fbpx

سكان حي المكس الإسكندري في مصر… تهجير وراء تهجير

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يقف السكان في منطقة المكس مكتوفي الأيدي حيال القرارات الحكومية التي تحدد مصيرهم في السكن أو التهجير. وتغيب المعلومات الرسمية والتغطية الصحافية عن الوضع هناك، فيما شُردت أسر كثيرة وهُدمت بنايات سكنية عدة ذات الطراز المعماري المميز، ودُمِّرت البنية العمرانية لتلك المنطقة الفريدة، والتي يمتد تاريخها الى أكثر من مائتي عام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ضمن حي العامرية التابع لمحافظة الإسكندرية المصرية، تقع منطقة أُطلق عليها اسم “المكس”، المنطقة التي اشتُقّ اسمها من المكوس، وهي الضرائب، نظراً الى موقعها كميناء رئيسي واستراتيجي في البحر الأبيض المتوسط. يحمل هذا الحي الصغير بين شوارعه الضيقة معاناة حقيقية تكبّدتها الأسر والعائلات فيها بشكل مأساوي. 

يقع حي العامرية غرب المدينة الساحلية، ويغلب عليه الطابع الشعبي البسيط، سواء لجهة البناء أو السكن، إذ يتألف من عدد كبير من الوحدات السكنية التي تكيّفت مع مجرى المياه الممتد من بحيرة مريوط حتى البحر الأبيض المتوسط، فاتخذت منه حداً لعمرانها وموقعاً لبيوتها التي تتراص بتراتبية معينة صنعتها أيدي الناس وحاجتهم في هذا الموقع المائي.

يعمل أهالي المكس في غالبيتهم- والذين يبلغ عددهم وفقاً لآخر إحصاء سكاني سنة 2006، 30 ألفاً و51 نسمة- في الصيد وأعمال البحر، تلك الأعمال التي تتضمّن إصلاح المراكب والسفن وغزل الشباك وغيرها من الأمور المتعلّقة بمهنة الصيد. 

يرجع تاريخ السُكنى في هذا الموقع إلى سنة 1818 ميلادياً، عندما قرر محمد علي باشا، والي مصر، شقّ ترعة المحمودية بهدف ربط الإسكندرية بمجرى نهر النيل “فرع رشيد”، لتسهيل عملية تصدير البضائع من ميناء الإسكندرية. وعلى إثره، اتخذ عدد كبير من الأسر هذا الموقع مقراً لهم وسكنى لأعقابهم، وهو ما تشير إليه المصادر التاريخية، إذ وصل عدد سكان المنطقة سنة 1884 وفقاً لما دوّنه محمد رمزي في القاموس الجغرافي للبلاد المصرية، إلى 417 شخصاً، وضمّ الحي تقريباً 1472 بناية. فضلاً عن هذا، فقد ضمّ المكس فندق زفير وكازينو المكس الشهيرين. 

أُطلق على حي المكس اسم فينيسيا الإسكندرية، وفقاً للتقارير الصحافية التي كُتبت بهدف تسليط الضوء على الحالة العمرانية الفريدة للمكان، إذ تتشابه المنطقة بالفعل من الناحية الظاهرية مع فينيسيا الإيطالية، وهو ما استطاع السكان أن يتفهّموه ويفتخروا به على مدار سنوات سكناهم فيها. فالمنازل تتداخل مع المجاري المائية ويعتمد السكان فيها بشكل رئيسي على المراكب في التنقل. ورغم هذا كله، دخلت منطقة المكس في دوامة من الإهمال المتعمد، انتهت بتهجير قسري للسكان أدى الى تغيير نمط المنطقة العمراني بشكل كامل، فضلاً عن أن المنطقة تعاني من التلوث الشديد بسبب صرف مصانع الأسمنت والبتروكيماويات ومخلفاتها في مجاري المياه داخل المكس. 

