ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سلاح حزب الله الخفيّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يُظهر التموضع وإعادة التموضع ومجرى الأمور الحالي بعض البديهيات التي تستدعي التوقف عندها في تحليل مآل حزب الله وسلاحه. مخطئ جداً من يعتقد أن تجريد حزب الله من سلاحه ينهي حالة السطوة على القرار اللبناني، وفائض القوة التي يعيشها الحزب ومؤيدوه. فالعلة ليست في السلاح وحده.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يستعيد سحب السلاح ركناً أساسياً من أركان إرساء حكم الدولة والقانون والمؤسسات، نعم بالتأكيد، هذا لا جدال فيه، إنما حالة السطوة التي ينتهجها الحزب ومريدوه لا تنطلق فقط من السلاح، هو جزء منها بالتأكيد. لكن في واقعها، هي حالة مترابطة من أبعاد تراصفت دينياً ومذهبياً وعقائدياً ومجتمعياً، عمل الحزب على إرسائها منذ تأسيسه في كل أدبياته ومنشوراته وإعلامه، باستخدامها كأذرع داخل الطائفة الشيعية والمجتمعات التي دخل إليها من باب حرمانها، ومن باب تخلّي الدولة عنها وانسحابها من مهامها. فوجدت تلك الأبعاد المستمدة من النموذج التشيّعي الإيراني موطئاً دغدغ الشعور المغري لطائفة ما بعد موسى الصدر بالقدرة على العبور من الطائفة “المحرومة” إلى الطائفة “الحارمة”، والمستبدة في سيطرتها على مواقع القرار في الدولة. إضافة طبعاً إلى الخليط المنسوج من حاجة المجتمعات المتوسطية والعربية إلى رومنسيات البطولة والتحدي والثورة المستمرة بشكل لا ينضب.

يقدم حزب الله بذلك نموذجاً متكاملاً من الشعارات والرومنسيات والروحانيات الدينية والمذهبية، يدعمها السلاح في فرض السطوة بالطبع. إنما لن يوقف سحب هذا السلاح وتسليمه للدولة هذه البخترة والسطوة التي بات جمهوره يفرضها من تلقاء نفسه، بدون توجيهات في معظم الأحيان. يكتفي الحزب بتغذيتها عبر خطابه وأذرعه الإعلامية لتعمل بشكل مستقلّ عنه عند الحاجة، فتراهم يتبرعون بالضرب والسحل والهجوم على كل من يخالف هذا النهج ولو فكرياً، من منطلق كل مؤيد غفير، وكل غفير مسؤول عن “حماية البيئة”.

يستلزم تفكيك هذه البنية ودراستها أبحاثاً طويلة، لا يتّسع لها هذا النص، تبدأ من بنية خطاب حزب الله السياسي والأمني، إلى أذرع التعبئة التربوية في المدارس، إلى المؤسسات الإعلامية وقدرتها على طمس معالم الشوارع بالصور والشعارات وصولاً إلى طريقة إدارة الأحياء في الضاحية الجنوبية.

في هذا السياق، ثمة ظاهرة لا يمكن تجاهلها، فهي سلاح حزب الله الثاني، وقد يكون الأخطر بعد السلاح الحربي، منبع كل هذه الخطابات والفوقية والألوهية التي لا تُمسّ، وهالة القدسية التي بناها الحزب لنفسه بنفسه! تلك الآتية جذوراً من نشيده الحزبي. الناظر إلى نشيد حزب الله نفسه، يرى فيه معالم نهج حزب الله كافة في فرض السطوة، حتى يخال إليك أن الحزب لا يتبع “مانيفيستو” سياسياً بل يسير على نهج النشيد حرفياً في ممارساته كافة، الخطابية والسياسية والأمنية والطائفية.

يقول نشيد حزب الله:
“مشينا إلى النصر يوم الكفاح، ومن خلفنا زغردات الجراح، تغني الجراح عطايا السماء، يد الله مدت إلينا السلاح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
بلا صرخة الشعب بالعنفوان، بلا صرخة من تحدي الزمان، من الحق في كل درب بيان، سيعلو على باسطينا الصباح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
بالله أكبر غنى الرصاص، فيا إسرائيل تلقي القصاص، ووقع دمانا صدى للخلاص، ومن طهرها قد نسجنا الوشاح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
سما فتجلى البلاغ المبين، وخط على باقيات السنين، لفينا اندحار قوى المعتدين، وكل العدا في مهب الرياح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
سنبقى ويفنى بنا العدا، نشيد بأرواحنا السؤدد، وللهدي إنا عيون الهدى، أهازيجنا الله عند الفلاح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.”

في التحليل اللغوي والبلاغي فإن مضمون النشيد بحدّ ذاته يعتمد على معجم محدود، لكن مشحون، يمكن تصنيفه إلى حقول رئيسية: الدين والعقيدة: مفردات ترتبط بالإيمان، الوعد الإلهي، الشهادة، والالتزام الأخلاقي. القوة والمواجهة: ألفاظ الصمود، النصر، القتال، التحدي. الهوية والانتماء: الجماعة، الأرض، الوطن، الأمة. الزمن والاستمرارية: دلالات الثبات، الاستمرار، وعدم التراجع.
هذا التركيز المعجمي يخدم غاية التعبئة في تحويل الفعل السياسي إلى واجب أخلاقي مع إلباسه هالة من القداسة تجعله افتراضياً لا يُمس.

ثم في الأسلوب، إذ يعتمد النشيد على أسلوب خبري يُستخدم لتأكيد “حقائق” غير قابلة للنقاش، وإنشائي (النداء، التعهد، القسم الضمني) يُستخدم للتحفيز العاطفي.

الأخطر في مفرداته هو ضمير الجماعة (نحن) الحاضر بقوة، بحيث يذيب الفرد داخل الكيان الجمعي، ويُسقط أي مساحة للحياد أو الفردانية، وهي ما يميز تعامل حزب الله وبيئته مع نفسها، ونظرتها إلى الآخرين من منطلق فوقي.

ثم في شق البلاغة والصور، حيث يستعمل الاستعارة بغية تحويل المقاومة إلى كيان حي (طريق، راية، صوت)، والرموز: الرمز الديني الذي يُستخدم لتجاوز اللحظة السياسية وربطها بالمطلق، والرمز الجغرافي يمنح الصراع طابع “الدفاع الوجودي”، والتكرار الذي ليس فنياً فقط، بل تعبوي يرسّخ الشعارات في الذاكرة السمعية.

في التحليل السياسي يجهد نشيد حزب الله في لوازمه كافة في محاولة بناء الشرعية للأفعال السابقة والحالية والمقبلة، فهو لا يقدم نفسه كنشيد حزب فحسب، بل صوت قضية، وامتداد لعقيدة، وحركة تاريخية لا ظرفية، هذه في ظاهرها وجوهرها تحاول خلق شرعية تتجاوز الدولة والمؤسسات التقليدية إلى شرعية متفلتة من السياسة إلى ما هو “أقدس منها”، ما يجعلها سياسية إنما غير قابلة للنقد والنقاش.

في النشيد أيضاً ثنائيات تتعلق بـ”نحن”و”هم”، أي نحن المؤمنين الصادقين أصحاب الحق، وهم أي العدو الخارجي (من دون تسميته دوماً)، والضمني الداخلي المتّسم بالضعف والتخاذل. هذه الثنائية التي تبسط الواقع السياسي المعقد إلى معسكرين أخلاقيين، تسمح بخفة باللجوء إلى التخوين والمسّ بكرامات المعارضين ووسمهم بالصهينة والخيانة والارتهان، كونهم متخاذلين ضعفاء، وتيسّر الاعتداء عليهم لفظياً وجسدياً ومعنوياً. فترجمة هذا تظهر بشكل جلي في كافة ممارسات حزب الله وبيئته المجتمعية والإعلامية، من خطاب نجومه على السوشيال ميديا، حتى محلّليه السياسيين على الشاشات، مع حرصه دائماً على أبوّته لهم مالياً وسياسياً، ويتمهم تنظيمياً، حيث يمكن التملّص منهم بسهولة.

من متن النشيد أيضاً، تسييس الدين، فالدين في النشيد لا يتخذ المعنى الوعظي، بل يذهب إلى كونه أداة تنظيم سياسي وشعبوي وتعبوي، تُستخدم في تبرير الاستمرار في الصراع بشكل دائم، ويمنح التضحية وأفعالها معنى أعلى من الحسابات السياسية، ما يُخرج أي نقاش سياسي حول التضحيات الجسام والأثمان من دائرة النقد السياسي، بوصفه فعلاً دينياً لطائفة وجماعة وجوهراً من أركان العقيدة.

من غياهب النشيد أيضاً، تغييب الدولة، فالدولة اللبنانية غائبة تماماً لغوياً ووظيفياً، ويُستعاض عنها بمفاهيم الأرض، والشعب، والمقاومة، ما يعكس رؤية سياسية تعتبر الشرعية نابعة من “الوظيفة” المقدسة لحزب الله لا من “الدستور”.

في الوظيفة السياسية للنشيد، يبدو جلياً أنه يعمل كأداة تعبئة داخلية، وأداة توحيد أيديولوجي، وأداة ردع رمزية للخصوم، فهو كنشيد ليس فناً مستقلاً، بل جزء من منظومة خطابية متكاملة.

نعود إلى مكمن الحديث، النشيد كسلاح خفي لا يقل شأناً عن ذلك المعمد بالبارود، يتطابق تحليله لغوياً وسياسياً مع أفعال حزب الله، يحوّل وبشكل مستمر، الصراع السياسي – السيادي إلى التزام أخلاقي – عقائدي، ويحاول إعادة تعريف الشرعية والهوية خارج منطق الدولة.

21.04.2026
زمن القراءة: 5 minutes

يُظهر التموضع وإعادة التموضع ومجرى الأمور الحالي بعض البديهيات التي تستدعي التوقف عندها في تحليل مآل حزب الله وسلاحه. مخطئ جداً من يعتقد أن تجريد حزب الله من سلاحه ينهي حالة السطوة على القرار اللبناني، وفائض القوة التي يعيشها الحزب ومؤيدوه. فالعلة ليست في السلاح وحده.

يستعيد سحب السلاح ركناً أساسياً من أركان إرساء حكم الدولة والقانون والمؤسسات، نعم بالتأكيد، هذا لا جدال فيه، إنما حالة السطوة التي ينتهجها الحزب ومريدوه لا تنطلق فقط من السلاح، هو جزء منها بالتأكيد. لكن في واقعها، هي حالة مترابطة من أبعاد تراصفت دينياً ومذهبياً وعقائدياً ومجتمعياً، عمل الحزب على إرسائها منذ تأسيسه في كل أدبياته ومنشوراته وإعلامه، باستخدامها كأذرع داخل الطائفة الشيعية والمجتمعات التي دخل إليها من باب حرمانها، ومن باب تخلّي الدولة عنها وانسحابها من مهامها. فوجدت تلك الأبعاد المستمدة من النموذج التشيّعي الإيراني موطئاً دغدغ الشعور المغري لطائفة ما بعد موسى الصدر بالقدرة على العبور من الطائفة “المحرومة” إلى الطائفة “الحارمة”، والمستبدة في سيطرتها على مواقع القرار في الدولة. إضافة طبعاً إلى الخليط المنسوج من حاجة المجتمعات المتوسطية والعربية إلى رومنسيات البطولة والتحدي والثورة المستمرة بشكل لا ينضب.

يقدم حزب الله بذلك نموذجاً متكاملاً من الشعارات والرومنسيات والروحانيات الدينية والمذهبية، يدعمها السلاح في فرض السطوة بالطبع. إنما لن يوقف سحب هذا السلاح وتسليمه للدولة هذه البخترة والسطوة التي بات جمهوره يفرضها من تلقاء نفسه، بدون توجيهات في معظم الأحيان. يكتفي الحزب بتغذيتها عبر خطابه وأذرعه الإعلامية لتعمل بشكل مستقلّ عنه عند الحاجة، فتراهم يتبرعون بالضرب والسحل والهجوم على كل من يخالف هذا النهج ولو فكرياً، من منطلق كل مؤيد غفير، وكل غفير مسؤول عن “حماية البيئة”.

يستلزم تفكيك هذه البنية ودراستها أبحاثاً طويلة، لا يتّسع لها هذا النص، تبدأ من بنية خطاب حزب الله السياسي والأمني، إلى أذرع التعبئة التربوية في المدارس، إلى المؤسسات الإعلامية وقدرتها على طمس معالم الشوارع بالصور والشعارات وصولاً إلى طريقة إدارة الأحياء في الضاحية الجنوبية.

في هذا السياق، ثمة ظاهرة لا يمكن تجاهلها، فهي سلاح حزب الله الثاني، وقد يكون الأخطر بعد السلاح الحربي، منبع كل هذه الخطابات والفوقية والألوهية التي لا تُمسّ، وهالة القدسية التي بناها الحزب لنفسه بنفسه! تلك الآتية جذوراً من نشيده الحزبي. الناظر إلى نشيد حزب الله نفسه، يرى فيه معالم نهج حزب الله كافة في فرض السطوة، حتى يخال إليك أن الحزب لا يتبع “مانيفيستو” سياسياً بل يسير على نهج النشيد حرفياً في ممارساته كافة، الخطابية والسياسية والأمنية والطائفية.

يقول نشيد حزب الله:
“مشينا إلى النصر يوم الكفاح، ومن خلفنا زغردات الجراح، تغني الجراح عطايا السماء، يد الله مدت إلينا السلاح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
بلا صرخة الشعب بالعنفوان، بلا صرخة من تحدي الزمان، من الحق في كل درب بيان، سيعلو على باسطينا الصباح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
بالله أكبر غنى الرصاص، فيا إسرائيل تلقي القصاص، ووقع دمانا صدى للخلاص، ومن طهرها قد نسجنا الوشاح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
سما فتجلى البلاغ المبين، وخط على باقيات السنين، لفينا اندحار قوى المعتدين، وكل العدا في مهب الرياح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
سنبقى ويفنى بنا العدا، نشيد بأرواحنا السؤدد، وللهدي إنا عيون الهدى، أهازيجنا الله عند الفلاح، ونمضي على هدي قرآننا، ألا إن حزب الله هم الغالبون.”

في التحليل اللغوي والبلاغي فإن مضمون النشيد بحدّ ذاته يعتمد على معجم محدود، لكن مشحون، يمكن تصنيفه إلى حقول رئيسية: الدين والعقيدة: مفردات ترتبط بالإيمان، الوعد الإلهي، الشهادة، والالتزام الأخلاقي. القوة والمواجهة: ألفاظ الصمود، النصر، القتال، التحدي. الهوية والانتماء: الجماعة، الأرض، الوطن، الأمة. الزمن والاستمرارية: دلالات الثبات، الاستمرار، وعدم التراجع.
هذا التركيز المعجمي يخدم غاية التعبئة في تحويل الفعل السياسي إلى واجب أخلاقي مع إلباسه هالة من القداسة تجعله افتراضياً لا يُمس.

ثم في الأسلوب، إذ يعتمد النشيد على أسلوب خبري يُستخدم لتأكيد “حقائق” غير قابلة للنقاش، وإنشائي (النداء، التعهد، القسم الضمني) يُستخدم للتحفيز العاطفي.

الأخطر في مفرداته هو ضمير الجماعة (نحن) الحاضر بقوة، بحيث يذيب الفرد داخل الكيان الجمعي، ويُسقط أي مساحة للحياد أو الفردانية، وهي ما يميز تعامل حزب الله وبيئته مع نفسها، ونظرتها إلى الآخرين من منطلق فوقي.

ثم في شق البلاغة والصور، حيث يستعمل الاستعارة بغية تحويل المقاومة إلى كيان حي (طريق، راية، صوت)، والرموز: الرمز الديني الذي يُستخدم لتجاوز اللحظة السياسية وربطها بالمطلق، والرمز الجغرافي يمنح الصراع طابع “الدفاع الوجودي”، والتكرار الذي ليس فنياً فقط، بل تعبوي يرسّخ الشعارات في الذاكرة السمعية.

في التحليل السياسي يجهد نشيد حزب الله في لوازمه كافة في محاولة بناء الشرعية للأفعال السابقة والحالية والمقبلة، فهو لا يقدم نفسه كنشيد حزب فحسب، بل صوت قضية، وامتداد لعقيدة، وحركة تاريخية لا ظرفية، هذه في ظاهرها وجوهرها تحاول خلق شرعية تتجاوز الدولة والمؤسسات التقليدية إلى شرعية متفلتة من السياسة إلى ما هو “أقدس منها”، ما يجعلها سياسية إنما غير قابلة للنقد والنقاش.

في النشيد أيضاً ثنائيات تتعلق بـ”نحن”و”هم”، أي نحن المؤمنين الصادقين أصحاب الحق، وهم أي العدو الخارجي (من دون تسميته دوماً)، والضمني الداخلي المتّسم بالضعف والتخاذل. هذه الثنائية التي تبسط الواقع السياسي المعقد إلى معسكرين أخلاقيين، تسمح بخفة باللجوء إلى التخوين والمسّ بكرامات المعارضين ووسمهم بالصهينة والخيانة والارتهان، كونهم متخاذلين ضعفاء، وتيسّر الاعتداء عليهم لفظياً وجسدياً ومعنوياً. فترجمة هذا تظهر بشكل جلي في كافة ممارسات حزب الله وبيئته المجتمعية والإعلامية، من خطاب نجومه على السوشيال ميديا، حتى محلّليه السياسيين على الشاشات، مع حرصه دائماً على أبوّته لهم مالياً وسياسياً، ويتمهم تنظيمياً، حيث يمكن التملّص منهم بسهولة.

من متن النشيد أيضاً، تسييس الدين، فالدين في النشيد لا يتخذ المعنى الوعظي، بل يذهب إلى كونه أداة تنظيم سياسي وشعبوي وتعبوي، تُستخدم في تبرير الاستمرار في الصراع بشكل دائم، ويمنح التضحية وأفعالها معنى أعلى من الحسابات السياسية، ما يُخرج أي نقاش سياسي حول التضحيات الجسام والأثمان من دائرة النقد السياسي، بوصفه فعلاً دينياً لطائفة وجماعة وجوهراً من أركان العقيدة.

من غياهب النشيد أيضاً، تغييب الدولة، فالدولة اللبنانية غائبة تماماً لغوياً ووظيفياً، ويُستعاض عنها بمفاهيم الأرض، والشعب، والمقاومة، ما يعكس رؤية سياسية تعتبر الشرعية نابعة من “الوظيفة” المقدسة لحزب الله لا من “الدستور”.

في الوظيفة السياسية للنشيد، يبدو جلياً أنه يعمل كأداة تعبئة داخلية، وأداة توحيد أيديولوجي، وأداة ردع رمزية للخصوم، فهو كنشيد ليس فناً مستقلاً، بل جزء من منظومة خطابية متكاملة.

نعود إلى مكمن الحديث، النشيد كسلاح خفي لا يقل شأناً عن ذلك المعمد بالبارود، يتطابق تحليله لغوياً وسياسياً مع أفعال حزب الله، يحوّل وبشكل مستمر، الصراع السياسي – السيادي إلى التزام أخلاقي – عقائدي، ويحاول إعادة تعريف الشرعية والهوية خارج منطق الدولة.