ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سجائر عابرة للحروب… التهريب عبر الدرون: السجائر تجد طريقها إلى غزة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيار/ مايو، تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تكشف أنشطة شركات التبغ الكبرى في مناطق الصراع وتأثيرها، وتسلّط الضوء على تداعيات هذه السياسات على المجتمعات المحلّية وصحة الأفراد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

فيما تفرض السلطات الإسرائيلية حصارًا خانقًا على قطاع غزة وتمنع إدخال حبة قمح واحدة، ما تسبب في تفشي المجاعة بين السكان، يغضّ الجيش الإسرائيلي الطرف عن عمليات تهريب السجائر والمعسل، التي تنشط وتسلك طرقًا مريبة، وتتم عبر الحدود بواسطة طائرات مسيّرة بدون طيار (درون).
حديثاً، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال جنود ومواطنين بدو للاشتباه بتورطهم في تهريب سجائر ومخدرات إلى قطاع غزة، “نظرًا الى المكاسب الكبيرة لتهريب هذه البضائع إلى القطاع”.

منذ آذار/ مارس 2025، شددت إسرائيل حصارها على غزة وأغلقت جميع المعابر بشكل كامل، ما أدى إلى توقّف دخول المساعدات الغذائية والسلع الأساسية. بدأت الأسواق المحلّية في غزة تشهد نقصًا حادًا في المواد الغذائية، في حين بقيت السجائر والمعسل يتدفقان بطرق ملتوية ويباعان بشكل علني.

هذا التحقيق هو جزء من مشروع حول أنشطة شركات التبغ في مناطق النزاع وتأثيرها، ويأتي لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين. تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تسلّط الضوء على أنشطة  شركات التبغ الكبرى وتأثيرها في مناطق الصراع، مع تركيز خاص على غزة والسودان. تهدف السلسلة إلى كشف ممارسات هذه الشركات واستغلالها الظروف الإنسانية الصعبة لتحقيق أرباح على حساب صحة السكان.

أكّد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن العمليات الإنسانية داخل القطاع تواجه عراقيل كبيرة بسبب استمرار العمليات العسكرية، وتطبيق الحظر الكامل على دخول المساعدات الغذائية والسلع التجارية منذ أكثر من ثمانية أسابيع.
وأشار المكتب إلى أن الشركاء الإنسانيين يبذلون جهودًا قصوى لتوزيع ما تبقى من الإمدادات المحدودة المتاحة.

وبحسب تقرير أممي صدر نهاية نيسان/ أبريل الماضي، توقّفت 16 مطبخًا مجتمعيًا عن العمل خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، على رغم محاولاتها تقليل الكميات وتعديل قوائم الطعام، نتيجة لنفاد المواد الأساسية. ومن المتوقع أن تُغلق مطابخ إضافية في الأيام المقبلة للسبب ذاته.
كما أعلن برنامج الأغذية العالمي عن نفاد كامل لمخزوناته داخل القطاع، ما يهدد بإغلاق بقية المطابخ خلال أيام معدودة.

السجائر تتسلّل عبر طائرات الدرون

توصّل معدّ التحقيق، عبر رصد ميداني وشهادات موثّقة، إلى أن طائرات بدون طيار قادمة من داخل إسرائيل تهبط بشكل متكرر في المناطق الشرقية لمحافظة رفح، جنوب قطاع غزة، محمّلة بصناديق تحتوي على السجائر، في كل صندوق عشر علب، وفي كل علبة 20 سيجارة.

تهبط الطائرات بالقرب من السياج الحدودي، حيث يقترب منها مهرّبون معروفون داخل القطاع، يأخذون الصناديق وينصرفون، لتقصف قوات الاحتلال الطائرة بعد إفراغها، في مؤشر واضح إلى التواطؤ أو التغاضي المتعمّد من الجيش الإسرائيلي.

تحمل هذه الطائرات أنواعًا مختلفة من السجائر العالمية مثل “مارلبورو”، “إمبريال”، و”ونستون”، بالإضافة إلى معسل “الفاخر”، وتُباع بأسعار باهظة نظرًا الى صعوبة الوصول إليها داخل أسواق غزة.
وبحسب معاينة معدّ التحقيق، يصل سعر السيجارة الواحدة، في بعض الأحيان وعند تراجع التهريب، إلى 100 شيكل (نحو 30 دولارًا)، بينما يُباع غرام واحد من معسل “الفاخر” بـ50 شيكلاً (15 دولارًا).

ثروات من التهريب

نشطت تجارة السجائر المهربة بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب، وحقق بعض التجار ثروات ضخمة من هذا النشاط، إذ تضاعفت الأسعار بشكل جنوني، فارتفع سعر السيجارة الواحدة من شيكل إلى 1000 شيكل في ذروة الحصار.

وكانت السجائر والمعسل يدخلان إلى غزة رسميًا عبر معبر رفح البري مع مصر، ومعبر كرم أبو سالم مع إسرائيل، لكن منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أوقفت إسرائيل إدخال أي نوع من هذه المنتجات إلى القطاع.

ليس جديدًا أن تستغل شركات التبغ ظروف الحروب وضعف الرقابة لتوسيع أسواقها وتحقيق أرباح طائلة من مناطق النزاع. “فالطرق التي استفادت بها شركات التبغ من الحروب منذ الحرب العالمية الأولى موثقة جيدًا… ولا يزال هذا النهج مستمرًا حتى اليوم، إذ اتخذت مشاركة شركات التبغ في النزاعات أشكالًا متعددة (توزيع منتجات التبغ والنيكوتين على الجنود، الترويج للمنتجات في بلدان ضعيفة بفعل النزاعات، الانخراط في التجارة غير المشروعة، وغيرها)”، بحسب موقع الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ.
أما الشركات الأكثر استفادة عادةً فهي الشركات الأربع الكبرى:
فيليب موريس الدولية (PMI)، بريتيش أميركان توباكو (BAT)، جابان توباكو الدولية (JTI)، وإمبريال براندز (Imperial Brands).

ظاهرة التدخين في فلسطين بالأرقام

تشير إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية لعام 2022، وهي آخر البيانات قبل الحرب، إلى أن 33.5 في المئة من السكان بين 18 و69 عامًا يستخدمون منتجًا واحدًا على الأقل من منتجات التبغ. وتُظهر الأرقام أن نسبة الذكور المدخنين بلغت 55.1 في المئة، مقابل 12.1 في المئة من الإناث.

ويُعد الشباب الفئة الأكبر بين المدخنين، إذ يمثلون 40 في المئة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، ما يجعل فلسطين من بين أعلى الدول في الشرق الأوسط من حيث معدلات التدخين.
ويظهر التقرير أيضًا تعرّض ثلثي السكان للتدخين السلبي داخل منازلهم بنسبة 64 في المئة، و66 في المئة أثناء استخدام المواصلات، و58 في المئة في أماكن العمل.
وأكدت وزارة الصحة أن تعاطي التبغ من أبرز أسباب الوفاة القابلة للتفادي، إذ يقتل أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا حول العالم، ويتسبب في وفاة نصف المدخنين على المدى الطويل.

التهريب برعاية القصف

يقول سليمان جمال، أحد سكان المناطق الشرقية لمدينة رفح:
“رأيت بعيني طائرة درون تهبط على بعد 300 متر من السياج الحدودي، وكانت تحمل أكثر من خمسة صناديق سجائر، وخلال دقائق جاء مهرّبون معروفون وأخذوا الصناديق، ثم غادروا المكان، وبعدها بدقائق قصف الطائرة سلاح الجو الإسرائيلي”.

ويضيف أن هذه الحوادث تتكرر، وأن المهربين المعروفين لا يتعرضون لأي مضايقة أو رقابة، بل يكملون عملياتهم من دون تدخل، وكأن هناك تنسيقًا ضمنيًا أو تساهلًا متعمدًا معهم.
ويؤكد أنه شاهد طائرة إسرائيلية تقصف شابًا من غير المهربين حاول الوصول إلى طائرة درون بعد هبوطها، فقُتل على الفور.

من شهادة سليمان، يتبين أن الجيش الإسرائيلي لا يسمح لغير المهربين بالوصول إلى طائرات الدرون المحمّلة بالسجائر، وهو ما يعزز فرضية التنسيق بينهم.

أما محمد قديح، من سكان المناطق الشرقية، فأكد رؤيته طائرات درون تهبط مرتين أسبوعيًا محمّلة بالسجائر، وتفرغ حمولتها من دون أن تتعرض للهجوم من الطائرات الإسرائيلية أو القوات المتمركزة على الحدود.
وأضاف: “لا يجرؤ أحد من السكان العاديين على الاقتراب من الطائرات أو من تلك المنطقة الحدودية، ومن يفعل يُقتل فورًا، كما حدث مع شاب من المنطقة قتل بمجرد اقترابه من طائرة درون”.

ولفت الى أن المهربين يعرفون موعد هبوط الطائرات مسبقًا، فيكونون موجودين في المكان قبل وصولها بساعات، ويترقبون الهبوط، ثم يركضون في أرض مكشوفة للحصول على البضائع ويتركون الطائرة في مكانها.

اعتقال جنود إسرائيليين

بعد قرابة شهر من توثيق معدّ التحقيق عمليات التهريب عبر طائرات درون من داخل إسرائيل إلى غزة، اعتقلت السلطات الإسرائيلية في 20 أيار/ مايو الحالي عددًا من جنود جيش الاحتلال ومدنيين للاشتباه بتورطهم في تهريب بضائع إلى القطاع.

ووفق ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية “كان 11″، فإن المشتبه بهم جنود ومدنيون من البدو في النقب، خطّطوا لتهريب مئات علب السجائر وكميات كبيرة من المواد المخدرة عبر شاحنات المساعدات الداخلة إلى غزة من معبر كرم أبو سالم.

كذلك قدمت النيابة العامة الإسرائيلية لائحة اتهام ضد ثلاثة عرب إسرائيليين بعدما اعتقلتهم قوات الأمن، للاشتباه في تهريبهم مخدرات إلى غزة بواسطة طائرات مسيّرة.

وفي نيسان/ أبريل الماضي، اعتقل ضباط شرطة وجنود من جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيلي ثلاثة من سكان النقب هم: محمد السراحين، شريف أبو غردود، ويونس أبو غردود، بحسب ما نقلته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”. وهم متّهمون بتنفيذ عمليات تهريب متعدّدة للمخدرات والسجائر من إسرائيل إلى غزة، وترك الطائرات المسيّرة داخل القطاع.

أسواق مملوءة بالسجائر… رغم الحصار والجوع

على رغم الدمار الشامل وندرة الغذاء، تغزو بسطات بيع السجائر والمعسل شوارع قطاع غزة، بل إنها تفوق في عددها بسطات بيع الطعام.

عند مدخل مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب القطاع، يعلو صوت أحد الباعة من مكبر يعمل بالطاقة الشمسية، معلنًا توافر أنواع مختلفة من السجائر. ماركات كـ”مارلبورو”، “إمبريال”، و”ونستون” تنتشر بين الأيدي، إلى جانب معسل مخبأ داخل علب صلصة الطماطم أو معبأ بتبغ يُعرف محليًا باسم “عربي”. جميعها تدخل القطاع عبر التهريب.

الأسعار في حالة تذبذب دائم، تتبع فعالية طرق التهريب وحدتها. في بعض الأحيان، تُباع السيجارة الواحدة بـ100 شيكل، وفي أحيان أخرى تهبط إلى 10 شواكل. قبل الحرب، لم يكن سعرها يتجاوز الشيكل الواحد.

يقول بيان سعيد، أحد الباعة، إن حركة البيع ضعيفة على رغم توافر البضاعة، ويضيف: “الأسعار المرتفعة جعلت الزبائن يقتصرون على كبار التجار أو الأثرياء فقط”. ويوضح أن السجائر تصلهم عبر مهربين معروفين لا يتعرض لهم أحد، ويُسدَّد ثمن البضائع نقدًا عند التسليم.

يلاحظ سعيد أن أوضاع هؤلاء المهربين تغيرت خلال الحرب، فبينما كانوا يأتون إليه على دراجات نارية في الأيام الأولى، باتوا الآن يصلون بمركبات فاخرة من نوع “جيب”، ما يدل على الثراء السريع الناتج من تجارة التهريب.

المفارقة الصادمة تكمن في أن سكان غزة يُحرمون من أبسط مقومات الحياة من غذاء ودواء، بينما تتسلل السجائر والمعسل بسهولة عبر الأجواء، ليُباعان بأسعار خيالية. هذا الواقع يطرح تساؤلات حرجة حول الدور الإسرائيلي في هذا التناقض: لماذا يُمنع دخول المساعدات الإنسانية بينما يُسمح بمرور التبغ؟ وما الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا التيسير الانتقائي؟

قدّم فريق أبحاث مكافحة التبغ في جامعة باث الدعم لعمل منصة “درج” في تحقيقات التبغ، لكن جمع المعلومات وتفسيرها وعرضها هو مسؤولية منصة “درج” وحدها.

“The Tobacco Control Research Group at the University of Bath has supported the work of Daraj on tobacco investigations but the gathering of the information, its interpretation and presentation are the responsibility of Daraj.”

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.

لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيار/ مايو، تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تكشف أنشطة شركات التبغ الكبرى في مناطق الصراع وتأثيرها، وتسلّط الضوء على تداعيات هذه السياسات على المجتمعات المحلّية وصحة الأفراد.

فيما تفرض السلطات الإسرائيلية حصارًا خانقًا على قطاع غزة وتمنع إدخال حبة قمح واحدة، ما تسبب في تفشي المجاعة بين السكان، يغضّ الجيش الإسرائيلي الطرف عن عمليات تهريب السجائر والمعسل، التي تنشط وتسلك طرقًا مريبة، وتتم عبر الحدود بواسطة طائرات مسيّرة بدون طيار (درون).
حديثاً، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال جنود ومواطنين بدو للاشتباه بتورطهم في تهريب سجائر ومخدرات إلى قطاع غزة، “نظرًا الى المكاسب الكبيرة لتهريب هذه البضائع إلى القطاع”.

منذ آذار/ مارس 2025، شددت إسرائيل حصارها على غزة وأغلقت جميع المعابر بشكل كامل، ما أدى إلى توقّف دخول المساعدات الغذائية والسلع الأساسية. بدأت الأسواق المحلّية في غزة تشهد نقصًا حادًا في المواد الغذائية، في حين بقيت السجائر والمعسل يتدفقان بطرق ملتوية ويباعان بشكل علني.

هذا التحقيق هو جزء من مشروع حول أنشطة شركات التبغ في مناطق النزاع وتأثيرها، ويأتي لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين. تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تسلّط الضوء على أنشطة  شركات التبغ الكبرى وتأثيرها في مناطق الصراع، مع تركيز خاص على غزة والسودان. تهدف السلسلة إلى كشف ممارسات هذه الشركات واستغلالها الظروف الإنسانية الصعبة لتحقيق أرباح على حساب صحة السكان.

أكّد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن العمليات الإنسانية داخل القطاع تواجه عراقيل كبيرة بسبب استمرار العمليات العسكرية، وتطبيق الحظر الكامل على دخول المساعدات الغذائية والسلع التجارية منذ أكثر من ثمانية أسابيع.
وأشار المكتب إلى أن الشركاء الإنسانيين يبذلون جهودًا قصوى لتوزيع ما تبقى من الإمدادات المحدودة المتاحة.

وبحسب تقرير أممي صدر نهاية نيسان/ أبريل الماضي، توقّفت 16 مطبخًا مجتمعيًا عن العمل خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، على رغم محاولاتها تقليل الكميات وتعديل قوائم الطعام، نتيجة لنفاد المواد الأساسية. ومن المتوقع أن تُغلق مطابخ إضافية في الأيام المقبلة للسبب ذاته.
كما أعلن برنامج الأغذية العالمي عن نفاد كامل لمخزوناته داخل القطاع، ما يهدد بإغلاق بقية المطابخ خلال أيام معدودة.

السجائر تتسلّل عبر طائرات الدرون

توصّل معدّ التحقيق، عبر رصد ميداني وشهادات موثّقة، إلى أن طائرات بدون طيار قادمة من داخل إسرائيل تهبط بشكل متكرر في المناطق الشرقية لمحافظة رفح، جنوب قطاع غزة، محمّلة بصناديق تحتوي على السجائر، في كل صندوق عشر علب، وفي كل علبة 20 سيجارة.

تهبط الطائرات بالقرب من السياج الحدودي، حيث يقترب منها مهرّبون معروفون داخل القطاع، يأخذون الصناديق وينصرفون، لتقصف قوات الاحتلال الطائرة بعد إفراغها، في مؤشر واضح إلى التواطؤ أو التغاضي المتعمّد من الجيش الإسرائيلي.

تحمل هذه الطائرات أنواعًا مختلفة من السجائر العالمية مثل “مارلبورو”، “إمبريال”، و”ونستون”، بالإضافة إلى معسل “الفاخر”، وتُباع بأسعار باهظة نظرًا الى صعوبة الوصول إليها داخل أسواق غزة.
وبحسب معاينة معدّ التحقيق، يصل سعر السيجارة الواحدة، في بعض الأحيان وعند تراجع التهريب، إلى 100 شيكل (نحو 30 دولارًا)، بينما يُباع غرام واحد من معسل “الفاخر” بـ50 شيكلاً (15 دولارًا).

ثروات من التهريب

نشطت تجارة السجائر المهربة بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب، وحقق بعض التجار ثروات ضخمة من هذا النشاط، إذ تضاعفت الأسعار بشكل جنوني، فارتفع سعر السيجارة الواحدة من شيكل إلى 1000 شيكل في ذروة الحصار.

وكانت السجائر والمعسل يدخلان إلى غزة رسميًا عبر معبر رفح البري مع مصر، ومعبر كرم أبو سالم مع إسرائيل، لكن منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أوقفت إسرائيل إدخال أي نوع من هذه المنتجات إلى القطاع.

ليس جديدًا أن تستغل شركات التبغ ظروف الحروب وضعف الرقابة لتوسيع أسواقها وتحقيق أرباح طائلة من مناطق النزاع. “فالطرق التي استفادت بها شركات التبغ من الحروب منذ الحرب العالمية الأولى موثقة جيدًا… ولا يزال هذا النهج مستمرًا حتى اليوم، إذ اتخذت مشاركة شركات التبغ في النزاعات أشكالًا متعددة (توزيع منتجات التبغ والنيكوتين على الجنود، الترويج للمنتجات في بلدان ضعيفة بفعل النزاعات، الانخراط في التجارة غير المشروعة، وغيرها)”، بحسب موقع الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ.
أما الشركات الأكثر استفادة عادةً فهي الشركات الأربع الكبرى:
فيليب موريس الدولية (PMI)، بريتيش أميركان توباكو (BAT)، جابان توباكو الدولية (JTI)، وإمبريال براندز (Imperial Brands).

ظاهرة التدخين في فلسطين بالأرقام

تشير إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية لعام 2022، وهي آخر البيانات قبل الحرب، إلى أن 33.5 في المئة من السكان بين 18 و69 عامًا يستخدمون منتجًا واحدًا على الأقل من منتجات التبغ. وتُظهر الأرقام أن نسبة الذكور المدخنين بلغت 55.1 في المئة، مقابل 12.1 في المئة من الإناث.

ويُعد الشباب الفئة الأكبر بين المدخنين، إذ يمثلون 40 في المئة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، ما يجعل فلسطين من بين أعلى الدول في الشرق الأوسط من حيث معدلات التدخين.
ويظهر التقرير أيضًا تعرّض ثلثي السكان للتدخين السلبي داخل منازلهم بنسبة 64 في المئة، و66 في المئة أثناء استخدام المواصلات، و58 في المئة في أماكن العمل.
وأكدت وزارة الصحة أن تعاطي التبغ من أبرز أسباب الوفاة القابلة للتفادي، إذ يقتل أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا حول العالم، ويتسبب في وفاة نصف المدخنين على المدى الطويل.

التهريب برعاية القصف

يقول سليمان جمال، أحد سكان المناطق الشرقية لمدينة رفح:
“رأيت بعيني طائرة درون تهبط على بعد 300 متر من السياج الحدودي، وكانت تحمل أكثر من خمسة صناديق سجائر، وخلال دقائق جاء مهرّبون معروفون وأخذوا الصناديق، ثم غادروا المكان، وبعدها بدقائق قصف الطائرة سلاح الجو الإسرائيلي”.

ويضيف أن هذه الحوادث تتكرر، وأن المهربين المعروفين لا يتعرضون لأي مضايقة أو رقابة، بل يكملون عملياتهم من دون تدخل، وكأن هناك تنسيقًا ضمنيًا أو تساهلًا متعمدًا معهم.
ويؤكد أنه شاهد طائرة إسرائيلية تقصف شابًا من غير المهربين حاول الوصول إلى طائرة درون بعد هبوطها، فقُتل على الفور.

من شهادة سليمان، يتبين أن الجيش الإسرائيلي لا يسمح لغير المهربين بالوصول إلى طائرات الدرون المحمّلة بالسجائر، وهو ما يعزز فرضية التنسيق بينهم.

أما محمد قديح، من سكان المناطق الشرقية، فأكد رؤيته طائرات درون تهبط مرتين أسبوعيًا محمّلة بالسجائر، وتفرغ حمولتها من دون أن تتعرض للهجوم من الطائرات الإسرائيلية أو القوات المتمركزة على الحدود.
وأضاف: “لا يجرؤ أحد من السكان العاديين على الاقتراب من الطائرات أو من تلك المنطقة الحدودية، ومن يفعل يُقتل فورًا، كما حدث مع شاب من المنطقة قتل بمجرد اقترابه من طائرة درون”.

ولفت الى أن المهربين يعرفون موعد هبوط الطائرات مسبقًا، فيكونون موجودين في المكان قبل وصولها بساعات، ويترقبون الهبوط، ثم يركضون في أرض مكشوفة للحصول على البضائع ويتركون الطائرة في مكانها.

اعتقال جنود إسرائيليين

بعد قرابة شهر من توثيق معدّ التحقيق عمليات التهريب عبر طائرات درون من داخل إسرائيل إلى غزة، اعتقلت السلطات الإسرائيلية في 20 أيار/ مايو الحالي عددًا من جنود جيش الاحتلال ومدنيين للاشتباه بتورطهم في تهريب بضائع إلى القطاع.

ووفق ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية “كان 11″، فإن المشتبه بهم جنود ومدنيون من البدو في النقب، خطّطوا لتهريب مئات علب السجائر وكميات كبيرة من المواد المخدرة عبر شاحنات المساعدات الداخلة إلى غزة من معبر كرم أبو سالم.

كذلك قدمت النيابة العامة الإسرائيلية لائحة اتهام ضد ثلاثة عرب إسرائيليين بعدما اعتقلتهم قوات الأمن، للاشتباه في تهريبهم مخدرات إلى غزة بواسطة طائرات مسيّرة.

وفي نيسان/ أبريل الماضي، اعتقل ضباط شرطة وجنود من جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيلي ثلاثة من سكان النقب هم: محمد السراحين، شريف أبو غردود، ويونس أبو غردود، بحسب ما نقلته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”. وهم متّهمون بتنفيذ عمليات تهريب متعدّدة للمخدرات والسجائر من إسرائيل إلى غزة، وترك الطائرات المسيّرة داخل القطاع.

أسواق مملوءة بالسجائر… رغم الحصار والجوع

على رغم الدمار الشامل وندرة الغذاء، تغزو بسطات بيع السجائر والمعسل شوارع قطاع غزة، بل إنها تفوق في عددها بسطات بيع الطعام.

عند مدخل مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب القطاع، يعلو صوت أحد الباعة من مكبر يعمل بالطاقة الشمسية، معلنًا توافر أنواع مختلفة من السجائر. ماركات كـ”مارلبورو”، “إمبريال”، و”ونستون” تنتشر بين الأيدي، إلى جانب معسل مخبأ داخل علب صلصة الطماطم أو معبأ بتبغ يُعرف محليًا باسم “عربي”. جميعها تدخل القطاع عبر التهريب.

الأسعار في حالة تذبذب دائم، تتبع فعالية طرق التهريب وحدتها. في بعض الأحيان، تُباع السيجارة الواحدة بـ100 شيكل، وفي أحيان أخرى تهبط إلى 10 شواكل. قبل الحرب، لم يكن سعرها يتجاوز الشيكل الواحد.

يقول بيان سعيد، أحد الباعة، إن حركة البيع ضعيفة على رغم توافر البضاعة، ويضيف: “الأسعار المرتفعة جعلت الزبائن يقتصرون على كبار التجار أو الأثرياء فقط”. ويوضح أن السجائر تصلهم عبر مهربين معروفين لا يتعرض لهم أحد، ويُسدَّد ثمن البضائع نقدًا عند التسليم.

يلاحظ سعيد أن أوضاع هؤلاء المهربين تغيرت خلال الحرب، فبينما كانوا يأتون إليه على دراجات نارية في الأيام الأولى، باتوا الآن يصلون بمركبات فاخرة من نوع “جيب”، ما يدل على الثراء السريع الناتج من تجارة التهريب.

المفارقة الصادمة تكمن في أن سكان غزة يُحرمون من أبسط مقومات الحياة من غذاء ودواء، بينما تتسلل السجائر والمعسل بسهولة عبر الأجواء، ليُباعان بأسعار خيالية. هذا الواقع يطرح تساؤلات حرجة حول الدور الإسرائيلي في هذا التناقض: لماذا يُمنع دخول المساعدات الإنسانية بينما يُسمح بمرور التبغ؟ وما الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا التيسير الانتقائي؟

قدّم فريق أبحاث مكافحة التبغ في جامعة باث الدعم لعمل منصة “درج” في تحقيقات التبغ، لكن جمع المعلومات وتفسيرها وعرضها هو مسؤولية منصة “درج” وحدها.

“The Tobacco Control Research Group at the University of Bath has supported the work of Daraj on tobacco investigations but the gathering of the information, its interpretation and presentation are the responsibility of Daraj.”

|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية