صباح 5 آب/ أغسطس 2025، كتب رئيس “هيئة الترفيه” السعودية تركي آل الشيخ على منصّة “إكس” ما يشبه تعديل وجهة للموسم الفنّي الأضخم عربياً: اعتماد “شبه كامل” على العازفين والموسيقيين السعوديين والخليجيين في حفلات “موسم الرياض” المقبلة، مع حضور مسرحي سعودي وخليجي و”تطعيم” بمسرحيّات سورية وبعض العروض الدولية.
قد يبدو هذا الإعلان مفهوماً ومنطقياً إذا كانت هناك رغبة رسمية واضحة في دعم الطاقات الفنّية المحلّية وإعطائها مساحتها والاستثمار فيها، لكنّ السياق والخلفيّة التي سبقت هذا الإعلان، تأخذنا الى مسارات تفسير أخرى، فكأن إعلان آل الشيخ هو بمثابة قرار “عقابي” وليس انتصاراً لطاقات محلّية.
بدا الإعلان في صياغته الحاسمة، ترسيماً لخرائط مشاركة جديدة تُقصي الحضور المصري الذي لازم المواسم السابقة. خلال ساعات، ردّ المخرج أمير رمسيس الذي قلب السؤال إلى الداخل المصري: “لدينا الخيال والبنية والجمهور، فلماذا لا نصنع مواسمنا نحن بدل الغضب من الآخرين؟”.
بعد يومين، في 10 آب/ أغسطس 2025، زاد آل الشيخ جرعة الإشارة العملية: أعلن اسميْ فنّان سعودي وفنّان سوري سيشاركان في الموسم، وسط موجة انتقاد تمحورت حول إقصاء المصريين من العروض المقبلة. لم يكن ذلك “توضيحاً” بقدر ما كان تثبيتاً لسياسة جديدة؛ سياسة تُعيد تعريف “الموسم” بوصفه منصّة سيادية للعرض المحلّي والخليجي، وتكاد تُغلق الباب أمام ما اعتادته الرياض من بطولات المسرح والنجومية المصرية.
إعلان 2025 لم يهبط في فراغ. قبل أقلّ من عام، تضخّم “اقتصاد الترفيه” السعودي في اتّجاه مزيد من المحلّية المصنوعة: مهرجانات متخصّصة (كوميديا، ألعاب، قتال) تُصنع بميزانيات هائلة وحملات تسويق ذكيّة، وتستدعي نجوماً عالميين عند الحاجة، لكن مع إصرار متنامٍ على أن تكون الواجهة سعودية/ خليجية والقرار سعودياً محضاً. إعلان هذا الصيف يبدو ذروة منطق بدأ يتشكّل منذ 2023–2024، حين أصرّت الهيئة على أن “العرض يستمرّ” ولو في قلب أحداث إقليمية دامية.
هنا بالضبط يستعيد المشهد ذاكرة قريبة. في خريف 2023، كانت غزّة ترزح تحت القصف، فيما انطلق “موسم الرياض” في موعده المقرّر، حاملاً في ليلته الافتتاحية مباراة ملاكمة استعراضية بين البريطاني تايسون فيوري والكاميروني فرنسيس نغانّو، وعروضاً استعراضية ضخمة. ردّ آل الشيخ حينها بلهجة صلبة على المطالبين بالتأجيل، معتبراً أن استخدام اسم الموسم “كشمّاعة” صار “مكشوفاً”، وأن الحياة لم تتوقّف في حروب سابقة.
بهذا المعنى، لا يبدو قرار سعودة “موسم الرياض” فنّياً معزولاً عن سياسة تسليع الفرجة وتطويعها لخدمة صورة الدولة ومركزيتها الثقافية الجديدة. إنّه اختبار نوايا مزدوج: من جهة، رغبة مُعلنة في تمكين مواهب محلّية وخليجية وصناعة مسرح “قُطري”، ومن جهة أخرى، إغلاق محسوب لممرّات التأثير الرمزي التي طالما عبرت منها القوّة الناعمة المصرية.
هكذا يصبح السؤال الذي يجب أن يبدأ منه أي تحليل جادّ لا أن ينتهي إليه:
هل نحن أمام “ّسعودة الفنّ الحقيقي” بما يقتضيه من حرّية وتجريب، أم أمام “ترفيه للبيع” مُصمَّم كي يلمع بلا أن يقول؟ دون أن نغفل الشخصيّة المتقلّبة لتركي آل الشيخ وكيف تُترجَم مزاجيته الخاصّة إلى سياسات عامّة (من آمال ماهر إلى محمّد سلام) وإلى بنية ترفيهية لا تُفلح—مهما علا صخبها—في تغطية سجلّ القمع، و عن كيف تُدار النجومية، ومن يُستدعى ومتى، ومن يُقصى وكيف.
