“إحمليلي كروزين دخّان وخذي عليهن 80 شيقل”، بينما يقدّم آخر عرضاً “أفضل” “خذي كروزين دخّان وبعطيك 100 شيقل”، أو “خذي 4 كروزات دخّان وبعطيك عليهم كيلو معسّل تفاحتين”.
كلّ هذه العروض وأكثر، تلقّتها مُعدّة التحقيق في كانون الأول/ ديسمبر العام 2024 أمام محطّة باصات جسر الملك حسين (الأردن) خلال عودتها إلى فلسطين (الضفّة الغربية).
وفقا لدارسة دولية أعدّها باحثون “السيطرة على التبغ في دولة فلسطين خلال الحرب”، فإن صناعة التبغ تزدهر في أوقات الأزمات والفوضى. في السنوات الأخيرة، استغلّت هذه الصناعة حالات الصراع في دول مثل أوكرانيا والسودان، إلا أن الضرر الناجم عن تعاطي التبغ، غالباً ما يُغفَل في مثل هذا السياق، وهو ما يحدث في فلسطين منذ بدء الحرب في عام 2023.
هذا التحقيق هو جزء من مشروع حول أنشطة شركات التبغ في مناطق النزاع، ويأتي بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيّار/ مايو. تنشر منصّة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تسلّط الضوء على أنشطة شركات التبغ الكبرى وتأثيرها في مناطق الصراع، مع تركيز خاصّ على غزّة والسودان. تهدف السلسلة إلى كشف ممارسات هذه الشركات وكيفية استغلالها الظروف الإنسانية الصعبة لتحقيق أرباح على حساب صحّة السكان.
ازدياد ظاهرة تهريب الدخان منذ اندلاع الحرب
تقول مصادر أمنية فلسطينية – فضّلت عدم كشف اسمها – إن تهريب التبغ والمعسّل هو ظاهرة فلسطينية غير جديدة، فقد ظهرت منذ ارتفعت أسعار التبغ في البلاد في عام 2002، بسبب ارتفاع الضرائب على التبغ والمكوس، لكن الوتيرة الأعلى لهذه الظاهرة اشتدّت منذ بدء الحرب في عام 2023 لعدّة أسباب، منها ما يتعلّق بارتفاع نسبة البطالة (معدّل البطالة 51٪) مما جعل فئة كبيرة من المواطنين تبدأ بتهريب الدخّان كوسيلة لكسب الرزق.
نقطتان رئيسيتان للتهريب
في كواليس عمليّات التهريب تظهر نقطتان رئيسيتان، الأولى والأبرز، هي نقطة جسر الملك حسين (غالبية الدخّان المهرّب منها هو إنتاج شركة فيليب موريس) ووالنقطة الثانية هي بلدة الظاهرية في جنوب الضفّة الغربية والمحاذية لمعبر بئر السبع، وتكاد تكون المنطقة الفلسطينية الأقرب إلى الحدود مع صحراء سيناء، التي تهرّب هذا الدخّان عبر مهرّبين من مناطق بئر السبع وصولاً إلى الظاهرية، وهذه النقطة هي المصدر الرئيسي لدخّان “مانشيستر” (JSS Tobacco Limited).
الاحتلال يمنع دخول الأجهزة الأمنية إلى نقاط التهريب
المعضلة الأساسية التي تواجهها السلطات المحلّية الفلسطينية في مكافحة التهريب منذ بدء الحرب، هو أن الاحتلال أوقف التنسيق الأمني لدخول الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى المناطق المسمّاة “ج”، التي يُحظر على الأجهزة الأمنية الفلسطينية الدخول إليها، إلا بتنسيق أمني مع اسرائيل، كما هو الحال مع طريق بلدة العوجا شمال شرق أريحا، وهي “نقطة تسليم ما يتمّ تهريبه عبر جسر الملك حسين وصولاً إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية وهذه النقطة (العوجا) تتجاوز نقطة التفتيش الفلسطينية (استراحة أريحا) عبر تكسيّات مرخّصة من الجانب الاسرائيلي، تحمل الدخّان المهرّب مقابل مبالغ مالية (20 شيقل عن كلّ صندوق دخان) كما تعتبَر منطقة العيزرية شرق القدس نقطة تسليم أخرى، وهي مناطق مصنفة “ج” أيضاً. وكذلك الحال في تهريب دخّان “مانشيستر” من الظاهرية، حيث أن الاحتلال أوقف التنسيق الأمني لدخول الأجهزة الأمنية، وأبرزها الضابطة الجمركية للدخول إلى مناطق “ج”، التي تقع في نطاق السيطرة الأمنية الاسرائيلية منذ الحرب، ولا يمكن دخول أي جهاز أمني إلى تلك المناطق، وهو ما يُفقد السلطة الفلسطينية السيطرة على عمليّات التهريب منذ بداية الحرب ويُفاقم تبعاتها.
