ساهم في إعداد هذا التحليل مصعب الياسين (سراج) ضمن مشروع “أوراق سوريا”
منذ سقوط نظام الأسد بقي سؤال المخبرين يتردد في النقاشات العامة، وعلى الرغم من بدء محاكمات رموز النظام البائد، شهدت مناطق سورية عدة حالات انتقام وقتل خارج القانون استهدفت مُتهمين بأنهم مُخبرون و”كتاب تقارير”، قيل إنهم تسببوا باعتقال العشرات بسبب التقارير التي كانوا يرفعونها إلى أفرع الأمن المتعددة.
أخيراً، حسم هذا الجدل بإصدار حكم بالإعدام في دمشق على عبد الناصر براقي “بعد ثبوت مسؤوليته عن جرائم جسيمة خلال عهد النظام البائد، من بينها الإخفاء القسري، وسلب الحرية، والتدخل في القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والسلب بالعنف والافتراء الجنائي”. هذا الحكم الأول منذ سقوط الأسد بحق متهم بـ”كتابة التقارير”، ويشكّل سابقة قضائية قد تفتح باباً لمحاكمة العشرات من المتهمين الذين ترد أسماؤهم في وثائق نظام الأسد.
في هذا التحليل، اطّلع فريقا “درج” و”سراج” على نسخة رقمية من “سجل المتعاونين”، الذي كان في فرع أمن الدولة في إحدى المحافظات السورية، التي نغفل ذكرها تجنّباً للإشارة إلى المتهمين ومناطق نشاطهم. ويظهر في السجل “المخبرون” المسجّلون عام 2019، مع توثيق زياراتهم إلى الفرع، والأعمال التي يقومون بها، وطريقة تصنيف المتقدمين للعمل ضمن هذا الاختصاص، ودرجات التقييم التي يخضعون لها، والقطاعات المسؤولين عنها.
“سجل المتعاونين”
“سجل المتعاونين” هو دفتر مخصص ولم يُختر اعتباطياً، طبعت عليه تروسيات محددة لإنشاء “سيرة” خاصة بكل مخبر وصفاته، إذ يبدأ تصنيف طبقات المخبرين، الممتد على ورقتين كبيرتين بالبيانات الشخصية المباشرة والتقليدية اللازمة للتعريف والتوثيق: (الاسم الثلاثي الحقيقي، واسم الأم) بعدها يذكر “الاسم المستعار، الرقم السري، مكان وتاريخ الولادة، المؤهل العلمي، المهنة ومكان العمل، العنوان ورقم الهاتف”.
ثم تظهر الخانات ذات الدلالة المرتبطة بطبيعة العمل و”عدد الزيارات للفرع”، و”الاتجاه السياسي” ومكان العمل باسم “الساحة التي يغطيها”، أي السياق الجغرافي والبشري الذي يتولى المخبر العمل فيه وجمع المعلومات.
المخبر، بهذا التصنيف، ليس فرداً معزولاً، بل صاحب موقع داخل شبكة اجتماعية، ولا تعمل هذه البيانات على تعريف “المصدر” فقط، بل على تقدير قيمته بالنسبة إلى الفرع، وتحمل في داخلها مبدأً تفاوضياً يقوم على الموازنة بين مقدار الحاجة الأمنية إليه ومقدار الفائدة التي يستطيع تقديمها، حسب قدرته على الوصول إلى أشخاص أو أوساط أو معلومات لا تكون متاحة للفرع بالدرجة نفسها.
ولا يكتفي السجل بتعريف الشخص، إذ يوثق علاقته بالفرع منذ بدايتها، عبر رقم مذكرة ارتباطه وتاريخها، والمبلغ الذي قد يتقاضاه، وعدد زياراته وتاريخ آخر زيارة، ثم تقييمه بوصفه “مندوباً أو مصدراً”، “إيجابياً أو نشطاً أو سلبياً”. وقد تنتهي الخانات برقم مذكرة إنهاء العمل وتاريخها وسببها، إذ نقرأ مثلاً عن مخبر مهنته “عامل حرّ” تم التعاقد معه عام 2019، وأنهي التعاقد عام 2022، و”تم اعتماده مصدراً بدل مندوب”، وسبب إنهاء العمل “ازدواجية عمله مع الأصدقاء الروس”.
تكشف سيرة المخبر وجوداً مزدوجاً: وجهاً اجتماعياً يقدمه إلى الآخرين، وهوية أمنية لا تُقرأ إلا داخل الفرع. تبدو السرية آمنة له لأنها تحجبه عن محيطه وتتيح له أن يبقى معلماً أو موظفاً أو جاراً أو قريباً في نظر الآخرين، لكنها تتركه عارياً أمام الجهاز. يعرف الفرع اسمه وأسرته ومكان إقامته وعمله وتحركاته، بينما يبقى من يقيّمه غير مرئي، ولا نعرف إن كان ضابطاً أو مساعداً أو مسؤولاً آخر داخله.
يحتفظ الجهاز وحده بمعرفة الشخصيتين، وبالقدرة على وصل إحداهما بالأخرى وإدارة المسافة بينهما، ولا تجري العلاقة بالفرع، على رغم ما يحيط بها من خجل وسرية، خارج التنظيم البيروقراطي الدقيق، وتحديد مهمة “المصدر/ المتعاون”، لتتحول إلى علاقة عمل منضبطة لها بداية ومهام ومقابل مادي محتمل وزيارات دورية وتقييم ونهاية موثقة.
هذه البيروقراطية في ضبط “المخبرين” و”كتاب التقارير” و”المندوبين” تتضح في تحقيقات ووثائق سابقة تكشف هيمنة العمل البيروقراطي والموثق، لتوزيع الأدوار وضبط المعلومات ومصادرها، لكن في هذا السجل نحن أمام “مخبرين” محليين يتحركون ضمن مساحات محددة، بعكس آخرين كانوا أقرب إلى “موظفين” أو مبعوثين خصيصاً من أفرع الأمن لـ”العمل” في سياق محدد.
موظف أم متعاقد موسمي؟
وفقاً لثلاثة مصادر عملت ضمن المنظومة الأمنية في عهد النظام البائد، لم تكن كلمة “مخبر” تشير دائماً إلى وضع وظيفي واحد أو إلى شخص مسجّل بصورة رسمية. وإلى جانبها كان يُستخدم مصطلح “المندوب”، الذي يشير في حالات كثيرة إلى علاقة أكثر انتظاماً مع الفرع أو المكتب الأمني. لكن الحدود بين التسميتين لم تكن ثابتة، إذ تختلف طبيعة العلاقة وطريقة التسجيل والدفع المالي بحسب الفرع والمحافظة ورئيس المكتب والحاجة الأمنية نفسها.
قد تبدأ العلاقة بإخبارية عادية يقدمها شخص نتيجة معرفة أو صلة بأحد عناصر الأمن أو مساعديه، من دون أن يتقاضى مالاً أو يدخل بالضرورة في سجل ثابت. وهناك مخبرون يقدمون المعلومات مجاناً، ويكون المقابل بالنسبة إليهم هو الحفاظ على علاقة مع الأمن وما تمنحه هذه العلاقة من حماية أو نفوذ أو قدرة على الوصول إلى الفرع. وفي حالات أخرى يتم تجنيد الشخص بالترغيب أو بالخوف والضغط، وقد تبدأ العلاقة، مثلاً، مقابل إطلاق سراحه أو تسوية وضعه إثر جريمة أو جنحة ارتكبها، ثم تتحول لاحقاً إلى مصدر دائم للمعلومات.
وتتحدث المصادر الثلاثة عن درجات مختلفة من الارتباط، توصف أحياناً بأنها “حارة” و”باردة”، فـ”الارتباط البارد” قد يقتصر على معلومات متقطعة أو اتصال يحصل عند الحاجة، بينما يعني “الارتباط الحار” علاقة أكثر نشاطاً واستمراراً، يكون فيها المصدر قريباً من الملف الذي يعمل عليه الأمن، ويتلقى تكليفات متكررة أو طويلة الأمد، ويصبح حجم الاستفادة منه أكبر.
في مستوى آخر، يمكن أن يتلقى “المخبر” مهمة محددة لقاء مبلغ يُدفع مقابل المهمة أو المعلومة نفسها، وقد يبدأ دفع المال منذ العملية الأولى، أما “المندوب” فقد يكون مكلّفاً بصورة أكثر استقراراً داخل قطاع أو مكان معين: صاحب مطعم، عامل في مقهى، موظف، أو شخص تسمح له طبيعة عمله بمراقبة الوسط الموجود فيه ونقل ما يسمعه أو يراه. وبحسب المصادر، قد يتقاضى بعض هؤلاء أجراً بسيطاً يتراوح في بعض الحالات بين خمسة وعشرة دولارات، أو ما يعادلها، بينما ترتبط أجور آخرين بطبيعة المهمة نفسها وأهميتها.
قيمة المندوب لا ترتبط فقط بعدد المعلومات التي يقدمها، بل أيضاً بالمكان الذي يستطيع الوصول إليه، وبحساسية البيئة التي يعمل داخلها. فالمندوب الموجود في منطقة نزاع، أو القادر على الاقتراب من جماعات موضوعة تحت المراقبة الأمنية، تكون قيمته مختلفة عن مصدر يقدم معلومات اجتماعية عادية. وتذكر المصادر، على سبيل المثال، أشخاصاً كُلّفوا بالاستماع إلى جماعات إسلامية في مناطق ريفية، أو بالالتحاق بمهمات أمنية طويلة تتطلب البقاء داخل بيئة معينة وجمع المعلومات منها على مدى فترة ممتدة.
في مثل هذه الحالات، لا تبقى المدفوعات ضمن الحدود الصغيرة المرتبطة بالمخبر اليومي. فقد يحصل المصدر على دفعات أكبر، كما يمكن أن تُمنح مكافآت أو جوائز مالية مرتفعة عندما تقود المعلومات إلى عملية أمنية تعتبرها الأجهزة مهمة، أو عندما ينجح المندوب في تنفيذ مهمة شديدة الحساسية. وهنا يصبح مقدار الدفع مرتبطاً بدرجة الخطر، وطول المهمة، وحساسية الهدف، والنتيجة التي أنتجتها المعلومات.
هذه العلاقات والأجور سبق أن أشير إليها في تحقيق سابق لـ”درج”، فضمن جدول صرفيات للمندوبين صادر عن المخابرات الجوية عام 2015، تتحرّك المكافآت بين ألف حتى 5 آلاف ليرة سورية (سعر صرف الدولار حينها 300 ليرة سورية مقابل دولار واحد)، وتشمل حملة رتب عسكرية، وأشخاصاً كـ”مستخدم مدني لدى كتيبة إنشاء المطارات”، أو “عاملة لدى مؤسّسة الطيران المدني في حلب”، وإن لم يكن الأجر مادياً فهو حسب الجدول:“تسديد إيجار بيت”، و”فريق الحفر العامل في فرع المنطقة الجنوبية”، أو “شراء محارم+ مياه بقين”، و”أجور طريق”، أو “مخصّصات إدامة سجون التحقيق”، أو “إقامة ضيوف في نادي الرماية”، أو “صيانة كاميرا في ساحة العباسيين”.
تقول المصادر الثلاثة إن التقارير التي ينتجها المندوبون والمخبرون هي الأكثر أهمية، فتُرفع إلى رؤساء المكاتب، ولا تنتهي وظيفتها عند حفظ المعلومة نفسها. إذ تتم دراسة ما يمكن بناؤه عليها، وما إذا كانت تستدعي متابعة أو مراقبة أو عملية أمنية، وقد تدخل في تقييم تشارك فيه مستويات مختلفة داخل الفرع أو الإدارة. وبحسب طبيعة الملف، تنتقل المعلومات والعمليات الناتجة منها بين رؤساء المكاتب ورؤساء الأقسام والإدارات المعنية، بحيث يصبح تقييم المندوب مرتبطاً أيضاً بما أنتجته تقاريره عملياً، لا بمجرد عددها.
طيف “التجنيد”
“المتعاونون” في السجل من الجنسين، وتتنوع وظائفهم وطبقاتهم، هناك معلمون وموظفو دولة، ورجال أمن وعسكريون سابقون، وأشخاص لا يزالون يعملون في الأجهزة، وقد يرتبط بعضهم بأكثر من فرع في الوقت نفسه، ومهامهم حسب السجل: “معلومات عامة” و” معلومات حول تحرك المجموعات الإرهابية” و”مواضيع أمنية” يُترك تقديرها ربما للمخبر نفسه، لذلك لا تبدو قيمة المخبر مرتبطة بالرتبة أو التعليم وحدهما، بل بما يستطيع الوصول إليه ومن يعرف وكيف يتحرك داخل محيطه.
في “السجل” تظهر أحياناً أسماء حقيقة من دون ملء بند الأسماء المستعارة، بما يوحي بأن أصحابها أقرب إلى مندوبين أو مخبرين غير متعاقدين بصورة كاملة مع الفرع، كون عمليات التجنيد تشمل مهناً متنوعة: “معلم مدرس”، “مختار” ، “عقيد متقاعد”، “صاحب دكان”، “معلمة خصوصية”، “عامل في الزراعة”، يضاف إليها “متداخل مع الأصدقاء”، والمقصود هنا نشاطه مع الإيرانيين أو حزب الله أو روسيا، التي تحيل إليهم عادة كلمة “أصدقاء”.
التصنيف يمتد الى مدى الولاء، مثلاً “المعلمة الخصوصية” تصنف صفة “نصيرة”، وهي مرتبة حزبية، تقدم معلومات أمنية عن تحركات ما يسميه الفرع “المجموعات الإرهابية” وموضوعات تخصهم، تتالى الصفات لتشمل مراتب من حزب البعث كـ”بعثية نصيرة” وأخرى كـ”حيادي” أو “مؤيد” في دلالة على العلاقة مع النظام.
لا تظهر قدرة نظام الأسد الأمنية في المراقبة وحدها، بل في نجاحه خلال عقود في توزيع وظائفه داخل المجتمع نفسه، فالمخبر ليس شخصاً واضحاً أو منفصلاً عن الحياة اليومية هو جزء منها، وقد يكون معلماً أو موظفاً أو جاراً أو قريباً أو عسكرياً سابقاً يعيش داخل الوسط الذي يراقبه وينقل أخباره.
وتأتي قيمته من أنه لا يظهر بصفته الأمنية، ويبقى في نظر الآخرين موظفاً أو صديقاً أو شخصاً يمكن الحديث أمامه والوثوق به ومن الممكن له أن يكون شخصاً يبحث عن معنى له داخل سياق اجتماعي معقد، العلاقة الإنسانية والوظائف الحكوميّة تتحول إلى طريق للمعلومات، وتتحول حياة المخبر اليومية العارضة إلى مخزن متنقل للمعلومات التي من الممكن تقديمها.
في تصنيف “المتعاونين“
لا تقتصر شبكة “المتعاونين” على المدنيين، إذ يظهر في السجلات عقداء وعمداء وعسكريون متقاعدون أيضاً. ومن بين الحالات عقيد متقاعد وعضو في لجنة مصالحة يعمل مخبراً لدى الفرع في ما يخص “المجموعات الإرهابية”، لكن رتبته العسكرية السابقة وموقعه في لجنة المصالحة لا يمنحانه الثقة تلقائياً، إذ تسجل الملاحظات أنه بدوره “قيد الاختبار”. ويظهر أيضاً شخص متعلم ومتعاقد مع المخابرات الجوية، يعمل في الوقت نفسه لصالح فرع آخر، ومع ذلك يبقى في سجلات هذا الفرع “قيد الاختبار”.
وفي مقابل هؤلاء، تظهر أسماء لأشخاص عاديين لا يحملون مؤهلات تعليمية عالية ولا انتماء بعثياً، ولا رتباً عسكرية، بل تصفهم البيانات أحياناً بأنهم “حياديون”، أحدهم لا يتجاوز تحصيله الدراسي المرحلة الإعدادية، لكن تُسجل له أربعة أرقام هاتف مختلفة للتواصل معه، ولا يظهر أنه يتلقى مقابلاً مالياً، ومع ذلك يحصل على صفة “مندوب فعال”.
أستاذ أو عقيد أو بعثي أو صاحب شهادة قد يبقى “قيد الاختبار”، لأن ما يهم الفرع في النهاية ليس الشهادة ولا الرتبة وحدهما، إنما ما يستطيع الوصول إليه داخل الوسط الذي يعيش فيه، وكمية المعلومات القادر على تأمينها من موقعه.
صفة “محايد” في السجل لا تُترك مُستقلة، إذ تعيده صيغة حيادي مؤيد إلى معيار مخصص للولاء، فـ”مؤيد” تعني امتثالاً نفسياً وسلوكياً وإقراراً برواية السلطة العامة، وهذا مؤكد، والأهم بوصفها طريقاً للخروج من دائرة الاشتباه، وهذه الشبكات تعمق المشكلة نفسها، لأنها تدفع الناس إلى مزيد من إخفاء مواقفهم وإنتاج صور مأمونة عن أنفسهم.
وحتى هذه الصور لا يثق بها الأمن تماماً، إذ يخضع أصحابها للتحقيق والتدقيق والمقارنة بمعلومات مصادر أخرى. هكذا لا تنهي المراقبة شك السلطة، إنما تحوّل كل تأييد معلن إلى مادة تحتاج إلى التحقق، ثم تستخدم هذا الشك لتبرير مزيد من المراقبة.
متى يُتهم المخبر؟
حاورنا أبي كرد علي، حقوقي سوري مقيم في بريطانيا، ومدير الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، حول اتهام “المخبرين” والتعقيدات القانونية المتعلقة بالموضوع، فأشار بداية الى أن ظهور اسم احدهم في وثيقة أو ملف كـ”مخبر” و”متعاون” مع أفرع الأمن غير كافٍ وحده لتوجيه الاتهام، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لجهات التحقيق لتباشر تحقيقاتها الموسعة في ما قام به أصحاب هذه الأسماء. ويضيف :”ينبغي على جهات التحقيق أن تصل إلى معلومات أكثر تفصيلاً، مثل التقارير التي كان يقدمها المخبر، والجهة التي قدمت لها هذه التقارير، وتواريخها، وأسماء الأشخاص الواردة فيها، بمن فيهم الضحايا أو الجناة المحتملون، وما هي طبيعة المعلومات الوادرة في كل تقرير على حدة، وما الذي أسفر عنه هذا التقرير. هذه معلومات أساسية لتحديد أنماط مسؤولية الأشخاص موضع التحقيق”.
يرى كرد علي أن هذه التحقيقات في كل قضية على حدة ليست جوهرية فقط لإثبات مسؤولية الجناة ومحاسبتهم، بل أيضاً لكشف الحقائق. ويستطرد قائلاً :”التحقيقات الموسعة في نشاط المخبرين والتقارير التي قدموها قد توفر معلومات عن مصائر بعض المغيبين قسراً في حال ذكر أحدهم في تقرير ما، وقد ترشد إلى جرائم أخرى ذات صلة، وتساهم في كشف سلاسل القيادة في المنظمومة ككل. وبالتالي، فالهدف هو ليس فقط عقاب المخبر، ولكن أيضاً المعلومات التي ستكشفها منظومة المخبرين والتحقيق فيها، بما يساعد على فهم منظومة القمع كاملة من الداخل وآلية اتخاذ القرار فيها”.
يضيف كرد علي أن قانون العقوبات السوريّ يعاقب في المادة 393 كل من قدم شكوى أو إخباراً ينسب فيه جريمة معينة إلى شخص ما، وهو يعلم ببراءته منها، يشرح هنا قائلاً :”إثبات هذه الجريمة يتطلب إثبات قيام المخبر بتقديم تقرير محدد إلى الجهات المختصة يفتري فيه على شخص آخر بارتكاب جرم هو بريء منه، كما ينبغي إثبات علم الفاعل وإرادته المنصرفة للقيام بذلك. وفي حال أسفر التقرير عن جرائم أخرى لاحقة (كالتعذيب أو القتل)، وثبت توقع المخبر لهذه الجرائم وقبوله باحتمالية حدوثها بناء على تقريره، فهذا سيفتح الباب أمام التحقيق بهذه الجرائم اللاحقة ونمط مسؤولية المخبر عن كل منها”.
يختم كرد علي : “لا يصحّ أن تأخذ الأسماء على أنهم جناة مدانون مباشرة فقط بسبب ورود اسمهم في وثيقة ما. يجب التحقيق في كل قضية على حدة، ويجب إثبات العلاقة بين الفاعل، والفعل الجرمي، وضحايا هذا الفعل ونتائجه. عند ذلك فقط يمكن إثبات مسؤولية الأشخاص الجنائية”.
توجهنا بالأسئلة إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، وسألناهم عن أسلوب إدانة المخبرين، فأجابنا المحامي رديف مصطفى، مدير إدارة المساءلة والمحاسبة قائلاً: “التعاون أو التواصل مع أحد الأجهزة الأمنية، بحد ذاته، لا يشكل حكماً بالإدانة، وإنما تبدأ المسؤولية الجنائية عندما تتوافر أدلة تثبت أن أفعال الشخص أو مساهمته ارتبطت بجريمة أو انتهاك يدخل في نطاق التجريم، وأن هناك علاقة سببية أو مساهمة جنائية يمكن إثباتها وفق القانون”.
ويضيف :”في هذا النوع من الملفات، لا نتعامل مع وصف اجتماعي مثل “مخبر” باعتباره تهمة قانونية مستقلة، وإنما ننظر إلى الفعل المحدد الذي قام به الشخص، وطبيعته، ونتائجه، ومدى علمه به، ودوره فيه”.
يقول مصطفى رديف أيضاً:”إذا كان الادعاء أن تقريراً معيناً أدى إلى إجراء محدد بحق شخص، فيجب البحث في محتوى التقرير، وهوية كاتبه، وتاريخ إعداده، والجهة التي تلقته، والإجراءات التي أعقبته، وما إذا كانت هناك أدلة تثبت أن التقرير كان سبباً أو جزءاً من سلسلة أدت إلى الاعتقال أو التعذيب أو الاختفاء أو القتل، وهنا تظهر أهمية إثبات العلاقة بين الفعل والنتيجة، وعدم الانتقال من مجرد التزامن الزمني أو وجود الاسم في الوثيقة إلى استنتاج المسؤولية الجنائية”.
أنجز هذا التحليل بالتعاون مع “سراج-الوحدة السورية للصحافة الاستقصائيّة”










