fbpx

“ساحات المقاومة”: هكذا عاشت النساء الحرب الكونيّة الثانية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تسرد سونيا كيف سيطرت مع مجموعة من الفدائيين على قطار ينقل القمح إلى الجنود الألمان بهدف توزيعه على الشعب الجائع، وكيف قتلت أول رجل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

توصَف “قافلة بين سينمائيات” بأنها مبادرة مستقلة تُديرها مجموعة من صانعات ومنسقات الأفلام، وتسعى إلى خلق شبكة دولية من صانعات الأفلام من مناطق مختلفة حول العالم، وبخاصة العالم العربي، وهو ما يساهم في التقدم نحو تحقيق المساواة بين الجنسين والتعددية الثقافية. تؤدي القافلة منذ عام 2008، دوراً رائداً في ما يتعلق بالمرأة والسينما في مصر والعالم العربي.

أتاحت المنصة  بين 2 و9 شباط/ فبراير 2023، مشاهدة حصريّة للتسجيل الصربي/ الكرواتي “ساحات المقاومة-Landscapes of Resistance” للمخرجة مارتا بوبيفودا، التي تهتم أعمالها باستكشاف التوترات بين الذاكرة والتاريخ، والكيانات الجمعية والفردية، والأيديولوجيا والحياة اليومية، وتركز على الإمكانات المناهضة للفاشية والإمكانات النسوية للمشروع الاشتراكي اليوغوسلافي.

مرج من شقائق النعمان الحمراء، يترافق مع أغنية جميلة تقول كلماتها إن شقائق النعمان نبتت في هذا الحقل بدل القمح لكثرة الدماء، إنها الحرب! نتعرف  في الفيلم إلى سونيا، امرأة ثمانينية بشعر مصبوغ، تجلس في الشمس وعلى حضنها قط صغير رمادي مخطط -يشبه قطي- تخبر الكاميرا أن القط سيبدأ بعد قليل اللعب بأزرار جاكيتها، وبالفعل، يبدأ بذلك.

تتحرك الكاميرا ببطء بين بيت في ضيعة مهجورة وغابة، بينما نسمع صوت سونيا تخبرنا كيف تعرفت إلى زميل في المدرسة أصبح زوجها لاحقاً، ثم كيف طُردت من المدرسة بسبب انتسابها الى الشبيبة الشيوعية. نبدأ مرة أخرى بسؤال صريح لسونيا في شقتها في بلغراد: كيف أصبحتِ فدائية؟

سونيا الآن امرأة تسعينية بشعر أبيض كالثلج، ويدين مرتجفتين، حركتها أثقل مما شاهدنا في لقطات سابقة. إنها جدة آنا بوبانوفيتش، دراماتورغ الفليم، التي عرّفتها إلى صديقتها المخرجة مارتا بوبيفودا، من هنا أتت فكرة الفيلم.

يبدو تناول تأسيس المقاومة الفدائية في يوغوسلافيا السابقة مع بداية الحرب العالمية الثانية، موضوعاً بعيداً نسبياً من اهتمام المتفرّج العربي، لكنه جزء من متغيرات تاريخ المنطقة في القرن العشرين، الذي لم يمض عليه الكثير من الوقت وما زالت آثاره ترتدّ علينا حتى يومنا هذا.

كان “الحزب الشيوعي اليوغوسلافي” حزباً معارضاً في المملكة اليوغوسلافية، التي تضم كلاً من صربيا وكرواتيا والجبل الأسود وسلوفينيا ومقدونيا وكوسوفو، مُنع من الحكومة الملكية فتحوّل إلى تجمّع سري حتى بداية الحرب العالمية الثانية، لوحق أعضاؤه الذين عملوا في السرّ.

تتحرك الكاميرا ببطء بين بيت في ضيعة مهجورة وغابة، بينما نسمع صوت سونيا تخبرنا كيف تعرفت إلى زميل في المدرسة أصبح زوجها لاحقاً، ثم كيف طُردت من المدرسة بسبب انتسابها الى الشبيبة الشيوعية.

انخرط الشيوعيون بعد سقوط مملكة يوغوسلافيا تحت الاحتلال النازي في حرب تحرير وطنية، ومع انتهاء الحرب عام 1945 أُعلن قيام جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية، وأسس الحزب نظام حزب واحد برئاسة جوزيف تيتو، وكان أول حزب شيوعي في تاريخ المعسكر الاشتراكي عارض صراحةً إملاءات سياسة الاتحاد السوفياتي.

سونيا بطلة الفيلم، من أوائل الفدائيات النساء في يوغوسلافيا، اللواتي قدن حركة التحرر ضد الفاشية الألمانية في الحرب العالمية الثانية. نحن أمام شخصية استثنائية، تبدو للوهلة الأولى مجرد امرأة عجوز تروي حكاية، لكنها في زمن الحكاية المروية كانت فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة، تحمل قنبلة في جيبها وتتنكر بزي فلاحة كي لا تثير الانتباه، وتنطلق إلى مهمة فدائية خاصة، ومع عودتها من مهمتها الناجحة تتلقى خبر مقتل زوجها فتصبح أرملة.

الفيلم عبارة عن لوحات، لقطات طويلة شبه ثابتة لأماكن من صربيا التي كانت يوماً ما جزءاً من يوغوسلافيا السابقة التي طواها النسيان:  ضيعة، غابة، ملاجئ قديمة تعود الى الحرب العالمية الثانية، مغارة تجمّع فيها الفدائيون، وما تبقى من معسكر أوشفيتز ومداخن غرف الغاز. هي دراماتورجيا الصمت التي استخدمتها آنا بويانوفيتش في الفيلم لإعطاء مساحة لربط الصور التي تخلقها سونيا في خيال المتفرج، عبر الحكاية التي ترويها، وربط هذه الصور اللفظية بالصور الواقعية للمكان، وهذا ما يفسر إيقاع الفيلم البطيء.

تظهر أحياناً  على هذه الكوادر شبه الثابتة والصامتة رسومات مبسطة لأشخاص، بتوقيع بيفو كاراماتييفيتش، فدائي رفيق سونيا، يصور حياة الفدائيين اليومية، تضاف على المشهد لتذكّر بوجودهم، ليحكي جسد سونيا حكاية الجسد الجمعي.

ننتقل إلى الشقة في بلغراد حيث تقطن سونيا مع شريكها إيفو، عجوزان يكبران أمام أعيننا مع توالي مشاهد الفيلم الذي استغرق تصويره نحو 13 سنة من 2007 وحتى 2019، تاريخ وفاة سونيا.

يسرد الفيلم حكايتين متوازيتين، تتقاطعان في مساحة “المقاومة”، حكاية سونيا في ذلك الزمان وحكاية صنّاع الفيلم في نضالهم اليساري الآن، بتكنيك الرسائل أو الملاحظات المكتوبة على الشاشة، حكايات نساء وبلسان نساء.

حكاية الحرب كما رأتها وخاضتها امرأة، وليست الحرب التي خاضها رجال وقدموا شهاداتهم حولها، حكاية سونيا تحديداً لا حكاية شريكها إيفو، في إشارة إلى كتاب “ليس للحرب وجه أنثوي” لسفيتلانا أليكسييفيتش، الذي كان أحد المراجع المستخدمة أثناء البحث لإنجاز الفيلم.

تتساءل أليكسييفيتش في كتابها، إن كانت غريزة حب الوطن قد عطلت التفكير بأن الحرب ليست مخصصة للنساء، وإن جعلت التربية الشيوعية والانتماء الحزبي النساء يشعرن بالتساوي مع الرجل؟ يقدم الفيلم تصوراً آخر، “الوجه الأنثوي للحرب”، فما المانع في أن يكون حب الوطن وتبني فكر الحزب الدافع الى خوض امرأة الحرب حتى لو بدا ذلك خارجاً عن المألوف ربما؟

سونيا فعلت ذلك عن قناعة تامة، واضح أنها رافقتها حتى أيامها الأخيرة، ولم تشكك أبداً بصحة ما فعلته، على رغم محاولات اليمين المتطرف والفاشية الجديدة، محو الفترة الاشتراكية من ذاكرة التاريخ والدعوة إلى العودة إلى الملكية. 

تسرد سونيا كيف سيطرت مع مجموعة من الفدائيين على قطار ينقل القمح إلى الجنود الألمان بهدف توزيعه على الشعب الجائع، وكيف قتلت أول رجل، تذكر سونيا جيداً الضابط الألماني الذي صادفته أثناء تفتيش القطار، تذكر مسدسه الذي لمع في الشمس وكيف كان يصوبه نحوها، كلاهما أطلقا النار، هو أخطأ ولكنها أصابت. دخلت بعدها سونيا في نوبة من البردية والحمى، فليس سهلاً أن تقتل إنساناً.

نرى في  الكادر لقطة شبه ثابتة لورق الجدران في شقة سونيا، تنفصل حوافه عن الحائط لتشوه الزخارف النباتية المتتالية عليه، يتوقف قلبي للحظات وأنا أراه، فأعود إلى لحظة بعيدة من طفولتي في بيت جدتي الروسية في موسكو، إنه ورق الجدران ذاته لكنه أفتح لوناً، ذاكرة النظام الاشتراكي السابق الموحّد في كل شيء، وكأنه زيّ موحّد تلبسه الأبنية والشوارع والأقدام والأجساد والأدمغة، ربما ورق الجدران هذا هو ما دفعني للكتابة عن الفلم.

يجلس القط في الشمس، وسونيا نائمة، تركز الكاميرا على رقبتها حيث ينبض شريان بانتظام، جلد يديها الهرمتين تضاريس محمّلة بالذاكرة، يداها تشبهان يدي أمي، جلدها الهش يحمل آثار سحجات دموية سببها التقدم في السن.

في الحكاية الموازية، تنتقل مارتا وآنا الى السكن في برلين. هل كان الانتقال إلى برلين فكرة سديدة، وبخاصة مع تزايد نمو تيارات الفاشية الجديدة؟

على رغم جميع الشعارات المرفوعة عن المساواة وحقوق الإنسان، ظل الاتحاد الأوروبي عنصرياً تجاه شعوب دول أوروبا الوسطى والشرقية، ويرفض تقبّلهم في مجتمعه، “نحن ننظف مجتمعنا ونسمو به، أما نفاياتنا فنتخلص منها برميها في بلدانكم”. وكإجابة ترسل سونيا إليهم رسالة تقول فيها، إنها لا تعترض على انتقالهم إلى ألمانيا، فهي الآن ليست فاشية ولا نازية.

تتعرض سونيا للملاحقة ومن ثم للاعتقال والتعذيب، لا تُفصّل كثيراً وهي تحدثنا عن هذا الجزء من حياتها، لكن أظن أننا جميعاً نعرف مرجعياته جيداً، فما ترويه يحيلنا إلى الواقع الأمني في بلداننا لكن بنكهة أوروبية تكاد تكون مطابقة. تتحدث عن زنزانتها الضيقة الباردة والمظلمة التي أمضت فيها وقتاً قبل ترحيلها إلى معسكر أوشفيتز، الذي يضم أكثر من 40 معسكر اعتقال وإبادة أدارته ألمانيا النازية في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية، المكان المروع للمحرقة اليهودية “الهولوكوست”. 

نتتبع بعدها رحلة بالقطار الذي قطع بلداناً عدة إلى مكان لم يسبق لهم أن سمعوا بوجوده، يتوقف القطار في إحدى المحطات فيصرخ لهم البعض: غاز… غاز…  ولكنهم لا يفهمون المقصود، أينقلونهم إلى أحد المصانع المصنِّعة له أم ماذا؟ وقبل اقترابهم من العاصمة اليوغوسلافية، يرمون قصاصات رسائل، يلتقطها المارة في الطريق ويوصلونها إلى العناوين المطلوبة لعلّ أقرباءهم يأتون لرؤيتهم حين سيتوقف القطار للحظات في بلغراد.

ملايين من البشر أُحرقوا في غرف الغاز في أوشفيتز لا اليهود فقط، بل الأقليات من الغجر والأشخاص من ذوي الإعاقة، في أسلوب “حداثي” للتطهير العرقي لضمان سلالة نقية، وأيضاً كل أسير لم يعد قادراً على العمل.

أذكر جدتي الروسية تروي الأهوال عن أوشفيتز كما وصلتها أثناء الحرب التي عايشتها، كانوا يصنعون الصابون من الشحم البشري، صورة ظلت ترافقني في الطفولة كلما أمسكت بلوح صابون، لو ظلت جدتي حية لكانت بعمر سونيا، وربما تزيدها ببضع سنوات.

نرى على جلد ساعد سونيا الأيسر وشم لأرقام لم تعد تظهر جيداً، فالزمن كفيل بمحو الحبر الذي شربه الجلد، في أوشفيتز كانت مجرد رقم، مثلنا حين نظهر ضمن إحصائيات ضحايا الحرب أو الزلزال على الشريط الإخباري الأحمر أسفل الشاشة، تُنسى اسماؤنا ونتحول إلى مجرد أرقام. لم تتوقف سونيا، بل استمرت في عملها الفدائي من داخل معسكر الاعتقال بالتنسيق مع قسم الرجال، ينتظرون إشارة من المقاومة البولونية لبدء التمرد لكن الإشارة لم تصل.

نهاية عام 1945، بدأ الألمان بالفرار وأرسلوا سجناء المعسكر في مسيرة موت إلى معسكرات اعتقال أخرى مع اقتراب الجيش الأحمر السوفياتي من معسكر أوشفيتز، هربت سونيا مع مجموعة صغيرة نحو الغابة، تسرد بابتسامة كيف التقت بالجنود الروس الذين حرروهم، كيف شكرتهم وطلبت الانضمام إليهم، فأخبروها أن الحرب قد انتهت. 

قشرت جدران بيت سونيا بعد موتها، وأعيد تجديد البيت ليستقبل أشخاصاً يحملون تاريخاً جديداً بعيد كلياً عن التاريخ السابق الذي سكن هذه الشقة، يبدو أن صفحة النساء أمثالها أو نساء جيلها قد طويت تماماً، وكأنهم قشروا جلد سونيا الهش، كورق السجائر تماماً، كورق الجدران الاشتراكي في بيتها ليطويها النسيان ويطوي المرحلة التي تنتمي إليها.

تتحدث الحكاية الموازية عن احتفال بيوم المرأة العالمي، حضرته مارتا وآنا وآخرون تجمعوا في حديقة، فتساءل مراهقان عن سبب التجمع ولم يفهماه، ربما هو تجمُّع للمثليين يطالبون بشيء ما، فالجيل الجديد في صربيا لا يعلم شيئاً عن تاريخها السابق ولا يعنيه، تماماً كما الجدران الجديدة في بيت سونيا.

في ندوة المناقشة، سألت عن مصير إيفو، الرجل الذي نادراً ما تكلم، إيفو المقاتل الذي يملك أيضاً ذاكرة حرب لم نسمع عنها في الفيلم، لكن ما نعرفه أن إيفو مات بعد شهر تقريباً من موت سونيا حين نُقل إلى دار رعاية المسنين، رجل تسعيني يخسر شريكته وبيته الذي عاش فيه سنواته الأخيرة، ما سرّع في رحيله. أما القط الذي رافقهما في جزء من رحلة حياتهما، فقد تبنته المرأة التي كانت تعتني بكليهما.

يظهر القط في إحدى اللقطات الأخيرة في الشقة التي يعاد ترميمها، يلتفت بوجهه عن الشمس إلى الحائط، وكأنه لا يريد أن يرى، لا أظن أنه أطال البقاء بعدها كثيراً فقد كبر خلال 13 عشر سنة من عمر تسجيل الفلم، وللقطط المخططة عمر افتراضي أيضاً.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.