تعد منطقة المكس أكثر المناطق الساحلية تلوثاً وفقاً لتقرير خطة العمل البيئي لمحافظة الإسكندرية لسنة 2008، حيث يعاني السكان من مشاكل صحية جسيمة بسبب عمليات التلوث تلك، فضلاً عن قتل الحياة البحرية، وبدلاً من حل مشاكل السكان فيها والنهوض بحياتهم لمستوى أفضل، انتهجت الحكومة سياسة التهجير القسري وتهديد حياة السكان الآمنة والمستقرّة. 

بداية التهجير! 

يحكم سكن أهالي المكس نظامان، النظام الأول هو التملك الكامل للوحدات السكنية، وهي تلك المنازل أو قطع الأراضي التي تملّكها السكان منذ وقت طويل وأقاموا عليها منازلهم في أوقات لاحقة من امتلاكهم إياها.

أما النظام الثاني فهو الإيجار الرمزي الذي يُدفع إلى هيئة الثروة السمكية، التي تمتلك نسبة كبيرة من البنايات السكنية في المنطقة، إذ يدفع الأهالي ما قيمته 60 جنيهاً تقريباً، وتختلف القيمة بحسب المساحة التي يقطنها الساكن وعدد الأدوار وموقع البناية. ذلك كله تحدِّده هيئة الثروة السمكية، المالك الرئيسي لتلك الوحدات السكنية. 

يقطن الأهالي في تلك البنايات منذ زمن طويل، وتتوارثها الأجيال سواء كانت تلك المملوكة أو المؤجرة، حتى باتت هي المقر الرئيسي لهم ولأعقابهم. وكعادة تلك المناطق العمرانية، تمتلك كل أسرة منزلاً قائماً بذاته يتكون من أدوار عدة تسكن فيها أسرة واحدة. وتبلغ مساحة الوحدة السكنية نحو 140 متراً مربعاً، وهي لا تكاد تكفي الأسر في المكس، بخاصة مع كثرة عدد أفرادها. 

وعلى رغم أن سياسة الدولة تجاه هؤلاء السكان تنذر منذ زمن بعيد بعملية تهجير وتضييق على ممارسة مهنتهم بحرية، وأيضاً على العمران، إلا أن التهجير الفعلي بدأ سنة 2015، مع حصر الدولة أعداد السكان في المكس من خلال مناديب تابعين للحكومة، وجّهوا من خلال زياراتهم المتتالية رسائل عن النقل والتقديم في قرعة السكن الجديد. 

ووفقاً لشهادات السكان التي دوّنها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنهم لم يتفهموا طبيعة تلك الرسائل التي وصفوها بعدم الشفافية وخلوّها من أي معلومات دقيقة، إلا أن الأمور استمرت على هذا الوضع حتى كانون الأول/ ديسمبر 2017، إذ بدأت الحكومة بهدم المنازل على شاطئ المجرى المائي ونقل السكان إلى مساكن جديدة مختلفة تماماً عن تلك التي كانوا يقطنونها.

جاء تشييد موقع التهجير وفقاً لوصف الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية بـ”أنها منطقة مصنّفة بالخريطة القومية لصندوق تطوير المناطق العشوائية كمنطقة غير آمنة من الدرجة الثانية، وتم العمل على تطويرها بتكلفة 35 مليون جنيه لتوفير سكن ملائم لـ 1075 نسمة”، وذلك على بعد كيلومتر واحد تقريباً عن الموقع القديم للسكان، بواقع 9 بنايات سكنية تشمل 215 وحدة سكنية. 

إلا أن المعلومات الصحافية المتوافرة على شبكة الإنترنت ووفق تصريحات السكان، فإن مساحة الوحدة السكنية الواحدة تبلغ 45 متراً مربعاً فقط، وهي تمثل بالنسبة إلى الوحدات السكنية السابقة الثلث تقريباً. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة العمرانية للحي الجديد تختلف تماماً عن القديم، إذ كان يمتلك الفرد في المكس وحدة كاملة تشتمل على مخزن لمعداته وأسماكه، فضلاً عن قربها من موقع عمله، وهو “المجرى المائي”. 

وفقاً لتقرير اليوم السابع الذي أُعدّ سنة 2017، فإن السكان الذين أجبروا على التنقل واجهوا مشكلة كبيرة مع الوحدات السكنية الجديدة، تمثّلت ببعدها عن موقع عملهم القديم، والانتقال من وحدة سكنية مملوكة لهم إلى وحدة سكنية مؤجرة لا تضمن لهم الآمان المعيشي، بالإضافة إلى أن الإيجار الشهري مرتفع بالنسبة إليهم، والذي يصل الى 200 جنيه شهرياً، تأتي مقسمة على جزئين: 150 جنيهاً إيجار شهري و50 جنيعاً منفعة خدمات عامة، تزداد تلك القيمة بشكل سنوي ثابت بقيمة 10 في المئة، أي أن القيمة تبلغ اليوم 340 جنيهاً.

ويشترط العقد الذي وقّع عليه السكان من دون خيار أو استشارة، على أنه ليس بالإمكان تغيير الشقة سوى بدفع 10 آلاف جنيه غرامة، فضلاً عن أنه إذا امتنع الساكن عن دفع الإيجار لمدة عام تسقط أحقيته فيها. 

أما المشكلة الأكبر التي اشتكى منها كثيرون، فهي أن بعض الذين هُدمت منازلهم في كانون الأول/ ديسمبر 2017 كخطوة أولى لاستلام شققهم السكنية في مساكن طلمبات المكس، لم يحصلوا على وحداتهم السكنية رغم أنهم وقعوا أو قدموا على القرعة كما حددها لهم موظفو المحافظة، وبالتالي لجأوا إلى تقديم تظلمات، ووفقاً لتقرير مصراوي فإن 19 أسرة قدمت تظلماً لم يُقبل منها إلا واحد. 

تحايل من أجل لقمة العيش

يخضع الصيادون في مصر إجمالاً والصيادون في المكس خصوصاً إلى قوانين عدة تنظّم طبيعة عملهم في البحر، بما فيها التصاريح التي تنظّم عملية ركوب البحر، والتي تنقسم إلى نوعين؛ النوع الأول رخصة صيد تُمنح للصيادين تحديداً لممارسة عملهم في البحر من دون التقيّد بمواعيد محددة، فيما تُمنح رخصة النزهة بهدف التنزّه داخل البحر. وتُمنح تلك الرخص لأصحاب المراكب الذين يرغبون في استغلالها سياحياً، إلا أنها لا تراعي طبيعة عمل الصيادين في أماكن مختلفة، إذ يعاني أهالي منطقة المكس من التعسف الحكومي في منح تلك التصاريح فيما يلجأ كثيرون منهم إلى التحايل عليها لكسب قوت يومهم. 

وفقاً للورقة البحثية التي أصدرها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المعنونة بـ “المكس: فينيسيا الإسكندرية من التهميش إلى التهجير”؛ فإن 15 ألف صياد داخل المنطقة يعانون من عدم الاعتراف بمهنتهم كصيادين بسبب عدم حصولهم على تصاريح صيد داخل البحر، وبالتالي فإنهم يواجهون صعوبة شديدة في ممارستها. 

ترجع جذور تلك المشكلة وفقاً للورقة البحثية، إلى ما يقرب من 20 سنة، حين منعت الدولة تماماً إصدار أي رخص مزاولة مهنة الصيد للسكان في منطقة المكس، وهو أمر تعسّفي اضطرهم إلى اللجوء إلى الحل الآخر والتصريح المؤقت، وهو ترخيص نزهة لمزاولة مهنتهم.

إلا أن المشكلة الرئيسية في هذا التصريح فضلاً عن كونه مؤقتاً وغير دائم، تتمثل في أن الصيادين يتعرضون لمشاكل مستمرة مع أكشاك الحراسة في البحر، حيث يتحكم كشك الحراسة بمواعيد خروج المراكب ذات تصاريح النزهة، ما يضطر الصياد إلى مخالفة القانون بحثاً عن لقمة العيش داخل البحر، وهو الأمر الذي يعرّضه للمساءلة القانونية فضلاً عن الخطر داخل البحر. 

ميناء الإسكندرية الكبير وخطة تهجير أخرى

خلال احتفالية “تطوير ميناء الإسكندرية البحري والمحطة اللوجيستية والأرصفة البحرية”، التي أقيمت في محافظة الإسكندرية في أيلول/ سبتمبر عام 2021، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير النقل الفريق كامل الوزير، استعرض الأخير مشروع تطوير وإنشاء ميناء الإسكندرية الكبير، الذي يشتمل على ثلاثة موانئ كاملة بما فيها ميناء المكس، من دون الحديث عن أي تفاصيل تتعلق بالسكان أو أهالي المنطقة. إلا أن السيسي اقتطع حديثه بسؤاله عن طبيعة المباني التي ظهرت في الصورة التي عرضها، فأجاب بأنها “مساكن أهالي… وكل دا هيتشال يا فندم”، فعلّق السيسي بضرورة تعويض السكان عند إجلائهم من تلك المناطق وإخلائها حتى يكون الظهير الخلفي للميناء مؤمناً بالكامل، فيما لم تصدر أي بيانات صحافية من الرئاسة أو من وزارة النقل أو من الحكومة عموماً عن طبيعة التهجير أو إزالة تلك المساكن. 

وفقاً لخرائط غوغل التي قارناها مع ما عرضه كامل الوزير، فالمقصود بتلك المنطقة تحديداً، هو منطقة المكس الساحلية التي تقع على ساحل البحر بين فنار المكس القديم ولسان المكس، بما في ذلك مشروع التسع بنايات الذي أقيم تعويضاً للسكان عن تهجيرهم من المجرى المائي داخل المكس، أي أنه وفقاً لكلام السيسي والوزير سيتم تهجير السكان مرة أخرى من الموقع نفسه الذي كلف الدولة 35 مليون جنيه لإيوائهم.

 إلا أنه حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، لم يتعرض الأهالي في تلك المنطقة إلى أي تهجير إو إزالة لمنازلهم. وفي آذار/ مارس 2024، أصدر رئيس الوزراء قراراً باعتبار مشروع إنشاء المرحلة الأولى من ميناء المكس من أعمال المنفعة العامة، ويستولي بطريق التنفيذ المباشر لصالح الهيئة العامة لميناء الإسكندرية على الأراضي والعقارات اللازمة لتنفيذ المشروع. 

كان من المزمع الانتهاء من هذا المشروع أواخر 2024، لكن الواقع والصور الأرضية يثبتان أن المشروع لا يزال في مهده الأول، ما يجعل الانتهاء منه في الوقت المحدد سابقاً أمراً مستحيلاً.

ربما كانت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر أخيراً هي السبب وراء تأجيل المشروع حتى الآن. لكن وسط التعتيم وغياب المعلومات، لا توجد بشائر حول مستقبل السكان الذي حدّد مصيرهم السيسي في احتفالية تدشين الميناء الكبير. 

في النهاية، يقف السكان في منطقة المكس مكتوفي الأيدي حيال القرارات الحكومية التي تحدد مصيرهم في السكن أو التهجير. وتغيب المعلومات الرسمية والتغطية الصحافية عن الوضع هناك، فيما شُردت أسر كثيرة وهُدمت بنايات سكنية عدة ذات الطراز المعماري المميز، ودُمِّرت البنية العمرانية لتلك المنطقة الفريدة، والتي يمتد تاريخها الى أكثر من مائتي عام. 