جريمة شبه منظّمة واستغلال للأطفال
تشير المعلومات الأمنية التي حصلنا عليها، إلى أن عمليّات تهريب التبغ عبر المعابر والحدود ما بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة والجانب الإسرائيلي والأردن، حتى لحظة إعداد هذه المادّة، لا تعتبَر ضمن الجريمة المنظّمة، إنما هي عمليّات شبه منظّمة يتواطأ على تنفيذها مجموعة من كبار التجّار الضالعين في هذا القطاع، بمساعدة عدد كبير من المهرّبين، الذين يستغلّون المواطنين والأطفال بجعلهم يحملون الدخّان المهرّب في متاعهم أو ألعابهم وغير ذلك.
ولا بدّ من التركيز على أن الاحتلال قدّم “تسهيلات” كبيرة لهؤلاء المهرّبين، حيث أنه يقوم بتفتيش كافّة الحقائب والاشخاص، ويعرف أنهم يهرّبون الدخّان، ومع ذلك لا يولي أي اهتمام بضبطهم منذ اندلاع الحرب، وفقاً لما حصلنا عليه من معلومات، تؤكّد أن هذه الظاهرة تفاقمت في الآونة الأخيرة.
فلسطين الأولى من حيث نسبة المدخّنين في الشرق الأوسط
تأتي هذه المعطيات في وقت كانت وزارة الصحّة الفلسطينية قد دقّت ناقوس الخطر، معلنة أن نسبة المدخّنين في فلسطين هي الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، وبلغت نحو 34٪.
وأوضحت الوزارة في بيان صحافي نشرته في أيّار/ مايو في عام 2023، لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين، أن آفة التدخين في فلسطين تنتشر بشكل كبير بين كلّ فئات الشعب، وأظهر المسح المتدرّج للأمراض المزمنة الذي أجرته الوزارة في عام 2022، أن نسبة المدخّنين من الفئة العمرية 18-69 عاماً، الذين يدخّنون منتجاً أو أكثر من منتجات التبغ المنتشرة في فلسطين، بلغت نحو 33.5% من إجمالي الأفراد.
وأشارت إلى أن المسح أظهر أن ما يقرب من ثلثي المواطنين يتعرّضون للتدخين السلبي داخل منازلهم بنسبة 64%، كما أن 66% منهم تعرّضوا للتدخين السلبي أثناء استخدام المواصلات، وأن 58% تعرّضوا للتدخين السلبي في أماكن العمل.
وهناك ما نسبته 55.1% من الذكور، و12.1% من الإناث مدخّنين ومدّخنات، وأكثر من ثلث المدخّنين هم من فئة الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18-29 عاماً، وبلغت 40% من إجمالي المدخّنين.
اعتلال الصحّة النفسية يؤدّي إلى المزيد من التدخين
إذا ما ربطنا الدراسات النفسية التي تُشير إلى أن اعتلال الصحّة النفسية يزيد من احتمالية التدخين بمقدار الضعف، فإننا نتحدّث عن ارتفاع كبير في الأرقام السابقة منذ بدء الحرب، حيث يعاني الفلسطينيون في قطاع غزّة مع ارتفاع نسب الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، جرّاء الإبادة والتجويع والتشريد التي يعيشونها منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفي الضفّة الغربية فإن الحال ليس مختلفاً، بسبب ما تواجهه الضفّة الغربية من حصار، ووجود نحو 900 حاجز وبوّابة، وسياسة هدم المخيّمات في شمال الضفّة وتفريغها من سكّانها، وخسارة آلاف النازحين أبناءهم ومنازلهم، كلّ ذلك سيقود المواطنين نحو التدخين.
وعلى الرغم من أن وزارة الصحّة لم تجرِ إحصائية حديثة حول ازدياد أعداد المدخّنين في فلسطين، فإن الدكتورة نانسي الفلاح منسّقة برنامج مكافحة التدخين في وزارة الصحة تؤكّد أن “المبرّر الأول لدى العديد من المدخّنين في جلسات التأهيل النفسية، هو أنهم يعانون من ضغط نفسي بسبب الأوضاع العامّة في البلاد، وهو ما يجعلهم “يتفششوا بالدخّان”، متجاهلين الضرّر الذي ينعكس على صحّتهم وعلى صحّة من حولهم”.
تدخين أكثر أمراض أكثر
تشير دراسة حول تأثير الأمراض المرتبطة بالتدخين في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أنه في إقليم شرق المتوسط، يرتبط تعاطي التبغ بنسبة 14.5% من الوفيات، و23.2% من الوفيات مرتبط بعوامل الخطر، وهو عامل رئيسي في العبء المرتفع للأمراض غير المعدية، التي يعاني منها ثلثا كبار السنّ الفلسطينيين.
وفي السياق ذاته، فقد أظهر بيان صحافي صدر وزارة الصحّة الفلسطينية أن “مرض السرطان هو المسبّب الثالث للوفاة في فلسطين، فيما تمّ تسجيل 5320 إصابة جديدة بالمرض خلال العام 2021”.
في العام 2021 بلغ مجموع حالات السرطان الجديدة المُبلّغ عنها في فلسطين 5,320 حالة، بمعدّل حدوث بلغ 108.1 لكل 100,000 من السكّان، وبلغ عدد الحالات الجديدة في الضفّة الغربية 3,368 حالة، في حين بلغ عدد حالات السرطان المبلّغ عنها في قطاع غزّة 1,952 حالة، بمعدّل حدوث 92.6 حالة لكلّ 100,000 من السكاّن في العام 2021، وعند مقارنة عدد الحالات المُسجلّة في العام 2021 مع الحالات المُسجلّة في العام 2020، نجد أن هناك زيادة سنوية بلغت 5.5%.
أمراض أكثر إمكانات وخدمات صحّية أقلّ
مع تزايد نسبة الإصابة بالسرطان في فلسطين، وهو أحد الأمراض المرتبطة بالتدخين، بخاصّة سرطان الرئة الذي يحتل المرتبة الثالثة من حيث أنواع السرطانات الأكثر شيوعاً في فلسطين، والأمراض المزمنة الأخرى، ارتفعت نسبة الأفراد 18 سنة، فأكثر المصابين بمرض مزمن واحد على الأقل خلال العقد الماضي، إذ بلغت هذه النسبة في العام 2010 نحو 18%، وارتفعت في عام 2021 لتبلغ نحو 20%.
وتزداد الإصابة بالأمراض المزمنة مع التقدّم بالعمر، وأظهرت بيانات العام 2021، أن أكثر من ثلثي كبار السنّ في فلسطين مصابون بمرض مزمن واحد على الأقلّ، وتفاوتت هذه النسبة بشكل كبير بين الذكور والإناث من كبار السنّ، إذ بلغت على التوالي 66% و76%، وتقول وزارة الصحّة إن الإمكانات والموارد المتاحة لديها غير قادرة على تغطية تبعات هذه الأمراض، سواء لناحية الأشغال في المستشفيات، أو لناحية العلاج أو حتى توفير الأدوية، وهي تحاول جاهدة توفير الخدمات الصحّية العادلة وفق إمكاناتها المادّية والبشرية المتوفّرة حالياً.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، أكّدت الدكتورة الفلاح أن “مرضى السكري (الأكثر ارتباطاً بالتدخين) لا يجدون اليوم أنواعاً كثيرة من الأنسولين، حيث أن الاحتلال منذ بدء الحرب يمنع وزارة الصحّة من استيرادها، ويمنع تصنيعها محلّياً، وبالتالي تكاد تكون فلسطين خالية من أنواع كثيرة من الأنسولين، والبعض لجأ للأردن لتوفيرها على حسابه الخاصّ كون الوزارة غير قادرة”.
وأشارت إلى أن “عدد الذين يملكون تأميناً صحياً لدى وزارة الصحّة ازداد كثيراً بعد الحرب، وهذا يزيد من حجم الضغط على الوزارة في ظلّ الإمكانات الضئيلة التي لديها، سواء في الضفّة الغربية أو في قطاع غزّة”.
وأوضحت أن “تبعات تأثير الأمراض المزمنة على المرضى ازداد منذ الحرب، وذلك بسبب الحواجز التي تحاصر مناطق الضفّة الغربية، وتمنع وصول المرضى إلى المرافق الصحّية للحصول على العلاج والدواء، كما أن تقليص دوام موظّفي وزارة الصحة بسبب الأزمة المالية وانقطاع الرواتب، حالا دون تقديم خدمات صحّية للعديد من المواطنين في مختلف مناطق الضفّة الغربية”.
ومع بداية العام 2025 أعلن وكيل وزارة الصحّة الدكتور وائل الشيخ أن “الوضع الصحّي يواجه نقصاً كبيراً في الأدوية والمستلزمات الطبية، ومديونية الوزارة قاربت 3 مليارات شيكل، نحو 800 مليون دولار”.
وأوضح في لقاء عبر تلفزيون فلسطين، أن “هناك 120 صنفاً دوائياً، بينها 20 من أدوية السرطان، و420 صنفاً من المستهلكات الطبية، 170 منها للقلب والعيون وغيرها، رصيدها صفر في مستودعات الوزارة”.
أما بالنسبة إلى قطاع غزّة فإن انهيار المنظومة الصحّية، وعرقلة الوصول إلى المرافق الطبية والمشافي، وعدم توفّر الأدوية والإمدادات الطبية، وصعوبة إجراء الفحوصات المخبرية، وانهيار البرامج الوقائية والتلطيفية، قد ألقت أعباء جسيمة على مرضى الأمراض غير السارية، التي كانت تشكّل قبل الحرب أصلاً عبئاً كبيراً على النظام الصحّي، في ما يتعلّق بتقديم خدمات لأكثر من 350 ألف مريض يعانون من الأمراض القلبية الوعائية (النوبات القلبية والسكتة الدماغية) والضغط، والسرطانات، والأمراض التنفسية المزمنة (الانسداد الرئوي المزمن والربو) والسكري، أضف إلى كون هذه الأمراض هي المسبّب الرئيسي للوفيات والاعتلال في قطاع غزّة – قبل الإبادة- بطبيعة الحال.
غياب التشريعات لمكافحة التدخين
على صعيد مكافحة التدخين وعلاج المدمنين، فإن فلسطين لم تُحدّث قوانين مكافحة التبغ منذ 2011، ولم تُطبق بالكامل توصيات منظّمة الصحّة العالمية، وفي هذا السياق تقول الفلاح إنه “على الرغم من إصدار قانون مكافحة التدخين رقم (25) لسنة 2005، فإن هذا القانون لم يجد لوائح وتشريعات لتنفيذه، وبالتالي فإنه لا يجدي نفعاً في مكافحة التدخين”، مضيفة أن “الصحّة طالبت مرّات عديدة بضرورة إقرار تشريعات ولوائح تنفيذية من أجل مكافحة التدخين، من دون أي تقدّم يُذكر في هذا المجال”.
وتابعت “السلطات الإسرائيلية أقرّت نظام اللون الموحّد لعلب السجائر منذ 5 أعوام، ومع أنها دائما ما تُلزم السلطة الفلسطينية بتنفيذ العديد من القرارات والأنظمة، أعطت الصلاحية للسلطة الفلسطينية، في حال أرادت أن تتّبع هذا النظام، رغم أنها على دراية تامّة أن التشريعات الفلسطينية غير قادرة على التغيير إلى اللون الموحّد لعلب السجائر”.
علاج الإدمان مكلف وغير متوفّر
وحول إمكانات وزارة الصحّة في علاج الإدمان على التبغ، أشارت فلاح إلى أن “الصحّة حاولت توفير الأدوية اللازمة لذلك، لكنّها مكلفة جدّاً وغير موجودة ضمن قائمة الأدوية الأساسية التي توفّرها عادة، وبالتالي لا يمكن تقديم خدمة علاج الادمان من التبغ في الوقت الحالي”.
في قطاع غزّة كانت علاجات إدمان النيكوتين نادرة للغاية، أما الآن فهي شبه معدومة.
فقد تمّ تدمير المرافق، وفُقد العديد من العاملين في القطاع الصحّي، منهم الدكتورة آية فروانة التي كانت تطمح إلى إنشاء أوّل برنامج لعلاج إدمان التبغ في فلسطين، وقد استشهدت في غارة جوّية إسرائيلية في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، مع معظم أفراد عائلتها.
بينما تجتمع في فلسطين كلّ الظروف الموائمة للدخّان والتدخين: التهريب، وسوء الصحّة النفسية، والحروب والصراعات، والبطالة، وغياب القوانين والتشريعات، الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وغياب الخدمات الصحّية الكافية، يجد الفلسطيني نفسه أمام سبب جديد للموت في بلاده المحتلّة.
قدّم فريق أبحاث مكافحة التبغ في جامعة باث الدعم لعمل منصّة “درج” في تحقيقات التبغ، لكن جمع المعلومات وتفسيرها وعرضها هي مسؤولية منصّة “درج” وحدها.
“The Tobacco Control Research Group at the University of Bath has supported the work of Daraj on tobacco investigations but the gathering of the information, its interpretation and presentation are the responsibility of Daraj.”