تسرد سونيا كيف سيطرت مع مجموعة من الفدائيين على قطار ينقل القمح إلى الجنود الألمان بهدف توزيعه على الشعب الجائع، وكيف قتلت أول رجل.

توصَف “قافلة بين سينمائيات” بأنها مبادرة مستقلة تُديرها مجموعة من صانعات ومنسقات الأفلام، وتسعى إلى خلق شبكة دولية من صانعات الأفلام من مناطق مختلفة حول العالم، وبخاصة العالم العربي، وهو ما يساهم في التقدم نحو تحقيق المساواة بين الجنسين والتعددية الثقافية. تؤدي القافلة منذ عام 2008، دوراً رائداً في ما يتعلق بالمرأة والسينما في مصر والعالم العربي.

أتاحت المنصة  بين 2 و9 شباط/ فبراير 2023، مشاهدة حصريّة للتسجيل الصربي/ الكرواتي “ساحات المقاومة-Landscapes of Resistance” للمخرجة مارتا بوبيفودا، التي تهتم أعمالها باستكشاف التوترات بين الذاكرة والتاريخ، والكيانات الجمعية والفردية، والأيديولوجيا والحياة اليومية، وتركز على الإمكانات المناهضة للفاشية والإمكانات النسوية للمشروع الاشتراكي اليوغوسلافي.

مرج من شقائق النعمان الحمراء، يترافق مع أغنية جميلة تقول كلماتها إن شقائق النعمان نبتت في هذا الحقل بدل القمح لكثرة الدماء، إنها الحرب! نتعرف  في الفيلم إلى سونيا، امرأة ثمانينية بشعر مصبوغ، تجلس في الشمس وعلى حضنها قط صغير رمادي مخطط -يشبه قطي- تخبر الكاميرا أن القط سيبدأ بعد قليل اللعب بأزرار جاكيتها، وبالفعل، يبدأ بذلك.

تتحرك الكاميرا ببطء بين بيت في ضيعة مهجورة وغابة، بينما نسمع صوت سونيا تخبرنا كيف تعرفت إلى زميل في المدرسة أصبح زوجها لاحقاً، ثم كيف طُردت من المدرسة بسبب انتسابها الى الشبيبة الشيوعية. نبدأ مرة أخرى بسؤال صريح لسونيا في شقتها في بلغراد: كيف أصبحتِ فدائية؟

سونيا الآن امرأة تسعينية بشعر أبيض كالثلج، ويدين مرتجفتين، حركتها أثقل مما شاهدنا في لقطات سابقة. إنها جدة آنا بوبانوفيتش، دراماتورغ الفليم، التي عرّفتها إلى صديقتها المخرجة مارتا بوبيفودا، من هنا أتت فكرة الفيلم.

يبدو تناول تأسيس المقاومة الفدائية في يوغوسلافيا السابقة مع بداية الحرب العالمية الثانية، موضوعاً بعيداً نسبياً من اهتمام المتفرّج العربي، لكنه جزء من متغيرات تاريخ المنطقة في القرن العشرين، الذي لم يمض عليه الكثير من الوقت وما زالت آثاره ترتدّ علينا حتى يومنا هذا.

كان “الحزب الشيوعي اليوغوسلافي” حزباً معارضاً في المملكة اليوغوسلافية، التي تضم كلاً من صربيا وكرواتيا والجبل الأسود وسلوفينيا ومقدونيا وكوسوفو، مُنع من الحكومة الملكية فتحوّل إلى تجمّع سري حتى بداية الحرب العالمية الثانية، لوحق أعضاؤه الذين عملوا في السرّ.

تتحرك الكاميرا ببطء بين بيت في ضيعة مهجورة وغابة، بينما نسمع صوت سونيا تخبرنا كيف تعرفت إلى زميل في المدرسة أصبح زوجها لاحقاً، ثم كيف طُردت من المدرسة بسبب انتسابها الى الشبيبة الشيوعية.

انخرط الشيوعيون بعد سقوط مملكة يوغوسلافيا تحت الاحتلال النازي في حرب تحرير وطنية، ومع انتهاء الحرب عام 1945 أُعلن قيام جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية، وأسس الحزب نظام حزب واحد برئاسة جوزيف تيتو، وكان أول حزب شيوعي في تاريخ المعسكر الاشتراكي عارض صراحةً إملاءات سياسة الاتحاد السوفياتي.

سونيا بطلة الفيلم، من أوائل الفدائيات النساء في يوغوسلافيا، اللواتي قدن حركة التحرر ضد الفاشية الألمانية في الحرب العالمية الثانية. نحن أمام شخصية استثنائية، تبدو للوهلة الأولى مجرد امرأة عجوز تروي حكاية، لكنها في زمن الحكاية المروية كانت فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة، تحمل قنبلة في جيبها وتتنكر بزي فلاحة كي لا تثير الانتباه، وتنطلق إلى مهمة فدائية خاصة، ومع عودتها من مهمتها الناجحة تتلقى خبر مقتل زوجها فتصبح أرملة.

الفيلم عبارة عن لوحات، لقطات طويلة شبه ثابتة لأماكن من صربيا التي كانت يوماً ما جزءاً من يوغوسلافيا السابقة التي طواها النسيان:  ضيعة، غابة، ملاجئ قديمة تعود الى الحرب العالمية الثانية، مغارة تجمّع فيها الفدائيون، وما تبقى من معسكر أوشفيتز ومداخن غرف الغاز. هي دراماتورجيا الصمت التي استخدمتها آنا بويانوفيتش في الفيلم لإعطاء مساحة لربط الصور التي تخلقها سونيا في خيال المتفرج، عبر الحكاية التي ترويها، وربط هذه الصور اللفظية بالصور الواقعية للمكان، وهذا ما يفسر إيقاع الفيلم البطيء.

تظهر أحياناً  على هذه الكوادر شبه الثابتة والصامتة رسومات مبسطة لأشخاص، بتوقيع بيفو كاراماتييفيتش، فدائي رفيق سونيا، يصور حياة الفدائيين اليومية، تضاف على المشهد لتذكّر بوجودهم، ليحكي جسد سونيا حكاية الجسد الجمعي.

ننتقل إلى الشقة في بلغراد حيث تقطن سونيا مع شريكها إيفو، عجوزان يكبران أمام أعيننا مع توالي مشاهد الفيلم الذي استغرق تصويره نحو 13 سنة من 2007 وحتى 2019، تاريخ وفاة سونيا.

يسرد الفيلم حكايتين متوازيتين، تتقاطعان في مساحة “المقاومة”، حكاية سونيا في ذلك الزمان وحكاية صنّاع الفيلم في نضالهم اليساري الآن، بتكنيك الرسائل أو الملاحظات المكتوبة على الشاشة، حكايات نساء وبلسان نساء.

حكاية الحرب كما رأتها وخاضتها امرأة، وليست الحرب التي خاضها رجال وقدموا شهاداتهم حولها، حكاية سونيا تحديداً لا حكاية شريكها إيفو، في إشارة إلى كتاب “ليس للحرب وجه أنثوي” لسفيتلانا أليكسييفيتش، الذي كان أحد المراجع المستخدمة أثناء البحث لإنجاز الفيلم.

تتساءل أليكسييفيتش في كتابها، إن كانت غريزة حب الوطن قد عطلت التفكير بأن الحرب ليست مخصصة للنساء، وإن جعلت التربية الشيوعية والانتماء الحزبي النساء يشعرن بالتساوي مع الرجل؟ يقدم الفيلم تصوراً آخر، “الوجه الأنثوي للحرب”، فما المانع في أن يكون حب الوطن وتبني فكر الحزب الدافع الى خوض امرأة الحرب حتى لو بدا ذلك خارجاً عن المألوف ربما؟

سونيا فعلت ذلك عن قناعة تامة، واضح أنها رافقتها حتى أيامها الأخيرة، ولم تشكك أبداً بصحة ما فعلته، على رغم محاولات اليمين المتطرف والفاشية الجديدة، محو الفترة الاشتراكية من ذاكرة التاريخ والدعوة إلى العودة إلى الملكية. 

تسرد سونيا كيف سيطرت مع مجموعة من الفدائيين على قطار ينقل القمح إلى الجنود الألمان بهدف توزيعه على الشعب الجائع، وكيف قتلت أول رجل، تذكر سونيا جيداً الضابط الألماني الذي صادفته أثناء تفتيش القطار، تذكر مسدسه الذي لمع في الشمس وكيف كان يصوبه نحوها، كلاهما أطلقا النار، هو أخطأ ولكنها أصابت. دخلت بعدها سونيا في نوبة من البردية والحمى، فليس سهلاً أن تقتل إنساناً.

نرى في  الكادر لقطة شبه ثابتة لورق الجدران في شقة سونيا، تنفصل حوافه عن الحائط لتشوه الزخارف النباتية المتتالية عليه، يتوقف قلبي للحظات وأنا أراه، فأعود إلى لحظة بعيدة من طفولتي في بيت جدتي الروسية في موسكو، إنه ورق الجدران ذاته لكنه أفتح لوناً، ذاكرة النظام الاشتراكي السابق الموحّد في كل شيء، وكأنه زيّ موحّد تلبسه الأبنية والشوارع والأقدام والأجساد والأدمغة، ربما ورق الجدران هذا هو ما دفعني للكتابة عن الفلم.

يجلس القط في الشمس، وسونيا نائمة، تركز الكاميرا على رقبتها حيث ينبض شريان بانتظام، جلد يديها الهرمتين تضاريس محمّلة بالذاكرة، يداها تشبهان يدي أمي، جلدها الهش يحمل آثار سحجات دموية سببها التقدم في السن.

في الحكاية الموازية، تنتقل مارتا وآنا الى السكن في برلين. هل كان الانتقال إلى برلين فكرة سديدة، وبخاصة مع تزايد نمو تيارات الفاشية الجديدة؟

على رغم جميع الشعارات المرفوعة عن المساواة وحقوق الإنسان، ظل الاتحاد الأوروبي عنصرياً تجاه شعوب دول أوروبا الوسطى والشرقية، ويرفض تقبّلهم في مجتمعه، “نحن ننظف مجتمعنا ونسمو به، أما نفاياتنا فنتخلص منها برميها في بلدانكم”. وكإجابة ترسل سونيا إليهم رسالة تقول فيها، إنها لا تعترض على انتقالهم إلى ألمانيا، فهي الآن ليست فاشية ولا نازية.

تتعرض سونيا للملاحقة ومن ثم للاعتقال والتعذيب، لا تُفصّل كثيراً وهي تحدثنا عن هذا الجزء من حياتها، لكن أظن أننا جميعاً نعرف مرجعياته جيداً، فما ترويه يحيلنا إلى الواقع الأمني في بلداننا لكن بنكهة أوروبية تكاد تكون مطابقة. تتحدث عن زنزانتها الضيقة الباردة والمظلمة التي أمضت فيها وقتاً قبل ترحيلها إلى معسكر أوشفيتز، الذي يضم أكثر من 40 معسكر اعتقال وإبادة أدارته ألمانيا النازية في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية، المكان المروع للمحرقة اليهودية “الهولوكوست”. 

نتتبع بعدها رحلة بالقطار الذي قطع بلداناً عدة إلى مكان لم يسبق لهم أن سمعوا بوجوده، يتوقف القطار في إحدى المحطات فيصرخ لهم البعض: غاز… غاز…  ولكنهم لا يفهمون المقصود، أينقلونهم إلى أحد المصانع المصنِّعة له أم ماذا؟ وقبل اقترابهم من العاصمة اليوغوسلافية، يرمون قصاصات رسائل، يلتقطها المارة في الطريق ويوصلونها إلى العناوين المطلوبة لعلّ أقرباءهم يأتون لرؤيتهم حين سيتوقف القطار للحظات في بلغراد.

ملايين من البشر أُحرقوا في غرف الغاز في أوشفيتز لا اليهود فقط، بل الأقليات من الغجر والأشخاص من ذوي الإعاقة، في أسلوب “حداثي” للتطهير العرقي لضمان سلالة نقية، وأيضاً كل أسير لم يعد قادراً على العمل.

أذكر جدتي الروسية تروي الأهوال عن أوشفيتز كما وصلتها أثناء الحرب التي عايشتها، كانوا يصنعون الصابون من الشحم البشري، صورة ظلت ترافقني في الطفولة كلما أمسكت بلوح صابون، لو ظلت جدتي حية لكانت بعمر سونيا، وربما تزيدها ببضع سنوات.

نرى على جلد ساعد سونيا الأيسر وشم لأرقام لم تعد تظهر جيداً، فالزمن كفيل بمحو الحبر الذي شربه الجلد، في أوشفيتز كانت مجرد رقم، مثلنا حين نظهر ضمن إحصائيات ضحايا الحرب أو الزلزال على الشريط الإخباري الأحمر أسفل الشاشة، تُنسى اسماؤنا ونتحول إلى مجرد أرقام. لم تتوقف سونيا، بل استمرت في عملها الفدائي من داخل معسكر الاعتقال بالتنسيق مع قسم الرجال، ينتظرون إشارة من المقاومة البولونية لبدء التمرد لكن الإشارة لم تصل.

نهاية عام 1945، بدأ الألمان بالفرار وأرسلوا سجناء المعسكر في مسيرة موت إلى معسكرات اعتقال أخرى مع اقتراب الجيش الأحمر السوفياتي من معسكر أوشفيتز، هربت سونيا مع مجموعة صغيرة نحو الغابة، تسرد بابتسامة كيف التقت بالجنود الروس الذين حرروهم، كيف شكرتهم وطلبت الانضمام إليهم، فأخبروها أن الحرب قد انتهت. 

قشرت جدران بيت سونيا بعد موتها، وأعيد تجديد البيت ليستقبل أشخاصاً يحملون تاريخاً جديداً بعيد كلياً عن التاريخ السابق الذي سكن هذه الشقة، يبدو أن صفحة النساء أمثالها أو نساء جيلها قد طويت تماماً، وكأنهم قشروا جلد سونيا الهش، كورق السجائر تماماً، كورق الجدران الاشتراكي في بيتها ليطويها النسيان ويطوي المرحلة التي تنتمي إليها.

تتحدث الحكاية الموازية عن احتفال بيوم المرأة العالمي، حضرته مارتا وآنا وآخرون تجمعوا في حديقة، فتساءل مراهقان عن سبب التجمع ولم يفهماه، ربما هو تجمُّع للمثليين يطالبون بشيء ما، فالجيل الجديد في صربيا لا يعلم شيئاً عن تاريخها السابق ولا يعنيه، تماماً كما الجدران الجديدة في بيت سونيا.

في ندوة المناقشة، سألت عن مصير إيفو، الرجل الذي نادراً ما تكلم، إيفو المقاتل الذي يملك أيضاً ذاكرة حرب لم نسمع عنها في الفيلم، لكن ما نعرفه أن إيفو مات بعد شهر تقريباً من موت سونيا حين نُقل إلى دار رعاية المسنين، رجل تسعيني يخسر شريكته وبيته الذي عاش فيه سنواته الأخيرة، ما سرّع في رحيله. أما القط الذي رافقهما في جزء من رحلة حياتهما، فقد تبنته المرأة التي كانت تعتني بكليهما.

يظهر القط في إحدى اللقطات الأخيرة في الشقة التي يعاد ترميمها، يلتفت بوجهه عن الشمس إلى الحائط، وكأنه لا يريد أن يرى، لا أظن أنه أطال البقاء بعدها كثيراً فقد كبر خلال 13 عشر سنة من عمر تسجيل الفلم، وللقطط المخططة عمر افتراضي أيضاً.

|

اشترك بنشرتنا البريدية