“كنت ضمن الفريق المشارك وشعرت بخوف شديد، فأنا لم أشهد من قبل حدثاً كهذا”، تقول ستيفاني غلبوني لـ”درج” بعد ليلة مرعبة عاشتها في مسرح “ستيريو كواليس” في مدينة طرابلس شمال لبنان.
ستيفاني، إحدى أعضاء فريق Awkward الكوميدي، الذي كان يقدّم عرضاً ساخراً حين تعرّض المسرح لهجوم غاضب، مما دفعه إلى إلغاء العرض.
ما حدث لم يكن مجرّد احتجاج عابر. مئات من المحتجّين، بقيادة مشايخ المدينة وبتعبئة وتغطية من صفحات إعلامية محلّية، حاصروا المسرح ومنعوا العرض الثاني للفريق، الذي كان من المقرّر إقامته مساء، ضمن جولة فنّية في عدد من المناطق اللبنانية.
النداء أطلقه “نادي طرابلس الثقافي” الذي ينشط عبره عدد من الشبّان الملتزمين دينياً، الذين ينشرون على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات ونداءات تحريضية، ضدّ الكثير من الأنشطة الثقافية والتعليمية بحجّة “الذود عن الدين”، ووسم كلّ نشاط بأنه ترويج للمثلية.
حملة “نادي طرابلس الثقافي” ضدّ العرض المسرحي تحت شعار “اتّقوا الله في مدينتكم المستهدفة وأبنائها”، كان كفيلاً بتحويل المسرح إلى ساحة تهديد وترهيب.
تقول ستيفاني: “لا أنوي إقامة عرض في طرابلس مرّة أخرى. إذا أُتيحت الفرصة مستقبلاً، سأفكّر في الأمر مرّات عدّة قبل العودة، رغم الكمّ الكبير من الأصدقاء لنا هناك، ورغم أن مقاعد الحضور قد امتلأت… لكنّ ما حدث في الخارج كان مخيفاً”.
هتافات التكبير وادّعاءات “التجديف والشذوذ”
بحسب شهود عيان، بدأ العرض الأول عند الساعة الخامسة والنصف مساء، وسط أجواء هادئة، وانتهى من دون مشاكل تُذكر، لكن مع اقتراب العرض الثاني المقرّر عند الساعة التاسعة والنصف، بدأ التجمهر عند مدخل المسرح.
المحتجّون ردّدوا هتافات التكبير، ورفعوا شعارات تطالب بمنع العرض بحجّة أنه “يشتم الرسول ويروّج للشذوذ”، مستندين إلى مقاطع فيديو قديمة لكلّ من الممثلة الساخرة شادن فقيه والممثل نور حجار، اللذين سبق أن أُثيرت ضدّهما دعاوى وتحريض بسبب المضمون الساخر لعروضهما.
احتدام الموقف أمام المسرح في طرابلس استدعى تدخّل الجيش اللبناني، مما دفع الفرقة والحاضرين إلى المغادرة من الباب الخلفي للمسرح، بعد محاصرة المدخل الرئيسي.
مدينة المحافظة الدينية والثقافية: سجلّ من التضييق
طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان التي تعتبَر من أكثر المدن محافظة دينياً وثقافياً، ليست غريبة على مثل هذه الاحتجاجات، فلطالما شكّلت قضايا “الأخلاق” و”حماية المدينة”، ذريعةً لمنع نشاطات ثقافية واجتماعية عديدة.
ففي أيّار/ مايو 2025 على سبيل المثال، شهدت المدينة حملة قوّية على وزيرة التربية ريما كرامي، بعدما زار المدينة فريق تربوي من إحدى الثانويات لإقامة ندوة عن الصحّة الجنسية. الحملة لم تقتصر على الناشطين، بل تبنّاها عدد من النواب الذين اعتبروا الندوة “لا تشبه ثقافة المدينة”. وفي العام الماضي، اقتحم ناشطون مركزاً طبياً بعدما علموا أنه يوزّع الواقيات الذكرية مجاناً، أيضاً في سياق الصحّة الجنسية.
كما شهدت طرابلس في العام الماضي أيضاً، ظهور جماعة تُطلق على نفسها اسم “جنود الفيحاء”، اقتحمت مدارس وندوات ومراكز ثقافية، بذريعة “فضح الجمعيات التي تروّج للشذوذ” و”حماية المدينة” من خطرها.
إلى أين تمضي طرابلس؟
المحامي والناشط الحقوقي فاروق المغربي أعرب عن قلقه في حديث مع “درج” من تكرار مثل هذه الحوادث: “ما حصل غير مقبول أبداً، فالخطورة تكمن في أن من قام بمنع العرض هم أشخاص وليسوا جهات أمنية. هؤلاء الأشخاص يفرضون أجندتهم على الناس الآمنين. وكان يجدر بالقوى الأمنية حماية هذا العرض ومنع من هم في الخارج من إلغائه، لأن ذلك يشكّل انتهاكاً صارخاً لحرّية الأفراد”.
يبقى السؤال: هل ستتكرّر هذه الاعتداءات على الحرّيات في طرابلس؟ المدينة التي لطالما تغنّت بتنوّعها الثقافي والاجتماعي، تبدو اليوم رهينة لصراع بين الانفتاح والرقابة الدينية والاجتماعية… صراع يتجاوز مجرّد إلغاء عرض كوميدي ليطال روح المدينة وهوّيتها.
إقرأوا أيضاً:









