سقطت الدولة المتوحشة (l’ETAT DE BARBARIE) كما وصفها الباحث الفرنسي ميشيل سورا.
انتهى الكابوس الذي حكم سوريا طوال 54 عاماً.
يمكن اختصار ذاكرة طفولتي وشبابي عن أبي بجملتين: معتقل أو هارب، أنا ابنة جيل نشأ وترعرع تحت نير الحكم الواحد، و”الحيطان لها آذان”، الرعب الذي سيطر على عقول غالبية جيلنا، له ما يبرره من ممارسات قمعية رافقت نظام الحكم طوال فترة حكم الأب والابن، والدليل نراه اليوم بأكثر الصور بشاعة ووحشية في السجون المحررة: مقابر جماعية، مناشر للأعضاء البشرية وغيرها من الفظائع التي يعجز العقل البشري عن تخيلها.
تحطمت “مملكة الصمت” حسب قول المناضل السوري رياض الترك، وكذلك مقولة “الأسد أو نحرق البلد”، التي حكمت البلد منذ حماة 1982 حتى بداية الثورة السلمية في 2011، والتي قوبلت بأعنف أدوات البطش، وحولت سوريا الى سجن كبير، صادر القرار السياسي وحياة الناس.
أنا ابنة حماة، وذاكرتي مثقلة بصور عذابات الناس: القتل الجماعي، الاعتقال التعسفي، اغتصاب النساء، وهدم المدينة وحارة الكيلانية، المعلم الأثري العريق، المقابر الجماعية، ومن ثم تهميش المدينة القسري كعقاب جماعي لها. بقيت أحداث ال 82 جرحاً مفتوحاً في ذاكرة أبناء المدينة، عاش الكثير منهم في وهم كاذب، مفاده أن أبناءهم ما زالوا أحياء، برغم عدم تمكّنهم من رؤيتهم طوال عشرات السنوات، واليوم نرى تكرار هذا السيناريو مع أهالي المعتقلين ومعاناتهم في البحث عن أثر لأحبتهم.
هي ولادة جديدة صنعتها دماء الشهداء وآلاف المعتقلين والمعتقلات في السجون الأسدية، والآلاف من السوريين الذين ناضلوا من أجل البقاء داخل الأرض السورية، برغم الخطر والصعوبات المعيشية المرعبة، والآلاف من الضحايا في لجة الأزرق الكبير، ومن تشردوا وتبعثروا في أصقاع الأرض.
هو نصر سوري لم يأتِ على دبابة أميركية، برغم وجود قرار دولي متأخر بإنهاء حكم الأسد، وبالتالي مشاركة دولية باستمرار معاناة الشعب السوري من خلال تجاهل المجتمع الدولي للثورة، وخلط الأوراق بين الحراك السلمي و”داعش”، وما تلاه من مكافحة الإرهاب حسب تسميتهم. إنها فرصة أمامنا وأمام شعوب المنطقة، من أجل إعادة بناء المنظومات الحاكمة، سوريا الجديدة تتسع للجميع، وعلينا أن نبنيها على أساس التعددية السياسية وليس الطائفية، نحن أبناء الوطن السوري وبناته، بكل تنوعه الإثني والجغرافي والثقافي، سوف نساهم في بناء بلدنا، انتهى حكم اللون الواحد، وعلينا تقع مسؤولية بناء التعددية العادلة، ترسيخ قيم الديمقراطية، وعدم السماح باستبدال نظام القمع، بأي نظام إقصائي آخر. يستحق هذا الشعب حكماً ديمقراطياً يحافظ على وحدة هذه الأرض الجميلة.
المسار طويل وصعب، ولا يمكننا الحكم عليه الآن، لكن العقبة الأولى تلاشت، وهي نظام القمع الأسدي، بقي أمامنا الكثير من العقبات، والبداية تكون بالحفاظ على الأمن وتأمين الاحتياجات الأولية للشعب السوري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الحرب، خرجت سوريا منهكة، منهوبة الموارد، بناها الاجتماعية والعائلية مفككة، مدنها مهدمة، وذاكرتها بلون الدم.
كيف نلملم أوجاعنا، ونداوي جروح ذاكرتنا؟
بداية، من خلال مسار عدالة انتقالية وليس انتقامية، الكثيرون كان يمارس عليهم ضغطاً قسرياً، والكثيرون كانوا أدوات لا قرار لهم فيما تم اقترافه. جرح مدينة حماة لم يندمل بسبب عدم الاعتراف بما جرى يومها، والاعتذار عن الجرائم التي ارتُكبت، ومحاكمة مجرمي الحرب حتى لا يرتكبوا جرائم مماثلة، معرفة مصير المغيبين والمغيبات قسراً، الحفاظ على المؤسسات وبناء مؤسسات جديدة، وجيش قوي موحد يضمن السيادة الوطنية، ويساهم في تحرير الأراضي السورية المحتلة، ودستور مدني حديث يعتمد شرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية تكون مرجعاً له، وتشارك في صياغته هيئة تأسيسية من أطياف الشعب السوري كافة، مؤتمر وطني جامع يكون للنساء فيه حضور مساوٍ للرجال، من دون الرجوع إلى مصطلحات مثل الأقلية والأكثرية، نحن؛ رجالاً ونساء، شركاء في المواطنة، ومفهوم الأقلية والأكثرية ينطبق على صناديق الاقتراع والانتخاب، للنساء الحق في الوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي، ومشاركتهن هي أساس الحكم الديمقراطي.
وكما قال صديقي زياد ماجد: “لنا الحق في أن نفرح”، نعم، فرحتنا لن تتأثر بصعوبة الواقع، وغباشة المشهد، وهذا الفرح هو ما يجب أن يدفعنا إلى العمل من دون انتظار، ورفض كل ما يخالف مبادئ الديمقراطية والعدالة، قد يلزمنا الوقت لاستقرار الأمور المعيشية والأمنية، لكن الوقت ليس مبكراً لوضع النقاط على الحروف، وإبداء الرأي في أي ممارسة إقصائية.
سقط الأبد وعاشت سوريا.