"درج" | 19.07.2024

اغتيال مرهج الجرماني… محاولة لضرب الاحتجاجات السلمية في السويداء

لا شكّ بأن اغتيال مرهج يصب في مصلحة النظام، فهو لم يترك ساحة الاعتصام منذ بداية الثورة العام الماضي، وفي الشهر الماضي احتجز هو وفصيله عشرات الضباط والعناصر التابعين للنظام السوري، على خلفية اعتقال الأجهزة الأمنية شابة من السويداء بسبب نشاطها المدني، وتمكن بالفعل من تحريرها بعملية مقايضة.
04.07.2024
زمن القراءة: 7 minutes

يقف السكان في منطقة المكس مكتوفي الأيدي حيال القرارات الحكومية التي تحدد مصيرهم في السكن أو التهجير. وتغيب المعلومات الرسمية والتغطية الصحافية عن الوضع هناك، فيما شُردت أسر كثيرة وهُدمت بنايات سكنية عدة ذات الطراز المعماري المميز، ودُمِّرت البنية العمرانية لتلك المنطقة الفريدة، والتي يمتد تاريخها الى أكثر من مائتي عام.

ضمن حي العامرية التابع لمحافظة الإسكندرية المصرية، تقع منطقة أُطلق عليها اسم “المكس”، المنطقة التي اشتُقّ اسمها من المكوس، وهي الضرائب، نظراً الى موقعها كميناء رئيسي واستراتيجي في البحر الأبيض المتوسط. يحمل هذا الحي الصغير بين شوارعه الضيقة معاناة حقيقية تكبّدتها الأسر والعائلات فيها بشكل مأساوي. 

يقع حي العامرية غرب المدينة الساحلية، ويغلب عليه الطابع الشعبي البسيط، سواء لجهة البناء أو السكن، إذ يتألف من عدد كبير من الوحدات السكنية التي تكيّفت مع مجرى المياه الممتد من بحيرة مريوط حتى البحر الأبيض المتوسط، فاتخذت منه حداً لعمرانها وموقعاً لبيوتها التي تتراص بتراتبية معينة صنعتها أيدي الناس وحاجتهم في هذا الموقع المائي.

يعمل أهالي المكس في غالبيتهم- والذين يبلغ عددهم وفقاً لآخر إحصاء سكاني سنة 2006، 30 ألفاً و51 نسمة- في الصيد وأعمال البحر، تلك الأعمال التي تتضمّن إصلاح المراكب والسفن وغزل الشباك وغيرها من الأمور المتعلّقة بمهنة الصيد. 

يرجع تاريخ السُكنى في هذا الموقع إلى سنة 1818 ميلادياً، عندما قرر محمد علي باشا، والي مصر، شقّ ترعة المحمودية بهدف ربط الإسكندرية بمجرى نهر النيل “فرع رشيد”، لتسهيل عملية تصدير البضائع من ميناء الإسكندرية. وعلى إثره، اتخذ عدد كبير من الأسر هذا الموقع مقراً لهم وسكنى لأعقابهم، وهو ما تشير إليه المصادر التاريخية، إذ وصل عدد سكان المنطقة سنة 1884 وفقاً لما دوّنه محمد رمزي في القاموس الجغرافي للبلاد المصرية، إلى 417 شخصاً، وضمّ الحي تقريباً 1472 بناية. فضلاً عن هذا، فقد ضمّ المكس فندق زفير وكازينو المكس الشهيرين. 

أُطلق على حي المكس اسم فينيسيا الإسكندرية، وفقاً للتقارير الصحافية التي كُتبت بهدف تسليط الضوء على الحالة العمرانية الفريدة للمكان، إذ تتشابه المنطقة بالفعل من الناحية الظاهرية مع فينيسيا الإيطالية، وهو ما استطاع السكان أن يتفهّموه ويفتخروا به على مدار سنوات سكناهم فيها. فالمنازل تتداخل مع المجاري المائية ويعتمد السكان فيها بشكل رئيسي على المراكب في التنقل. ورغم هذا كله، دخلت منطقة المكس في دوامة من الإهمال المتعمد، انتهت بتهجير قسري للسكان أدى الى تغيير نمط المنطقة العمراني بشكل كامل، فضلاً عن أن المنطقة تعاني من التلوث الشديد بسبب صرف مصانع الأسمنت والبتروكيماويات ومخلفاتها في مجاري المياه داخل المكس. 

تعد منطقة المكس أكثر المناطق الساحلية تلوثاً وفقاً لتقرير خطة العمل البيئي لمحافظة الإسكندرية لسنة 2008، حيث يعاني السكان من مشاكل صحية جسيمة بسبب عمليات التلوث تلك، فضلاً عن قتل الحياة البحرية، وبدلاً من حل مشاكل السكان فيها والنهوض بحياتهم لمستوى أفضل، انتهجت الحكومة سياسة التهجير القسري وتهديد حياة السكان الآمنة والمستقرّة. 

بداية التهجير! 

يحكم سكن أهالي المكس نظامان، النظام الأول هو التملك الكامل للوحدات السكنية، وهي تلك المنازل أو قطع الأراضي التي تملّكها السكان منذ وقت طويل وأقاموا عليها منازلهم في أوقات لاحقة من امتلاكهم إياها.

أما النظام الثاني فهو الإيجار الرمزي الذي يُدفع إلى هيئة الثروة السمكية، التي تمتلك نسبة كبيرة من البنايات السكنية في المنطقة، إذ يدفع الأهالي ما قيمته 60 جنيهاً تقريباً، وتختلف القيمة بحسب المساحة التي يقطنها الساكن وعدد الأدوار وموقع البناية. ذلك كله تحدِّده هيئة الثروة السمكية، المالك الرئيسي لتلك الوحدات السكنية. 

يقطن الأهالي في تلك البنايات منذ زمن طويل، وتتوارثها الأجيال سواء كانت تلك المملوكة أو المؤجرة، حتى باتت هي المقر الرئيسي لهم ولأعقابهم. وكعادة تلك المناطق العمرانية، تمتلك كل أسرة منزلاً قائماً بذاته يتكون من أدوار عدة تسكن فيها أسرة واحدة. وتبلغ مساحة الوحدة السكنية نحو 140 متراً مربعاً، وهي لا تكاد تكفي الأسر في المكس، بخاصة مع كثرة عدد أفرادها. 

وعلى رغم أن سياسة الدولة تجاه هؤلاء السكان تنذر منذ زمن بعيد بعملية تهجير وتضييق على ممارسة مهنتهم بحرية، وأيضاً على العمران، إلا أن التهجير الفعلي بدأ سنة 2015، مع حصر الدولة أعداد السكان في المكس من خلال مناديب تابعين للحكومة، وجّهوا من خلال زياراتهم المتتالية رسائل عن النقل والتقديم في قرعة السكن الجديد. 

ووفقاً لشهادات السكان التي دوّنها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنهم لم يتفهموا طبيعة تلك الرسائل التي وصفوها بعدم الشفافية وخلوّها من أي معلومات دقيقة، إلا أن الأمور استمرت على هذا الوضع حتى كانون الأول/ ديسمبر 2017، إذ بدأت الحكومة بهدم المنازل على شاطئ المجرى المائي ونقل السكان إلى مساكن جديدة مختلفة تماماً عن تلك التي كانوا يقطنونها.

جاء تشييد موقع التهجير وفقاً لوصف الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية بـ”أنها منطقة مصنّفة بالخريطة القومية لصندوق تطوير المناطق العشوائية كمنطقة غير آمنة من الدرجة الثانية، وتم العمل على تطويرها بتكلفة 35 مليون جنيه لتوفير سكن ملائم لـ 1075 نسمة”، وذلك على بعد كيلومتر واحد تقريباً عن الموقع القديم للسكان، بواقع 9 بنايات سكنية تشمل 215 وحدة سكنية. 