محمّد سلام و”موسم الرياض” تحت القصف
في أواخر تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، كان الممثّل المصري الشابّ محمّد سلام يستعدّ للسفر إلى الرياض للمشاركة في مسرحيّة كوميدية ضمن فعّاليات “موسم الرياض”. الحرب كانت مشتعلة في غزّة؛ عشرات الأخبار والصور تأتي كلّ ساعة تحمل فواجع القصف والحصار، أمام هذه المشاهد، وقف سلام حائراً: كيف يمكنه أن يقف على خشبة المسرح ليروي النكات ويُضحك الجمهور بينما يموت الناس تحت القنابل في فلسطين؟ في مقطع فيديو نشره عبر حساباته، أعلن اعتذاره عن عدم السفر للمشاركة في المسرحيّة قائلًا إنه “لا يقدر على الهزل والرقص بينما إخواننا يموتون”.
موقفه هذا قوبل بإشادة واسعة من الجمهور العربي؛ كثيرون اعتبروه انتصاراً للضمير الإنساني على بريق الترفيه، لكنّه في الوقت نفسه سلّط الضوء على مفارقة صارخة: منطق صناعة الترفيه التجاري يقول إن العرض يجب أن يستمرّ مهما كانت الظروف، وبالفعل، انطلق “موسم الرياض” في موعده المقرّر وبكامل الصخب والبهرجة، وكأن شيئاً لم يكن.
مشهد افتتاح “موسم الرياض” الرابع، ليلة 28 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، ربما يلخّص القصّة كلّها. في الرياض، أضاءت الألعاب النارية السماء، وتصاعدت أنغام الموسيقى الحيّة أمام الآلاف من الجمهور المبتهج. على مسرح ضخم، اعتلت شاكيرا وفرق استعراضية عالمية خشبة الافتتاح، فيما كان تايسون فيوري بطل الملاكمة يخوض نزالاً ترويجياً مثيراً. تزامن ذلك مع يوم شهد قصفاً إسرائيلياً هو الأعنف منذ بدء العدوان على غزّة. انتظر كثيرون أن تتريّث السعودية فتؤجّل الاحتفالات تضامناً، ولو رمزياً، مع المأساة الجارية على بعد مئات الكيلومترات، لكنّ ذلك لم يحدث، لم تتوانَ “هيئة الترفيه” عن المضيّ قدماً في حفلاتها الصاخبة. ردّ رئيسها تركي آل الشيخ على المنتقدين بحدّة، واصفاً مطالبة البعض بتأجيل الاحتفال بأنها “مسخرة”، ومتّهماً منتقدي استمرار الفعّاليات بأنهم “تافهون” يسعون لاستغلال اسم السعودية. ذكّر آل الشيخ العالم بأن الحياة لم تتوقّف أثناء حروب سابقة – لا في حرب 1967 ولا حين حاربت السعودية لسنوات – مؤكّداً أن الدم السعودي أولى بالاعتبار، ومشيراً إلى انشغاله بـ”نهضة بلده” دون الاكتراث لمن “يزايد” عليه.
على شبكات التواصل، انتشر وسم غاضب: غزّة_تُباد_والرياض_تحتفل. انقسم الناس بين من يرى من حقّ السعوديين الاحتفال واستمرار الحياة الطبيعية، وبين من رأى في المشهد “رقصاً على الجراح” وتنكّراً لواجب التضامن العربي. بالنسبة إلى المنتقدين، لم يكن الأمر مجرّد صدفة توقيت سيّئة، بل اختيار متعمَّد للمضي في كرنفال الفرح بغضّ النظر عن السياق. رأى بعضهم في ذلك محاولة لتشتيت الانتباه عن مجازر إسرائيل في غزّة، عبر إغراق المشهد بأضواء الترفيه. سواء اتّفق المرء مع هذا التفسير أم لا، تبقى الحقيقة أن آلة الترفيه السعودية ماضية في طريقها دون توقّف، مهما كانت العواصف من حولها.
لكن ما الذي تعكسه هذه الصورة عن المشهد الثقافي الجديد في المملكة؟ وكيف وصلنا إلى هنا خلال سنوات قليلة؟ للإجابة، يجب العودة قليلاً إلى شخصيّة محورية تقف خلف الستار: تركي آل الشيخ، الرجل الذي لم يكن اسمه قبل خمسة أعوام معروفاً لأحد، وأصبح اليوم عرّاب التحوّل الترفيهي السعودي.
تركي آل الشيخ – المستشار المقرّب من ولي العهد ورئيس “هيئة الترفيه” – هو مهندس هذه المهرجانات والمشاريع الفنّية العملاقة. شخصيّته وسلوكه باتا جزءاً من الحكاية، فهو صاحب قرارات مفاجئة ومتقلّبة في كثير من الأحيان، ويمزج بين الأدوار؛ مرّة راعي نجوم الفنّ والرياضة، ومرّة أخرى خصم لهؤلاء النجوم أنفسهم إن تجاوزوا خطوطه.
في القاهرة مثلاً، ذاع صيت آل الشيخ قبل أن يتولّى الترفيه، عندما حاول استثمار أمواله بسخاء في نادي الأهلي المصري العريق في عام 2018. نُصِّب رئيساً شرفياً للنادي، وقدّم وعوداً وردية بتمويل صفقات مدوّية وبناء استادات، لكن سرعان ما اصطدم طموحه بصخرة كبرياء جماهير الأهلي؛ لم يتقبّل المشجّعون فكرة أن يصبح للنادي رمز شعبي مالك ظلّ من خارج مصر، خاصّة مع ما اعتبروه تدخّلاته في شؤون الفريق، وخلال أشهر قليلة، تحوّلت المودّة إلى عداء، وجد آل الشيخ نفسه مرفوضاً من جمهور الأهلي، فما كان منه إلا أن انقلب ضدّ النادي: انسحب غاضباً من الرئاسة الشرفية، وأطلق حرباً رياضية غير مُعلنة، تمثّلت في إنشاء نادٍ منافس (بيراميدز) وضخّ ملايين الدولارات لاستقطاب أفضل اللاعبين، أملاً بهزيمة الأهلي وكسر أنفه، بل وصل الأمر إلى دعم خصم الأهلي التاريخي (الزمالك) بصفقات كبيرة.
سنوات قليلة وكانت حصيلة هذه المغامرة إخفاقاً مدوّياً، فشل النادي المصطنع في زعزعة عرش الأهلي، واضطرّ آل الشيخ في النهاية إلى إغلاق دفتر مشاريعه الرياضية في مصر، ومغادرة القاهرة بالكامل في عام 2019. خرج خالي الوفاض إلا من لقب ساخر أطلقته عليه جماهير الأهلي والزمالك معاً، الذين اتّفقوا رغم خصومتهم التاريخية على تسميته بـ”شوال الرز”، في إشارة إلى كونه مجرّد كيس أموال متحرّك حاول شراء مجد لا يُشترى.
هذا السلوك المندفع الذي يحكمه الهوى الشخصي ظهر أيضاً في مضمار الفن، فقد ارتبط اسم آل الشيخ بقصّة شديدة الدراماتيكية مع المطربة المصرية آمال ماهر. بدأت الحكاية بعلاقة عمل ومشاعر (تردّدت شائعات عن زواج سريّ بينهما) أغدق خلالها تركي الهدايا والوعود على آمال، فوعدها بتحقيق كلّ أحلامها الفنّية، وأسّس لها شركة إنتاج خاصّة، بل اشترى لعائلتها هدايا فاخرة (ذُكر أنه اشترى صيدلية كبيرة لشقيقها) غير أن هذا الوهج تحوّل إلى كابوس عندما ساءت العلاقة بينهما.
في 2018 حرّرت آمال بلاغاً تتّهم فيه تركي بالاعتداء عليها بالضرب، سرعان ما اختفى البلاغ بضغوط ووساطات، لكن ما لبث أن عاد التوتّر إلى الواجهة: طلب آل الشيخ من الإذاعة المصرية عدم بثّ أغنياتها، ثم حُذفت أغنياتها من التطبيقات الموسيقية. تصاعدت حرب الكرّ والفرّ: آمال ماهر كتبت على “تويتر” تستغيث من “الضغوط والحرب” التي تتعرّض لها هي وأسرتها، وقالت إن استوديو تسجيلها تمّ إغلاقه وتشميع صيدلية شقيقها فجأة… “إلى متى سنظلّ ساكتين؟”، تساءلت في تدوينتها، قبل أن تتراجع وتحذف كلامها زاعمة أن حسابها مخترَق.
اختفت آمال ماهر تماماً عن الأنظار لفترة طويلة بعد ذلك، أعلنت اعتزالها الفنّ نهائياً في 2021 وسط استغراب جمهورها وقلقه، انتشرت شائعات مرعبة عن مصيرها: قِيل إنها مختطفة ومحتجزة قسراً، بل تمّ إطلاق “هاشتاغ” جماهيري بعنوان “#آمال_ماهر_فين؟”، تصدّر الترند المصري مطالباً بكشف مصيرها. تحت الضغط، نشرت حساباتها الرسمية صوراً قديمة لها تطمئن الناس أنها بخير، دون ظهور حيّ، مما زاد الشكوك ولم يخفّفها. لم تظهر آمال على الهواء مباشرة إلا بعد قرابة عامين من العزلة: فجأة استضافها الإعلامي المصري عمرو أديب (المقرّب من تركي) في لقاء تلفزيوني في عام 2022. خرجت المغنّية بابتسامة متوتّرة تنفي كلّ القصص المروّعة. قالت إن علاقتها بـ”المستشار” جيّدة جدّاً، وإنها “بتتمنى تشتغل معاه تاني”، وعبّرت عن “تشرّفها” بالمشاركة في “موسم الرياض” لو أُتيحت لها الفرصة.
بذلك المشهد التلفزيوني بدت آمال وكأنها تقدّم اعتذاراً علنياً ضمنياً لرجل استطاع بممحاة نفوذه أن يمحو نجوميّتها في ليلة وضحاها. لم يدعُها تركي إلى مهرجان Joy Awards الفنّي في الرياض ذاك العام، لكنّ ظهورها نفسه، بتلك الصيغة المهادنة، عُدَّ انتصاراً صغيراً لها، وانتصاراً أكبر لسطوة آل الشيخ. لقد بعث برسالة واضحة: من يخرج عن طوعي في هذا الوسط، سأجعله يدفع الثمن.
حكايات تركي آل الشيخ في مصر – سواء مع كرة القدم أو مع مطربة شابّة – كشفت جانباً من نهج السعودية الجديد في “تصدير الترفيه” وامتداد الأذرع الناعمة. الرجل لم يتحرّك هناك من فراغ؛ كان جزءاً من مشروع استراتيجي سعودي أوسع للاستثمار في القوى الناعمة العربية، من رياضة وإعلام وفنّ، تحت مظلّة النفوذ السعودي. لكن في سياق تنفيذ هذا المشروع، اختلط الشخصي بالسياسي، جاءت تحرّكات آل الشيخ فظّة، سريعة، تفتقر إلى الدبلوماسية الثقافية اللازمة، فخلّفت نفوراً شعبياً حيث حلّ. بدا كأنه يريد شراء حبّ الجمهور بفتات المال، وعندما لم يحصل عليه لجأ إلى العقاب. لم يكن غريباً إذاً أن يفشل في كسب قلوب المصريين رغم كلّ ما أنفقه، بل تحوّل في المخيال الشعبي إلى شخصيّة رمزية لجموح رأس المال النفطي، حين يقتحم ساحات الفنّ والرياضة بلا حساسية ولا احترام لمزاج الشعوب. هذا الفشل الخارجي لم يثنِهِ عن المضي قدماً في مهمّته الكبرى على أرضه: “تغيير وجه السعودية الثقافي”، بأمر من وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان.
منذ صعود محمّد بن سلمان، تبنّت المملكة مشروعاً طموحاً لتحديث الاقتصاد والمجتمع تحت عنوان “رؤية 2030″، أحد أبرز محاور هذه الرؤية كان الترفيه: فتح دور السينما لأوّل مرّة منذ عقود، تنظيم حفلات غنائية صاخبة، استقطاب أحداث رياضية عالمية، وإنشاء مدن ملاهٍ ومهرجانات ضخمة. استخدمت السلطة الترفيه كأداة مزدوجة: وسيلة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، ووسيلة لتحسين الصورة العالمية للمملكة وتلميع سمعتها التي تلطّخت جراء سجلّ حقوق الإنسان والقمع السياسي. في 2018، سُمِح للنساء أخيراً بقيادة السيارات، لكن في الوقت نفسه زُجّ بنساء ناشطات طالبن بالحقّ ذاته في السجن. قُتل الصحافي جمال خاشقجي بوحشيّة في القنصلية السعودية في إسطنبول، فواجهت البلاد أسوأ أزمة سمعة في تاريخها الحديث، عندها ضاعفت جهود العلاقات العامّة – ومن ضمنها دفعات الترفيه – لتقديم وجه جديد مبهج يطغى على أخبار الاعتقالات والاغتيالات.
هكذا وُلدت مواسم السعودية الترفيهية وعلى رأسها “موسم الرياض” في 2019، ككرنفال سنوي يتزايد ضخامة وبريقاً عاماً بعد عام.
مع كلّ موسم جديد، تتفنن “هيئة الترفيه” في الإعلان عن مفاجآت أكبر من سابقاتها. حفلات لفنانين عالميين كانت أقرب إلى الخيال في الرياض المحافظة (من ماريا كاري وإنريكي إغليسياس، إلى نجوم الـK-Pop الكوري ودي جيهات الموسيقى الإلكترونية) بطولات رياضية غير مسبوقة: مباريات كأس السوبر الإيطالي والإسباني أُقيمت في جدّة والرياض، نزالات الملاكمة وبطولات WWE للمصارعة باتت حدثاً سنوياً. حتى أن الرياض ستستضيف نهائي كأس العالم للأندية 2029 وكأس آسيا لكرة القدم 2027، في سابقة تاريخية، رافق ذلك إنفاق مهول لجذب هذه الفعّاليات، ودعاية محلّية تصوّر الأمر كإنجاز وطني يُعيد وضع المملكة على خريطة السياحة والترفيه العالمية.
في الجانب الفنّي، أعلنت “هيئة الترفيه” عن سلسلة مشروعات إنتاج درامية وسينمائية طموحة، تداعب حلم “صناعة هوليوودية سعودية”. على سبيل المثال: فيلم ملحمي عن معركة اليرموك بقيادة مخرج عالمي وبمشاركة نجوم من الشرق والغرب، يُنفَّذ باللغة الإنجليزية لاستهداف جمهور عالمي. الفكرة تدور حول القائد الإسلامي خالد بن الوليد وانتصاره التاريخي على البيزنطيين، في عمل تُضخّ فيه ميزانية هائلة ليُضاهي الإنتاجات التاريخية الكبرى. مشروع آخر يتمّ التحضير له: مسلسل درامي عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، يُسوَّق على أنه سيكون بـ”مواصفات عالمية”، ويتعاون في صناعته خبراء شاركوا في مسلسلات شهيرة مثل “صراع العروش” أو (Game of Thrones) و”فايكينغز”. كذلك يجري العمل على مسلسل بوليسي دولي بعنوان “الإنتربول” بالشراكة مع MBC، ومشروع مسلسل كوميدي جديد من بطولة النجم السعودي المخضرم ناصر القصبي، وُعد بأنه سيكون “حدثاً حديث العالم” عند عرضه. وفي السينما المحلّية، أُعلن عن إنتاج أفلام اجتماعية وأكشن، أحدها عن مكافحة المخدّرات بالتعاون مع وزارة الداخلية يروي قصصاً حقيقية لأبطال أمنيين، وآخر عن بطولات الجيش السعودي بالتعاون مع وزارة الدفاع بكتابة كاتب هوليوودي معروف. المشترك بين هذه المشاريع أنها كلّها نتاج توجيه رسمي عُلوي: الدولة هي التي تبادر بطرح الموضوعات وتضع الميزانيات وتستعين بخبرات عالمية لتصنيع منتج فنّي “كبير” جاهز للتصدير.
هذه المشاريع وإن بدت طموحة ومبشّرة بتأسيس صناعة فنّية سعودية، إلا أنها تثير تساؤلًا جوهرياً: هل يمكن صناعة فنّ حقيقي بهذه الطريقة العُلوية الموجّهة؟ هل يكفي أن نحشد الأموال والخبراء لنقول إن لدينا حركة فنّية وثقافية؟ أم أن ما يجري هو تغليف الترفيه التجاري بغلاف فخم يحمل شعار “صنع في السعودية” دون عمق ثقافي حقيقي؟ يبدو النموذج الحالي أقرب للثاني. الإنتاجات المعلنة ضخمة بحجم ميزانياتها، نعم، لكنّها لا تزال تدور في فلك الآمن والمضمون سياسياً واجتماعياً. معركة تاريخية مجيدة، مسلسل عن خليفة من عصر مضى، كوميديا عائلية، أفلام تُشيد بجهود الدولة في محاربة المخدّرات… إنها موضوعات لا تزعج أحداً في السلطة، فنّ مُعلَّب هدفه الإبهار والمنافسة التجارية، وليس بالضرورة طرح أسئلة أو عكس نبض المجتمع الحقيقي.
على الجانب الآخر، يعرف النقّاد أن الفنّ الحقيقي يحتاج إلى هامش حرّية، وإلى تراكم زمني وتقاليد راسخة، لا يمكن لأية نهضة فنّية أن تتمّ بتعليمات فوقية مباشرة، بل تنمو من هوامش التجريب والجرأة، ومن قدرة الفنّان على أن يصدم وأن يتحدّى السائد. هنا تصطدم طموحات الترفيه السعودي بسقف الواقع السياسي. رغم مظاهر الانفتاح الاجتماعية، لا تزال المملكة تضع خطوطاً حمراء صارمة حول حرّية التعبير. النقد السياسي الجادّ محظور تماماً في الفضاءين الإعلامي والفنّي. الحديث عن الإصلاح السياسي أو انتقاد وليّ الأمر غير وارد، وقضايا الحقوق المدنية والحرّيات محظورة على المسرح والشاشة. حتى الانتقادات الاجتماعية الجريئة التي تكسر التابوهات الدينية تواجه رقابة صارمة – وإن خفّت حدّتها نسبياً عن السابق. ليس سرّاً أن كثيراً من الكتّاب والمفكرين والفنّانين السعوديين الذين حاولوا تجاوز المسموح به انتهى بهم الأمر في السجن أو المنفى خلال السنوات الماضية. السعودية اليوم تسمح بالرقص المختلط في الشوارع، لكنّها هل تسمح بعرض لوحة فنّية تنتقد القمع السياسي؟ هل يمكن أن نرى يوماً مسرحية سعودية تتناول موضوع التطرّف الديني بصراحة، أو فيلماً يناقش تجربة سجين رأي، أو معاناة فئات مهمّشة في المجتمع؟ حتى الآن، الإجابة لا تبدو مبشّرة. لقد انفتح باب الترفيه التجاري على مصراعيه، لكنّ باب الحرّية الفنّية والفكرية ظلّ موارباً بالكاد.
قد يجادل البعض مدافعاً: كلّ نهضة لها ثمنها، ولعلّ ما تفعله السعودية حالياً شبيه بما حدث في أوروبا عصر التنوير، حيث ازدهر “فنّ البلاط” الممجِّد للملوك في البداية، قبل أن يؤسّس ذلك الأرضية لانطلاقة فنّية أكثر استقلالية لاحقاً. ربما تكون هذه مرحلة الفنّ الموجَّه تمهيداً لانطلاق فنّ سعودي حرّ مع نضوج التجربة. النظرية ممكنة، لكنّ التجارب المماثلة في المنطقة لا تمنح الكثير من التفاؤل.
كثير من الدول العربية استثمرت في الإعلام والفنّ عقوداً (من دول الخليج إلى شمال أفريقيا) تحت شعار النهضة الثقافية، لكنّها أبقت قبضتها الحديدية على المحتوى. والنتيجة كانت إنتاجاً فنّياً هائل الكمّ ضعيف الكيف؛ أعمال تخدم البروباغندا الرسمية أو تملأ الفراغ بالتسلية السطحية، بينما الأصوات الإبداعية الحرّة تنزوي في الهامش أو تهاجر إلى الخارج. الفنّ الموجّه قد ينجح في ملء الشاشات والمسارح، لكنّه نادراً ما يترك بصمة حقيقية في الوجدان أو الذاكرة التاريخية للشعوب. الإبداع الحقيقي خرج غالباً من تلك الهوامش المحدودة التي سُمح بها خارج نطاق السيطرة المباشرة. فهل ستكون السعودية استثناءً وتثبت خطأ التجربة التاريخية؟ أم تكرّسها؟
المفارقة أن جرأة الانفتاح السعودي الترفيهي تقابلها محافظة شديدة في المجال الإبداعي والفكري. لقد رأينا في الرياض حفلات لمغنّين عالميين لم يكن أحد يتخيّل قبل سنوات قليلة رؤيتهم في أرض الحرمين، من “مارون 5” إلى “بي تي إس” الكورية، ولكنّنا لم نرَ حتى الآن مسرحيّة سعودية محلّية تتناول مثلاً تبعات عقود من التشدّد الديني على المجتمع، ولم نسمع عن فيلم سعودي يتناول قضيّة حسّاسة كقضيّة المعتقلين السياسيين أو الفساد الإداري. السلطة سمحت للشباب بالرقص في الشوارع، لكنّها لا تزال لا تسمح للمفكّرين والفنّانين بالرقص خارج إيقاعها الخاصّ. المسألة هنا ليست تشاؤماً مجانياً، بل قراءة للواقع الملموس: الترفيه التجاري بكلّ أشكاله مرحّب به إلى أقصى حدّ، أما الفنّ الذي يلامس الحقيقة ويفتح باب النقد والمساءلة، فما زال يواجه الجدار الصلب.
في هذا السياق، يصبح موقف الفنّان محمّد سلام الذي بدأنا به القصّة أكثر مغزى. لقد اختار أن يرفع صوته رافضاً مبدأ “العرض يجب أن يستمرّ تحت أي ظرف”. وضع قيمه الإنسانية فوق المكاسب المادّية والشهرة التي كانت ستتحقّق له من المشاركة في موسم ترفيهي ضخم، وبقدر ما حظي قراره بالاحترام شعبياً، يبقى السؤال: هل تحتمل الرؤية السعودية للترفيه ظهور نماذج مماثلة داخل المملكة نفسها؟ أي فنّان سعودي، أو مقيم في السعودية كان سيتخذ موقفاً مشابهاً حيال قضيّة ذات حساسية سياسية (كالقضيّة الفلسطينية أو غيرها) هل كان سيجد مساحة للتعبير والإعفاء أم كان سيلقى التهميش وربما العقاب؟ التجربة القصيرة الماضية توحي بالجواب.
عندما انتقد بعض السعوديين – من دعاة قبليين وشعراء وحتى أكاديميين – انزلاق الترفيه نحو ما اعتبروه مسخاً للهوّية وخدشاً للقيم، جاءت القبضة الأمنية سريعاً لتسكيتهم. اعتُقل شيخ قبيلة لأن تغريداته طالبت بالترفيه “المحترم الذي لا يمسّ الثوابت”، ودخل السجن داعية معروف فقط لأنه قال في خطبة الجمعة “لسنا ضدّ الترفيه، لكنّنا ضدّ أن يُسلخ المجتمع من هوّيته باسم الترفيه”.
تلك الرسائل بالغة الصراحة: إما أن تسير في الركب وتصفّق، وإما أن تنال نصيبك من البطش. وفي الحالة الفنّية، من السهل جدّاً أن يُخرجك النظام من المشهد تماماً إن خرجت عن النص؛ فمساحات الشهرة والضوء بيد الدولة تتحكّم بها كما تشاء، والمنصّات الإعلامية كلّها تقريباً تدور في فلكها. من يجرؤ على التغريد خارج السرب يُعزَل ويُقصى فوراً، كما حدث مع المطربة نيكي ميناج حين أحرجت المنظّمين في 2019 وأعلنت انسحابها دعماً لحقوق الإنسان، فاختفت من أجندة حفلات السعودية بعدها، وتمّ استبدالها سريعاً بنجوم آخرين أكثر استعداداً “للغناء على أي مسرح”، دون طرح أسئلة محرجة.
على الجانب الآخر من الصورة، علينا الاعتراف بأن السعودية نجحت خلال زمن قياسي في بناء مشهد ترفيهي حديث وضخم. الرياض اليوم غدت وجهة للمهرجانات والحفلات العالمية تتردّد أخبارها في الإعلام الدولي. هذا التحوّل أكسب المملكة نقاطاً في معركة السمعة والصورة: باتت تُذكر كبلد يقيم حفلات لـ”بيتبول” و”ذا ويركند”، وليس فقط بلداً يقيم الحدود بالسيف. هناك شريحة شبابية سعودية واسعة كانت تشعر بالحرمان الثقافي سابقاً، تجد اليوم متنفّساً وفرصة لرؤية نجومها المفضّلين على أرض الوطن بدل السفر إلى دبي أو لندن. اقتصادياً أيضاً، بدأت صناعة الترفيه تُسهم في خلق وظائف وجذب الاستثمارات والسيّاح، بما يتوافق مع رؤية 2030 لتنويع الموارد. كما أن القوّة الناعمة السعودية تلقّت دفعة هائلة: بدلاً من مجرّد استيراد الفعّاليات، أصبحت المملكة منتِجاً ومصدّراً للترفيه، تستضيف الآخرين على أرضها وتصدّر فعاّلياتها إلى الخارج أحياناً (كما حدث عندما نُظمت مباريات ومهرجانات باسم “موسم الرياض” في عواصم غربية مؤخّراً).
يُضاف إلى ذلك شعور قومي مستجدّ بالفخر لدى الكثير من السعوديين؛ فمهما كانت التحفّظات لدى البعض، لا يمكن إنكار أن رؤية بلادهم تنفتح وتنافس عالمياً أمر يثير الاعتزاز لدى قطاع من المجتمع، خاصّة من عاشوا حقبة الانغلاق الطويل، من هذه الزاوية، ما يُبنى حالياً هو صرح اقتصادي/ اجتماعي جديد، عنوانه الانفتاح والفرح والإبهار.
لكن مقابل ما يُبنى، هناك ما يُقصى ويُهمَّش في الظلّ. بداية، تمّ إسكات أو تهميش الأصوات التي لا تتماشى مع الرواية الجديدة كما أسلفنا – سواء كانوا رموزاً دينية محافظة أو مثقّفين ليبراليين منتقدين. سجناء الرأي ما زالوا في زنازينهم رغم الحفلات الموسيقية في الشوارع. حتى بعض النجوم والمشاهير الأجانب الذين عبّروا عن مواقف تتعارض مع أجندة الرياض الجديدة، لم يعد لهم مكان في روزنامة الفعّاليات. شركات الترفيه العالمية تفهم الرسالة جيّداً: إذا أردت العمل في السوق السعودي الواعد، التزم الصمت في السياسة والحقوق.
هناك أيضاً خشية من أن بعض ملامح الهوّية السعودية التقليدية تفقد وهجها وسط هذا الانفتاح السريع. التراث الفنّي المحلّي – من الشعر النبطي والغناء الفلكلوري ورقصات العرضة – حاضر شكلياً في المهرجانات، لكنّه يبدو خافتاً مقارنة بالضجيج العالمي المستورد. أجل، تُقيم “هيئة الترفيه” مسابقات لتلاوة القرآن ورفع الأذان، وتُقيم أسابيع للثقافة والتراث، لكن غالباً في إطار منفصل، أو أقلّ تغطية من حفلات البوب والهيب هوب. الخشية التي يعبّر عنها البعض: أن تصبح الثقافة السعودية نسخة أخرى من الثقافة العالمية الاستهلاكية، وتفقد فرادتها المحلّية.
في زحمة الـDJ والفرق الغربية، هل سيسمع العالم صوت الربابة البدوية أو أغاني السامري النجدية؟ وهل ستبرز الفنون الشعبية المحلّية كرقصة الدحّة مثلاً لجمهور عالمي، أم ستظلّ على الهامش بينما الأضواء مسلّطة على العروض المستوردة؟
الصورة الجديدة للمملكة أشبه بلوحة فسيفساء بديعة الألوان: ألوان حديثة زاهية أُضيفت بقوّة إلى المشهد: حفلات عالمية، أحداث رياضية دولية، صروح ترفيه عملاقة، بالمقابل قطع قديمة من الفسيفساء تمّ دفعها إلى الأطراف. النجاحات واضحة ولا يمكن إنكارها في جانب التنظيم والقدرة على الإبهار السريع، لكنّ السؤال يبقى حول الاستدامة والعمق، الهوية الثقافية لأي أمّة تُبنى عبر عقود من التراكم والتفاعلات الطبيعية، لا عبر قرارات فوقية فقط. السعودية تحاول تسريع عقارب الساعة، وهذا أمر مفهوم تاريخياً في سياق اللحاق بركب الحداثة، غير أن المخاطرة تكمن في بناء صرح مبهج لكن بلا أساس متين من حرّية التعبير والتعدّدية الثقافية. قد يصمد هذا الصرح لبعض الوقت، وقد يستمرّ الجمهور في الاستمتاع بالعروض والكرنفالات عاماً بعد عام – لكن سيأتي يوم ربما يطالب هذا الجمهور نفسه بأكثر من الفرجة: سيطالب بصوت ثقافي حرّ يعبّر عنه.
في الوقت الراهن، يمكن القول إن الفنّ السعودي الرسمي لا يزال ابناً بارّاً لمؤسّسة الترفيه: ملتزماً بأجندتها التجارية وحدودها المرسومة، “سعودياً” في الشكل لكنّه مقيد بأغلال المنطق الاستهلاكي. سيستمرّ هذا الوضع طالما أن بريق المهرجانات يبهج الجمهور ويُسكت المطالب الأكثر عمقاً، إنما إلى متى؟ التاريخ يعلّمنا أن الفنّ روح حرّة لا ترضى بالقيود طويلاً. قد يمرّ الزمن وينضج جيل جديد من الفنّانين السعوديين الذين شربوا من معين الانفتاح الحالي، لكن لديهم طموح أكبر من مجرّد الترفيه من أجل الترفيه. حينها ربما نشهد شرارة حركة فنّية حقيقية تطالب بهامشها الخاصّ وتتحدّى الخطوط الحمراء، من داخل النظام أو من هوامشه. السلطة السعودية قد تجد نفسها أمام خيار صعب: إما أن تحتوي هذه الطاقة الإبداعية وتسمح لها ببعض الحرية، وعندها فقط يمكن أن نقول إن هناك سعودة للفنّ الحقيقي، وإما أن تقمعها كما فعلت مع كلّ صوت مختلف، وعندها سيبقى المشهد رغم كلّ صخبه مجرّد “ترفيه للبيع” خالٍ من الروح.
معجزات الاقتصاد والصورة لا تكتمل إلا بمعجزة موازية في الوعي والثقافة. تلك المعجزة الأخيرة لا تُشترى بالمال ولا تُفرَض بالأوامر. إنها قصّة يُفترض أن يكتبها الفنّانون الحقيقيون، بأدواتهم الحرّة.
وحين يُسمَح لهذه القصّة بأن تُروى، وعندما يتمكّن الفنّ السعودي من الرقص على إيقاعه الخاصّ وليس فقط على الإيقاع الذي تضبطه السلطة – آنذاك فقط يمكن القول إن السعودية بدأت تصنع فنّاً يحمل بصمتها الأصيلة ويستحقّ أن يُصدَّر بفخر إلى العالم.
وإلى أن يحين ذلك اليوم، سيظلّ المشهد السعودي الثقافي لوحة جميلة ولكن ناقصة، تلمع فيها الأضواء لكن ينقصها الضوء الداخلي، وسيبقى السؤال معلّقاً بإلحاح: هل تكتفي الرياض بأن تكون عاصمة للتسلية العابرة، أم أنها تمتلك الشجاعة لتكون حاضنة لنهضة فنّية حقيقية بجذور راسخة وعقول حرّة؟
إقرأوا أيضاً:










