ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سجائر عابرة للحروب… مبيعات التبغ ترتفع في إسرائيل بالتزامن مع حرب الإبادة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيار/ مايو، تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تكشف أنشطة شركات التبغ الكبرى وتأثيرها في مناطق الصراع، وتسعى الى تسليط الضوء على تداعيات هذه السياسات على المجتمعات المحلية وصحة الأفراد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، شهدت إسرائيل ارتفاعًا كبيرًا في استهلاك السجائر التي تباع بأسعار تُعد من الأعلى في العالم، إذ أدت حرب غزة إلى زيادة مبيعات التبغ في البلاد الى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات. فقد قفزت مبيعات السجائر في إسرائيل إلى نحو 400 مليون علبة مقابل 352 مليون علبة في العام السابق… أي ما يعادل 8 مليارات سيجارة، بحسب موقع Tobacco Reporter.

في المقابل، سارعت شركات التبغ العالمية إلى اتخاذ قرارات حاسمة بإغلاق أو تقليص أعمالها في روسيا، أحد أكبر الأسواق العالمية للتبغ، وذلك عقب غزو أوكرانيا عام 2022، استجابةً للعقوبات والضغوط الدولية والإعلامية. أما في حالة الحرب الإسرائيلية على غزة، فلم نشهد تفاعلًا مماثلًا أو مساءلة حقيقية، بل على العكس، ارتفعت مبيعات هذه الشركات خلال الحرب، في مشهد يجسد بوضوح ازدواجية المعايير التي تفرضها المصالح الجيوسياسية وديناميكيات السوق وتفاوت الضغوط الدولية.

هذا التحقيق هو جزء من مشروع حول أنشطة شركات التبغ في مناطق النزاع، ويأتي لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيار/ مايو. تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تسلط الضوء على أنشطة شركات التبغ الكبرى في مناطق الصراع وتأثيرها، مع تركيز خاص على غزة والسودان. تهدف السلسلة إلى كشف ممارسات هذه الشركات وكيفية استغلالها الظروف الإنسانية الصعبة لتحقيق أرباح على حساب صحة السكان.

Business As Usual في إسرائيل: غياب المساءلة

استمرت شركات التبغ في العمل من دون ضغوط في إسرائيل خلال حرب الإبادة على غزة، حيث لم تواجه أي مساءلة أو عقوبات دولية مشابهة لتلك التي فرضت على الشركات العاملة في روسيا. تسيطر شركة فيليب موريس الدولية (PMI) على نحو 24 في المئة من سوق السجائر في إسرائيل، بينما يضم السوق أيضًا شركات كبرى مثل دوبك المحدودة (الشركة المحلية الأبرز)، وغلوبراندز غروب التي تتولى استيراد منتجات علامات تجارية عالمية وتوزيعها مثل JTI وBAT. 

 “تزداد معدلات التدخين للأسف في أوقات التوتر… بسبب عوامل اجتماعية ونفسية ناتجة من حالة النزوح واليأس، إضافة إلى تأثير النيكوتين، المادة المسبّبة للإدمان في التبغ، في تخفيف بعض هذا التوتر ولو بشكل مؤقت. وبالطبع، مع ارتفاع معدلات التدخين واستخدام جميع أشكال منتجات النيكوتين والتبغ، ستزداد المبيعات والأرباح”، وفقًا للدكتور غازي زعتري، أستاذ جامعي ورئيس مجموعة دراسة منظمة الصحة العالمية لتنظيم التبغ (TobReg)، في مقابلة لموقع “درج”. يضيف أنّه “في أوقات الحروب، يصبح تطبيق جميع القوانين أكثر تحديًا وصعوبة… وتستغل صناعة التبغ هذه الظروف لتعزيز مبيعاتها بغض النظر عن التأثيرات الصحية”. 

تُعد فيليب موريس الدولية (Philip Morris International – PMI)، وبريتيش أميركان توباكو (British American Tobacco – BAT)، وجابان توباكو الدولية (Japan Tobacco International – JTI)، وإمبريال براندز (Imperial Brands) من أكبر شركات التبغ العالمية. وقد اختلفت استجابات هذه الشركات في ما يتعلق بعملياتها في روسيا عقب الغزو، إلا أن جميعها اتخذ مواقف معلنة وواضحة، سواء عبر تقليص الاستثمارات أو الإعلان عن الانسحاب، وذلك تحت وطأة العقوبات والضغوط الدولية. في المقابل، لم تُسجّل مواقف مماثلة أو إجراءات واضحة من هذه الشركات في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة.

وفي مقابل ازدياد نسبة المبيعات وتهريب الدخان إلى قطاع غزة، هناك انهيار في القطاع الطبي لمواجهة الأمراض المتعلقة بالتدخين بالإضافة إلى منع دخول المساعدات الإنسانية والمعدات الطبية إلى غزة. في هذا السياق، وصف مايك رايان، مدير برنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية – في تصريح له في الأول من أيار/ مايو في مقر المنظمة بجنيف، سويسرا – ما يحصل في غزة بـ “جريمة شنيعة”. وقال: “نحن نحطم أجساد أطفال غزة وعقولهم، نحن نجوع أطفال غزة. إذا لم نفعل شيئًا حيال ذلك، فنحن متواطئون في ما يحدث أمام أعيننا. نحن متواطئون… يجب أن يتوقف هذا الأمر فورًا… أنا غاضب من نفسي لأنني لا أفعل ما يكفي. أنا غاضب من الجميع هنا. أنا غاضب منكم. أنا غاضب من العالم. هذه جريمة شنيعة، إنها جريمة شنيعة”. 

أمّا عن استغلال شركات التبغ مناطق الصراع، فاعتبر زعتري أنّ “كلمتَي “الأخلاق” و”صناعة التبغ” لا تجتمعان. هذه الصناعة تنتج منتجات تقتل الناس. التبغ يقتل ما يصل إلى نصف مستخدميه، ويؤدي إلى وفاة أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا حول العالم. كيف يمكن لصناعة كهذه أن تكون أخلاقية وهي تواصل ضخ منتجات جديدة وجذابة وعالية الإدمان في الأسواق، مثل السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن والشيشة المنكهة، لاستدراج الأطفال والشباب وتحويلهم إلى مدمنين على النيكوتين، وبالتالي إلى مستخدمين مدى الحياة؟”.

تعمل PMI في إسرائيل من خلال شركتها المحلية التابعة “فيليب موريس المحدودة” (PML). تغطي PML نحو 8,400 متجر وثمانية موزعين حصريين في جميع أنحاء البلاد، ويعمل فيها نحو 300 شخص. أمّا بريتيش أميركان توباكو (BAT) وجابان توباكو إنترناشيونال (JTI) فلا تعملان بشكل مباشر في إسرائيل، بل يتم تمثيلهما بشكل أساسي عبر غلوباندز.

بلغ إنتاج إسرائيل من السجائر في عام 2023 نحو 517 مليون سيجارة، مع وجود كمية محدودة من التبغ المزروع محليًا. وعلى رغم ارتفاع الأسعار والضرائب، أظهر سوق التبغ مرونة واستمر في النمو نتيجة الظروف الاستثنائية المرتبطة بالحرب.

يتضح وجود فرق واضح في تعامل المجتمع الدولي مع شركات التبغ في روسيا مقارنة بإسرائيل، ففي حين تركزت الضغوط والعقوبات على انسحاب الشركات من روسيا، لم يُمارس ضغط مماثل بشأن العمليات في إسرائيل. 

حتى نيسان/ أبريل 2025، لا تزال شركات التبغ الكبرى بمنأى عن المساءلة الحقيقية في كل من روسيا وإسرائيل، على رغم استمرار النزاعات والأزمات الإنسانية، ما يعكس استمرار ازدواجية المعايير في التعامل مع هذه الشركات وتأثيرها على المجتمعات.

الانسحاب من روسيا: استجابة للعقوبات والضغوط العامة

قبل عام 2022، كان سوق التبغ الروسي أحد أكثر الأسواق الواعدة لمصنعي التبغ في العالم، إذ بلغ معدل نموه السنوي نحو 15 في المئة، وهو من أعلى المعدلات في العالم. ولكن بعد غزو روسيا لأوكرانيا، اضطرت الشركات الكبرى إلى اتّخاذ مواقف واضحة. فتعهدت شركات مثل فيليب موريس الدولية (PMI)، وبريتيش أميركان توباكو (BAT)، وجابان توباكو الدولية (JTI) وإمبريال براندز، بالخروج من السوق الروسية. شكّلت إيرادات شركة PMI من روسيا نحو 6 في المئة من مجموع إيراداتها العالمية في العام 2021، أي في العام الذي سبق الاجتياح الروسي لأوكرانيا. مع ذلك أعلنت PMI عن تجميد استثماراتها وأنشطتها التسويقية، وأعلنت لاحقًا عن خطط للخروج “بشكل منظم” حفاظًا على سمعتها. 

أما BAT فقد نقلت عملياتها الروسية إلى موزع محلي، في حين ترددت JTI في البداية بسبب أهمية السوق الروسية لها كثاني أكبر سوق (تمثل 20 في المئة من أرباحها). ومع ذلك، وتحت ضغط العقوبات المتزايدة والرأي العام السلبي، بما في ذلك تصنيف أوكرانيا شركتي PMI وJTI كـ”رعاة حرب”، قلّصت هذه الشركات عملياتها أو شرعت في إجراءات نقل الملكية.

على الرغم من مساهمة جابان توباكو بنحو 182 مليون دولار كضرائب لروسيا في عام 2023، إلا أنها واجهت انتقادات محدودة في اليابان، إذ إنّ الإعلام الياباني المحلي نادرًا ما يتطرّق إلى هذا الموضوع. ويختلف ذلك عن الشركات الغربية التي خرجت من روسيا بسبب الأضرار التي لحقت بسمعتها. وبحلول عام 2025، تراجعت JTI عن خططها للانسحاب إرضاءً للمستثمرين، محافظةً على أربعة مصانع ونحو 4000 موظف في روسيا.

وعلى رغم تعهدات أولية من شركات كبرى مثل فيليب موريس الدولية (PMI) وجابان توباكو الدولية (JTI) بالخروج من السوق الروسية بعد غزو أوكرانيا عام 2022، لا تزال هذه الشركات متجذرة بعمق في روسيا. فعلى سبيل المثال، تواصل شركة PMI العمل وتحقيق أرباح كبيرة من السوق الروسية، حيث تحتفظ بحصة سوقية كبيرة حتى بعد تعليق الإنتاج مؤقتًا في أوكرانيا عام 2022.

من جانبها، أعلنت شركة جابان توباكو عن نيتها بيع عملياتها في روسيا، لكنها لم تلتزم بانسحاب كامل بعد، ولا تزال تقيّم موقفها، موازنةً بين المصالح التجارية والاعتبارات المتعلقة بالسمعة، مع استمرارها في تشغيل عمليات كبيرة وقوة عاملة في روسيا.

أما شركة بريتيش أميركان توباكو (BAT)، فقد أنهت رسميًا أعمالها في روسيا وبيلاروسيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، إذ باعت أصولها المحلية إلى اتحاد يقوده المديرون السابقون لفرع BAT الروسي. وفي ربيع 2022، علّقت BAT استثماراتها الجديدة في روسيا لكنها واصلت إنتاج السجائر وبيعها هناك، وحققت زيادة في الإيرادات بنسبة 2 في المئة مقارنة بعام 2021. حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شكّلت روسيا وبيلاروسيا نحو 2.7 في المئة من إيرادات المجموعة، بحسب موقع Tobacco Asia

قدّرت BAT خسائرها من مغادرة السوق الروسية في صيف 2023 بنحو 1.2 مليار دولار أميركي. وعلى رغم عدم الإعلان عن القيمة الرسمية للصفقة، قدّر بعض المحللين الروس قيمتها بين 200 و300 مليون دولار أميركي، وهو أقل بكثير من القيمة السوقية الحقيقية لأعمال BAT في روسيا، بحسب الموقع نفسه.

ذكرت صحيفة The Guardian البريطانية أن شركة بريتيش أميركان توباكو، المصنعة لسجائر لاكي سترايك وكاميل، تعرضت لانتقادات في عام 2022 بعدما واصلت في البداية عملياتها في روسيا، مخالفة بذلك نهج علامات تجارية عالمية مثل نستله ويونيلفر وكوكاكولا وماكدونالدز. لكن الشركة عكست قرارها بعد يومين فقط، مشيرة إلى “قيمها ومبادئها”. وبعد أكثر من 18 شهرًا على ذلك القرار، أعلنت BAT، التي تسيطر على 25 في لمئة من السوق الروسية، أنها توصلت أخيرًا إلى اتفاق لبيع أعمالها في روسيا وبيلاروسيا إلى مجموعة يقودها فريق الإدارة المحلي في موسكو.

كانت روسيا تمثل 2.7 في المئة من إيرادات BAT البالغة 13.4 مليار جنيه إسترليني في النصف الأول من عام 2023. وبناءً على ذلك، فإن الخروج من روسيا يعني التخلي عن نحو 725 مليون جنيه إسترليني سنويًا، وفقًا للغارديان. وفقًا لشركة نيلسن، كانت BAT ثالث أكبر مصنع للسجائر في روسيا عام 2022، بحصة سوقية بلغت 23 في المئة، خلف جابان توباكو JTI 35.6 في المئة و31.1 في المئة لفيليب موريس (PMI).

تصل قيمة أصول PMI الروسية إلى نحو مليارين ونصف المليار دولار أميركي. وقد صرّح الرئيس التنفيذي للشركة بأن المشترين الروس المحتملين كانوا مستعدين لشراء الأصول بسعر منخفض. وفقًا لوزارة المالية الروسية، يجب على الشركات الغربية التي تغادر روسيا بيع شركاتها المحلية بحسم لا يقل عن الـ 50 في المئة. ولهذا السبب، فضّلت PMI “الاستمرار” في أعمالها في روسيا بدلاً من بيعها بشروط غير مواتية. وأضاف الرئيس التنفيذي أن الانسحاب من السوق الروسي هو عملية معقدة، بخاصة وأن فيليب موريس تستحوذ على 27 في المئة من  مبيعات التبغ في السوق. ومع ذلك، أكدت الشركة أخيرًا خططها لمواصلة أعمالها في روسيا، بحسب موقع Tobacco Asia.

أما شركة إمبريال براندز (Imperial Brands)، فكانت الوحيدة التي أنهت بيع أعمالها المحلية في روسيا في آذار/ مارس 2022، وباعتها لمستثمر روسي في نيسان/ أبريل من العام نفسه، بحسب Tobacco Intelligence.

“لا ثقة أبدًا في صناعة التبغ؛ فقد تدّعي شيئًا وتمارس العكس تمامًا. ما يهمها فعليًا هو زيادة الإيرادات وتحويل الشباب إلى مدمنين على النيكوتين. إنها صناعة لا تحكمها قيم أخلاقية. ومن المعروف والموثق جيدًا أن جزءًا كبيرًا من التجارة غير المشروعة للتبغ حول العالم تديره صناعة التبغ نفسها بشكل سري”، على حدّ وصف زعتري.


قدّم فريق أبحاث مكافحة التبغ في جامعة باث الدعم لعمل منصة “درج” في تحقيقات التبغ، لكن جمع المعلومات وتفسيرها وعرضها هي مسؤولية منصة “درج” وحدها.

“The Tobacco Control Research Group at the University of Bath has supported the work of Daraj on tobacco investigations but the gathering of the information, its interpretation and presentation are the responsibility of Daraj.”

داس بيستي أم نوردن - NDR NDR | 05.12.2025

“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.

لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيار/ مايو، تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تكشف أنشطة شركات التبغ الكبرى وتأثيرها في مناطق الصراع، وتسعى الى تسليط الضوء على تداعيات هذه السياسات على المجتمعات المحلية وصحة الأفراد.

في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، شهدت إسرائيل ارتفاعًا كبيرًا في استهلاك السجائر التي تباع بأسعار تُعد من الأعلى في العالم، إذ أدت حرب غزة إلى زيادة مبيعات التبغ في البلاد الى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات. فقد قفزت مبيعات السجائر في إسرائيل إلى نحو 400 مليون علبة مقابل 352 مليون علبة في العام السابق… أي ما يعادل 8 مليارات سيجارة، بحسب موقع Tobacco Reporter.

في المقابل، سارعت شركات التبغ العالمية إلى اتخاذ قرارات حاسمة بإغلاق أو تقليص أعمالها في روسيا، أحد أكبر الأسواق العالمية للتبغ، وذلك عقب غزو أوكرانيا عام 2022، استجابةً للعقوبات والضغوط الدولية والإعلامية. أما في حالة الحرب الإسرائيلية على غزة، فلم نشهد تفاعلًا مماثلًا أو مساءلة حقيقية، بل على العكس، ارتفعت مبيعات هذه الشركات خلال الحرب، في مشهد يجسد بوضوح ازدواجية المعايير التي تفرضها المصالح الجيوسياسية وديناميكيات السوق وتفاوت الضغوط الدولية.

هذا التحقيق هو جزء من مشروع حول أنشطة شركات التبغ في مناطق النزاع، ويأتي لمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 أيار/ مايو. تنشر منصة “درج” سلسلة من أربعة تحقيقات تسلط الضوء على أنشطة شركات التبغ الكبرى في مناطق الصراع وتأثيرها، مع تركيز خاص على غزة والسودان. تهدف السلسلة إلى كشف ممارسات هذه الشركات وكيفية استغلالها الظروف الإنسانية الصعبة لتحقيق أرباح على حساب صحة السكان.

Business As Usual في إسرائيل: غياب المساءلة

استمرت شركات التبغ في العمل من دون ضغوط في إسرائيل خلال حرب الإبادة على غزة، حيث لم تواجه أي مساءلة أو عقوبات دولية مشابهة لتلك التي فرضت على الشركات العاملة في روسيا. تسيطر شركة فيليب موريس الدولية (PMI) على نحو 24 في المئة من سوق السجائر في إسرائيل، بينما يضم السوق أيضًا شركات كبرى مثل دوبك المحدودة (الشركة المحلية الأبرز)، وغلوبراندز غروب التي تتولى استيراد منتجات علامات تجارية عالمية وتوزيعها مثل JTI وBAT. 

 “تزداد معدلات التدخين للأسف في أوقات التوتر… بسبب عوامل اجتماعية ونفسية ناتجة من حالة النزوح واليأس، إضافة إلى تأثير النيكوتين، المادة المسبّبة للإدمان في التبغ، في تخفيف بعض هذا التوتر ولو بشكل مؤقت. وبالطبع، مع ارتفاع معدلات التدخين واستخدام جميع أشكال منتجات النيكوتين والتبغ، ستزداد المبيعات والأرباح”، وفقًا للدكتور غازي زعتري، أستاذ جامعي ورئيس مجموعة دراسة منظمة الصحة العالمية لتنظيم التبغ (TobReg)، في مقابلة لموقع “درج”. يضيف أنّه “في أوقات الحروب، يصبح تطبيق جميع القوانين أكثر تحديًا وصعوبة… وتستغل صناعة التبغ هذه الظروف لتعزيز مبيعاتها بغض النظر عن التأثيرات الصحية”. 

تُعد فيليب موريس الدولية (Philip Morris International – PMI)، وبريتيش أميركان توباكو (British American Tobacco – BAT)، وجابان توباكو الدولية (Japan Tobacco International – JTI)، وإمبريال براندز (Imperial Brands) من أكبر شركات التبغ العالمية. وقد اختلفت استجابات هذه الشركات في ما يتعلق بعملياتها في روسيا عقب الغزو، إلا أن جميعها اتخذ مواقف معلنة وواضحة، سواء عبر تقليص الاستثمارات أو الإعلان عن الانسحاب، وذلك تحت وطأة العقوبات والضغوط الدولية. في المقابل، لم تُسجّل مواقف مماثلة أو إجراءات واضحة من هذه الشركات في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة.

وفي مقابل ازدياد نسبة المبيعات وتهريب الدخان إلى قطاع غزة، هناك انهيار في القطاع الطبي لمواجهة الأمراض المتعلقة بالتدخين بالإضافة إلى منع دخول المساعدات الإنسانية والمعدات الطبية إلى غزة. في هذا السياق، وصف مايك رايان، مدير برنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية – في تصريح له في الأول من أيار/ مايو في مقر المنظمة بجنيف، سويسرا – ما يحصل في غزة بـ “جريمة شنيعة”. وقال: “نحن نحطم أجساد أطفال غزة وعقولهم، نحن نجوع أطفال غزة. إذا لم نفعل شيئًا حيال ذلك، فنحن متواطئون في ما يحدث أمام أعيننا. نحن متواطئون… يجب أن يتوقف هذا الأمر فورًا… أنا غاضب من نفسي لأنني لا أفعل ما يكفي. أنا غاضب من الجميع هنا. أنا غاضب منكم. أنا غاضب من العالم. هذه جريمة شنيعة، إنها جريمة شنيعة”. 

أمّا عن استغلال شركات التبغ مناطق الصراع، فاعتبر زعتري أنّ “كلمتَي “الأخلاق” و”صناعة التبغ” لا تجتمعان. هذه الصناعة تنتج منتجات تقتل الناس. التبغ يقتل ما يصل إلى نصف مستخدميه، ويؤدي إلى وفاة أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا حول العالم. كيف يمكن لصناعة كهذه أن تكون أخلاقية وهي تواصل ضخ منتجات جديدة وجذابة وعالية الإدمان في الأسواق، مثل السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن والشيشة المنكهة، لاستدراج الأطفال والشباب وتحويلهم إلى مدمنين على النيكوتين، وبالتالي إلى مستخدمين مدى الحياة؟”.

تعمل PMI في إسرائيل من خلال شركتها المحلية التابعة “فيليب موريس المحدودة” (PML). تغطي PML نحو 8,400 متجر وثمانية موزعين حصريين في جميع أنحاء البلاد، ويعمل فيها نحو 300 شخص. أمّا بريتيش أميركان توباكو (BAT) وجابان توباكو إنترناشيونال (JTI) فلا تعملان بشكل مباشر في إسرائيل، بل يتم تمثيلهما بشكل أساسي عبر غلوباندز.

بلغ إنتاج إسرائيل من السجائر في عام 2023 نحو 517 مليون سيجارة، مع وجود كمية محدودة من التبغ المزروع محليًا. وعلى رغم ارتفاع الأسعار والضرائب، أظهر سوق التبغ مرونة واستمر في النمو نتيجة الظروف الاستثنائية المرتبطة بالحرب.

يتضح وجود فرق واضح في تعامل المجتمع الدولي مع شركات التبغ في روسيا مقارنة بإسرائيل، ففي حين تركزت الضغوط والعقوبات على انسحاب الشركات من روسيا، لم يُمارس ضغط مماثل بشأن العمليات في إسرائيل. 

حتى نيسان/ أبريل 2025، لا تزال شركات التبغ الكبرى بمنأى عن المساءلة الحقيقية في كل من روسيا وإسرائيل، على رغم استمرار النزاعات والأزمات الإنسانية، ما يعكس استمرار ازدواجية المعايير في التعامل مع هذه الشركات وتأثيرها على المجتمعات.

الانسحاب من روسيا: استجابة للعقوبات والضغوط العامة

قبل عام 2022، كان سوق التبغ الروسي أحد أكثر الأسواق الواعدة لمصنعي التبغ في العالم، إذ بلغ معدل نموه السنوي نحو 15 في المئة، وهو من أعلى المعدلات في العالم. ولكن بعد غزو روسيا لأوكرانيا، اضطرت الشركات الكبرى إلى اتّخاذ مواقف واضحة. فتعهدت شركات مثل فيليب موريس الدولية (PMI)، وبريتيش أميركان توباكو (BAT)، وجابان توباكو الدولية (JTI) وإمبريال براندز، بالخروج من السوق الروسية. شكّلت إيرادات شركة PMI من روسيا نحو 6 في المئة من مجموع إيراداتها العالمية في العام 2021، أي في العام الذي سبق الاجتياح الروسي لأوكرانيا. مع ذلك أعلنت PMI عن تجميد استثماراتها وأنشطتها التسويقية، وأعلنت لاحقًا عن خطط للخروج “بشكل منظم” حفاظًا على سمعتها. 

أما BAT فقد نقلت عملياتها الروسية إلى موزع محلي، في حين ترددت JTI في البداية بسبب أهمية السوق الروسية لها كثاني أكبر سوق (تمثل 20 في المئة من أرباحها). ومع ذلك، وتحت ضغط العقوبات المتزايدة والرأي العام السلبي، بما في ذلك تصنيف أوكرانيا شركتي PMI وJTI كـ”رعاة حرب”، قلّصت هذه الشركات عملياتها أو شرعت في إجراءات نقل الملكية.

على الرغم من مساهمة جابان توباكو بنحو 182 مليون دولار كضرائب لروسيا في عام 2023، إلا أنها واجهت انتقادات محدودة في اليابان، إذ إنّ الإعلام الياباني المحلي نادرًا ما يتطرّق إلى هذا الموضوع. ويختلف ذلك عن الشركات الغربية التي خرجت من روسيا بسبب الأضرار التي لحقت بسمعتها. وبحلول عام 2025، تراجعت JTI عن خططها للانسحاب إرضاءً للمستثمرين، محافظةً على أربعة مصانع ونحو 4000 موظف في روسيا.

وعلى رغم تعهدات أولية من شركات كبرى مثل فيليب موريس الدولية (PMI) وجابان توباكو الدولية (JTI) بالخروج من السوق الروسية بعد غزو أوكرانيا عام 2022، لا تزال هذه الشركات متجذرة بعمق في روسيا. فعلى سبيل المثال، تواصل شركة PMI العمل وتحقيق أرباح كبيرة من السوق الروسية، حيث تحتفظ بحصة سوقية كبيرة حتى بعد تعليق الإنتاج مؤقتًا في أوكرانيا عام 2022.

من جانبها، أعلنت شركة جابان توباكو عن نيتها بيع عملياتها في روسيا، لكنها لم تلتزم بانسحاب كامل بعد، ولا تزال تقيّم موقفها، موازنةً بين المصالح التجارية والاعتبارات المتعلقة بالسمعة، مع استمرارها في تشغيل عمليات كبيرة وقوة عاملة في روسيا.

أما شركة بريتيش أميركان توباكو (BAT)، فقد أنهت رسميًا أعمالها في روسيا وبيلاروسيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، إذ باعت أصولها المحلية إلى اتحاد يقوده المديرون السابقون لفرع BAT الروسي. وفي ربيع 2022، علّقت BAT استثماراتها الجديدة في روسيا لكنها واصلت إنتاج السجائر وبيعها هناك، وحققت زيادة في الإيرادات بنسبة 2 في المئة مقارنة بعام 2021. حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شكّلت روسيا وبيلاروسيا نحو 2.7 في المئة من إيرادات المجموعة، بحسب موقع Tobacco Asia

قدّرت BAT خسائرها من مغادرة السوق الروسية في صيف 2023 بنحو 1.2 مليار دولار أميركي. وعلى رغم عدم الإعلان عن القيمة الرسمية للصفقة، قدّر بعض المحللين الروس قيمتها بين 200 و300 مليون دولار أميركي، وهو أقل بكثير من القيمة السوقية الحقيقية لأعمال BAT في روسيا، بحسب الموقع نفسه.

ذكرت صحيفة The Guardian البريطانية أن شركة بريتيش أميركان توباكو، المصنعة لسجائر لاكي سترايك وكاميل، تعرضت لانتقادات في عام 2022 بعدما واصلت في البداية عملياتها في روسيا، مخالفة بذلك نهج علامات تجارية عالمية مثل نستله ويونيلفر وكوكاكولا وماكدونالدز. لكن الشركة عكست قرارها بعد يومين فقط، مشيرة إلى “قيمها ومبادئها”. وبعد أكثر من 18 شهرًا على ذلك القرار، أعلنت BAT، التي تسيطر على 25 في لمئة من السوق الروسية، أنها توصلت أخيرًا إلى اتفاق لبيع أعمالها في روسيا وبيلاروسيا إلى مجموعة يقودها فريق الإدارة المحلي في موسكو.

كانت روسيا تمثل 2.7 في المئة من إيرادات BAT البالغة 13.4 مليار جنيه إسترليني في النصف الأول من عام 2023. وبناءً على ذلك، فإن الخروج من روسيا يعني التخلي عن نحو 725 مليون جنيه إسترليني سنويًا، وفقًا للغارديان. وفقًا لشركة نيلسن، كانت BAT ثالث أكبر مصنع للسجائر في روسيا عام 2022، بحصة سوقية بلغت 23 في المئة، خلف جابان توباكو JTI 35.6 في المئة و31.1 في المئة لفيليب موريس (PMI).

تصل قيمة أصول PMI الروسية إلى نحو مليارين ونصف المليار دولار أميركي. وقد صرّح الرئيس التنفيذي للشركة بأن المشترين الروس المحتملين كانوا مستعدين لشراء الأصول بسعر منخفض. وفقًا لوزارة المالية الروسية، يجب على الشركات الغربية التي تغادر روسيا بيع شركاتها المحلية بحسم لا يقل عن الـ 50 في المئة. ولهذا السبب، فضّلت PMI “الاستمرار” في أعمالها في روسيا بدلاً من بيعها بشروط غير مواتية. وأضاف الرئيس التنفيذي أن الانسحاب من السوق الروسي هو عملية معقدة، بخاصة وأن فيليب موريس تستحوذ على 27 في المئة من  مبيعات التبغ في السوق. ومع ذلك، أكدت الشركة أخيرًا خططها لمواصلة أعمالها في روسيا، بحسب موقع Tobacco Asia.

أما شركة إمبريال براندز (Imperial Brands)، فكانت الوحيدة التي أنهت بيع أعمالها المحلية في روسيا في آذار/ مارس 2022، وباعتها لمستثمر روسي في نيسان/ أبريل من العام نفسه، بحسب Tobacco Intelligence.

“لا ثقة أبدًا في صناعة التبغ؛ فقد تدّعي شيئًا وتمارس العكس تمامًا. ما يهمها فعليًا هو زيادة الإيرادات وتحويل الشباب إلى مدمنين على النيكوتين. إنها صناعة لا تحكمها قيم أخلاقية. ومن المعروف والموثق جيدًا أن جزءًا كبيرًا من التجارة غير المشروعة للتبغ حول العالم تديره صناعة التبغ نفسها بشكل سري”، على حدّ وصف زعتري.


قدّم فريق أبحاث مكافحة التبغ في جامعة باث الدعم لعمل منصة “درج” في تحقيقات التبغ، لكن جمع المعلومات وتفسيرها وعرضها هي مسؤولية منصة “درج” وحدها.

“The Tobacco Control Research Group at the University of Bath has supported the work of Daraj on tobacco investigations but the gathering of the information, its interpretation and presentation are the responsibility of Daraj.”

|

اشترك بنشرتنا البريدية