تعلو في جنوب لبنان أصوات نقدية لم تكن قبل سنوات تجد المساحة نفسها للتعبير. أصوات تسأل بغضب، عن الفجوة الهائلة بين ما قيل للناس طوال أعوام عن قوة “المقاومة” وقدرتها على الردع والحماية، وبين ما يشاهدونه اليوم من احتلال ودمار وتقدّم إسرائيلي وخسارة مواقع كان الإعلام القريب من حزب الله يقدّمها حتى الأمس بوصفها عصيّة على إسرائيل.
على مدى أكثر من عشرين عاماً امتلأت الشاشات اللبنانية بوجوه تروّج لدعاية حزب الله، وجوه اعتادت الغلوّ والمبالغات ورفع الصوت والإصبع بل وحتى التهديد. لكن هذه الأصوات لم تهبط فجأة على الإعلام، خصوصاً في زمن الوسائل التقليدية، بل كان حزب الله يعِدّها ويمدّها بما تقول، ويفتح أمامها المنابر ويوزّع عليها الأدوار والرسائل التي يرغب في إيصالها، من دون أن يتبناها، حرصاً على صورة أرادها. لكن الحزب ظهر أخيراً بمظهر من يتبرأ من صنيعته بعدما بات يُؤثِر التكتّم عمّا يحصل بينه وبين إسرائيل في جنوب لبنان.
ففي التاسع من أيلول/ سبتمبر، وبعد الجدل الذي أثارته تصريحات شخصيات محسوبة على حزب الله إثر سقوط منشآته في تلة علي الطاهر بيد إسرائيل، أصدرت العلاقات الإعلامية في حزب الله بياناً اعتُبر بمثابة محاولة للحزب للتبرؤ من شخصيات لطالما دعمها ونطقت عنه وتحدثت كأنها العالمة بأسراره وقدراته. إذ كانت تحدثت شخصيات عدة مقربة من حزب الله عن منشآته في تلة علي الطاهر، وعن تفاصيل تتعلق بأهميتها وبالمقاتلين الموجودين فيها، قبل أن تعود وتسخّف من أهميتها بعد سقوطها.
وجاء في البيان: “يدلي العديد من الشخصيات والأصدقاء على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بتصريحات ومعلومات ومعطيات يتصل بعضها بقضايا وأحداث لها صلة بحزب الله أو المقاومة الإسلامية، ويتعاطى الرأي العام عموماً مع تلك التصريحات والمعلومات كما لو أنها صادرة عن مصادر رسمية للحزب أو للمقاومة”. وحذر البيان “من اعتبار تلك المعلومات كأنها رسمية”.
وفي مقال بشأن بيان حزب الله والجدل الذي أحاط به، أشارت صحيفة الأخبار المحسوبة على الحزب، إلى أنه قبل حرب 2024 كان محمد عفيف، مسؤول العلاقات الإعلامية في “حزب الله” والذي اغتيل خلال تلك الحرب، “ينظم لقاءات دورية مع غالبيتهم لوضعهم في أجواء موقف الحزب من التطورات. إلا أن التطورات التي طرأت بعد الحرب، فرضت على الحزب استراتيجية إعلامية جديدة، تقلّص فيها إلى حدّ كبير الحديث عن التطورات، مع وقف كل الحديث عن المقاومة وشؤونها…” وفق الصحيفة. وتؤكد هذه المعلومة على الرابط بين الحزب وهؤلاء الذين اعتادوا الاطلاع منه مباشرة على ما يريد قوله.
كما يعرف في الأجواء الإعلامية الدور البارز الذي أداه المسؤول السابق لوحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، وفيق صفا، في التواصل مع إعلاميين وتسريب المعلومات التي يريد الحزب نشرها، بالتالي دعايته، حتى إلى وسائل إعلام معارضة له.
لكن هل يمكن فعلاً لحزب الله التبرؤ فجأة من الشخصيات التي صنعها بعدما خسر معاركه وصار يعتمد سياسة التكتّم عما يحصل في جنوب لبنان؟ وهل يكفي تنصل الحزب لنسيان كيف اكتسبت تلك الشخصيات صفاتها؟ وهل سيترافق التبرؤ مما تقوله مع مراجعة حقيقية بينما لم نر أي تغير في الخطاب؟ خصوصاً أن ما تقوله هذه الشخصيات لا يختلف مع ما يقوله مسؤولون في الحزب.
محاكاة أسلوب نصرالله
أنشأ حزب الله نمطاً من الدعاية السياسية يقوم على تكرار “محللين” خطابات أمينه العام الراحل حسن نصرالله والتأكيد على صدقها، مع رفض أي انتقاد أو حتى ملاحظة عليها. بل وانتقل أسلوب نصرالله الخطابي، والقائم على التحدث كمن يملك اليقين المطلق، إلى من يقدمهم إعلامه بصورة “المحللين” و”الخبراء”، وبل وحتى إلى شرائح واسعة من بيئة حزب الله. فصار مؤيدوه ومروّجو دعايته يحاولون تقمص أسلوب نصرالله وتقليده. فباتوا يغرقون بالمبالغات ويؤكدون قدرة التنظيم الشيعي على إزالة إسرائيل من الوجود وهزمها بسهولة، بل وهزم أي قوة في العالم. وبات هؤلاء، على نهج نصرالله، يتوجهون إلى “العالم أجمع”، وكأن العالم ينصت إلى موقف محلل من هنا أو حتى مناصر للحزب من هناك وينتظر ما سيقوله، وهو تصرّف يشير إلى حجم الوهم.
على مدى عشرين عاماً وأكثر، كان خطاب نصرالله المرجعية الأساسية للنهج الذي اعتمده محللو ما عُرف بمحور الممانعة. وفي هذا النهج لا مكان للتشكيك، بل امتلاك لليقين المطلق، والحديث بثقة وتأكيد بأن الأحلام والطموحات ستتحقق، مرفقاً بشعور بفائض القوة، وبأن الخطاب الذي يُقدّم على أنه “يقين”، وإن أخطأ، يظل صاحبه فوق المساءلة والمحاسبة، وجزءاً من محور الممانعة وضيفاً دائماً في إعلامه.
تزامنت صناعة وجوه الدعاية السياسية لحزب الله مع فترته الذهبية، وتضمنت توزيع الأدوار ونشر “محللين” يقولون ما يطلبه منهم الحزب من دون أن يتحمل مسؤوليته. وهي لعبة فهمها الجمهور والإعلام والسياسيون، وصار يمكن تحليل ما يريد الحزب إيصاله من خلال متابعة خطابات هؤلاء، بل وصار هؤلاء قناة غير رسمية للحزب. أما الخلط بينهم وبين حزب الله، والذي حذّر منه بيان الحزب، فلم يأتِ من لا شيء، بل لإدراك الجمهور بالنهج الذي قامت عليه شهرة هؤلاء. ومن هنا، ليس بإمكان الحزب أن يرمي على المستمع بالمسؤولية عما فعله.
عقدين من تضخّم الذات
تزامنت هذه الصناعة مع خروج حزب الله بصورة المنتصر من حرب تموز/ يوليو 2006، والتي عززت ثقة جمهور واسع بوعود نصرالله والتسليم بخطاباته. كما تلاها يوم السابع من أيار/ مايو الشهير في العام 2008، والذي أدى إلى فرض سيطرة الحزب الموالي للنظام في إيران على الدولة اللبنانية، ومن ثم لاحقاً دخوله الحرب في سوريا وسعادته بإحباط الثورة على النظام في حينها.
قرابة العقدين من الزمن، كان حزب الله يتضخم فيها وتتضخم الأنا لديه، وكان أمينه العام يزداد اقتناعاً بأنه لا يُقهر، على رغم إدراكه أنه لا يستطيع الظهور، وأنه مقيّد ومضطر للتواري كي لا يستهدف. لكنه ظلّ خطيباً عالي الصوت والإصبع، يتحدث بيقين مطلق عن سهولة هزم إسرائيل واقتراب موعد إزالتها. منه استمدّ محللو المحور ثقتهم وبعض طبائعهم، وحاولوا تقمّص إصبع حسن نصرالله وتهديداته، واقتنعوا بأنهم في صف الأقوى المنتصر دوماً، وخوّنوا من يطرح أي تساؤل حول حقيقة قوة الحزب وقدرة إسرائيل، وحققوا الشهرة والمكاسب من خطاباتهم.
لكن في 27 أيلول/ سبتمبر 2024، قُتل نصرالله في مخبئه في الضاحية الجنوبية لبيروت، وخسر معه حزب الله قدرته على مخاطبة جمهوره، وعجز خلفه نعيم قاسم عن التشبه به. في عشرة أيام، انهارت قيادة حزب الله بسرعة لم يكن أحد يتخيلها، واستنجد التنظيم الشيعي برئيس مجلس النواب نبيه بري ليقود مفاوضات تفضي إلى إنهاء الحرب، وهو ما حصل.
سقوط علي الطاهر يكشف أزمة حزب الله الإعلامية
لكن ما زرعه نصرالله في نفوس ربائبه في الإعلام ظل صامداً، على رغم أن الوقائع نسفت كل ما روّج له دعائيو حزب الله. ومع ذلك، أصروا على أسلوبهم الخطابي الذي استلهموه من نصرالله باعتباره قادراً دوماً على جذب الجماهير. واستمر هؤلاء ببيع الأوهام، وليس آخرها ما روّجوه حول “أسطورة علي الطاهر” قبل سقوط التلة المطلة على النبطية بيد الجيش الإسرائيلي.
هكذا، لم يكشف سقوط موقع عسكري عن ثغرة ميدانية فحسب، بل عرّى بصورة أكثر فجاجة أزمة إعلامية راكمها حزب الله على مدى سنوات، ويحاول اليوم التنصّل من بعض مظاهرها من دون أن يجري مراجعة جدية للخطاب الذي أنتجها، والذي كان حسن نصرالله نفسه أحد أبرز صنّاعه.
فالمشكلة ليست، كما صوّرها بيان الحزب، في من يتحدث رسمياً باسمه ومن لا يفعل. بل هي أزمة خطاب كان يوماً واحداً من أبرز نقاط قوة حزب الله، قبل أن يتحول إلى مصدر إرباك بعدما اصطدمت يقينياته ومبالغاته بوقائع بدّدت، في وقت قياسي، الكثير من الصورة التي أمضى الحزب وقائده الراحل عقوداً في بنائها.
كلفة هذا الخطاب لم تكن إعلامية فقط. فعلى مدى سنوات، لم تُقدَّم المبالغات عن قوة حزب الله وقدرته على الردع بوصفها دعاية سياسية فحسب، بل باعتبارها حقائق يُفترض بالجنوبيين أن يبنوا عليها شعورهم بالأمان وتقديرهم للمخاطر. قيل لهم إن إسرائيل مردوعة، وإن أي اجتياح سيكلّفها ثمناً لا تحتمله، وإن لدى الحزب من القدرات والمفاجآت ما يكفي لحماية الأرض ومنع الاحتلال. وحين كان يُطرح سؤال عن حقيقة ميزان القوى أو عن كلفة فتح الجبهة، كان التشكيك يُقابَل غالباً بالتخوين أو السخرية أو باتهام أصحابه بالانهزامية. اليوم، وبعد الدمار والنزوح وتقدّم القوات الإسرائيلية وسقوط مواقع كانت تُقدَّم باعتبارها حصينة، لا يعود ممكناً التعامل مع هذا الخطاب باعتباره مجرد مبالغات تلفزيونية. فقد ساهم في تشكيل وعي الناس بالمخاطر وفي تخدير أسئلة كان يجب أن تُطرح قبل الحرب لا بعدها. ومن هنا تصبح المساءلة أبعد من سؤال مَن قال ماذا على الشاشة: من يتحمّل مسؤولية طمأنة مجتمع كامل بوعود لم تصمد أمام الاختبار، ثم تركه يدفع كلفة انهيارها من بيته وأرضه وأمنه؟
إقرأوا أيضاً:












