إلى أنه أثبت لمرة واحدة وأخيرة، بنفسه، أن مقاومة إسرائيل، باستراتيجية الحزب، مستحيلة، حتى مع “التضحيات الهائلة لشعب المقاومة” بأرواحهم وأملاكهم وأموالهم وأعمالهم وأبنائهم واستقرارهم، حتى مع فيديوهات الدراجات النارية تشق عباب الأنفاق، حتى مع الرسائل المتبادلة بين المجاهدين في الميدان والشيخ نعيم قاسم، حتى مع تحليل المهندس الثقافي محمد كوثراني حول أن الحزب انتصر ولم يفز، حتى مع الشعر والنثر واللوحات التي رُفعت على الأبنية المدمرة، حتى أحزان الإمام القائد وثقته بشباب لبنان الغيارى.

ثمة خلل جذري، نكبة يحاول الحزب الآن كنسها تحت سجادة من الرومانسية وعبر التكرار الحرفي لخطاب ما بعد تموز ٢٠٠٦. 

لا شيء من تلك الأيام صالح للتداول بين الناس مجدداً بات صالحاً للتطبيق الآن، بدءاً من رمز ذاك التاريخ وأيقونته، السيد حسن نصرالله، وانتهاءً بوعد البناء أحلى مما كانت. الخبر في ما ترون لا ما تسمعون قال السيد في آخر خطاب له. وما نراه، حرفياً، هو انتصار إسرائيلي عسكري استخباراتي تكنولوجي، وليس كارثة طبيعية نواجهها بحمد السماء على كل مكروه والاستكانة إلى أن الله قدّر وما شاء فعل. ليس الإضاءة الحمراء والموسيقى الحزينة يجيب “حزب الله” عن الأسئلة، ولا بشتم راغب علامة وحرق مدرسة في ضاحية مدمرة. 

على “حزب الله” أن يجيب “بيئته” وبلده عن الخطة التي وعد بأنه أعد العدة لها، ولليوم الذي اليوم الذي كان آتياً لا شك، بإسناد ومشاغلة، ومن دونهما. أين الخلل الذي أدى إلى هذه المأساة؟ هل فشل في قراءة قدرات عدوه، أو بالغ في الاعتقاد بقدراته نفسه؟ هل تبدأ بيئته الحاضنة بإعداد نفسها للجولة المقبلة من الآن، أم أنها دفعت ما يكفي من أثمان، وآن لها أن تلتفت إلى حياة “لبنانية” عادية، ليست محكومة فيها بصراع مع إسرائيل بمفردها، ولا “بحماية” حدود لبنان وحدها، ولا بسحق كل أسباب حياتها ومستقبل أبنائها وحدها؟ على الحزب أن يجيب عن حق الطائفة الإقليمية في أن تعود محلية، من دون جبهات في كل الاتجاهات، ما دام الحزب نفسه يثبت عجزاً تلو الآخر في جبهاته كافة، وآخرها سوريا.

كيف حدث كل هذا؟ لا ميشال حايك كان يعلم، ولا الخطاب الحالي للحزب كافٍ، ولا الغضب العارم على راغب علامة سيخفي خلف الشتائم العجز العميق عن الإجابة عن هذا السؤال: من المسؤول عن هذه الخديعة الكبرى؟ 

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
02.01.2025
زمن القراءة: 3 minutes

على “حزب الله” أن يجيب “بيئته” وبلده عن الخطة التي وعد بأنه أعد العدة لها، ولليوم الذي اليوم الذي كان آتياً لا شك، بإسناد ومشاغلة، ومن دونهما. أين الخلل الذي أدى إلى هذه المأساة؟ هل فشل في قراءة قدرات عدوه، أو بالغ في الاعتقاد بقدراته نفسه؟ هل تبدأ بيئته الحاضنة بإعداد نفسها للجولة المقبلة من الآن، أم أنها دفعت ما يكفي من أثمان


لا أعرف ما الذي دهاني حتى ذهبت أتفرج على توقعات ميشال حايك للعام ٢٠٢٤، الذي صار فائتاً أخيراً. أظن أنني كنت أحاول الرجوع في الزمن لأبحث عن السؤال المذهل: هل توقع أحد كل هذا؟

لم أتحمل حايك. لغته المشفرّة التي يمكن إسقاط غموضها كيفما اتفق على أي حدث. السجع الزائد والكلام المقفى والرؤيوية. كل هذا كان مملاً أكثر مما كنت أعتقد. دقيقتان ربما لم يعلق في ذاكرتي منهما إلارتابة النغمة الموسيقية المكررة لعباراته. 

الأكيد أن ميشال حايك لم يتوقع مسبقاً شيئاً مما حدث. هل توقع أحد أن يحدث كل هذا؟ الحرب اللبنانية “الكبرى” المؤجلة التي يعد لها الحزب ما استطاع من قوة منذ ١٨ سنة، تاريخ آخر مواجهة بينه وبين إسرائيل، جرت كما رأينا وسمعنا. عقدان من الخطابات والشعارات الرنانة والصراعات الداخلية والإقليمية و”مئات آلاف المقاتلين” ومئة ألف صاروخ وبنك أهداف سيشل إسرائيل من أعلاها إلى أسفلها. عقدان من التحليلات والتهديد والسخرية من الآخرين، كل الآخرين. 

عقدان من الوعد بأن “حزب الله” ناضج ولاعب سياسي دولي ذكي تكتيكياً واستراتيجياً وخبير بعدوه وبالتهويل على عدوه، ثم حين يقع العدوان، يظهر الحزب فصيلاً هاوياً مذهولاً بينما إسرائيل تفتك حرفياً بالبشر والحجر. 

فصيل ضعيف بلا حول ولا قوة عاجز عن حماية نفسه، قبل حماية بيئته وبلده. تعيث إسرائيل فيه اغتيالاً تلو الاغتيال من أعلى الهرم إلى أسفله، فلا يبقى من قادته أحد، بعدما تكون قد نجحت في خديعتها الكبرى، التي تصلح للخيال العلمي أكثر مما تصلح للحقيقة، تقتل إسرائيل وتجرح آلاف الشبان في دقيقة واحدة وبعبوات دفع الحزب ثمنها للكيان، الذي نشكر السماء فعلاً أنه أوهن من بيت العنكبوت، لأنه لو كان أقوى قليلاً من العنكبوت وبيته، لكان حالنا أسوأ من كل هذا السوء.

عقدان بعد حرب تموز، وأربعة عقود على وجود “حزب الله” انتهت إلى أنه أثبت لمرة واحدة وأخيرة، بنفسه، أن مقاومة إسرائيل، باستراتيجية الحزب، مستحيلة، حتى مع “التضحيات الهائلة لشعب المقاومة” بأرواحهم وأملاكهم وأموالهم وأعمالهم وأبنائهم واستقرارهم، حتى مع فيديوهات الدراجات النارية تشق عباب الأنفاق، حتى مع الرسائل المتبادلة بين المجاهدين في الميدان والشيخ نعيم قاسم، حتى مع تحليل المهندس الثقافي محمد كوثراني حول أن الحزب انتصر ولم يفز، حتى مع الشعر والنثر واللوحات التي رُفعت على الأبنية المدمرة، حتى أحزان الإمام القائد وثقته بشباب لبنان الغيارى.

ثمة خلل جذري، نكبة يحاول الحزب الآن كنسها تحت سجادة من الرومانسية وعبر التكرار الحرفي لخطاب ما بعد تموز ٢٠٠٦. 

لا شيء من تلك الأيام صالح للتداول بين الناس مجدداً بات صالحاً للتطبيق الآن، بدءاً من رمز ذاك التاريخ وأيقونته، السيد حسن نصرالله، وانتهاءً بوعد البناء أحلى مما كانت. الخبر في ما ترون لا ما تسمعون قال السيد في آخر خطاب له. وما نراه، حرفياً، هو انتصار إسرائيلي عسكري استخباراتي تكنولوجي، وليس كارثة طبيعية نواجهها بحمد السماء على كل مكروه والاستكانة إلى أن الله قدّر وما شاء فعل. ليس الإضاءة الحمراء والموسيقى الحزينة يجيب “حزب الله” عن الأسئلة، ولا بشتم راغب علامة وحرق مدرسة في ضاحية مدمرة. 

على “حزب الله” أن يجيب “بيئته” وبلده عن الخطة التي وعد بأنه أعد العدة لها، ولليوم الذي اليوم الذي كان آتياً لا شك، بإسناد ومشاغلة، ومن دونهما. أين الخلل الذي أدى إلى هذه المأساة؟ هل فشل في قراءة قدرات عدوه، أو بالغ في الاعتقاد بقدراته نفسه؟ هل تبدأ بيئته الحاضنة بإعداد نفسها للجولة المقبلة من الآن، أم أنها دفعت ما يكفي من أثمان، وآن لها أن تلتفت إلى حياة “لبنانية” عادية، ليست محكومة فيها بصراع مع إسرائيل بمفردها، ولا “بحماية” حدود لبنان وحدها، ولا بسحق كل أسباب حياتها ومستقبل أبنائها وحدها؟ على الحزب أن يجيب عن حق الطائفة الإقليمية في أن تعود محلية، من دون جبهات في كل الاتجاهات، ما دام الحزب نفسه يثبت عجزاً تلو الآخر في جبهاته كافة، وآخرها سوريا.

كيف حدث كل هذا؟ لا ميشال حايك كان يعلم، ولا الخطاب الحالي للحزب كافٍ، ولا الغضب العارم على راغب علامة سيخفي خلف الشتائم العجز العميق عن الإجابة عن هذا السؤال: من المسؤول عن هذه الخديعة الكبرى؟ 

02.01.2025
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية