ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ستارلينك في لبنان: هل تُحلّ مشاكل الإنترنت؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم الإيرادات الهائلة لقطاع الاتصالات في لبنان، عجز الوزراء المتعاقبون عن تقديم خدمات ذات جودة وسعر معقول، وظل الفساد والهدر والتوظيف السياسي العشوائي سمة ملازمة للقطاع. ومن هنا تُقاس جدوى “ستارلينك” بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا يحتاج اللبنانيون إلى إثبات معاناتهم من بطء شبكة الإنترنت وارتفاع كلفتها، وهي معاناة ازدادت سوءًا بعد الأزمة الاقتصادية عام 2019 نتيجة إهمال تحديث البنية التحتية وأبراج الاتصالات. ثم جاءت حرب 2023 لتفاقم المخاوف من استهداف إسرائيل الشبكة وتحويل لبنان إلى دولة معزولة رقمياً. ساهم ذلك كله في تصاعد الأصوات المطالبة بإيجاد بديل يوفر أسعارًا معقولة وخدمة ذات جودة أعلى، فيما كانت أسهم شركة “ستارلينك” ترتفع تباعاً مع دخولها أسواقًا عربية عدّة، من اليمن إلى قطر والأردن والسعودية.

في هذا السياق، طرح وزير الاتصالات شارل الحاج إمكانية استقدام شبكة “ستارلينك” إلى لبنان. وهي خدمة إنترنت فضائية أطلقتها شركة “سبيس إكس” التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك، وتعتمد على آلاف الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض، مترابطة في ما بينها لتوفير إنترنت عالي السرعة. واستُخدمت هذه الشبكة لربط مناطق منكوبة أو تشهد نزاعات بالإنترنت، كما في أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا. هنا يُطرح السؤال: هل تحل “ستارلينك” أزمة الإنترنت في لبنان؟ وماذا يعني دخولها من زاوية الحماية الرقمية والسيادة السيبرانية؟

واقع قطاع الاتصالات والإنترنت

لطالما وُصف قطاع الاتصالات في لبنان بأنه “نفط لبنان”، نظراً إلى كونه أحد أبرز مصادر الإيرادات العامة لعقود. وقد جنت الدولة، بين 2010 و2020، نحو 17 مليار دولار من هذا القطاع، بحسب تقرير صادر عن ديوان المحاسبة عام 2022. تم تحويل 11 مليارًا منها إلى الخزينة العامة، فيما صُرفت 6 مليارات على تشغيل الشبكة التي يُقال إنها تضم حوالي 4 ملايين مشترك، وهو مبلغ يُرجّح أنه مبالغ فيه.

على رغم هذه الإيرادات الهائلة، عجز الوزراء المتعاقبون عن تقديم خدمات ذات جودة وسعر معقول، وظل الفساد والهدر والتوظيف السياسي العشوائي سمة ملازمة للقطاع. ومن هنا تُقاس جدوى “ستارلينك” بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.

الأسعار: هل ستارلينك في متناول اللبنانيين؟

أشار وزير الاتصالات شارل الحاج في مقابلة تلفزيونية، إلى أن سعر الاشتراك في “ستارلينك” سيكون أعلى من كلفة اشتراك “أوجيرو”، ما يعني فعلياً أن شريحة واسعة من المواطنين لن تكون قادرة على الاستفادة منها. فمعدّل دخل الأسرة اللبنانية لا يتناسب مع أسعار خدمات “ستارلينك” حالياً.

لكن بحسب خبير التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي جاك جندو، فإن “الإنترنت في لبنان غير فعّال في معظم المناطق، باستثناء مناطق محدودة تصل إليها شبكة الألياف الضوئية (فايبر أوبتك)”. ويضيف في حديث إلى “درج”: “الكثيرون يترقبون ‘ستارلينك’ باعتبارها توفّر إنترنت سريعاً وغير منقطع، لكن هذا غير دقيق، فكل أنواع الإنترنت تعاني من مشاكل، وإن تفاوتت”.

ويشير جندو إلى أن “كلفة ستارلينك لن تكون أقل سعراً، لكن إذا ما قورنت بالسرعة التي توفّرها فقد تُعتبر مقبولة. أما في حالات الطوارئ، كالحروب، فهي قد تشكّل حلاً مرحلياً مناسباً”.

جودة الخدمة: هل هي فعلاً من دون انقطاع؟

على رغم ما يُروّج عن “ستارلينك” من تقديم إنترنت سريع ومستقر، إلا أن مستخدميها حول العالم يواجهون تحديات تقنية، منها تأثّر الخدمة بالعوامل المناخية كالأمطار والثلوج، إضافة إلى الانقطاعات المفاجئة. كما تُعاني الخدمة من ظاهرة “الازدحام الشبكي”، إذ تقلّ السرعة في أوقات الذروة عند ارتفاع عدد المستخدمين المتّصلين بالشبكة.

آخر هذه الانقطاعات المفاجئة، حدث يوم الخميس الماضي، إذ أعلنت الشركة عن انقطاع واسع النطاق للخدمة استمر لساعات وأثّر على العملاء في مختلف أنحاء العالم. وقد بدأ الانقطاع قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا بتوقيت بيروت، واستمر بشكل متفاوت حتى ساعات الفجر الأولى، أي لأكثر من خمس ساعات. وحددت الشركة، في بيان، أسباب الخلل بأنها “نجمت عن عطل في البرمجيات الأساسية التي تدير الشبكة المركزية”. 

مناطق نائية؟ لبنان ليس أفريقيا

من أبرز ميزات “ستارلينك” أنها توفر الإنترنت للمناطق النائية، كما حدث في الأردن، حيث عبّر رئيس هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بسام السرحان عن ثقته بقدرة “ستارلينك” على تقليص الفجوة الرقمية بين الريف والحضر. لكن هذه الميزة قد لا تكون فعّالة في لبنان نظراً إلى صغر مساحته الجغرافية وغياب المناطق النائية الشاسعة.

ويوضح جندو أن “الدول التي استفادت من ‘ستارلينك’ هي تلك التي تعاني من ضعف البنية التحتية بسبب اتساع رقعتها، مثل بلدان أفريقية، أو مناطق نائية في أميركا وأستراليا. أما في لبنان، فالمشكلة الأساسية تكمن في سوء الإدارة لا في جغرافيا البلاد”.

ويضيف أن “الإنترنت الفضائي مفيد كخدمة طوارئ أو مؤقتة، لكن الحل الأنسب يبقى في توسيع شبكة الألياف الضوئية، لأنها توفّر الإنترنت الأسرع والأكثر استقراراً في العالم”.

غياب خدمة الزبائن

من بين المآخذ على “ستارلينك” أن خدمات الدعم الفني تقتصر على التطبيق أو الموقع الإلكتروني، ولا توفر خدمة عملاء مباشرة عبر الهاتف. وهو ما قد لا يلائم طبيعة المستخدم اللبناني الذي يفضّل التفاعل المباشر مع ممثلي الدعم الفني، خصوصاً في حالات الأعطال أو الحاجة إلى صيانة عاجلة.

تجارب دولية: تفاوت في التكلفة والقبول

لا يمكن تعميم تجربة “ستارلينك” حول العالم. ففي حين أنها أقل ثمناً من الإنترنت التقليدي في 5 دول أفريقية على الأقل، ككينيا وغانا وزيمبابوي، فإنها تُعد أعلى سعراً من الشبكات الوطنية في دول أخرى مثل مدغشقر ونيجيريا وبنين، بحسب تقرير لموقع Rest of World في 9 كانون الثاني/ يناير 2025.

بعض الدول، مثل فرنسا، منعت الخدمة نهائياً لأسباب تتعلق بالمنافسة وحماية البيئة، بعدما طعنت جمعيات مدنية في ترخيصها. بينما قرّر الاتحاد الأوروبي بناء شبكة أقمار سيادية خاصة (IRIS²) لتقليل الاعتماد على شركات أميركية. وفي السعودية، سُمح بدخول “ستارلينك” ولكن ضمن مجالات محددة كالملاحة الجوية والبحرية.

السيادة الرقمية: من يملك داتا اللبنانيين؟

يثير دخول “ستارلينك” إلى لبنان تساؤلات حول السيادة الرقمية، أي قدرة الدولة على حماية بيانات مواطنيها. يقول جندو في هذا السياق: “عندما تُدار البيانات عبر شركة أميركية، فذلك يعني فعلياً خروجها من نطاق السيطرة المحلية، وهذا خطر. صحيح أن لبنان يعاني أصلاً من مشاكل في حماية البيانات، لكن لا يُعالج الخطأ بخطأ”.

وكانت هذه المخاوف من أسباب تأخّر دخول “ستارلينك” إلى السوق اللبنانية، إذ رفضت الشركة في البداية منح الأجهزة الأمنية حق الاطلاع على سجلات الاستخدام، ثم وافقت لاحقاً من دون توضيح كافٍ للأسباب.

الإطار القانوني: من يملك حق الترخيص؟

قانونياً، لا يمكن إدخال “ستارلينك” إلى السوق اللبنانية من دون المرور بسلسلة من الإجراءات القانونية والتشريعية. فاستقدام الإنترنت الدولي محصور بالدولة اللبنانية بحسب المرسومَين الاشتراعي رقم 126 لعام 1959 والتنظيمي رقم 9288 لسنة 1996، واللذين يعطيان هذه الصلاحية حصراً لوزارة الاتصالات وهيئة “أوجيرو”. كما تنص المادة 15 من قانون الاتصالات (رقم 431) على أن “إدارة وتوزيع الطيف الترددي من صلاحية الهيئة الناظمة حصراً”.

بالتالي، فإن توقيع الوزير وحده لا يكفي لإدخال “ستارلينك” من دون إطار قانوني واضح وشفاف.

لم يكن طرح ملف “ستارلينك” ليأخذ هذا الحيز كله لولا الترهل المزمن في قطاع الإنترنت في لبنان، من فوضى الأسعار إلى تدني جودة الخدمة، ناهيك بالمخاطر الإضافية في ظل الحرب مع إسرائيل وإمكانية عزل لبنان رقمياً. لذا، فإن دخول الإنترنت الفضائي إلى السوق اللبنانية قد يكون خطوة مفيدة إذا تم تنظيمه وتشريعه بشكل دقيق، وتوافرت منافسة عادلة بين أكثر من شركة، لا أن يُحصر الخيار بـ”ستارلينك” فقط، وعلى حساب السيادة الرقمية والقانون.

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 09.05.2026

عن “السبي الجاهلي”: ما أرى لك عقلاً يا عروة بن الورد!

كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
29.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes

على رغم الإيرادات الهائلة لقطاع الاتصالات في لبنان، عجز الوزراء المتعاقبون عن تقديم خدمات ذات جودة وسعر معقول، وظل الفساد والهدر والتوظيف السياسي العشوائي سمة ملازمة للقطاع. ومن هنا تُقاس جدوى “ستارلينك” بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.

لا يحتاج اللبنانيون إلى إثبات معاناتهم من بطء شبكة الإنترنت وارتفاع كلفتها، وهي معاناة ازدادت سوءًا بعد الأزمة الاقتصادية عام 2019 نتيجة إهمال تحديث البنية التحتية وأبراج الاتصالات. ثم جاءت حرب 2023 لتفاقم المخاوف من استهداف إسرائيل الشبكة وتحويل لبنان إلى دولة معزولة رقمياً. ساهم ذلك كله في تصاعد الأصوات المطالبة بإيجاد بديل يوفر أسعارًا معقولة وخدمة ذات جودة أعلى، فيما كانت أسهم شركة “ستارلينك” ترتفع تباعاً مع دخولها أسواقًا عربية عدّة، من اليمن إلى قطر والأردن والسعودية.

في هذا السياق، طرح وزير الاتصالات شارل الحاج إمكانية استقدام شبكة “ستارلينك” إلى لبنان. وهي خدمة إنترنت فضائية أطلقتها شركة “سبيس إكس” التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك، وتعتمد على آلاف الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض، مترابطة في ما بينها لتوفير إنترنت عالي السرعة. واستُخدمت هذه الشبكة لربط مناطق منكوبة أو تشهد نزاعات بالإنترنت، كما في أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا. هنا يُطرح السؤال: هل تحل “ستارلينك” أزمة الإنترنت في لبنان؟ وماذا يعني دخولها من زاوية الحماية الرقمية والسيادة السيبرانية؟

واقع قطاع الاتصالات والإنترنت

لطالما وُصف قطاع الاتصالات في لبنان بأنه “نفط لبنان”، نظراً إلى كونه أحد أبرز مصادر الإيرادات العامة لعقود. وقد جنت الدولة، بين 2010 و2020، نحو 17 مليار دولار من هذا القطاع، بحسب تقرير صادر عن ديوان المحاسبة عام 2022. تم تحويل 11 مليارًا منها إلى الخزينة العامة، فيما صُرفت 6 مليارات على تشغيل الشبكة التي يُقال إنها تضم حوالي 4 ملايين مشترك، وهو مبلغ يُرجّح أنه مبالغ فيه.

على رغم هذه الإيرادات الهائلة، عجز الوزراء المتعاقبون عن تقديم خدمات ذات جودة وسعر معقول، وظل الفساد والهدر والتوظيف السياسي العشوائي سمة ملازمة للقطاع. ومن هنا تُقاس جدوى “ستارلينك” بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.

الأسعار: هل ستارلينك في متناول اللبنانيين؟

أشار وزير الاتصالات شارل الحاج في مقابلة تلفزيونية، إلى أن سعر الاشتراك في “ستارلينك” سيكون أعلى من كلفة اشتراك “أوجيرو”، ما يعني فعلياً أن شريحة واسعة من المواطنين لن تكون قادرة على الاستفادة منها. فمعدّل دخل الأسرة اللبنانية لا يتناسب مع أسعار خدمات “ستارلينك” حالياً.

لكن بحسب خبير التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي جاك جندو، فإن “الإنترنت في لبنان غير فعّال في معظم المناطق، باستثناء مناطق محدودة تصل إليها شبكة الألياف الضوئية (فايبر أوبتك)”. ويضيف في حديث إلى “درج”: “الكثيرون يترقبون ‘ستارلينك’ باعتبارها توفّر إنترنت سريعاً وغير منقطع، لكن هذا غير دقيق، فكل أنواع الإنترنت تعاني من مشاكل، وإن تفاوتت”.

ويشير جندو إلى أن “كلفة ستارلينك لن تكون أقل سعراً، لكن إذا ما قورنت بالسرعة التي توفّرها فقد تُعتبر مقبولة. أما في حالات الطوارئ، كالحروب، فهي قد تشكّل حلاً مرحلياً مناسباً”.

جودة الخدمة: هل هي فعلاً من دون انقطاع؟

على رغم ما يُروّج عن “ستارلينك” من تقديم إنترنت سريع ومستقر، إلا أن مستخدميها حول العالم يواجهون تحديات تقنية، منها تأثّر الخدمة بالعوامل المناخية كالأمطار والثلوج، إضافة إلى الانقطاعات المفاجئة. كما تُعاني الخدمة من ظاهرة “الازدحام الشبكي”، إذ تقلّ السرعة في أوقات الذروة عند ارتفاع عدد المستخدمين المتّصلين بالشبكة.

آخر هذه الانقطاعات المفاجئة، حدث يوم الخميس الماضي، إذ أعلنت الشركة عن انقطاع واسع النطاق للخدمة استمر لساعات وأثّر على العملاء في مختلف أنحاء العالم. وقد بدأ الانقطاع قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا بتوقيت بيروت، واستمر بشكل متفاوت حتى ساعات الفجر الأولى، أي لأكثر من خمس ساعات. وحددت الشركة، في بيان، أسباب الخلل بأنها “نجمت عن عطل في البرمجيات الأساسية التي تدير الشبكة المركزية”. 

مناطق نائية؟ لبنان ليس أفريقيا

من أبرز ميزات “ستارلينك” أنها توفر الإنترنت للمناطق النائية، كما حدث في الأردن، حيث عبّر رئيس هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بسام السرحان عن ثقته بقدرة “ستارلينك” على تقليص الفجوة الرقمية بين الريف والحضر. لكن هذه الميزة قد لا تكون فعّالة في لبنان نظراً إلى صغر مساحته الجغرافية وغياب المناطق النائية الشاسعة.

ويوضح جندو أن “الدول التي استفادت من ‘ستارلينك’ هي تلك التي تعاني من ضعف البنية التحتية بسبب اتساع رقعتها، مثل بلدان أفريقية، أو مناطق نائية في أميركا وأستراليا. أما في لبنان، فالمشكلة الأساسية تكمن في سوء الإدارة لا في جغرافيا البلاد”.

ويضيف أن “الإنترنت الفضائي مفيد كخدمة طوارئ أو مؤقتة، لكن الحل الأنسب يبقى في توسيع شبكة الألياف الضوئية، لأنها توفّر الإنترنت الأسرع والأكثر استقراراً في العالم”.

غياب خدمة الزبائن

من بين المآخذ على “ستارلينك” أن خدمات الدعم الفني تقتصر على التطبيق أو الموقع الإلكتروني، ولا توفر خدمة عملاء مباشرة عبر الهاتف. وهو ما قد لا يلائم طبيعة المستخدم اللبناني الذي يفضّل التفاعل المباشر مع ممثلي الدعم الفني، خصوصاً في حالات الأعطال أو الحاجة إلى صيانة عاجلة.

تجارب دولية: تفاوت في التكلفة والقبول

لا يمكن تعميم تجربة “ستارلينك” حول العالم. ففي حين أنها أقل ثمناً من الإنترنت التقليدي في 5 دول أفريقية على الأقل، ككينيا وغانا وزيمبابوي، فإنها تُعد أعلى سعراً من الشبكات الوطنية في دول أخرى مثل مدغشقر ونيجيريا وبنين، بحسب تقرير لموقع Rest of World في 9 كانون الثاني/ يناير 2025.

بعض الدول، مثل فرنسا، منعت الخدمة نهائياً لأسباب تتعلق بالمنافسة وحماية البيئة، بعدما طعنت جمعيات مدنية في ترخيصها. بينما قرّر الاتحاد الأوروبي بناء شبكة أقمار سيادية خاصة (IRIS²) لتقليل الاعتماد على شركات أميركية. وفي السعودية، سُمح بدخول “ستارلينك” ولكن ضمن مجالات محددة كالملاحة الجوية والبحرية.

السيادة الرقمية: من يملك داتا اللبنانيين؟

يثير دخول “ستارلينك” إلى لبنان تساؤلات حول السيادة الرقمية، أي قدرة الدولة على حماية بيانات مواطنيها. يقول جندو في هذا السياق: “عندما تُدار البيانات عبر شركة أميركية، فذلك يعني فعلياً خروجها من نطاق السيطرة المحلية، وهذا خطر. صحيح أن لبنان يعاني أصلاً من مشاكل في حماية البيانات، لكن لا يُعالج الخطأ بخطأ”.

وكانت هذه المخاوف من أسباب تأخّر دخول “ستارلينك” إلى السوق اللبنانية، إذ رفضت الشركة في البداية منح الأجهزة الأمنية حق الاطلاع على سجلات الاستخدام، ثم وافقت لاحقاً من دون توضيح كافٍ للأسباب.

الإطار القانوني: من يملك حق الترخيص؟

قانونياً، لا يمكن إدخال “ستارلينك” إلى السوق اللبنانية من دون المرور بسلسلة من الإجراءات القانونية والتشريعية. فاستقدام الإنترنت الدولي محصور بالدولة اللبنانية بحسب المرسومَين الاشتراعي رقم 126 لعام 1959 والتنظيمي رقم 9288 لسنة 1996، واللذين يعطيان هذه الصلاحية حصراً لوزارة الاتصالات وهيئة “أوجيرو”. كما تنص المادة 15 من قانون الاتصالات (رقم 431) على أن “إدارة وتوزيع الطيف الترددي من صلاحية الهيئة الناظمة حصراً”.

بالتالي، فإن توقيع الوزير وحده لا يكفي لإدخال “ستارلينك” من دون إطار قانوني واضح وشفاف.

لم يكن طرح ملف “ستارلينك” ليأخذ هذا الحيز كله لولا الترهل المزمن في قطاع الإنترنت في لبنان، من فوضى الأسعار إلى تدني جودة الخدمة، ناهيك بالمخاطر الإضافية في ظل الحرب مع إسرائيل وإمكانية عزل لبنان رقمياً. لذا، فإن دخول الإنترنت الفضائي إلى السوق اللبنانية قد يكون خطوة مفيدة إذا تم تنظيمه وتشريعه بشكل دقيق، وتوافرت منافسة عادلة بين أكثر من شركة، لا أن يُحصر الخيار بـ”ستارلينك” فقط، وعلى حساب السيادة الرقمية والقانون.

29.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية