رغم اندثار أفكار القومية العربية (البعث، الناصرية…)، فقد تركت لنا عدداً من الأساطير المؤسّسة، وأطر التفكير العامّة المتعلّقة بالسياسة والاجتماع والدولة وراءها، لا نبتعد عنها حتى لو ادّعينا العداء والقطع مع القومية العربية، فيما تبقى سايكس- بيكو أحد أهمّ الأساطير المؤسّسة للقومية العربية، التي ما تزال تحظى بهيمنة تامّة على الأفكار والتصوّرات العامّة.
هيمنة اتّفاقية سايكس- بيكو تصل إلى ذروتها الهزلية حين تسمع أحد القوميين العرب من تونس، يحدّثك كيف جزّأت سايكس- بيكو الأمّة العربية، أو أحد الجهاديين القادمين من آسيا الوسطى إلى صفوف “داعش”، يخبرك كيف قسّمت سايكس- بيكو الأمّة الإسلامية، والحادثتان حصلتا فعلاً، لأناس ينتمون إلى بقاع جغرافية بعيدة تماماً عن سايكس- بيكو، ولا تربطهم بها صلة.
لا صلة لتونس بسايكس- بيكو حتى وإن أثارت غضب القومي العربي هناك كونها قسّمت أمّته الافتراضية، مثلما لا علاقة لسايكس- بيكو بآسيا الوسطى حتى لو اعتبر الجهادي أنها قسّمت أمّته المفترضة أيضاً. لكن حضور سايكس- بيكو لديهما يدلّ على الأثر المهيمن للأسطورة التي خلقتها القومية العربية في إطار سردها اللاتاريخي والأسطوري لسيرة الأمّة العربية، فهي قدّمت للجميع أسطورة يلجأون إليها لقراءة حال أممهم المتخيّلة.
سايكس– بيكو: الاتّفاقية والأسطورة
علاقة سايكس- بيكو الأسطورة شديدة التعقيد بسايكس- بيكو التاريخية، ولكنّها بالتأكيد واهية إلى حدّ بعيد. مثلما هي واهية جدّاً في ما يتعلّق بمسارات الدول العربية والإسلامية، حتى ولو على سبيل الاستعارة التقسيمية، وافتراض أن هذه الدول نتاج عمليّات تقسيم عبّرت عنها سايكس- بيكو بشكل مثالي.
فالجزائر، مثلاً، ليست نتاج عمليّة تقسيم، إنما عمليّة توحيد واسعة تجاوزت بكثير الجزائر التاريخية، عبر ضمّ أراضٍ مغربية إليها، وتوسّع جنوبي باتّجاه الصحراء.
الحال ذاتها تصدق على السودان الذي كان بدوره تكويناً استعمارياً مصرياً- بريطانياً للتوسّع على نهر النيل، توسّع خلق إدارة استعمارية مصرية- بريطانية تتجاوز ما عرفته المنطقة من دويلات وإمارات ومناطق سائبة، لجماعات شديدة التنوّع إثنياً ودينياً. الجزائر والسودان أمثلة قليلة على التوحيد والتضخيم الاستعماريين، وليس على التقسيم.
في المشرق تثير سايكس- بيكو حنق الجميع لأنها قسّمتهم، إنها تثير حنق الإسلاميين والعروبيين والكُرد والسوريين، كلّ هؤلاء يرى في سايكس- بيكو أنها قسّمت أمّته، وهو بطريقة ما يبدو محقّاً، ولكن ما لا يدركه أنه يشارك أمّته مع أمم أخرى، يشارك الجماعة البشرية التي يعتبرها أمّته مع آخرين يرون في الجماعة ذاتها أمماً مغايرة.
للكُرد أسباب أكثر بكثير مما للعرب للحنق على سايكس- بيكو، التي قسّمتهم دون أن تترك لهم دولة خاصّة بهم. لكن، أيضاً، يفوت هؤلاء أن سايكس- بيكو لم تكن مؤامرة استعمارية محصورة بنا، فالحال هو ذاته لدى كلّ الامبراطوريات المتعدّدة الإثنيات (العثمانية وآل هابسبورغ والروسية) بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.
زالت هذه الامبراطوريات لمصلحة دول وطنية جديدة تماماً، وبعضها لم يسبق له الوجود، أو مضى على آخر تمظهراته بضعة قرون، ولو أن هذا يصدق بشكل نسبي فقط على الإمبراطورية الروسية، التي آلت إلى الاتّحاد السوفياتي بعد خسارة أجزائها الغربية لصالح دول جديدة مثل دول البلطيق وبولونيا وفنلندا.
في الوحدة والتقسيم
أسطورة سايكس- بيكو تتفادى أسئلة جادّة حول ماذا تمّ تقسيمه، فهل كانت هناك سوريا كوحدة سياسية تمّ تقسيمها؟ هذا السؤال، أيضاً، يقدّم لنا قدراً كبيراً من المفارقة والطرافة التي يتمّ بها التعامل مع سايكس- بيكو باعتبارها أسطورة.
القومي العربي يرى في سايكس- بيكو تقسيماً استعمارياً لسوريا أو المشرق العربي، ولا يفكّر أصلاً أن يسأل نفسه السؤال أعلاه، هل كانت سوريا وحدة سياسية تمّ تقسيمها أساساً؟ أو متى كانت هناك دولة سورية/ عربية حتى يتمّ الحديث عن تقسيمها؟ لكنّه، وهو يتجاهل هذا السؤال، يطرح هذا السؤال تحديداً على الكردي الذي يطالب بدولته التي قسّمتها سايكس- بيكو، محاججاً بالغياب التاريخي لدولة كردية، وبإضافة الإسلامي تصير المفارقة أشدّ.
كلّ منهم يكتشف لدى الآخرين، وحصراً لدى الآخرين، الغياب التاريخي لما يدّعون تقسيمه، يكتشف العرب أن لا كردستان، ويكتشف الإسلاميون أن لا سوريا أو دولة عربية.
المعضلة تزداد حقّاً عند السؤال عمّا تمّ تقسيمه كأمّة، هل قُسّمت الأمّة العربية؟ الأمّة الكردية؟ الأمّة الإسلامية؟ الأمّة السورية؟ من نكون نحن الذين تمّ تقسيمنا؟ وهل من المفترض إعادة توحيدنا ضدّاً من سايكس- بيكو؟ أمام هذه الأسئلة يظهر أننا منقسمون وبشكل أكبر من قسمة سايكس- بيكو نفسها!
سايكس- بيكو الأسطورة هي حكاية عن أمّة قُسّمت عنوة وبدون إرادتها، وعليها أن تناضل من أجل استعادة هذه الوحدة المفقودة على يد الاستعمار، لا تحدّد الحكاية أشياء دقيقة حقّاً، لا نعرف من هي الأمّة التي قُسّمت، وهي تتنوّع وتختلف بحسب السرديات المتنافسة في تعيين الأمّة، لا نعرف حقّاً كيف حصلت عمليّة التقسيم ولماذا؟ المهم أنها حصلت دون رغبتنا.
ولا نعرف حقّاً كيف نحدّد رغبتنا المفترضة نفسها في ذلك الوقت، لنستطيع القول إنها حصلت برغبتنا أو بدونها! المهم أننا لم نكن فاعلين في هذا التقسيم. وبالتأكيد المسار التاريخي الذي أدّى إلى هذه الدول التي نعرفها، وبدايته التاريخية الممثّلة بلقاء السيّدين مارك سايكس وجورج بيكو، شديد التعرّج وكثير المطبّات.
إقرأوا أيضاً:
فهذه الدول ليست هي نفسها ما تحدّثت عنه الاتّفاقية أصلاً، وكانت هناك اتّفاقيات وتعهّدات منافسة، ونظام دولي جديد يتكوّن بادّعاءات متباينة ومتناقضة حول الشرعية والحقّ والدولة، ومفاوضات ومقاومات وحروب عديدة حصلت في المنطقة، خلافات وتنافسات داخل البيت الاستعماري الواحد (مثل التباين والنزاع بين مكتب الهند ومكتب القاهرة في وزارة المستعمرات البريطانية حول الأهداف والأخطار التي تواجه الإمبراطورية البريطانية وطبيعة حلفائها)، أحداث دارت على كلّ المستويات من المحلّي إلى الإقليمي والعالمي، وكانت نهاياتها غير متوقّعة، وغير منسجمة مع البدايات وتصوّراتها.
الأسطورة في خدمة الأيديولوجيا
سايكس- بيكو هي أسطورة مؤسّسة لمشروع كفاحي مرتبط بتحقيق الأمّة لذاتها، أسطورة تأسيسية للقومية العربية. هكذا علينا أن نفهمها، وليس بوصفها حدثاً تاريخياً، بل إن الحدث التاريخي (سايكس- بيكو التاريخية) ليس إلا حدثاً مساعداً لبناء الأسطورة التي عليها أن تخدم مشروعاً أيديولوجياً.
لا معنى للأمّة العربية إن كانت مقسّمة على ذاتها إلى شعوب وأمم، بل يجب عليها أن تكون حقيقية في ذاتها، وانقسامها الحالي هو نتاج أمر خارج عن إرادتها أو عن منطقها الداخلي. لهذا حضرت سايكس- بيكو لدى جميع القوميين العرب، حتى لو كانوا مصريين أو مغاربة أو توانسة لا يجمعهم شيء بسايكس- بيكو.
الأمّة حقيقة، والتاريخ إما تعبير عنها عبر الدول التي تعمد تاريخياً بوصفها عربية، أو نتاج مؤامرة خارجية عليها وظروف قاهرة وانحطاط أدّيا إلى تقسيمها، وعلينا أن نعيد لها وحدتها.
سايكس- بيكو تعبير أسطوري عن هذه الحبكة التاريخية للأمّة، وكونها أسطورة يجعل من السهل دوماً إعادة تعريف محتوى الأمّة، مرّة عربية، ومرّة إسلامية، وأخرى سورية، وكردية، وربما نرى لها صيغاً جديدة في المستقبل، تركمانية مثلاً.
المهمّ، أن القومية العربية تركت لنا إرثاً حيّاً اسمه سايكس- بيكو، حتى مع مغادرتنا العروبة. أسطورة عن “نحن” متخيّلة وموحّدة تمّ تقسيمها استعمارياً، نحن واضحة في ذاتها، فيما كلّ “نحن” أخرى ممكنة، ليست إلا مؤامرة استعمارية من عدّة شغل أصحاب سايكس- بيكو الذين ما يزالون يتابعون مؤامرتهم علينا، “نحن” مزيّفة تسعى لزيادة انقسام “النحن” الأصلية.
إن هذا التفكير في أوضاعنا ما يزال حيّاً ومهيمناً، وهو يدلّ على مدى هيمنة أساطير القومية العربية وأطر تفكيرها.
من “نحن”؟
اليوم، تنفجر أمامنا كلّ أشكال “النحن” الممكنة، على مستويات إثنية وطائفية، وكلّها تطلب الحقّ في الكلام، تصوّرات قومية متباينة ومتنازعة على المجموعات البشرية ذاتها، حيث إن بعضنا قد يجد نفسه عضواً في أربع أو خمس قوميات ممكنة.
في مواجهة كلّ هذا الفائض، ما نزال أيضاً عالقين في تصوّر وحيد للتعاطي مع هذه المسألة، التصوّر الذي ورثناه عن القومية العربية، الداعي إلى استعادة الوحدة الحقّة لـ”نحن” أصلية، في مواجهة التقسيمات الاستعمارية تحت شعار الدولة الواحدة والمركزية (وللطرافة طبعاً أن مطلب الدولة الواحدة لم يعد مطلباً للتوحيد، إنما مطلب يُرفع داخل الكيان القطري نفسه، وحفاظاً على الكيان المصطنع الذي خلقته سايكس- بيكو).
هذا التفكير جرّنا إلى خراب، خراب مرشّح للاستئناف، لكن تحت ظلّ راية أمّة أخرى غير القومية العربية، الوطنية المحلّية بحمولتها الأهلية (عربية سنّية في سوريا، عربية شيعية في العراق).
بعد خروج العثمانيين وحتى منتصف الثلاثينيات عرفت سوريا، إضافة إلى دعاة الوحدة السورية لبلاد الشام، تيّارات مناهضة للوحدة، سواء كانت داعية للانفصال، مثلما كان الحال مع الموارنة في لبنان، أو في منطقة الجزيرة السورية التي عرفت انتفاضة ضدّ حكومة دمشق بين 1936-1937 دون نجاح، أو تيّارات متوجّسة من الوحدة مثلما كان في الساحل أو جبل الدروز، التي أملت في وحدة تحفظ لها شيئاً من الاستقلال في مواجهة دمشق.
حاججت تلك التيّارات ضدّ منطق سايكس- بيكو الذي قدّمته القومية العربية لاحقاً، فلم ترَ في السوريين أو سكّان بلاد الشام أمّة، إنما أمم أو على الأقلّ مجموعات إثنية متباينة، ما يفرّقها يوازي – إن لم يزد- عمّا يجمعها. ذلك التراث المناهض للوحدة تمّ حذفه وإسكاته في سردية سايكس- بيكو، التي لا تقبل وجود انقسامات داخل الأمّة بما يشكّك في حقيقتها.
اليوم، وبالنظر إلى مآلات الأحداث، تستحقّ هذه التيّارات التفاتاً واستعادة من طرفنا واهتماماً أكبر. ألم يكن الحكم البعثي في سوريا والعراق، الأكثر منافحة عن القومية العربية وحصريتها، الحكم الذي اتّكأ أكثر من أيّ حكم آخر على العصبيات الطائفية في تأسيس عصبية الحكم، وعلى إضفاء نوع من مأسسة على الطائفية وتغذيتها في تقسيم المجتمع وبناء العصبية الحاكمة الطائفية، علوية في حالة سورية وسنّية في حالة العراق؟
استئناف الإنكار واستئناف الأسطورة لن يعني أكثر من إعادة إجراء التجربة ذاتها، التي فشلت على مدى يقارب المئة عام، وتوقّع نتيجة أخرى. سايكس- بيكو هي أقوى أساطير القومية العربية وأهمّها التي علينا مواجهتها، واستعادة تراث المناهضين للوحدة والمتوجّسين منها، من البطريرك الياس الحويك إلى الزعيم الكردي حاجو آغا، والإنصات إلى حججهم وهواجسهم ومخاوفهم التي تحقّق الكثير منها، بشكل يفوق بكثير ما تحقّق من خيالات القوميين العرب.