إلا أن المعلومات الصحافية المتوافرة على شبكة الإنترنت ووفق تصريحات السكان، فإن مساحة الوحدة السكنية الواحدة تبلغ 45 متراً مربعاً فقط، وهي تمثل بالنسبة إلى الوحدات السكنية السابقة الثلث تقريباً. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة العمرانية للحي الجديد تختلف تماماً عن القديم، إذ كان يمتلك الفرد في المكس وحدة كاملة تشتمل على مخزن لمعداته وأسماكه، فضلاً عن قربها من موقع عمله، وهو “المجرى المائي”. 

وفقاً لتقرير اليوم السابع الذي أُعدّ سنة 2017، فإن السكان الذين أجبروا على التنقل واجهوا مشكلة كبيرة مع الوحدات السكنية الجديدة، تمثّلت ببعدها عن موقع عملهم القديم، والانتقال من وحدة سكنية مملوكة لهم إلى وحدة سكنية مؤجرة لا تضمن لهم الآمان المعيشي، بالإضافة إلى أن الإيجار الشهري مرتفع بالنسبة إليهم، والذي يصل الى 200 جنيه شهرياً، تأتي مقسمة على جزئين: 150 جنيهاً إيجار شهري و50 جنيعاً منفعة خدمات عامة، تزداد تلك القيمة بشكل سنوي ثابت بقيمة 10 في المئة، أي أن القيمة تبلغ اليوم 340 جنيهاً.

ويشترط العقد الذي وقّع عليه السكان من دون خيار أو استشارة، على أنه ليس بالإمكان تغيير الشقة سوى بدفع 10 آلاف جنيه غرامة، فضلاً عن أنه إذا امتنع الساكن عن دفع الإيجار لمدة عام تسقط أحقيته فيها. 

أما المشكلة الأكبر التي اشتكى منها كثيرون، فهي أن بعض الذين هُدمت منازلهم في كانون الأول/ ديسمبر 2017 كخطوة أولى لاستلام شققهم السكنية في مساكن طلمبات المكس، لم يحصلوا على وحداتهم السكنية رغم أنهم وقعوا أو قدموا على القرعة كما حددها لهم موظفو المحافظة، وبالتالي لجأوا إلى تقديم تظلمات، ووفقاً لتقرير مصراوي فإن 19 أسرة قدمت تظلماً لم يُقبل منها إلا واحد. 

تحايل من أجل لقمة العيش

يخضع الصيادون في مصر إجمالاً والصيادون في المكس خصوصاً إلى قوانين عدة تنظّم طبيعة عملهم في البحر، بما فيها التصاريح التي تنظّم عملية ركوب البحر، والتي تنقسم إلى نوعين؛ النوع الأول رخصة صيد تُمنح للصيادين تحديداً لممارسة عملهم في البحر من دون التقيّد بمواعيد محددة، فيما تُمنح رخصة النزهة بهدف التنزّه داخل البحر. وتُمنح تلك الرخص لأصحاب المراكب الذين يرغبون في استغلالها سياحياً، إلا أنها لا تراعي طبيعة عمل الصيادين في أماكن مختلفة، إذ يعاني أهالي منطقة المكس من التعسف الحكومي في منح تلك التصاريح فيما يلجأ كثيرون منهم إلى التحايل عليها لكسب قوت يومهم. 

وفقاً للورقة البحثية التي أصدرها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المعنونة بـ “المكس: فينيسيا الإسكندرية من التهميش إلى التهجير”؛ فإن 15 ألف صياد داخل المنطقة يعانون من عدم الاعتراف بمهنتهم كصيادين بسبب عدم حصولهم على تصاريح صيد داخل البحر، وبالتالي فإنهم يواجهون صعوبة شديدة في ممارستها. 

ترجع جذور تلك المشكلة وفقاً للورقة البحثية، إلى ما يقرب من 20 سنة، حين منعت الدولة تماماً إصدار أي رخص مزاولة مهنة الصيد للسكان في منطقة المكس، وهو أمر تعسّفي اضطرهم إلى اللجوء إلى الحل الآخر والتصريح المؤقت، وهو ترخيص نزهة لمزاولة مهنتهم.

إلا أن المشكلة الرئيسية في هذا التصريح فضلاً عن كونه مؤقتاً وغير دائم، تتمثل في أن الصيادين يتعرضون لمشاكل مستمرة مع أكشاك الحراسة في البحر، حيث يتحكم كشك الحراسة بمواعيد خروج المراكب ذات تصاريح النزهة، ما يضطر الصياد إلى مخالفة القانون بحثاً عن لقمة العيش داخل البحر، وهو الأمر الذي يعرّضه للمساءلة القانونية فضلاً عن الخطر داخل البحر. 

ميناء الإسكندرية الكبير وخطة تهجير أخرى

خلال احتفالية “تطوير ميناء الإسكندرية البحري والمحطة اللوجيستية والأرصفة البحرية”، التي أقيمت في محافظة الإسكندرية في أيلول/ سبتمبر عام 2021، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير النقل الفريق كامل الوزير، استعرض الأخير مشروع تطوير وإنشاء ميناء الإسكندرية الكبير، الذي يشتمل على ثلاثة موانئ كاملة بما فيها ميناء المكس، من دون الحديث عن أي تفاصيل تتعلق بالسكان أو أهالي المنطقة. إلا أن السيسي اقتطع حديثه بسؤاله عن طبيعة المباني التي ظهرت في الصورة التي عرضها، فأجاب بأنها “مساكن أهالي… وكل دا هيتشال يا فندم”، فعلّق السيسي بضرورة تعويض السكان عند إجلائهم من تلك المناطق وإخلائها حتى يكون الظهير الخلفي للميناء مؤمناً بالكامل، فيما لم تصدر أي بيانات صحافية من الرئاسة أو من وزارة النقل أو من الحكومة عموماً عن طبيعة التهجير أو إزالة تلك المساكن. 

وفقاً لخرائط غوغل التي قارناها مع ما عرضه كامل الوزير، فالمقصود بتلك المنطقة تحديداً، هو منطقة المكس الساحلية التي تقع على ساحل البحر بين فنار المكس القديم ولسان المكس، بما في ذلك مشروع التسع بنايات الذي أقيم تعويضاً للسكان عن تهجيرهم من المجرى المائي داخل المكس، أي أنه وفقاً لكلام السيسي والوزير سيتم تهجير السكان مرة أخرى من الموقع نفسه الذي كلف الدولة 35 مليون جنيه لإيوائهم.

 إلا أنه حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، لم يتعرض الأهالي في تلك المنطقة إلى أي تهجير إو إزالة لمنازلهم. وفي آذار/ مارس 2024، أصدر رئيس الوزراء قراراً باعتبار مشروع إنشاء المرحلة الأولى من ميناء المكس من أعمال المنفعة العامة، ويستولي بطريق التنفيذ المباشر لصالح الهيئة العامة لميناء الإسكندرية على الأراضي والعقارات اللازمة لتنفيذ المشروع. 

كان من المزمع الانتهاء من هذا المشروع أواخر 2024، لكن الواقع والصور الأرضية يثبتان أن المشروع لا يزال في مهده الأول، ما يجعل الانتهاء منه في الوقت المحدد سابقاً أمراً مستحيلاً.

ربما كانت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر أخيراً هي السبب وراء تأجيل المشروع حتى الآن. لكن وسط التعتيم وغياب المعلومات، لا توجد بشائر حول مستقبل السكان الذي حدّد مصيرهم السيسي في احتفالية تدشين الميناء الكبير. 

في النهاية، يقف السكان في منطقة المكس مكتوفي الأيدي حيال القرارات الحكومية التي تحدد مصيرهم في السكن أو التهجير. وتغيب المعلومات الرسمية والتغطية الصحافية عن الوضع هناك، فيما شُردت أسر كثيرة وهُدمت بنايات سكنية عدة ذات الطراز المعماري المميز، ودُمِّرت البنية العمرانية لتلك المنطقة الفريدة، والتي يمتد تاريخها الى أكثر من مائتي عام. 

04.07.2024
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية