ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سجون ليبيا… بؤر تعذيب خطيرة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يخشى الليبيون الذين يتعرّضون للتعذيب، الحديث عمّا جرى معهم داخل السجون، أو رفع قضايا ضدّ جلّاديهم خوفاً من العودة إلى السجن، طالما أن الاعتقالات تجري عشوائياً، وتلفيق التهم أمر هين بالنسبة إلى سلطات الطرفين المتصارعين في البلاد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تحوّلت ليبيا بشرقها وغربها في السنوات الأخيرة، إلى مسرح مفتوح للإخفاء القسري والاعتقالات العشوائية، التي تطال المواطنين والأجانب، تنفّذها ميليشيات تتحكّم بالبلاد، وتديرها دون أدنى التزام بالقوانين والأعراف المحلّية والدولية. 

وفي ظلّ حالة الانقسام السياسي المستمرّة حتى اليوم، والتوتّرات الأمنية، يواجه المعتقلون مصائر مجهولة داخل سجون يجري التكتّم عمّا يحدث فيها من انتهاكات، رغم تأكيد عدد من المنظّمات حقوقية أن هناك أساليب تعذيب وحشية تمارس ضدّ المساجين، وتؤدّي حتى إلى الموت، دون أن يخضع الجلّادون لأي محاسبة أو عقاب يذكر، بل إن الناجين يخشون الحديث علناً عن تجاربهم المريرة أو مقاضاة جلّاديهم.

في مطلع أيّار/ مايو الماضي، نشر الصحافي البريطاني إيان بلهام تيرنر تسجيلاً مصوّراً صادماً، يُظهر النائب الليبي إبراهيم الدرسي محتجزاً في زنزانة بملابس داخلية، مكبّلاً بسلاسل حديدية ثقيلة ذات قفل كبير على مستوى عنقه، وتبدو عليه آثار تعذيب واضحة، وهو يناشد صدّام حفتر؛ نجل القائد العسكري خليفة حفتر، إطلاق سراحه، متعهّداً بأن يكون داعماً دائماً له. 

وسرعان ما تمّ تداول الفيديو على نطاق واسع، فأثار جدلاً كبيراً ومطالبات واسعة، بكشف مصير النائب الذي اختفى في 16 أيّار/ مايو 2024، بعد أن حضر استعراضاً عسكرياً نظّمته القوّات المسلّحة العربية الليبية الخاضعة لسلطة خليفة حفتر في مدينة بنغازي، وظلّ مصيره مجهولاً. وذهبت مصادر عدّة حينها لاتّهام حفتر باختطافه على خلفية مواقفه السياسية، وانتقاده تغلغل عائلة الأخير في مشاريع الإعمار ومفاصل الدولة شرق البلاد.

ظهور الدرسي في الفيديو في مشهد مروّع، يؤكّد أن فنون التعذيب في السجون الليبية تفوق كلّ المستويات. فالسلاسل الثقيلة المحيطة برقبته، التي كان واضحاً أن الغاية منها إذلاله وترهيبه، كانت كفيلة بكشف شكل الممارسات في سجون حفتر ومدى وحشيتها، حتى وإن كانت الضحيّة نائباً في البرلمان، وطالما أن الإفلات من العقاب أمر مضمون فلا خوف من أية ملاحقات قضائية داخلية أو خارجية.  

قبل ذلك، وتحديداً في 14 كانون الثاني/ يناير الماضي، أظهرت تسريبات لمقاطع فيديو، قيل إنها من داخل سجن قرنادة العسكري الواقع شرق ليبيا، عمليّات تعذيب واعتداءات وحشية ضدّ المعتقلين. حيث ظهروا وهم يتلقّون الضرب والجلد باستخدام أنابيب بلاستيكية وعصي، على أيدي أشخاص بعضهم يرتدي الزيّ العسكري، كما تمّ إجبارهم على البقاء عراة ومكبّلين وفي وضعيّات صعبة لمدّة طويلة.

سلطة الخوف

رغم التنديد الشعبي والمنظّماتي والمطالبات بمحاكمة ممارسي هذه الانتهاكات، لم تتّخذ خطوات رسمية في هذا الشأن، باستثناء تنديدات من حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد دبيبة غرب البلاد. وهي خطوة بلا قيمة، لأنها مجرّد تصريحات تأتي في سياق معركة سياسية، وتسجيل نقاط بين الجانبين. فالأخير لا تخلو السجون في مناطق حكمه (غرب ليبيا) من ممارسات مماثلة. 

ويخشى الليبيون الذين يتعرّضون للتعذيب، الحديث عمّا جرى معهم داخل السجون، أو رفع قضايا ضدّ جلّاديهم خوفاً من العودة إلى السجن، طالما أن الاعتقالات تجري عشوائياً، وتلفيق التهم أمر هين بالنسبة إلى سلطات الطرفين. ولهذا كان صعباً الوصول مباشرة إلى بعض الناجين من سجون الشرق والغرب الليبيين، وإقناعهم بالحديث عن تجاربهم، فكان اللجوء إلى المنظّمات الليبية التي تتولّى توثيق هذه الانتهاكات، وقد قبلت منظّمة “رصد الجرائم” في ليبيا مشاركتنا بعض الشهادات، مع التنصيص على عدم ذكر بعض المعطيات التي قد تكشف هوّية الضحايا، وتتسبّب في تهديد حيواتهم. 

خمس سنوات من التعذيب في سجون حفتر

لم يكن سمير (اسم مستعار لسلامة الضحيّة) يعتقد أن تعليقاً فايسبوكياً انتقد فيه ممارسات إحدى الجماعات المسلّحة في بنغازي، سيعرّضه للإخفاء القسري والتعذيب لأكثر من خمس سنوات (2019 – 2024) قضاها في سجن الكويفية العسكري في بنغازي شرق ليبيا. 

يقول سمير: “تمّ اعتقالي واتّهموني بدعم الإرهاب، ومحاولة تأجيج الرأي العامّ ضدّ قائد القوّات المسلّحة خليفة حفتر. وخلال التحقيق تعرّضت للصعق بالكهرباء بواسطة عصا صعق يدوية تعمل بالشحن، بين الأفخاذ وعلى الخصيتين وعلى الصدر والظهر والرأس فوق الجبهة تحديداً، كلّ صعقة كانت تستمرّ لثانية أو ثلاث ثوانٍ تقريباً. وتكرّرت الصعقات 10 أو 15 مرّة في جلسة التحقيق الأولى. كما تعرّضت للضرب بعصا بلاستيكية على ظهري ما بين 20 إلى 30 ضربة قوّية”.

يضيف سمير: “تكرّرت هذه الممارسات على مدى خمس جلسات تحقيق. وفي إحدى جلسات التحقيق بعد انتهاء الاستجواب، قاموا بتعصيب عينيّ واقتادني أحدهم إلى ساحة السجن، وابتعد عني مسافة، ثم أطلق رصاصتين واحدة على يساري والأخرى فوق رأسي”.

خلال جلسات التحقيق، تعرّض سمير للتهديد باعتقال شقيقاته من المنزل، وجلبهن إلى السجن واغتصابهن أمامه. كان المحقّق يتعمّد ذكر أسماء شقيقاته في التحقيق، ويقول له: “إحكي أو سنحضر أختك فلانة إلى هنا”، ويتمّ تكرار التهديدات في كلّ جلسة بالطريقة والكيفية نفسيهما.

أمضى سمير خمس سنوات ونصف السنة في السجن دون محاكمة، ثم أُطلق سراحه بعد وساطات اجتماعية وضغوطات من قبيلته، ليغادر مباشرة البلاد، ويخضع حتى الآن للعلاج. فسنوات التعذيب والتنكيل داخل السجن خلّفت 19 إصابة في جسده، منها خمس إصابات على مستوى الرأس، وعشر إصابات على مستوى الصدر والظهر واليدين، منها خمسة كسور في الأضلع وأصابع اليد، وأربع إصابات في الرجلين، كما بات يعاني ضعفاً في النظر، وصعوبات في المشي، إلى جانب الآثار النفسية العميقة. 

وكانت الإصابات كلّها ناجمة عن الضرب بأدوات حادّة، مثل المواسير الحديدية، وكابلات الكهرباء النحاسية، ومواسير المياه البلاستيكية، والتعليق في الهواء مكبلاً بالأصفاد لمدّة طويلة، والكدمات الناتجة عن الصعق بالكهرباء والضرب بالأيدي.

سنتان من التعذيب في سجون الغرب

أما في غرب ليبيا فتحدّث عائد (اسم مستعار لسلامة الضحيّة) عن رحلته المريرة داخل سجن جهاز الردع، الواقع داخل مطار معيتيقة في العاصمة طرابلس، ويشرف عليه جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظّمة والإرهاب التابع للمجلس الرئاسي الليبي.

اختطف عائد ذات يوم من سنة 2023، من قِبل مسلّحين يستقلّون سيارات تحمل شعار جهاز الردع، ويرتدون ملابس عسكرية عليها الشعار ذاته، وأُخذ إلى مقرّ الجهاز. وانطلق التحقيق معه بتهمة دعم قوّات حفتر شرق ليبيا، في حين أن السبب الحقيقي للاعتقال حسب عائد، كان خلافاً شخصياً مع أحد المقرّبين من جهاز الردع، والأخير استعمل نفوذه للانتقام منه كما علم لاحقاً.

يروي عائد “خلال فترة احتجازي تمّ التحقيق معي لمرّة واحدة لأقلّ من نصف ساعة فقط، بعدها تمّ حبسي لشهر في زنزانة انفرادية صغيرة جداً، فيها مرحاض، ودون تهوية أو إضاءة، وكانت هذه بداية رحلة التعذيب التي واجهتها. ثم نُقلت بعدها إلى زنزانة ضيّقة بنوافذ صغيرة جدّاً، مشتركة مع مساجين آخرين، مساحتها 4 /5 أمتار. وكانت مكتظّة تضمّ ما بين 35 و40 رجلاً، لم نكن نستطيع الجلوس أو النوم جميعنا في وقت واحد بسبب ضيّق مساحة الزنزانة، ولهذا كنا نقتسم النوم إلى مجموعات، تنام مجموعة وتقف الأخرى، وكلّ هذا مع نظافة شبه منعدمة، وملابس غير كافية، تجعل المعتقلين يضطرّون لتبادل الملابس في ما بينهم، وإن كنّا نبقى أغلب الوقت بالملابس الداخلية من شدّة الحرارة”.

ويضيف عائد “في اليوم الأوّل لوصولي تعرّضت للضرب المبرّح من قِبل حرّاس السجن، بواسطة مواسير بلاستيكية على مستوى الرأس والظهر والبطن والرجلين واليدين، مما أدّى إلى كسر ثلاثة من أصابع يدي، كما قاموا بجلدي على قدميّ أكثر من 50 جلدة، وتعرّضت للإهانة والسبّ والشتم والتهديد بالقتل، وتكرّر هذا التعذيب أكثر من 15 مرّة أثناء فترة احتجازي، وغالباً ما كان التعذيب من دون سبب من قِبل الحرّاس، إذ يتمّ في كلّ مرّة إخراج أحد المعتقلين ليعذَّب”.

ولم تتوقّف أساليب التعذيب عند هذا الحدّ، إذ كان جهاز الردع يتعمّد إخراج عائد وعدد من المعتقلين يومياً عند الخامسة صباحاً إلى ساحة كبيرة أمام السجن، ويتمّ تسليم كلّ واحد مكنسة، ويُجبرون على تنظيف ساحة كبيرة من الغبار والأتربة من دون سبب، حتى غروب الشمس. علماً أنهم كانوا لا يسمحون لهم بالنوم قبل الساعة 11 ليلاً، ويوقظونهم عند الرابعة فجراً، كما ورد في شهادته.

ومُنع عائد عمداً من الإحالة على النيابة العامّة، وكانت المرّة الأولى التي تمّت فيها إحالته بعد مرور 15 شهراً من الاعتقال التعسفي، ووُجّهت له تهم مفبركة، وتمّ تزوير محاضر التحقيق، خاصّة بعد عرضه على وكيل نيابة موالٍ لجهاز الردع، تعمّد تمديد مدّة حبسه كلّ مرّة 30 يوماً، لمدّة 10 أشهر. وبعد سنتين من التنكيل والظلم (2023 – 2025) أُفرج عنه شرط الحضور كلّ أسبوع للتوقيع، حتى موعد إحالة القضية إلى المحكمة، ليقوم بالفرار خارج طرابلس خوفاً من الاعتقال مجدداً، أو صدور حكم جائر بحقّه.

غادر عائد بإصابة في الرأس بآلة حادّة، نتج عنها جرح عميق حجمه نحو 9 سنتيمترات، ولم يتمّ تقطيبه، مما تسبّب له في ضعف النظر، وكسر في الساق اليسرى بسبب التعذيب والضرب بماسورة مياه حديدية، وبقي نحو خمسة أشهر لا يستطيع المشي في السجن ودون علاج، إلى جانب كسور في ثلاثة أضلع في القفص الصدري، بسبب لكمات تلقّاها من أحد أفراد جهاز الردع، وكسور في الأسنان الأمامية السفلية نتيجة ضربة بآلة حادّة على الوجه، هذا فضلاً عن فقدان الوزن بشكل كبير، والإصابة بفقر الدم بسبب قلّة الأكل مقابل الأشغال الشاقّة اليومية.

تعذيب ممنهج

يُجمع كلّ من سمير وعائد على اكتظاظ السجون الليبية، وتفشّي الأمراض داخلها سواء الجلدية أو الباطنية، كالمرارة أو الوباء الكبدي أو الأورام، وضعف النظر، والجرب والحكّة بسبب غياب العلاج، عدا بعض المسكّنات أو الكشوفات البسيطة، حتى إن كانت الحالات تتطلّب الدخول إلى المستشفى، إلا في حالات خاصّة جدّاً. 

وأكّد عائد أن جهاز الردع لا يوفّر الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة، ويطالبون عائلاتهم بتوفيرها مع اشتراط شرائها من صيدلية بعيدة تحدّدها إدارة السجن، وأغلى خمس مرّات من سعرها الأصلي.

يُذكر أن السجون في غرب ليبيا تخضع لسيطرة الجماعات المسلّحة المحسوبة شكلياً على وزارتي الداخلية أو الدفاع، في حين أن هذه الميليشيات تسيّرها بشكل مستقلّ ووفق آلياتها الخاصّة، على غرار قوّات الردع وجهاز دعم الاستقرار وغيرهما، من الأجهزة التي أدرجتها حكومات الغرب داخل الهياكل الرسمية في البلاد. 

أما في شرق البلاد، فالسجون خاضعة في مجملها لسيطرة قوّات الجيش الوطني الليبي، التابعة لخليفة حفتر، ولكنّها لا تختلف عن نظيراتها في الغرب، على مستوى تفشّي التعذيب، وسوء المعاملة التي تنتهي في الكثير من الأحيان بالوفاة، كما أكّدت تقارير الأمم المتّحدة.

وتتفاقم هذه الانتهاكات في كامل البلاد، في ظلّ تشرذم سلطة العدالة في ليبيا، وحالة القصور المزمنة التي تشهدها السلطة القضائية، التي يبدو أنها ليست قادرة أو راغبة أيضاً في إجراء تحقيقات جادّة في الجرائم الخطيرة، التي ترتكب داخل سجون الشرق والغرب، رغم إدراكها ووعيها بحجم الانتهاكات التي تصدر في مجملها عن مجموعة ميليشيات حتى وإن اكتست ثوباً رسمياً. 

علماً أن القانون الليبي يجرّم التعذيب، إذ يعاقب القانون رقم 10 لسنة 2013، المتعلّق بتجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز بـ”السجن مدّة لا تقلّ عن خمس سنوات، كلّ من قام بنفسه أو أمر غيره بإلحاق معاناة بدنية، أو عقلية، بشخص معتقل تحت سيطرته لإجباره على الاعتراف بما ارتكبه، أو بما لم يرتكبه، أو بسبب التمييز أياً كان نوعه، أو بسبب الانتقام أياً كان الدافع. ويعاقب بالعقوبة ذاتها كلّ من سكت عن التعذيب رغم قدرته على إيقافه. وتكون العقوبة السجن مدّة لا تقلّ عن ثماني سنوات إذا نتج عنه إيذاء جسيم، كما تكون العقوبة السجن مدّة لا تقلّ عن عشر سنوات إذا نتج عن الفعل إيذاء خطير، وفي حالة وفاة المجني عليه بسبب التعذيب تكون العقوبة السجن المؤبّد”.

كما أدّى انقسام البلاد بين حكومتين متنافستين، واحدة في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى مكلّفة من مجلس النواب في المنطقة الشرقية برئاسة أسامة حمّاد، إلى خلق أرضيّة مناسبة لهذا النوع من الانتهاكات وغيره. فهذا الوضع تسبّب في إضعاف مؤسّسات الدولة وغياب الرقابة على الأجهزة الأمنية، خاصّة مع النفوذ الواسع للميليشيات التي أدخلتها السلطات كلا الجهتين ضمن هياكل الدولة، وقدّمت لها تمويلاً كبيراً بدل مقاضاتها على جرائمها.

وشجّع هذا الوضع هذه الجماعات على ارتكاب المزيد من الانتهاكات بحقّ المواطنين والمهاجرين، دون خوف من العقاب أو المحاسبة، وباتت مراكز الاحتجاز المحسوبة على السلطات الرسمية، أو تلك التي تديرها المجموعات المسلّحة بؤراً خطيرة لكلّ أنواع التعذيب والانتهاكات، خاصّة في السنوات الأخيرة، دون أن تتمّ ملاحقة المرتكبين قضائياً.

ولا توجد إحصائيات رسمية عن معدّلات التعذيب داخل السجون الليبية، حتى لدى المنظّمات، نظراً لضلوع السلطات شرق البلاد وغربها بشكل مباشر في هذه الممارسات، وإصرارها على التكتّم، وملاحقة من يحاولون فضح ما يجري داخل السجون، وهو عامل يُرهب الليبيين ويُجبرهم على عدم الخوض في هذا الملفّ. 

ويؤكّد النشطاء الليبيون والمنظّمات أن السجون الليبية كلّها تستخدم التعذيب بأساليب مختلفة، خاصّة عند مرحلة التحقيق مع المحتجزين وخلال فترة سجنهم، بل إن المئات سواء من الليبيين أو الأجانب تتمّ تصفيتهم بعد عمليّات التعذيب، ثم يدفنون في مقابر مجهولة، أو يرمون في أماكن غير معلومة، كما تؤكّد التقارير الأممية. 

وهذا ما يؤكّده أيضاً أحمد مصطفى رئيس قسم “الرصد والتوثيق” في منظّمة “رصد الجرائم” في ليبيا، الذي قال لـ”درج”: “بناء على عملنا في الرصد والتوثيق، وبالاستناد إلى المعلومات التي جمعناها خلال السنوات الماضية، يمكن القول إن هناك أنماطاً موثّقة لجريمة التعذيب، تمارس بشكل ممنهج في عدد من السجون الليبية، من بينها سجن قرنادة في الشرق، وسجن معيتيقة في الغرب. والأنماط التي وثّقناها تكاد تكون متطابقة في سجون الشرق والغرب، سواء من حيث الأساليب أو الغايات، كما أن جميع الأطراف المسيطرة على مراكز الاحتجاز في ليبيا تتحمّل مسؤولية مباشرة عن ارتكاب جرائم التعذيب”.

داس بيستي أم نوردن - NDR NDR | 05.12.2025

“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.
05.07.2025
زمن القراءة: 9 minutes

يخشى الليبيون الذين يتعرّضون للتعذيب، الحديث عمّا جرى معهم داخل السجون، أو رفع قضايا ضدّ جلّاديهم خوفاً من العودة إلى السجن، طالما أن الاعتقالات تجري عشوائياً، وتلفيق التهم أمر هين بالنسبة إلى سلطات الطرفين المتصارعين في البلاد.

تحوّلت ليبيا بشرقها وغربها في السنوات الأخيرة، إلى مسرح مفتوح للإخفاء القسري والاعتقالات العشوائية، التي تطال المواطنين والأجانب، تنفّذها ميليشيات تتحكّم بالبلاد، وتديرها دون أدنى التزام بالقوانين والأعراف المحلّية والدولية. 

وفي ظلّ حالة الانقسام السياسي المستمرّة حتى اليوم، والتوتّرات الأمنية، يواجه المعتقلون مصائر مجهولة داخل سجون يجري التكتّم عمّا يحدث فيها من انتهاكات، رغم تأكيد عدد من المنظّمات حقوقية أن هناك أساليب تعذيب وحشية تمارس ضدّ المساجين، وتؤدّي حتى إلى الموت، دون أن يخضع الجلّادون لأي محاسبة أو عقاب يذكر، بل إن الناجين يخشون الحديث علناً عن تجاربهم المريرة أو مقاضاة جلّاديهم.

في مطلع أيّار/ مايو الماضي، نشر الصحافي البريطاني إيان بلهام تيرنر تسجيلاً مصوّراً صادماً، يُظهر النائب الليبي إبراهيم الدرسي محتجزاً في زنزانة بملابس داخلية، مكبّلاً بسلاسل حديدية ثقيلة ذات قفل كبير على مستوى عنقه، وتبدو عليه آثار تعذيب واضحة، وهو يناشد صدّام حفتر؛ نجل القائد العسكري خليفة حفتر، إطلاق سراحه، متعهّداً بأن يكون داعماً دائماً له. 

وسرعان ما تمّ تداول الفيديو على نطاق واسع، فأثار جدلاً كبيراً ومطالبات واسعة، بكشف مصير النائب الذي اختفى في 16 أيّار/ مايو 2024، بعد أن حضر استعراضاً عسكرياً نظّمته القوّات المسلّحة العربية الليبية الخاضعة لسلطة خليفة حفتر في مدينة بنغازي، وظلّ مصيره مجهولاً. وذهبت مصادر عدّة حينها لاتّهام حفتر باختطافه على خلفية مواقفه السياسية، وانتقاده تغلغل عائلة الأخير في مشاريع الإعمار ومفاصل الدولة شرق البلاد.

ظهور الدرسي في الفيديو في مشهد مروّع، يؤكّد أن فنون التعذيب في السجون الليبية تفوق كلّ المستويات. فالسلاسل الثقيلة المحيطة برقبته، التي كان واضحاً أن الغاية منها إذلاله وترهيبه، كانت كفيلة بكشف شكل الممارسات في سجون حفتر ومدى وحشيتها، حتى وإن كانت الضحيّة نائباً في البرلمان، وطالما أن الإفلات من العقاب أمر مضمون فلا خوف من أية ملاحقات قضائية داخلية أو خارجية.  

قبل ذلك، وتحديداً في 14 كانون الثاني/ يناير الماضي، أظهرت تسريبات لمقاطع فيديو، قيل إنها من داخل سجن قرنادة العسكري الواقع شرق ليبيا، عمليّات تعذيب واعتداءات وحشية ضدّ المعتقلين. حيث ظهروا وهم يتلقّون الضرب والجلد باستخدام أنابيب بلاستيكية وعصي، على أيدي أشخاص بعضهم يرتدي الزيّ العسكري، كما تمّ إجبارهم على البقاء عراة ومكبّلين وفي وضعيّات صعبة لمدّة طويلة.

سلطة الخوف

رغم التنديد الشعبي والمنظّماتي والمطالبات بمحاكمة ممارسي هذه الانتهاكات، لم تتّخذ خطوات رسمية في هذا الشأن، باستثناء تنديدات من حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد دبيبة غرب البلاد. وهي خطوة بلا قيمة، لأنها مجرّد تصريحات تأتي في سياق معركة سياسية، وتسجيل نقاط بين الجانبين. فالأخير لا تخلو السجون في مناطق حكمه (غرب ليبيا) من ممارسات مماثلة. 

ويخشى الليبيون الذين يتعرّضون للتعذيب، الحديث عمّا جرى معهم داخل السجون، أو رفع قضايا ضدّ جلّاديهم خوفاً من العودة إلى السجن، طالما أن الاعتقالات تجري عشوائياً، وتلفيق التهم أمر هين بالنسبة إلى سلطات الطرفين. ولهذا كان صعباً الوصول مباشرة إلى بعض الناجين من سجون الشرق والغرب الليبيين، وإقناعهم بالحديث عن تجاربهم، فكان اللجوء إلى المنظّمات الليبية التي تتولّى توثيق هذه الانتهاكات، وقد قبلت منظّمة “رصد الجرائم” في ليبيا مشاركتنا بعض الشهادات، مع التنصيص على عدم ذكر بعض المعطيات التي قد تكشف هوّية الضحايا، وتتسبّب في تهديد حيواتهم. 

خمس سنوات من التعذيب في سجون حفتر

لم يكن سمير (اسم مستعار لسلامة الضحيّة) يعتقد أن تعليقاً فايسبوكياً انتقد فيه ممارسات إحدى الجماعات المسلّحة في بنغازي، سيعرّضه للإخفاء القسري والتعذيب لأكثر من خمس سنوات (2019 – 2024) قضاها في سجن الكويفية العسكري في بنغازي شرق ليبيا. 

يقول سمير: “تمّ اعتقالي واتّهموني بدعم الإرهاب، ومحاولة تأجيج الرأي العامّ ضدّ قائد القوّات المسلّحة خليفة حفتر. وخلال التحقيق تعرّضت للصعق بالكهرباء بواسطة عصا صعق يدوية تعمل بالشحن، بين الأفخاذ وعلى الخصيتين وعلى الصدر والظهر والرأس فوق الجبهة تحديداً، كلّ صعقة كانت تستمرّ لثانية أو ثلاث ثوانٍ تقريباً. وتكرّرت الصعقات 10 أو 15 مرّة في جلسة التحقيق الأولى. كما تعرّضت للضرب بعصا بلاستيكية على ظهري ما بين 20 إلى 30 ضربة قوّية”.

يضيف سمير: “تكرّرت هذه الممارسات على مدى خمس جلسات تحقيق. وفي إحدى جلسات التحقيق بعد انتهاء الاستجواب، قاموا بتعصيب عينيّ واقتادني أحدهم إلى ساحة السجن، وابتعد عني مسافة، ثم أطلق رصاصتين واحدة على يساري والأخرى فوق رأسي”.

خلال جلسات التحقيق، تعرّض سمير للتهديد باعتقال شقيقاته من المنزل، وجلبهن إلى السجن واغتصابهن أمامه. كان المحقّق يتعمّد ذكر أسماء شقيقاته في التحقيق، ويقول له: “إحكي أو سنحضر أختك فلانة إلى هنا”، ويتمّ تكرار التهديدات في كلّ جلسة بالطريقة والكيفية نفسيهما.

أمضى سمير خمس سنوات ونصف السنة في السجن دون محاكمة، ثم أُطلق سراحه بعد وساطات اجتماعية وضغوطات من قبيلته، ليغادر مباشرة البلاد، ويخضع حتى الآن للعلاج. فسنوات التعذيب والتنكيل داخل السجن خلّفت 19 إصابة في جسده، منها خمس إصابات على مستوى الرأس، وعشر إصابات على مستوى الصدر والظهر واليدين، منها خمسة كسور في الأضلع وأصابع اليد، وأربع إصابات في الرجلين، كما بات يعاني ضعفاً في النظر، وصعوبات في المشي، إلى جانب الآثار النفسية العميقة. 

وكانت الإصابات كلّها ناجمة عن الضرب بأدوات حادّة، مثل المواسير الحديدية، وكابلات الكهرباء النحاسية، ومواسير المياه البلاستيكية، والتعليق في الهواء مكبلاً بالأصفاد لمدّة طويلة، والكدمات الناتجة عن الصعق بالكهرباء والضرب بالأيدي.

سنتان من التعذيب في سجون الغرب

أما في غرب ليبيا فتحدّث عائد (اسم مستعار لسلامة الضحيّة) عن رحلته المريرة داخل سجن جهاز الردع، الواقع داخل مطار معيتيقة في العاصمة طرابلس، ويشرف عليه جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظّمة والإرهاب التابع للمجلس الرئاسي الليبي.

اختطف عائد ذات يوم من سنة 2023، من قِبل مسلّحين يستقلّون سيارات تحمل شعار جهاز الردع، ويرتدون ملابس عسكرية عليها الشعار ذاته، وأُخذ إلى مقرّ الجهاز. وانطلق التحقيق معه بتهمة دعم قوّات حفتر شرق ليبيا، في حين أن السبب الحقيقي للاعتقال حسب عائد، كان خلافاً شخصياً مع أحد المقرّبين من جهاز الردع، والأخير استعمل نفوذه للانتقام منه كما علم لاحقاً.

يروي عائد “خلال فترة احتجازي تمّ التحقيق معي لمرّة واحدة لأقلّ من نصف ساعة فقط، بعدها تمّ حبسي لشهر في زنزانة انفرادية صغيرة جداً، فيها مرحاض، ودون تهوية أو إضاءة، وكانت هذه بداية رحلة التعذيب التي واجهتها. ثم نُقلت بعدها إلى زنزانة ضيّقة بنوافذ صغيرة جدّاً، مشتركة مع مساجين آخرين، مساحتها 4 /5 أمتار. وكانت مكتظّة تضمّ ما بين 35 و40 رجلاً، لم نكن نستطيع الجلوس أو النوم جميعنا في وقت واحد بسبب ضيّق مساحة الزنزانة، ولهذا كنا نقتسم النوم إلى مجموعات، تنام مجموعة وتقف الأخرى، وكلّ هذا مع نظافة شبه منعدمة، وملابس غير كافية، تجعل المعتقلين يضطرّون لتبادل الملابس في ما بينهم، وإن كنّا نبقى أغلب الوقت بالملابس الداخلية من شدّة الحرارة”.

ويضيف عائد “في اليوم الأوّل لوصولي تعرّضت للضرب المبرّح من قِبل حرّاس السجن، بواسطة مواسير بلاستيكية على مستوى الرأس والظهر والبطن والرجلين واليدين، مما أدّى إلى كسر ثلاثة من أصابع يدي، كما قاموا بجلدي على قدميّ أكثر من 50 جلدة، وتعرّضت للإهانة والسبّ والشتم والتهديد بالقتل، وتكرّر هذا التعذيب أكثر من 15 مرّة أثناء فترة احتجازي، وغالباً ما كان التعذيب من دون سبب من قِبل الحرّاس، إذ يتمّ في كلّ مرّة إخراج أحد المعتقلين ليعذَّب”.

ولم تتوقّف أساليب التعذيب عند هذا الحدّ، إذ كان جهاز الردع يتعمّد إخراج عائد وعدد من المعتقلين يومياً عند الخامسة صباحاً إلى ساحة كبيرة أمام السجن، ويتمّ تسليم كلّ واحد مكنسة، ويُجبرون على تنظيف ساحة كبيرة من الغبار والأتربة من دون سبب، حتى غروب الشمس. علماً أنهم كانوا لا يسمحون لهم بالنوم قبل الساعة 11 ليلاً، ويوقظونهم عند الرابعة فجراً، كما ورد في شهادته.

ومُنع عائد عمداً من الإحالة على النيابة العامّة، وكانت المرّة الأولى التي تمّت فيها إحالته بعد مرور 15 شهراً من الاعتقال التعسفي، ووُجّهت له تهم مفبركة، وتمّ تزوير محاضر التحقيق، خاصّة بعد عرضه على وكيل نيابة موالٍ لجهاز الردع، تعمّد تمديد مدّة حبسه كلّ مرّة 30 يوماً، لمدّة 10 أشهر. وبعد سنتين من التنكيل والظلم (2023 – 2025) أُفرج عنه شرط الحضور كلّ أسبوع للتوقيع، حتى موعد إحالة القضية إلى المحكمة، ليقوم بالفرار خارج طرابلس خوفاً من الاعتقال مجدداً، أو صدور حكم جائر بحقّه.

غادر عائد بإصابة في الرأس بآلة حادّة، نتج عنها جرح عميق حجمه نحو 9 سنتيمترات، ولم يتمّ تقطيبه، مما تسبّب له في ضعف النظر، وكسر في الساق اليسرى بسبب التعذيب والضرب بماسورة مياه حديدية، وبقي نحو خمسة أشهر لا يستطيع المشي في السجن ودون علاج، إلى جانب كسور في ثلاثة أضلع في القفص الصدري، بسبب لكمات تلقّاها من أحد أفراد جهاز الردع، وكسور في الأسنان الأمامية السفلية نتيجة ضربة بآلة حادّة على الوجه، هذا فضلاً عن فقدان الوزن بشكل كبير، والإصابة بفقر الدم بسبب قلّة الأكل مقابل الأشغال الشاقّة اليومية.

تعذيب ممنهج

يُجمع كلّ من سمير وعائد على اكتظاظ السجون الليبية، وتفشّي الأمراض داخلها سواء الجلدية أو الباطنية، كالمرارة أو الوباء الكبدي أو الأورام، وضعف النظر، والجرب والحكّة بسبب غياب العلاج، عدا بعض المسكّنات أو الكشوفات البسيطة، حتى إن كانت الحالات تتطلّب الدخول إلى المستشفى، إلا في حالات خاصّة جدّاً. 

وأكّد عائد أن جهاز الردع لا يوفّر الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة، ويطالبون عائلاتهم بتوفيرها مع اشتراط شرائها من صيدلية بعيدة تحدّدها إدارة السجن، وأغلى خمس مرّات من سعرها الأصلي.

يُذكر أن السجون في غرب ليبيا تخضع لسيطرة الجماعات المسلّحة المحسوبة شكلياً على وزارتي الداخلية أو الدفاع، في حين أن هذه الميليشيات تسيّرها بشكل مستقلّ ووفق آلياتها الخاصّة، على غرار قوّات الردع وجهاز دعم الاستقرار وغيرهما، من الأجهزة التي أدرجتها حكومات الغرب داخل الهياكل الرسمية في البلاد. 

أما في شرق البلاد، فالسجون خاضعة في مجملها لسيطرة قوّات الجيش الوطني الليبي، التابعة لخليفة حفتر، ولكنّها لا تختلف عن نظيراتها في الغرب، على مستوى تفشّي التعذيب، وسوء المعاملة التي تنتهي في الكثير من الأحيان بالوفاة، كما أكّدت تقارير الأمم المتّحدة.

وتتفاقم هذه الانتهاكات في كامل البلاد، في ظلّ تشرذم سلطة العدالة في ليبيا، وحالة القصور المزمنة التي تشهدها السلطة القضائية، التي يبدو أنها ليست قادرة أو راغبة أيضاً في إجراء تحقيقات جادّة في الجرائم الخطيرة، التي ترتكب داخل سجون الشرق والغرب، رغم إدراكها ووعيها بحجم الانتهاكات التي تصدر في مجملها عن مجموعة ميليشيات حتى وإن اكتست ثوباً رسمياً. 

علماً أن القانون الليبي يجرّم التعذيب، إذ يعاقب القانون رقم 10 لسنة 2013، المتعلّق بتجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز بـ”السجن مدّة لا تقلّ عن خمس سنوات، كلّ من قام بنفسه أو أمر غيره بإلحاق معاناة بدنية، أو عقلية، بشخص معتقل تحت سيطرته لإجباره على الاعتراف بما ارتكبه، أو بما لم يرتكبه، أو بسبب التمييز أياً كان نوعه، أو بسبب الانتقام أياً كان الدافع. ويعاقب بالعقوبة ذاتها كلّ من سكت عن التعذيب رغم قدرته على إيقافه. وتكون العقوبة السجن مدّة لا تقلّ عن ثماني سنوات إذا نتج عنه إيذاء جسيم، كما تكون العقوبة السجن مدّة لا تقلّ عن عشر سنوات إذا نتج عن الفعل إيذاء خطير، وفي حالة وفاة المجني عليه بسبب التعذيب تكون العقوبة السجن المؤبّد”.

كما أدّى انقسام البلاد بين حكومتين متنافستين، واحدة في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى مكلّفة من مجلس النواب في المنطقة الشرقية برئاسة أسامة حمّاد، إلى خلق أرضيّة مناسبة لهذا النوع من الانتهاكات وغيره. فهذا الوضع تسبّب في إضعاف مؤسّسات الدولة وغياب الرقابة على الأجهزة الأمنية، خاصّة مع النفوذ الواسع للميليشيات التي أدخلتها السلطات كلا الجهتين ضمن هياكل الدولة، وقدّمت لها تمويلاً كبيراً بدل مقاضاتها على جرائمها.

وشجّع هذا الوضع هذه الجماعات على ارتكاب المزيد من الانتهاكات بحقّ المواطنين والمهاجرين، دون خوف من العقاب أو المحاسبة، وباتت مراكز الاحتجاز المحسوبة على السلطات الرسمية، أو تلك التي تديرها المجموعات المسلّحة بؤراً خطيرة لكلّ أنواع التعذيب والانتهاكات، خاصّة في السنوات الأخيرة، دون أن تتمّ ملاحقة المرتكبين قضائياً.

ولا توجد إحصائيات رسمية عن معدّلات التعذيب داخل السجون الليبية، حتى لدى المنظّمات، نظراً لضلوع السلطات شرق البلاد وغربها بشكل مباشر في هذه الممارسات، وإصرارها على التكتّم، وملاحقة من يحاولون فضح ما يجري داخل السجون، وهو عامل يُرهب الليبيين ويُجبرهم على عدم الخوض في هذا الملفّ. 

ويؤكّد النشطاء الليبيون والمنظّمات أن السجون الليبية كلّها تستخدم التعذيب بأساليب مختلفة، خاصّة عند مرحلة التحقيق مع المحتجزين وخلال فترة سجنهم، بل إن المئات سواء من الليبيين أو الأجانب تتمّ تصفيتهم بعد عمليّات التعذيب، ثم يدفنون في مقابر مجهولة، أو يرمون في أماكن غير معلومة، كما تؤكّد التقارير الأممية. 

وهذا ما يؤكّده أيضاً أحمد مصطفى رئيس قسم “الرصد والتوثيق” في منظّمة “رصد الجرائم” في ليبيا، الذي قال لـ”درج”: “بناء على عملنا في الرصد والتوثيق، وبالاستناد إلى المعلومات التي جمعناها خلال السنوات الماضية، يمكن القول إن هناك أنماطاً موثّقة لجريمة التعذيب، تمارس بشكل ممنهج في عدد من السجون الليبية، من بينها سجن قرنادة في الشرق، وسجن معيتيقة في الغرب. والأنماط التي وثّقناها تكاد تكون متطابقة في سجون الشرق والغرب، سواء من حيث الأساليب أو الغايات، كما أن جميع الأطراف المسيطرة على مراكز الاحتجاز في ليبيا تتحمّل مسؤولية مباشرة عن ارتكاب جرائم التعذيب”.

05.07.2025
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية